مشاهدة النسخة كاملة : حوارات...
rwayda
07-Aug-2008, 11:52 PM
حوارات ..
_______
حوار مع الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم
حوار مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم
حوار مع الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي
حوار مع الشاعر البحريني قاسم حداد
حوار بين محمود درويش وناجي العلي
حوار مع الشاعر المصري محمد عفيفي مطر
حوار مع الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة
حوار مع الشاعر المصري فاروق شوشة
حوار مع الروائي التركي أورهان باموك
حوار مع الروائي المصري يوسف القعيد
حوار مع الكاتب البرازيلي باولو كويلهو
حوار مع الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر
حوار مع المفكر الجزائري محمد أركون
حوار مع الكاتبة نوال السعداوي
حوار مع الشاعر المصري أحمد بخيت
حوار مع الروائي المغربي محمد شكري
حوار مع الروائي الجزائري واسيني الأعرج
حوار مع الروائي المصري علاء الأسواني
حوار مع الروائي السعودي عبدو الخال
حوار مع الروائي المغربي محمد شكري
حوار مع الروائي الجزائري الطاهر وطار
حوار مع الروائي الليبي ابراهيم الكوني
حوار مع الروائي المصري صنع الله ابراهيم
حوار مع المفكر السعودي عبد الله القصيمي
حوار مع الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف
حوار مع الكاتب المغربي الطاهر بن جلون
حوار مع الكاتب السوري محمد الماغوط
حوار مع الكاتب اللبناني بول شاؤول
حوار مع الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة
حوار مع الشاعر إريك بانكي
حوار مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش
حوار مع الشاعر المصري محمد ابراهيم ابو سنة
حوار مع الكاتب التونسي يوسف رزوقة
حوار مع الشاعر العراقي سركون بولص
حوار مع الشاعر الأميركي سام هميل
حوار مع الروائي المصري جمال الغيطاني
حوار مع الروائي المصري ابراهيم اصلان
حوار مع الناقد الأدبي السوري عبد الله ابو هيف
حوار مع الروائي الفرنسي جيل لوروا
حوار مع الروائي التشيكي ميلان كونديرا
حوار مع الشاعر المصري أحمد رامي
حوار مع الروائي المصري نجيب محفوظ
حوار مع الروائي السوري حنا مينا
حوار مع الأديب اليمني عبد العزيز المقالح
حوار مع الشاعر الفرنسي إيف بونفوا
حوار مع الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا
حوار مع الأديبة السورية غادة السمان
rwayda
08-Aug-2008, 12:04 AM
المتعة مضمونة في الحوار مع الشاعر الشعبي العربي المصري الشهير أحمد فؤاد نجم ولا يعرف محاوره من أية نقطة يبدأ. لأن أجوبته دائما تحمل حرارة الحياة وطعم الشعر والتحدي. يحكي نجم ويجيبك عن أي سؤال تطرحه أنت، وتتحمل جريدتك مسؤولية نشره. فلم يعترض، كما يفعل بعضهم، على سؤال متحجّجا أو متحرّجا، بل كان يجيب بتلقائية ساحرة عن أسئلة تنطلق من مواضيعه الشعرية الأثيرة والتي عرف بها، ورحلته الفنية الحميمة مع الشيخ إمام عيسى، وعن علاقاته بأهل الفن والسياسة، وعن شعره الذي سجنه وحرّره في الوقت ذاته، وعن " عزة " التي صارت رمزا للمرأة التي لم ينجح معها إلا شعريا، عن كل هذا تحدث نجم مشيدا بأبي الطيب المتنبي كأعظم شاعر أنجبته امرأة في هذه الدنيا...
* هل يستطيع المثقف العربي اليوم النجاة من السؤال السياسي؟
- من المستحيل أن ينجو المثقف العربي من السؤال السياسي، ولا أي كان ممن يعمل في المجال الفنّي والأدبي عموما، بحيث لا يوجد عمل إبداعي أو فنّي خال من السياسة. فأنت تخرج من البيت وتذهب إلى العمل وتذهب إلى المحلات لتشتري بضاعة... هذا عمل سياسي، وتعاطي لمفهوم السياسة، فالإنسان حيوان سياسي مثلما أشار عدة فلاسفة من العصر القديم أو الحديث، أي لا وجود لمثقف معزول عن السياسة، فالإنسان سياسي بطبعه وبشرط وجوده. فيما يخصني أنا لم أنج من السؤال السياسي، وأرجو أن لا أنجو منه، بل كان هو هاجس الإبداع والشعر بالنسبة لي، بل قدر الشاعر والمبدع العربي عموما أن يكون مسكونا بالسؤال السياسي، خاصة في ظل المراحل التي مرّت بها الأمّة العربية في تاريخها الحديث.
* والسياسة هل يمكن أن تتخلّى عن المثقف، في ظرف ما؟
- إذا كان للمثقف حسابات، وإذا كان المثقف غير ملتزم بقضايا أمّته، وعصره، ويحصر واقعه وسعيه وراء إنجازات ذاتية، شخصية، فسرعان ما يتخلى عنه كل من يحيط به، ويجد نفسه على الهامش معزولا عن الحياة والناس، بمعنى المثقف الذي تتخلى عنه السياسة هو الذي تخلى عنها في بداية وعيه كمثقف، فإن لم يصدّق نفسه كمثقف فسوف تحسم فيه السياسة.
* بأي معنى يظل كل شاعر عربي حفيد شهرزاد اللسانية، وهل يمكن للكتابة أن تتحول إلى مرادف الدفاع عن الحياة؟
- لغاية أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما دمنا أحياء ومتواجدين بين أمّة فأنت نبتة أمة وثقافة، ستظلّ ملتزما بهذا، أن ترى الواقع وتتأمّل فيما حولك: هل هناك عدل؟ هل هناك ظلام؟ هل هناك نور؟... ستظلّ ملزما بإبداء رأيك ومرغما على قول الحقّ، أو تجد نفسك خارج الحياة، أو بالأحرى خارج حياتك.
* هل الكتابة قدر يختارنا أم نختاره؟
- الحقيقة وحسب رأيي الشخصي: هي قدر يختارنا، لكن نوع الكتابة ومضمونها نحن الذين نختاره، فأنا اكتشفت أنني موهوب كشاعر دون اختياري، لكني اخترت.شاعر بماذا؟ شاعر مع من؟ وضدّ من؟ اخترت أن أكون بين الناس، اخترت كيف أمشي متوازنا بما لم أختر؟ بمعنى آخر الكتابة قدر يختارنا لنُبْتلى باختياره طوال حياتنا.
* قصائد أحمد فؤاد نجم صارت لها سلطة، ولها حراس مؤسسة بامتياز، ألا تخاف أن تتحوّل أنت نفسك إلى مؤسسة؟
- لا... لن أتحوّل إلى مؤسسة لأني بلا احتياجات، ليس لي حبّ امتلاك أي شيء، ومثلما تراني هكذا في "جلابيّة" و"شبشب" أذهب إلى أوروبا وأسافر في الوطن العربي هكذا، أنا لا أجوع مثل الناس، أنا كلّما تذكرت الأكل أشرع بالأكل، أي ليست هناك حاجة تستعبدني فأضطر إلى أن أكون مؤسسة حتى ألبّيها، فليست هناك حاجة ملحّة في حياتي ترغمني على التعامل مع المؤسسة، فما بالك بأن أتحوّل أنا إلى مؤسسة.
* الكثير من الشعراء العرب تحولوا إلى مؤسسة بموجب ودونه، هل هي نهاية الشعر أم الإنسان؟
- عندما يتحوّل الشاعر إلى مؤسسة فإنه آليّا ينتهي كشاعر، فإمّا أن يكون شاعرا أو يكون مؤسسة، لأنه من المستحيل أن يوفّق بينهما، فكثيرا من الشعراء العرب فعلا تحولوا إلى مؤسسة، لكنهم انتهوا كشعراء، بل هناك من انتهى كإنسان.
* هل حقّا أن الكتابة منازلة للمكبوت الفردي والجماعي؟ إن كان الأمر كذلك فأي مكبوت تفصح عنه في كتاباتك؟
- أفصح عن الظلم الذي يعاني منه شعبي وأمّتي، أفصح عن الطموح واستشراف المستقبل الأفضل، فعندما يسألونني: هل مازال لديك أمل؟ أقول: نعم، لي أمل. فعندما أطلب من مصر أن تلد مولودا جديدا فهذا ليس بجديد، فهي فعلت أكثر من مرّة في التاريخ، الكلّ يعرف أن الرجل الإغريقي والمؤرخ هيرودوت هو من نقلوا عنه العبارة الخائبة "إن مصر هبة النيل"، النيل موجود في السودان، وفي إثيوبيا أيضا، فمصر ليست "هبة النيل" مثلما قال هذا الإغريقي، إنها هبة المصريين، نعم مصر هبة المصريين، هبة الفلاح المصري. هو دور مصر الحضاري، إنّها شمعة مستقرة في قاع النهر كلّما أظلم العالم تطفو على السطح، هو دور حضاري قامت به من قبل وعبر تاريخها العريق القديم، قامت به أيضا بعد الإسلام وأثناء الإسلام، فأنا لا أطلب منها المستحيل، عندما أطلب منها أن تستيقظ وتلعب دورها الحضاري. فأنا لم أتفاءل من قبل أكثر من تفاؤلي اليوم، عندما تنتهي الأنظمة العربية وينتهي بها الأمر إلى التآكل وإلى الخنوع، إعدام صدام حسين مثلا فضيحة لهم كلّهم، وصدّام ليس صلى الله عليه وسلم، هو حاكم مستبد لكن فقط لأنه أبدى شجاعة أربع دقائق أصبح بطلا، وهو يذكرنا بعبد الناصر الذي كان له ضحايا كثر لكنّه كان شجاعا فسار في جنازته خمسة ملايين من البشر، أما السادات فقد هربوا بجنازته وأخرجوها بطريقة شبه سريّة لما سجّله من خنوع وغياب الشجاعة.
* ألا يكون الفرق الوحيد بين جنازة جمال عبد الناصر وجنازة صدام حسين هو عدد المشيعين؟
- صدّام حسين استحوذ على قلوب الناس، قلوب كل العرب، وذلك الإحساس الرهيب كون أ الإعدام حصل يوم عيد الأضحى، كان بصقة في وجوههم، وهذه البصقة كانت منذ اغتصاب فلسطين وضياع لبنان ثم العراق. فليس بجديد علينا الإهانة ومحاربة مشاعرنا وتحطيم معنوياتنا، لقد تعودنا على الإهانات.
* جيلكم الأدبي اكتوى بنار الشعارات والهتافات، وتآلف مع الخيبات والبطولات الوهمية، في حين أن الجيل الجديد ليس له ما يخسر على الأقل حتى الآن؟
- أنا أراهن على الشباب.. قد تسألني لماذا؟ لأن الشباب العربي من المحيط إلى الخليج ولأول مرّة في التاريخ الحديث يصل إلى التكافؤ، وفرصته خاصة في مجال الانترنت والكومبيوتر.. فأنا قلت مرة لصحيفة "النيويورك تايمز": "بعد عشرة أو عشرين سنة سيبقى أعظم عشرة عباقرة في هذا المجال، وسيبقى منهم ثلاثة عرب على الأقل". فالشباب العربي اليوم بصدد أخذ فرصته في عدة مجالات نحن حرمنا منها.
* هل يمكن للشاعر أن يتخلى عن إنسانيته من منطلق الدفاع عن المصير الإنساني؟
- ليس للناس إحساس واحد بالوجود، فمثلا مكسيم غوركي يقول: "جئت إلى هذا العالم لكي أختلف معه". نحن موجودون ولا بدّ أن يكون لنا ملاحظات على هذا الوجود عبر الأحلام والأمنيات في اتجاه الأفضل. فأنا مثلا أرى أن الإنسان سيّد هذا الوجود، وأيّ قضية يعانيها أو تمسّ من سيادته إنّما هي قضيتي. الإنسان أينما كان هو قضيتي، فمثلا لا أستطيع أن أرى طفلا يتعذب وأنسى ذلك وأتجاوز، تلك هي قضيتي، وعذابه هو عذابي بل مسؤولية مشاعري وإرادتها رغما عني في التفاعل والتماهي مع هذا الطفل المعذّب.
أدب أحمد فؤاد نجم اندمج في الجو السياسي الذي غمر مصر إبّان الثورة، الجو الذي قامت فيه الثورات والبطولات والرّجال. هل يمكن اعتباره العمل الوحيد الذي خرج من صلب التحرّك الجماهيري واندمج فيه بصورة نهائية؟
- لا.. ليس بالعمل الوحيد. هناك الكثير خرجوا من صلب الجماهير ولم يندمجوا في السياسة أو بالأحرى في السلطة. أنا انتظرت، انتظرت مع الناس، انتظرت مع الكوم الكبير إن صحّ التعبير، فاختيار الناس هو الأضمن في الانتظار معهم. هم الأبقى وهم الأشرف.
- كيف ترجمت وفاءك لهذا " الكوم " البشري الذي لا نشك في أنه قد ألهمك كثيرا؟
* طبعا. فمن أين أجيء بالشعر؟ أو من أين جاء صلاح جاهين بالشعر؟ أليس من الآباء والأمهات؟ فهم الذين علّمونا، فاختلافي إلى اللهجة العامية في الوطن العربي لأنها مليئة حكما وبلاغة شبيهة بحكم وبلاغة المتنبّي. عندما أستمع إلى موّال شعبي كأنه المتنبي يغنّي ويتكلّم، مثلا هناك أغنية فلاّحية تقول كلماتها: "يا حلواني بيع الحلاوة اللّي عندك، يا حلواني عضّيتو عضّة وبانت مطرح أسناني، خرّ العسل يا جميل وشربتو بأجفاني"، صورة قد لا يستطيع المتنبي تصويرها. فأنا ابن هذه الصورة وأحيانا هي ابنتي، ابن هذه الثقافة ولي الشرف أن أكون ابن هذه الثقافة. لذا لن أخونها أبدا.. ولو خنتها فإنّي أخون نفسي.. ومزابل التاريخ مستعدّة لاستقبال من يخون ثقافته وأمّته ومن يخون نفسه.
* هل أنت متفائل بمستقبل هذا الجيل، وهل تراهن عليه؟
- نعم.. جيل الانترنت أوفر حظا، وأقلّ حرمانا من جيلنا، وأنا كما ذكرت أراهن عليه كثيرا في تحمّل مسؤولية وجود أقل إهانة، وهزائم وانكسارات من وجود جيلنا، وأخذ زمام الأمور في العناية بالإنسان العربي المهموم. أنا لن أموت إلا إذا رأيت هذا الجيل يحاول إصلاح الوطن ويفرض احترام العالم لنا، حينها سأقول: سلام عليكم، إنني ذاهب.
* هل راودتك ولو مرّة فكرة اغتيال نفسك؟
- لن أفكر في هذا مطلقا. فأنا إنسان أحب الحياة حبّا كبيرا. أنا أحبّ أحمد فؤاد نجم كثيرا.. ولو أستطيع فإني أريد أن أبدأ الحياة من جديد، فإني سأختار أن أكون هكذا، أختار أن أكون أحمد فؤاد نجم اليتيم، الفقير، الذي رفض الخروج من مصر ومن أحلامه ومن معانيها... الذي رفض الخروج من نفسه، ومن حبّه لمصر، وللعرب، وللإنسان، رغم ما عاناه من ظلم. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تمنيت أن أرى رجلا في الجاهلية مثل عنترة بن شداد" وكان يقول للناس: "علّموا أولادكم حديث وشعر هذا الفارس". ثم أريد أن أخبركم شيئا وهو أن أشعر شعراء العرب هم أفرس فرسانهم إن صحّ التعبير، وهي ليست صدفة فالشاعر الذي لا يفهم الفروسية ولا يمارسها ولا يكون رجل القبيلة وحاميها لن يكون شاعرا كبيرا عند قومه. والشاعر الذي لا يكون فارسا بأي طريقة وفي أي مجال فأحرى به أن ينصرف إلى شغل آخر، ينصرف إلى الزراعة أو أي شيء آخر، فالفروسية ولو في الأفكار والمعاني هي شرط الشاعرية.
* هل نحن أمام عمل أدبي يرتهن بمهمّة واحدة هي مخاطبة الجماهير وإعدادها سياسيّا، وكون هذا العمل الأدبي سياسيا صرفا، هل يفقره فنيّا؟
- الحمد لله أنا لا أعاني من الفقر الفنّي في كتاباتي السياسية كما صنّفتها، بالعكس أنا يمكن أن أكون النموذج الفني بالنسبة للذي يريد العمل في السياسة والنضال، إذ لابد أن يكون هناك بعد جمالي. فقد حصل استفتاء حول شعري: هل فيه فنيات أم لا؟ لكن عندما أذهب إلى أي بلد عربي أجد الناس يحفظون شعري، والذي يسعدني ويطربني ويهبني الأمل هو أن الشباب الجديد هو الذي يحفظ شعري، فهم المستقبل وبالتالي يمكن القول إن نفاذ قصائدي عائد إلى اشتغالي عليه فنيا وأدبيا، فالقصيدةبالنسبة لي ليست خطابا سياسيا فقط بل يجب أن تتوفر على الشرط الأدبي والفني الذي يكسبها مكانة في العقول وفي القلوب أيضا، وعندما تقول "هذه قصيدة" يعني آليا فيها فن وإلاّ ما كانت لتعدّ قصيدة.
* هل كتبت في وقت من الأوقات بدافع تحريض الجماهير؟
- طبعا.. مثل قصيدة "شرفت يا نكسن بابا".. كانت طلقة وصرخة لابدّ أن تخرجها في زمنها، لكن الآن عندما تعيد سماعها فإنّك تستمتع بها لأن فيها خيطا يربطك بالدم المصري. فابن البلد بذكائه ليس مغفلا كي يكتب أدبا في خضم واقع سياسي يكون خاليا من الفن، لن يستطيع أن يعيش المرحلة ولا أن يسمعه الناس إذا خرج عن الإطار الفنّي. إنه شرط تصديق الآخرين له، فالناس تميل إلى تكذيب الكلام السياسي الصّرف.
* لكنك اشتهرت بأنك اقتصرت في كتابتك على المسألة الوطنية السياسية؟
- لا.. أنا لم أحصر أعمالي وكتاباتي في الوطنيات والسياسة، بل كتبت في جلّ المواضيع وكتبت بلا شرط ولا إطار. فالكتابة قبل كل شيء حريّة، فلي قصائد في العشق بل مطنبة في الغزل إلى درجة البذاءة، حتى أن أحدهم كان متعاطفا معي قال لي: أشعارك فيها بذاءة. فقلت له: بذاءة أكثر من بذاءة الواقع؟ فردّ: لا.
المرأة هل هي نجمة في سماء نجم؟
- طبعا هي في مكان عال وفي العشق خصوصا. وأنّي أحبّ المرأة جدا، فالمرأة بالنسبة لي في الحياة مثل الهواء الذي أتنفسه والسماء التي أراها، يعني لابدّ أن أتنفسها شعرا، عندما نخاطب المرأة على اعتبارها نصفنا الآخر، لابدّ أن تخاطبها برقّة وقول خال من معاني العنف والشدّة التي توجد أحيانا في الشعر الوطني.
* عزّة.. لعلّها الحكاية الوحيدة التي لن تنتهي؟
- طبعا كل نسائي عزّات. فعزّة صورة كبيرة تحتوي جميع الصور، جميع النساء، هناك امرأة اسمها "جاذبيّة صدقي" وهي رسامة. وكانت هناك كاتبة قصص مصريّة.. كلهنّ عيّوش... كلهنّ جاذبية.. كلهنّ حواء.
* تعني " عزّة بلبع "؟
- عندي قصائد كثيرة فيها عزات متعددة. عزّة ليست واحدة بعينها.
* تعني ليست شخصا؟
- قلت لك أشخاص.. نساء متميزات، وعزّة هي النموذج أو هي المقياس وشبيهاتها كثيرات عندي.
* هل يمكن القول إن الشيخ إمام رحمه الله، احتكرك فلم نعد نسمع أغاني من كلماتك بعد الشيخ؟ وهل صار الملحّنون يخافون منك بعده؟
- لا والله. فالحقيقة التي قد تغيب عن البعض هي العكس تماما. فأنا من احتكر الشيخ إمام، فهو فنان عظيم وفعل ما يعجز عنه الآخرون. الشيخ إمام كان صديق ورفيق محنة وأزمات، فقير مثلي ومظلوم مثلي و" فاهم " مثلي. إنه مظلوم مثل المتنبي بقوله "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم".
* أنا سألتك عن الشيخ إمام ولم تطل الحديث حوله؟
- الشيخ إمام أعماله تتحدث عنه ومواقفه أيضا..
* بعد الشيخ إمام لم تتعامل مع فنان آخر؟
- لا، أنت تعرف شغل المسلسلات والاستوديوهات، عمار الشريعي، ياسر عبد الرحمن، لكن العلاقة ليست حميمة كما هو الحال مع الشيخ إمام.
* ماذا تعلمت من السجون، وهل تذكر سبب دخولك لأول مرة للسجن؟
- العالم سجن كبير في غياب العدل والحرية، السجن علمني أن الوطن كله سجن، السجن فيه قوانين وقيم، فيه الخطأ والصواب. في المجتمع الخارجي تموت القيم وتندلع التناقضات، في السجن أناس رافضين للواقع، متمردين، وكل واحد بأسلوبه الخاص، المثقف بأسلوبه، المدمن بأسلوبه، السارق بأسلوبه والمهرب بأسلوبه، السجن مجتمع له أصوله التي تُحترم. وبخصوص دخولي السجن لأول مرة فكانت بتهمة تزوير أوراق رسمية، كنت زمنها أشتغل في النقل الميكانيكي في العباسية وصادف أن أحببت بنت اسمها نوال وكنت أفكر في الزواج بها، وقتها لم أكن أملك شيئا، كان لي زميل في الشغل اقترح علي وضع ختم على استمارات صرف ملابس من محلات القطاع العام وزورنا هذه الأوراق. كانت المحصلة ثلاثين جنيه وكل عشرة جنيه كلفتنتي سنة، سجنت ثلاثة سنوات وكانت المرة الأولى التي سجنت بها، والمرة الأولى أيضا التي ألتقي فيها بالشيوعيين أمثال عبد الحكيم قاسم وسامي خشب وحسين شعلان.
* كانت أياما سهلة وقاسية بدأت بدار الأيتام، التقيت فيها بعبد الحليم حافظ، هل انقطعت علاقتكما بعدها، خاصة أنه لم تجمعكما أعمالا فنية؟
- الفترة التي قضيتها في دار الأيتام كانت قاسية ومؤلمة، كان عبد الحليم حافظ كذلك معي، عشرة سنوات قضيناها جنبا لجنب، كنت أنام على سرير رقم 95 وهو على سرير رقم 94 كان عبد الحليم طفل منكسر وكان يعاني من مشكل في ساقيه، كانت ساقه غير مستوية، وقع له حادث منذ كان عمره ستة سنوات، وقع عليه باب فأحدث له كسر في ظهره وساقه، وحتى مغادرته للملجأ كانت بسبب حادثة أيضا وقع من فوق سطح ومن المستشفى إلى القاهرة وإلى معهد الموسيقى. في دار الأيتام كنا نغني دائما، عبد الحليم كان يغني "حياتي إنت" وأنا أغني "ما دام بتحب بتنكر ليه"، لكن عندما خرجت كان عبد الحليم بدأ يشتهر وأنا كنت بدأت أكتب، عندما ذهبت إليه تصرف وكأنه لا يعرفني أبدا، رغم أن فترة غيابنا لم تتجاوز شهر.
rwayda
08-Aug-2008, 12:08 AM
سنة 1967 بدأت مسيرتك السياسية والنضالية مع رفيق الدرب الشيخ إمام، وكان العمل الفني الأول المشترك بينكما عبارة عن رسالة؟
- نعم رسالة كتبتها يوم 9 يونيو 1967 وكنا نعتقد أن الجبهة المصرية لا تزال سليمة وواقفة وأن الرجال تقاتل على قناة السويس فكتبت هذه الرسالة:
واه يا عبد الودود..
يا رابض على الحدود ومحافظ على النظام..
كيفك يا واد صحيح؟ عسى الله تكون مليح وراقب للأمام..
أمك هتدعي ليك وهتسلم عليك وتقول بعد السلام خليك جدع لأبوك..
ليقولوا منين جابوك ويمسَّخوا الكلام..
واه يا عبد الودود..
أقول لك وأنت خابر كل القضية عاد..
ولسه دم خيَّك ما شرباش التراب..
حِسَّك عينك تزحزح يدَّك عن الزناد..
خليك يا عبده راصد لساعة الحساب..
آن الأوان يا ولدي ما عاد إلا المعاد..
تِنفَض الشركة واصل ويمزحوا الكلاب..
إن كنت وِلد أبوك تجيب لي ثأر أخوك..
والأهل يبلغوك جميعا السلام.
* كانت هزيمة عام 1967 قاسمة وقاسية وغير متوقعة خيبت كل الآمال والتوقعات، فاجعة أصابت الأمة العربية جمعاء، هزيمة عبد الناصر بكتها كل الشعوب، بكاء أحمد فؤاد نجم وسخطه صاغه شعرا؟
- الحمد لله خبَّطنا تحت بطاطنا
يا محلا راجعة ضباطنا من خط النار
يا أهل مصر المحمية بالحرامية
الفول كثير والطعمية والبر عمار
والعيشة معدن وأهي ماشية آخر آشية
ما دام جنابه والحاشية بكروش وكثار
هتقول لي سينا وما سيناش متدوشناش
ما ستمائة أوتوبيس ماشي شاحنين أنفار
إيه يعني لما يموت مليون
أو كل الكون
العمر أصلا مش مضمون والناس أعمار
إيه يعني في العقبة جِرينا ولاَّ في سينا
هي الهزيمة تنسِّينا إننا أحرار؟
إيه يعني شعب في ليل ظلم وضايع كله
ده كفاية بس لما تقوله إحنا الثوار
وكفاية أسيادنا البُعَدا عايشين سُعَدا
بفضل ناس تملى المعدة وتقول أشعار
أشعار تِمجِّد وِطمَاين حتى الخاين
وإن شاء الله يخربها مداين عبد الجبار.
* قصيدة " بقرة حاحا " كانت سببا لبداية نقمة السلطة عليك في عهد عبد الناصر وسببت لكما المتاعب، أنت والشيخ إمام، لكنك إلى الآن تكن الاحترام لعبد الناصر رغم أنك كنت شيوعيا وعبد الناصر سجن الكثير من الشيوعيين، كيف توفق بين حبك لعبد الناصر وبين انتمائك للشيوعيين؟
- أحببت عبد الناصر مثلما أحب عنترة، وعشقته كعشقي للمتنبي، كانت أمي تبكيه بحزن شديد، قلت لها تبكي على من اعتقل ابنك، قالت لي يا تافه "عمود الخيمة وقع يا حمار". بخصوص الشيوعية أنا لم أكن منظما يعني لم أنخرط في التنظيمات الشيوعية، كنت ممتلئ بالأفكار الشيوعية، ثم من وقف إلى جانب عبد الناصر بعد الهزيمة أليس الاتحاد السوفييتي. عبد الناصر هو بلال الذي أذِّن والدنيا ظلام وقال: حيّ على العروبة.. بعد موته بكثير كتبت له قصيدة كنت وقتها في سوريا:
السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس
والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس
والمشربية عرايس بتبكي والبُكا مشروع
مين ده اللي نايم وساكت والسُكات مسموع
سيدنا الحسين ولاَّ صلاح الدين ولاَّ النبي ولاَّ الإمام
دستور يا حراس المقام ولاَّ الكلام بالشكل ده ممنوع
أنا بأقول أنا مش ضليع في علوم الانضباط
أبويا كان مسلم صحيح وكان غبي
وكان يصلي على النبي عند الغضب والانبساط
أبويا كان فلاح تعيس في ليلة ظلمة خلِّفوه وفي خرقة سوده لفلفوه
وفي عيشة غبرة طلعوه ولصَّموه وطلسموه ودجِّنوه
وجهِّزوه وجوزوه على عماه
فكان مُحيَّر في هواه ما بين أمي وما بين الجاموسة
وكان يخاف يقتل ناموسة وكان خجول خجول
خجول لكنه كان دائما يقول أستغفر الله العظيم من باب الاحتياط
أبويا طلعتوه حمار فكان طبيعي يجيبني جحش
لا أعرف نبي من أجنبي ولا مين ما جاش ولا مين ما راحش
موسى نبي عيسى نبي محمد نبي وكل وقت وله آذان
وكل عصر وله نبي وإحنا نبينا كده من ضلعنا نابت
لا من سَماهم وقع ولا من نارها شابت ولا انخسف له القمر
ولا النجوم غابت أبوه صعيدي وفهم قام طلعه ضابط
ضبط على قدِّنا وعلى المزاج ضابط
فاجومي من جنسنا ما لوش مرا سابت
فلاح قليل الحيا إذا الكلاب عابت
ولا يطاطيش للعِدا مهما السهام صابت
عمل حاجات معجزة وحاجات كثير خابت
وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت
وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت
ولا يطلوه العِدا مهما الأمور جابت.
* سُجنت في عهد عبد الناصر وأيضا في عهد أنور السادات الذي كان رجل العبور قبل أن يقتله عبوره نحو الكنيست الإسرائيلي؟
- السادات كان صاحب مشاكل كثيرة، ويتكلم كثيرا، ويكذب أكثر. عندما كتبت القصيدة لم أذكر اسمه فيها لكني سجنت بسببها سنة كاملة:
هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان من القاهرة
ومن كردفان وسائر بلاد العرب واليابان ومن فنزويلا
وكان من إيران ومن أي دار أو بلد مستباحة للسياحة مع الأمريكان
هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان
نقدم إليكم بكل اللغات مسارح وسيما وجميع الفنون
صحافة ومنابر وتلفزيونات وخطباء في جوامع وجبنة وزتون
ودائما نلعلع في كل الحالات ولا حد سامع ولا يحزنون
وتسمع ما تسمع ده ما يهمناش لأن إحنا أصلا بناكل بلاش
فخليك في نفسك وما تخليناش نسلط عليك القلم واللسان
هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان
يَسُر الإذاعة وما يُسركوش بهذه المناسبة وما بندعيكوش
نقدم إليكم ولا تقرفوش شحاته المعسل بدون رتوش
شبندر سماسرة بلاد العمار
معمر جراسن للعب القمار وخارب مزارع وتاجر خضار
وعقبال أملتك أمير الجيوش ما تقدرش تنكر تقول ما أعرفوش
ما تقدرش أيضا تقول ما أسمعوش
شحاته المعسل حبيب القلوب يزيل البقع أو الهموم والكروب
يأنفد يبلبع حبوب ويفضل يهلفط ولا تفهموش.
* رجاء النقاش، يقول أنا أحب شعر أحمد فؤاد نجم ولكني لم أعد أحب شخصه لأنه يعض كل من وقف إلى جانبه؟
- لا.. أراد تسليمنا للسلطات.. أراد تسليمنا.. فأنا لن أنسى مشهد الشاعر العظيم الراحل محمود حسن إسماعيل عندما ذهبنا إلى مكتبه، عند خروجنا مسك رجاء النقاش من يده وقال له: يا أستاذ رجاء ناشدتك الله هذا شاعر.. ناشدتك الله هذا شاعر.. ناشدتك الله هذا شاعر، قالها ثلاث مرات، أنا لم أفهمها حينها، لأن رجاء النقاش كان في التنظيم الطليعي. بعدها مباشرة قبضوا علينا، عدلي رزق الله يقول له: قبضوا على الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، قال له: لا هذه قضية أخلاقية.
هل كتبت ممنوع من السفر لأنهم فعلا منعوك منه، أم هي حكاية أخرى؟
- نعم.. منعنا من السفر وصلتنا دعوة من وزير الثقافة الفرنسي جاك لونغ أنا وإمام، في المطار قالوا لنا أنتم ممنوعين من السفر، قلت له من الذي منعنا؟ قال لي المدعي العام الاشتراكي. أذكر جواب إمام لما قال لهم: "غريبة إحنا المفروض اللي يمنعنا المدعي العام الرأسمالي "؟. فكتبت:
ممنوع من السفر ممنوع من الغناء ممنوع من الكلام ممنوع من الاستياء ممنوع من الابتسام..
وكل يوم في حبِّك تزيد الممنوعات وكل يوم بأحبك أكثر من اللي فات..
حبيبتي يا مدينة..
حبيبتي يا سفينة متشوقة وحزينة.. متشوقة وسجينة..
مخبر في كل عقدة..عسكر في كل ميناء
يمنعني لو أغيب عليك أو أطير إليكِ
وأستجير بحضنكِ أو أنام في حجرك الوسيع
وقلبكِ الرضيع أعود كما الرضيع بحرقة الفطام..
حبيبتي يا مدينة متزوقة وحزينة في كل حارة حسرة وفي كل قصر زينة..
ممنوع من إني أصبح بعشقكِ أو أبات..
ممنوع من المناقشة ممنوع من السكات..
وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات وكل يوم بأحبك أكثر من اللي فات..
* يقال أن خلافا حدث بينك وبين الشيخ إمام، في فترة من الفترات، هل هذا صحيح؟
- نعم.. نعم صحيح.. حين كنا في باريس بدا يتصرف على أساس إنه عبد الوهاب، قلت له لا أنت جزمتك بعبد الوهاب، لكن وأنت هكذا، لكن عندما ترجع عند عبد الوهاب في حيه، لن تكون شيئا، بعدها قال لي: هل هو جواز نصارى؟ قلت له لا أبدا، قال لي لا أنا أريد أن أستريح، قلت له حقك يا حبيبي، لكن إياك يا إمام تسعى لمهاجمة تجربتنا، وفي باريس عمل على شتمي وإهانتي بطريقة سيئة، قال عني أنه لا يعرف شخصا بهذا الاسم، عرضوا علي الكثير من الشعراء قصائدهم وقد يكون هو من ضمنهم، أنا لا أعرف شخصا اسمه أحمد فؤاد نجم، انظر إلى أين أوصلوه، هو كان رجل طيب.
* من كان السبب؟
- اتصل بي ياسر عرفات في باريس من تونس، وقال لي: لماذا لا تستجموا عندي قليلا؟ قلت له: لا.. لم نسافر للاستجمام يا أبو عمار هذه فرصنا لنشتغل، فقال لي: وأنا أليس لي حق فيكم، قلت له: لك حق لكن يا أبو عمار من خمسة وعشرين سنة وأنت تزور مصر في ضيافة وزير الداخلية، الذي كان معتقلنا، لما لم تسأله عن هذا الحق؟ وفي الأخير خاطبني كرئيس وقال: أفهم من هذا أنك ترفض دعوتي؟ قلت له: افهمها كما تريد بالسلامة. بعدها كنا في الفندق وعندما أفقت لم أجد الشيخ إمام، قالوا لي سافر إلى تونس، وأنت أيضا انتهت إقامتك.. أنقذني الكاتب الطاهر وطار وطالب وزير الإعلام الجزائري أن يساعدني، وغادرت إلى الشام. ما حدث حدث.. وجعي من إمام لأني أحبه، ليس فقط أحبه بل هو جزء مني وأنا جزء منه،كان قاسي جدا، تجربتنا ستعيش وهي موجودة بين أيدي الناس.
* بعض الكتاب العرب اختاروا منافيهم، لكنّك اخترت أن تظلّ – إن صح التعبير - في منفاك الأم؟
- من موقعي أستمدّ بقائي وأهميتي وقوّتي، فما فرطت في مكاني لأسباب أعتبرها واهية، فرسالة الشعر تملي على الشاعر أن يحافظ أوّلا على مكانه، في وطنه وفاء له ولنفسه. ومنفى الوطن مهما كان أجمل من المنافي الأخرى.
* لم تُتم لي رحلتك من احتكارك الموسيقي للشيخ إمام إلى زياد الرحباني الذي لحن لك مؤخرا؟
- زياد الرحباني.. أتمنّى أن أكون فعلا كذلك، فهو "حبيبي" أو ابني رغم المسافة التي بيننا وأتمنى أن يأتي إلى مصر ويبقى معي سنة "حنكسّر الدنيا".
* زياد الرحباني قال:أحمد فؤاد نجم أبي؟
- نعم هو قال هكذا، لكن أبوتي مؤلمة بعض الشيء، خاصة في زمن كهذا. والمرأة التي ولدته هي السيدة فيروز وهي ستّ الكلّ، يحبّها كل الرجال.
* أحمد فؤاد نجم.. هل يؤمن بشاعرية جيله؟
- طبيعي جدّا، فلست أنا الوحيد، فحتى ذلك الذي يبيع شعره ويبيع موهبته أو يؤجرها لا يعني أنه ليس بشاعر. هل تستطيع أن تقول مثلا إن عبد الرحمن الأبنودي ليس شاعرا، إنه شاعر كبير، لكنه سلك طريقا أخرى اختارها أو فرضت عليه.
* من مثلا من هذه الأسماء؟
- ذكرت لك عبد الرحمن الأبنودي. ولا أريد ذكر المزيد، تفاديا للمشاكل وغضب البعض، خاصة الأحياء منهم. المهم أقول للأجيال الجديدة والموهوبين منهم: موهبتكم أمانة عندكم وليس من حقكم بيعها فهي ملك الناس وليست ملكا لكم، فالشاعر الحقيقي لا يملك نفسه مائة بالمائة.
* هل حدث أن تعثرت أو تلعثمت في سيرك العاطفي؟
- لا فأنا كثير الحديث ومحبّ للكلام وحاذق له، فكيف أتعثر أو أتلعثم. وفرضا أني تعثرت فلا أشعر بالخوف فليس لي ما أخاف عليه.
* يعني ليس لك ذكرى عاطفية فاشلة؟
- قد تستغرب عندما أخبرك أن كل تجاربي العاطفية فاشلة. وهذا قدر الشعراء، فأغلبهم تجاربهم العاطفية فاشلة لأنهم فقط شعراء. أي لهم فائض من العواطف يساوي فائض المواقف.
* المرأة هل تستهلكها أم تستلهمها؟
- أستلهمها طبعا، فالمرأة من النعم الجميلة والمقدسة. الأم مثلا هل تستهلكها؟ وهي أكبر نعمة في هذا الوجود، سواء عند البشر أو عند القطط أو عند الكلاب.
* اعترفت بأن كل تجاربك العاطفية فاشلة، أي تجربة تتصور أنك خسرتها في يوم من الأيام؟
- كل التجارب خسرتها، خسرت كل النساء.
* هل تفرح بخسارة النساء وربح الشعر؟
- لا يفرح الإنسان بالخسارة، لكن ما باليد حيلة. وذلك هو الجزء الأهم من عذاب الشاعر في الأرض. فهو مجبول بالخسارة، بل أحيانا تشكل الخسارة نمط حياته، حتى أنه يتعود على ذلك فيصاب بالصدمة إذا ما حقق ربحا من كثرة ما لا يعرفه.
rwayda
08-Aug-2008, 12:12 AM
هل ثمة أوطان قادرة على تغيير حياة الكاتب للأبد؟
- الأوطان لا تغير حياة الكتّاب، فالكاتب وحده المسؤول عن تغيير حياته أو حتى تغيير حياة الآخرين. وطني لا يجعلني أغير حياتي بل أنا وحدي من أقرّر تغيير حياتي، والشاعر الحقيقي هو الذي يملك قرار مصيره ومسيره.
* الثقة بالذات هل هي ضرورية لهذا الحد؟
- نعم لا بد للكاتب أن يثق بذاته حين يشتغل على أدبه. إن ما يقدمه للناس من إبداع هو الذي يمكن أن يغير حياته. فالكاتب الذي لا يملك ثقته بنفسه هو عديم الموهبة من الأصل، والكاتب الذي لا يستطيع أن يملك قرار تغيير حياته كيف يملك قرار تغيير حياة الناس بأدبه.
* هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب؟ أي كتاب قرأته غيّر حياتك أو جزء منها؟
- نعم هناك كتب وأدباء وفنون تغيّر حياة الكاتب. فأنا عندما قرأت رواية "الأم" لمكسيم غوركي أحسست أنني "بني آدم"، ثم كذلك عندما قرأت بيرم التونسي وعندما تطلعت إلى رسوم حجازي. العظماء في الفن والأدب والعلم أحيانا هم من يغيّروا الكاتب.
* ما هي أكثر محطّة أثارتك في حياتك واستفزّتك بشكل مباشر؟
- هزيمة يونيو1967 تلك الهزيمة المهينة. إنها هزيمة مرّة. فقد كنّا محلّقين في السماء ملتفين حول قائدنا ولكن فجعنا بالهزيمة وأثرت فيّ كثيرا مثلما أثّرت في جميع المصريين وعموم العرب... في لحظات ضاع كل شيء ومنينا بهزيمة نكراء.
* هل يحتاج الكاتب إلى تبادل الأدوار - في وقت من الأوقات - إلى تبادل الأدوار مع الحرية، المفترضة في أوطاننا لإنشاء الكون الشعري؟
- مرة صرّحت في التلفزة الفرنسية: أنتم عندكم كثير من الحرية فأعطونا قليلا، فنحن لا نعرفها وليس لنا منها ولو ذرّة، فيظهر نجيب محفوظ ويظهر محمود درويش ويظهر عندنا شعراء وكتاب عظام، فلماذا لا تعيرونا قليلا من الحرية؟
* هل يمكن أن نراهن على بطل عربي من جنس الأدب؟
- هذا هو الذي يجب أن يكون في الواقع لا أن نستشرفه عبر الأحلام الوردية والأمنيات السريالية. يمكن أن تتعثّر ولادته لكن الجيل القادم سيخلق ويبدع هذا النص البطل، فالمراهنة الآن على الشباب مستقبل هذه الأمة والظروف سانحة له ليتحمّل هذه المسؤولية.
* هل تعتقد في وجود قطيعة بين الجيل السابق والجيل اللاحق؟
- هكذا دائما، وأنا أحمّل الجيل السابق المسؤولية. فعندما يصرح الجيل الجديد بأن الجيل الذي سبقه لا يعجبه، فهو محقّ لأن الجيل السابق لم يحتضنه كما يجب ولم يحنُ عليه. نحن في قطيعة أو نعيش قطيعة الأجيال، فالمبدعون العرب لم يتواصلوا زمنيا ومرحليا كما يجب، فالأجيال تعاني من التباعد فيما بينها.
* في بدايتك من أخذ بيدك؟
- بالنسبة لي أخذت بيد نفسي. فقط تأثير ما قرأت وتأثير اهتماماتي وشواغلي هو الذي صنعني.
* أليس ثمة شاعر احتضنك شخصيا؟
-لم يحتضني أحد فرائحتي كانت كريهة تمنع أيا كان من الاقتراب مني وتحيتي من بعيد بحذر، وذلك نتيجة اختياراتي وميولاتي التي لا تروق لهم، " رحتي وحشه ".
* تجربتك التلفزية الأخيرة كيف كان أثرها على الناس؟ وكيف تعاملت معها؟
- تقصد البرنامج الذي أقدمه في قناة "دريم"، فهو الشغل الموازي للتلفزة. نحن نمتلك أداة لنتكلم على سيد درويش وطلعت حرب بكل بساطة حيث لا يحسّ الناس بأن هناك جدارا بينك وبينهم لأنّك بكلّ بساطة أنت معه
أحمد فؤاد نجم كيف تفسر عشقك للمتنبي رغم اختلافك التام معه؟
- وأنا في التلفزة الفرنسية خلال حوار صوّروه في 55 دقيقة، وهذا كثير على أي ضيف، سألني المذيع السؤال البدائي: ما رأيك في باريس؟ فقلت: بشعة. فقال بعد هذا الردّ: نسيت أن أقدّم لكم أحمد فؤاد نجم، إنّه هجّاء العرب المعاصر. فقلت له: شكرا، لأنّك رفعتني إلى الأعلى فأنا مثل جرير أو المتنبي، طبعا لا. فقال لي: أنت تهجو فقط. فقلت له: أنا وصفتها فقط مثلما سألتني فقلت لك بشعة، وأنتم جعلتم من باريس سعادة للآخرين فهيا احمل معي الكاميرا وننزل إلى الشارع، فلن نجد باريسيا واحدا سعيدا، وإذا وجدت فعلا فإنك تكسب الرهان. وقلت له أيضا: إنّا لنا من الهجاء لكم ما يملأ البحار. فقال لي: من نحن؟ قلت له: أنتم لصوص الحضارة، لصوص التاريخ، لصوص الثروات الطبيعية. ثم رددت عليه أيضا بهذين البيتين: رماني الدّهر بالأرزاء حتى/ فؤادي في غشاء من نبال/ فصرت إذا أصابتني سهام/ تكسّرت النّصال على النصال. فقال: الله هذا شعرك؟ فقلت له: أنت قدمتني وقلت إن الذي يقدم هذا الرجل يجب أن يكون على قدر كبير من الثقافة الرسمية والشعبيّة. ثم قلت له: هذا المتنبي. ما وضعه عندكم؟ فقال: كل لغة فيها ثلث لغة المتنبي. فهو ربّ الشعر عندنا.
* هل تعتقد أن المتنبي أفضل شاعر في التاريخ؟
- نعم. هو أشعر بني البشر على الإطلاق. أنا قرأت كل شعراء اللغات الأخرى: بابلو نيرودا، ناظم حكمت، لويس أراغون... الخ وقرأت القديم والحديث، طبعا لم أقرأ كل شيء لكن لم أجد من يضاهي المتنبي.
* بعد أن سقطت كل الأقنعة لماذا تظل لغتك ممنوعة في بعض الدول العربية؟
- إحدى المذيعات سألتني: ما رأيك أنه في موسوعة "عظماء مصر" أنت لست موجودا؟ فقلت لها بوضوح: يعني أن الموسوعة ناقصة لأن أحمد فؤاد نجم ليست مهمته الشتم ثم يمضي، ومشروعي الشعري الذي أنجزته ووهبته عمري سيظل مفخرة لمن بعدي. وقد لمست هذا في أرض الواقع عند جلّ الشباب العربي أينما ذهبت، فالموسوعة إذن ناقصة ومن أعدّها ناقص. أنا بصراحة أقول إن الشعر كلّه ممنوع في الوطن العربي. الفن الحقيقي ممنوع. فنحن في زمن روبي ونانسي وشعبان عبد الرحيم، أليس هذا زمننا وواقعنا؟ أليس هؤلاء هم الرموز الآن؟ فكيف ستتكلم عن الشعر في أمة هؤلاء رموزها؟
* ما هي حجة بعض الأنظمة التي تمنعك من الدخول وقراءة الشعر؟
- يعتبرون لساني سليط وأجيد الشتم بلا سبب.. رغم أن الأسباب جلية حتى للإنسان العادي فما بالك للشاعر.
* بعد ترشحك للرئاسة في مصر، وانقطاعك عن الكتابة لفترة طويلة، أعتقد أنك كتبت قصيدة بمناسبة خطبة ابن الرئيس؟
- مبروك يا عريسنا يا أبو شنة ورنة..
يا وآخذنا وراثة أطلب وأتمنى..
وأخرج من جنة أدخل على جنة..
مش فارقة معانا ولا هرية بَدَنَّا ولا واجعة قلوبنا..
يا عريس الدولة أفرح وإتهنى..
ما أحناش كرهينك لكن هرشينك..
هتكمل دينك وطلع دينَّا.
* في خصوص علاقتك مع دور النشر، ألا ترى أن دور النشر تستغل نجومية أحمد فؤاد نجم؟
- هم يطبعون شعري ويوزعون كتبي، هكذا بكل بساطة وأنا مرتاح. هذا الشعر أليس هو الذي بسببه دخلت السجون، وكان أي واحد يضبطونه ومعه قصيدتي كانوا يسجنونه. فمن ينشر شعري أشكره ولو أملك مالا لأعطيته.
* يعني لا تخالف في حقوقك مع دور نشر؟
- أية حقوق، يكفي أن أفطر وأتغدّى وأتعشّى، أنا لا أحتاج إلى شيء آخر، ولا ينقصني شيء.
* ابن جنّي كان يشرح قصائد المتنبي رغم أنه يكتب الشعر، لكنه لم يقرأه أمام المتنبي طيلة عشرين سنة؟؟
- كيف سيقرأ شعره في حضرة المتنبي، حينما يذكر شعره مثلا، فلا يجرأ على ذلك: كيف يقول بعده وهو القائل: " أنا من نظر الأعمى إلى أدبي / وأسمعت كلماتي من به صمم" وهو القائل أيضا: "وما الدّهر إلا من رواة قصائدي / إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا "، وهو القائل أيضا: " أغاية الدين أن تحفوا شواربكم / يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".
* أستاذ أحمد قصيدتك حول حسن نصر الله ألا تعتقد أنها محاولة لحطّ الرحال في أول انتصار عربي انتظرته طويلا؟
- أنا كتبت غنوة صغيرة، بس لسّه قصيدة نصر الله جوّايا ولازم تطلع. نعم شفت حسن نصر الله؟ ليه الوطن كلّوا معاديه؟ اللي عاوزين يقتلوه العرب موش اليهود.
* ما رأيك في من صرّح بأنها بطولة وهمية؟
- جاسوس أو مـ.... أو حاجه كده.
* جميلة بوحيرد مرة قالت لك " أنا أؤمن بالقنبلة وأنت تؤمن بالكلمة، لذلك لن نتقابل؟؟
- قلت لها أعمل معك حوارا.، قالت لي مستحيل أننا نقعد مع بعضنا، سألتها: لماذا؟ قالت لي أنت تؤمن بالقلم والورقة، وأنا أؤمن بالقنبلة، أجبتها: أنت مجنونة يا جميلة. قالت لي: وأنت مجنون، أليس كذلك؟ قلت لها: آ، كذلك. فقالت: المجد للمجانين في هذا العالم البليد.
rwayda
08-Aug-2008, 12:18 AM
الشاعر الفلسطيني (سميح القاسم)
- الآن، كيف ينظر سميح القاسم إلى تجربته الشعرية، إلى مسيرته الطويلة، هل ندمت على بعض الكتابات؟ هل ثمة كتب لو قُدر لك إعادة كتابتها كنت تلغيها؟
* لا أريد أن أبدو مغرورا ولا أحب الغرور.. وتعرفون أنني بعيد جدا عن سمة الغرور. لكن هناك مسألة أصرّ عليها أعتبرها من حقي الشرعي. أعتقد أني أنقذت الشعر العربي الحديث من عوامل السقوط والتقدِّم والهجانة. أعتقد أنني أجسّد الحداثة الشعرية العربية. إذا كان المقصود الشكل فهذا أمر طبيعي أنا لم أتخلّ عن العمود الكلاسيكي في أي وقت من الأوقات. كتبت قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة والكلاسيكية، الشكل لم يربكني في أي وقت من الأوقات أحب العمودي في الشعر العربي بولع أعشق الأوزان العربية وهي أجنحة حرية وليست قيود كما يدّعي بعض الجهلة الذين لا يتقنون ولا يتمكنون من العروض لا يعرفون سر العروض إذا تحولت الأوزان إلى جزء من نصك الشخصي فهي تصبح أجنحة حرية ليست قيودا على الإطلاق ولذلك أنا مع الحرية المطلقة في العملية الإبداعية ولا أسميها أصولية.
2- هل يستطيع الشاعر الفلسطيني التنصّل من السؤال السياسي؟
* لا يستطيع الشاعر الحقيقي النجاة من جميع الأسئلة، بما فيها السؤال السياسي والاقتصادي والاجتماعي. الشعراء المستنسخون من طراز النعجة "دولي" يستطيعون الاختباء وراء جينات التهجين والهرب من الحياة نارًا ونورًا، عذابًا وحُلمًا. أنا لستُ من هؤلاء كما تعلم ولن أكون منهم وأستذكر دائما قول ماركي أو أنجلس لا أذكر: " ليس لي قَفَا ثور لأديره لهموم الجماهير ". الدعوة لإخراج الشعر من السياسة وإبعاد السياسة عن الشعر، هي في صلبها دعوة سياسية رجعية قبيحة تُريد تجريد الإنسان من أحد أسلحته القوية في الدفاع عن إنسانيته ولن تجد خارج الهم الإنساني شعرا جميلا وإنسانيا. ولتهوين المسألة وتوضيحها أنا أحب النقيضين بيكاسو ودالي. لكني أحترم بيكاسو أكثر ممّا أحترم دالي. وأفضل العمل الفني العظيم بمضمون إنساني عظيم. لا أعترض على نظرية الفن للفن لكني لا أُدخل نباحها إلي بيتي. مع حرية الإبداع لكني أدافع عن الالتزام وأستحضر دائما ما كتبه نيرودا في تقديم منتخبات من أشعار صديقي الراحل الكبير رافائييل ألبرتي، في ذلك التقديم عبارة بسيطة لكنها تعني كل شيء " يخرج الشعر من السلام، كما يخرج الخبز من الطحين ". فالنضال من أجل السلام والحرية هو في عمقه نضال من أجل الشعر. وأستهجن أن يطالبني أحد بتجنب العوامل السياسية وأنا ابن أمة مذبوحة وشعب مغتصب ووطن ضائع، وأعني الوطن الصغير فلسطين، والوطن الكبير من محيطه إلى خليجه. من واجبي تدريب العبيد على الحرية.
ألا تعتقد أن جيلكم الشعري أقل حظا من جيل ما بعد " السلام "؟
* السؤال المطروح عادة يقول أن جيلنا أوفر حظا من الأجيال اللاحقة وهذا الكلام مرفوض.كل جيل يفرز شعراءه وكل جيل يشكل صوته وصورته.
أن لا أقرّ نظرية صراع الأجيال لا في الشعر ولا في أي شيء آخر. أنا أقرّ بتواتر الأجيال، وتكامل الأجيال. الصراع يجري في كل جيل. داخل الجيل الواحد يجري صراع شرس حول الذائقة الفنية والمعنى الإبداعي.
هناك معارك لم تحسم على مرور الأجيال. فكرة السّقف غير القابل للاختراق هي فكرة باطلة في رأيي. البعض يزعمون أن جيلنا شكّل سقفا غير قابل للاختراق وهذا غير صحيح. لدي قناعة أن هناك أصوات عديدة في الوطن العربي تستطيع إثبات وجودها بتقاطيعها الخاصة وملامحها الخاصة. أنا متفائل بهذا المعنى لكن أرفض محاولة تجريد أي جيل من انجازاته الخاصة والمتميزة. وأرفض الروح العدائية التي توجّه من الأجيال الجديدة للأجيال السابقة. حتى في تونس هناك من يحاول تجريد الشابي من مكانه ولا خطيئة للشابي، لم يرتكب جريمة، كان شاعرا فحسب. لم يغتصب مكان أحد، ولم يلغ مكانة أحد. وأنا لم ألغ شاعرا فلسطينيا ولم أمحُ موهبة شاعر، لا فلسطيني ولا تونسي ولا ليبي ولا مصري. فلا مبرّر للعدائية.
4- كيف يتفرّد الشاعر بصوته؟ هل للعوامل التاريخية دور؟ وكيف يصبح مختلفا؟
* أنا قادم فقط بالصدق، الصدق بالمعنى الفني والمعنى الأخلاقي بكل معنى الكلمة والصدق الفني أن يبني قصيدته على مادة تجربته ألا يستعير من الآخرين. وفي الشعر العربي ظاهرة، ظاهرة السرقات، السّطو. حدث ولا حرج. الترجمة والافتعال كلها أمور في نهاية المطاف تلغي شخصية الشاعر. الصدق بالمعنى الفني والأخلاقي واختزال التجربة، لا يوجد شاعر بدون تجربة عميقة وعريضة وطويلة، لا يمكن.. تجربة الحياة بكل ما تعنيه الحياة من خير وشر وحزن وفرح وانجاز وإحباط وحب وكراهية وغضب بدون الإيغال في الحياة بكل صورها وأشكالها لن تنتج تجربة شعرية جديرة بالبقاء ومتميزة.
5- في مستقبل الشعر العربي ربما بعد خمسين سنة هل تتوقع أن يتم العودة القوية أو الحنين القوي إلى القصيدة التي تعتمد نظام الشطرين أو القصيدة العمودية؟
* هي لم تمت حتى نعود إليها موجودة أنت تعرف أنها وُجدت بقوة عند الجواهري وتعرف أنها موجودة عندي أيضا بقوة وبعنفوان. أنا أرفض الادعاء بأن الرواية ستحتل مكانة الشعر وقصيدة النثر ستحتل مكان القصيدة العمودية هذه كلها افتراضات غير دقيقة وغير علمية وغير محسوبة، تستطيع قصيدة النثر أن تتعايش مع القصيدة العمودية إذا كانت هذه القصيدة حقيقية وتلك قصيدة حقيقية لا تناقض بين الأشكال، هذا التناقض مفتعل هو مستورد وهو اختراع الآن في أوروبا يعودون إلى الأشكال الكلاسيكية القديمة في بريطانيا وفرنسا وفي ألمانيا هناك عودة.
كنت قبل حين دعيت إلى جامعة روما أصدروا لي مجموعة باللغة الإيطالية وأقاموا حفلا وأمسية وقرأت واخترت أن أقرأ بعض القصائد العمودية وفوجئت بشعراء إيطاليين يقولون إنهم يعودون إلى الكلاسيك الإيطالي ليس لإخلاء الحديث الإيطالي بل لرغبة التنوع والتعدد والتجدد المستمر وإذا التغى العمود الشعري بالمناسبة هذا يعني زوال التراث الشعري العربي من شعراء الجاهلية إلى المتنبي إلى الجواهري.
6- أقصد دعوة منظمة على غرار ما هو سياسي؟
* لن تنجح، لن تنجح أية دعوة منظمة لن تنجح. جامعة الدول العربية اذا اتخذت قرارا فستفشل وأية دولة ستفشل. في الثقافة وفي الإبداع لا وجود للقرار هناك قرار غربي أمريكي مع بعض التافهين الرجعيين العرب لإلغاء أمور ثقافية كثيرة لكنها لن تنجح.
7- زرت الكثير من المهرجانات الشعرية الدولية، وبطبيعة الحال أنت عربي وزرت الكثير من البلدان العربية، كيف ترى الشعر أو منزلة الشعر وجمهور الشعر العربي بالمقارنة مع الجمهور الغربي. هل تراجع هذا الفن في بلداننا خاصة ونحن أمة يقال أن الشعر هو فنها الأول؟
* قرأت لجماهير أوروبية ليس لعرب في أوروبا، بل دُعيت لأمسيات لجماهير أوروبية ولا أنسى في ستوكهولم حين سلم علي شاعر سويدي وقال " ليتني أملك في السويد جمهورا كجمهورك من السويديين ". في الوطن العربي الشعر مازال سيد الإبداع، وأعتقد أنه سيظل سيد الإبداع إلى قرون. المشكلة في العلاقة: الفضائيات، الانترنت، الفيديو.. كل هذه الأمور قلصت جمهور الشعر بدون شك. لكن هناك مشكلة أيضا في المؤسسة الثقافية ينظمون مهرجانا في عاصمة عربية ولا يضعون ميزانية للإعلان وللإعلام. الشاعر لا يحصل على الاعلان لأمسيته وهذه حالة عربية في أقطار سايس بيكو في حظائر سايس بيكو هناك ظاهرة مرضية التخلي عن الكرامة القومية والسياسية والثقافية. هناك سقوط ثقافي وأنا قلتها في تونس وفي مصر وفي كل مكان أقولها الثقافة خندقنا الأخير كعرب إذا سقط هذا الخندق " كفّك على الضيعة " كما يقال في لبنان. سنتحول إلى ما يشبه أمريكا اللاتينية تلتغي الأمة العربية لنتحول إلى توانسة وليبيين وفلسطينيين ومصريين وعراقيين إلى آخره من بذاءات سايس بيكو، وحراس سايس بيكو معنيون بهذه التجزئة، معنيون بالقضاء على الخندق الثقافي. السؤال هو هل نسمح لهم بذلك أم لا. أنا لا أسمح بذلك، لا أسمح للجامعة العربية مجتمعة بخلخلة الروح القومية العربية الحضارية الراقية في الوطن العربي. مادمت على قيد الحياة أحارب من أجل الدفاع عن كرامتي وعن ثقافتي وعن قصيدتي وعن قصيدتك وعن قصيدته، دفاعا عن وجودنا. لكن القول بزوال الشعر وانتهاء زمن الشعر كلام فارغ يجوز هذا القول في أمريكا اللاتينية. الرواية في أمريكا اللاتينية تفوقت. أصبحت ديوان شعوب أمريكا اللاتينية. لأنهم قدموا نماذج روائية رائعة ومذهلة، قدموا كبار الروائيين في العالم.
ما هي رواياتنا؟ الرواية العربية ما زالت محاولة خجولة لأن تكون رواية بالمعنى التقني للرواية.رواياتنا محاولة تجريب، بحث عن شكل روائي. ادعائنا وغرورنا شيء غير معقول كأن عندنا روائيين بحجم روائيي أمريكا اللاتينية وأوروبا. اليابان عندها روائيين أهم من الروائيين العرب والصين واليونان. من هم الروائيون العرب العظام الذين يلغون الشعر، لا يوجد.
- وماذا ينقص شعرنا ليصبح عالميا؟
* هو عالمي. شعرنا عالمي.
9- ومؤثر؟؟
* ومؤثر أيضا. ماذا يعني مؤثر هل بمعنى نغير قرارات الأمم المتحدة.. هو عالمي ومؤثر.
10- ارتبط حضوركم الشعري في قلوب الجماهير العربية بحضور القضية الفلسطينية، الآن بدأت القضية تنطفئ نوعا ما داخل صدور هذه الجماهير. فمثلا ألا تخاف من زوال مملكتكم الشعرية؟
* ( يضحك ) أخي حضورنا نتشرف ( اسمح لي أتكلم باسمي الشخصي ) أنا أتشرف بأنني قدمت المعادل الشعري للقضية الفلسطينية أتشرف وأعتز بذلك. لكن أرفض الادعاء بأن حضوري الشعري هو لكوني فلسطينيا فقط بسبب القضية. هذا ادعاء باطل أنا موجود في سوريا بقصيدتي، وموجود في تونس بقصيدتي. لو قرأت لكم قصائدي من دون فلسطين وانفض الجمهور من حولي ستكون نظريتك على حق. في تونس يحبون قصيدتي ولا يحبون فلسطين بسببي، ولا يحبونني بسبب فلسطين، يحبون قصيدتي. أنا قرأت في تونس في مسائل ذاتية ومسائل شخصية أكثر مما قرأت عن فلسطين.
11- في فلسطين انطلق صوتكم منذ كتاب الراحل غسان كنفاني، ومنذ اختراق القصيدة، قصيدة سميح ومحمود وسالم جبران ومعين بسيسو وتوفيق زياد خارج الأسر الإسرائيلي، وبعد ذلك نمى جيل شعري فلسطيني بعدكم تحديدا، وهذا الجيل يحسّ بالغبن فكأنّ هذه الأصوات التي سبقته تعترض تقدّمه وتعيق وصوله وتشل خطاه فكيف ترى ذلك؟
* هذا ظلم غير مبرر. كتب في القضية الفلسطينية ربما عشرين ألف شاعر عربي وخمسين ألف شاعر أجنبي. حضور أو بروز أو بقاء بضعة أسماء لا يضير هذه الأسماء. يبدو أن هذه الأسماء أضافت للقصيدة شيئا ليس فقط الموضوع، ليس فقط فلسطين. هناك شعر كثير عن فلسطين مضمونه حق، موقفه صحيح لكنه ليس شعرا، ليس كل ما يكتب في فلسطين وفي الانتفاضة وفي الحرية وفي هذه المواضيع هو شعر جيد. يجب أن نكون منصفين.
12- بتعبير آخر، أدرك أنك ساعدت بعض الشعراء الشباب؟
* أنا ساعدت الجميع من كان قبلي ومن معي ومن بعدي.
13- وكيف كان ردّ فعلهم؟
* أنا لا أنتظر ردود الأفعال، أنا قدمت دراسة مثلا مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام. اشتغلت على هذا الكتاب أكثر من سنة، وقدمت هذا الكتاب وطبع. من ألف سنة من كشاجم الرملي حتى راشد حسين. أرهقت نفسي كثيرا، هو ليس مجانيا لكنني أرهقت نفسي وأصدرت هذا الكتاب. أيضا أصدرت كتابا آخر باسم "الراحلون" لعدد من الشعراء السابقين الذين سبقوا جيلي وقدمت في مهرجانات في دول عربية وفي مهرجانات في العالم عشرات الشعراء والمبدعين والفنانين والرسامين والراقصات والمغنين قدمتهم للعالم من خلال الدعوات الشخصية الموجهة إلي. لم أقصر في هذا المجال وأرفض الظلم كأننا خلقنا سقفا غير قابل للاختراق، لا سقوف في الشعر، لا يوجد سقف غير قابل للاختراق في الشعر. تريدونني أن أتخلى عن تواضعي أنا اخترقت سقف المتنبي وأبو العلاء المعري بقصيدتي. غير صحيح أن هناك سقوف غير قابلة للاختراق.. المعري والمتنبي مع كل احترامي تجاوزناهم في أمور كثيرة، هذا لا يلغي مجدهم وعظمتهم لكنه لا ينبغي أن يلغي انجازنا ودورنا. لا سقوف في الشعر، لا مستحيلات، لا عوائق. أنا ضد العداء، ضد التجني، ضدّ العدائية بين الأجيال أنا مع التكامل كل تجربة تضيف إلى أختها، إلى ما سبقها وإلى ما يليها أيضا.
rwayda
08-Aug-2008, 12:22 AM
14- أنت معروف أو زاد الجمهور معرفة بك بعد أن غنى لك مارسيل خليفة؟
* لا أبدا. مارسيل خليفة أصبح أكبر شهرة وأعز مكانا بعد أن غنى لي. وأشهر ما غنى "منتصب القامة أمشي" هو ارتفع بها دون شك. فأنا لست بحاجة إلى مغنين لقد غنوا لي منذ 1968 و 1967 عندي أكثر من أربعين قصيدة مغناة ولا أتوكأ لا على مارسيل خليفة ولا على فيروز ولا على فريد الأطرش وأم كلثوم. القصيدة تصل، مارسيل ساعدها وساعدته، المغني يأخذ من الشعر والشعر يأخذ من المغني، هذا تعاون وليس استفادة.
15- هل تسمع الأغاني الجديدة الآن؟
* قليل جدا وأنا أحترم ذائقة كل جيل. يبدو أنني أصبحت "موضة" قديمة، يبدو أنني أصبحت "موضة قديمة" في مجال الغناء.
16- بعض الشعراء الفلسطينيين هربوا من وطنهم بتعلّة الشعر، لكني أعتقد أنكم عدتم إلى الوطن كفكرة في قصائدكم؟
* لم أهرب إلى الوطن ولم يهرب زملائي من الوطن. هي أحداث عفوية تحدث، تجري. وبقائي في الوطن ليس من أجل القصيدة لدي بيت جميل على سفح جميل في بلدة جميلة، لدي زيتونات وكروم ومقبرة أجداد ومدرسة طفولة، لدي تاريخ وذكريات وهو وطني. لا أخرج منه إلا جثة هامدة. فقط إذا قتلت أخرج من الوطن. هناك من يريد أن يبعدني عن هذا الوطن هل أقدم له مكافأة أبدا هذا وطن.
17- ثمة من الشعراء الفلسطينيين من هاموا بفكرة السفر والتنقل والإقامة في بلدان أجنبية...( يقطع حديثنا مضيفا):
* يا أخي أنا سافرت وتنقلت وأقمت وغامرت وأحببت وأعرف العالم أكثر من أي كائن على وجه الأرض. أنا أعرف أوروبا أكثر من الأوروبيين، أعرفها من الداخل، من المعرفة " الجوانية ". السفر ضرورة للشعر وللفن لكن لا يتعمد أحد ذلك، أنا لا أتعمد لا أقول سأزور جنوب فرنسا أو سأزور شمال إيطاليا لا أتعمد هذا يحدث، يحدث فحسب كما تحب امرأة، يحدث فحسب هل تضع برنامجا.. في السنة سأحب ثلاث نساء.. لا يوجد برنامج لا في الشعر ولا في الحب ولا في الحياة.. لا توجد برامج، أنا لا أبرمج لشيء وليس لدي مشروع شعري. بعد أن أموت يمكن أن يتحدثوا عن مشروع شعري، مادمت على قيد الحياة ليس لدي مشروع شعري. أنا ضد مقولة المشاريع، بعد أن يموت الشاعر إما أن يكون قد حقق مشروعا أولا.
18- المنفى.. في وقت مَا أصبح "موضة" شعرية يتغنى بها الشاعر...( يقطع حديثنا مضيفا):
* هذا اعتداء على الألم.. هذا الكلام إهانة للألم.. المنفى ليس موضة، المنفى حالة قصرية مؤلمة وموجعة. وإذا كان المقصود محمود درويش فهو متألم وموجع.. لا يتمتع بالمنفى، والمنفى عنده ليس موضة شعرية. في المقابل أريد أن أردّ على من يزعم أن خروج الشاعر من وطنه، أي شاعر وأي وطن يساعده على تفتيح طاقاته الفنية.. هذا كلام سخيف وتافه. لست بحاجة إلى أن أصبح مشردا حتى أبدع في شعر التشرد. الإبداع حالة ذاتية وفردية وتقوم على تجارب وعلى طاقات وعلى تراكم ثقافي ومعرفي ولست بحاجة إلى أن أشارك في الحرب الفيتنامية حتى أكتب عن فيتنام وكتبت عن فيتنام قصائد شهد لها شعراء فيتناميون. المسألة ليست بهذه البساطة.. أنا سأغادر الوطن حتى أكتب عن المنفى، ليست بهذه البساطة.
19- في الجيل الذي عشت فيه، الشاعر يصعد من منابر معينة هناك كجريدة، هناك حادث، هناك منبر أدبي يصعد منه يتابعه الجمهور.كانت هناك مجلة الآداب، وقبلها الرسالة، أبولو.. مجلة شعر.. منابر كثيرة يمكن أن يندلع منها الشعراء أو ينبعون، الآن كيف تتصور الوضع مع وجود الكثير من المجلات والكثير من المنابر ومع ذلك تكاد المواهب والأسماء تكون قليلة. كيف تشخص هذه الوضعية؟
* السؤال هو حول التواصل بين الشاعر والجمهور. في أيام الجاهلية كان التواصل شفاهيا، الناس يحفظون القصيدة ويرددونها، تنتقل بالرواية، التواصل بالشفاهي، في مراحل سابقة كان النقش على الحجر تنقش قصيدة على حجر أو على الفخار كما في بلاد ما بين النهرين يُكتب الشعر على الفخار ويحفظ ويُنقل ويُنسخ، فيما بعد اكتشفوا الطباعة، حديثة. الكتابة على ورق البرد، إذن أساليب التواصل تختلف. الطباعة ليست الوسيلة الأخيرة للتواصل بين الشعر والجمهور، بين الشاعر والجمهور. أعتقد أن الانترنت سيحتل موقع الكتاب، أعتقد ذلك.. لا أحب ذلك.. لا أحب ذلك، أنا أفضل رائحة الورق والحبر وأكتب حتى الآن بالحبر الزائل، أحب حفيف ريشة القلم على الورق، لكن هذا لا يحكم العملية الإبداعية إلى الأبد. أعتقد أن الانترنت سيتحول إلى المنبر الأساسي للشعر وللفن وللغناء ولكل شيء. هكذا أرى التطور.
20- نحن نقدر فيكم هذه الذاكرة الحبرية، لكن الانترنت الآن يسمح لكاتب أن يوزع آلاف النسخ، وملايين القراء حول العالم، ثمة من يبشر بموت الكتاب الورقي وصعود الكتاب الرقمي. إذا كان الكاتب نفسه يستفيد من الانترنت لماذا ندافع عن كتاب ورقي تثبت الرّقمنة، يوميا، ألا مجال له؟
* الكتاب الورقي سيبقى للنخبة، نخبة من القراء، من المهتمين يريدون الاحتفاظ في المنزل بكتاب يعودون إليه من وقت لآخر. في هذا الشهر الفضيل أرجو ألا يساء فهمي: القرآن لا يمكن أن يتحول إلى "ديسكات" على الانترنت فقط، لا بد من كتاب في المنزل، في مكتبة البيت وأعتقد أن الحاجة إلى الكتاب المطبوع ستظل، ستستمر إلى عصور بعيدة لكن شكل التواصل الأساسي لن يكون المنبر ولن يكون الكتاب سيكون الانترنت وهذا طبعا يخلق شيئا من الفوضى فيما مضى كانت المجلة، كان المحرّر ينتقي، الآن على الانترنت لا مجال للانتقاء،كل ما شئت تستطيع أن تعمّمه، ويستطيع أن يراه الملايين ويقرأه الملايين. لست خائفا لأن الملايين ليست من الغباء بحيث تقبل كل شيء أيضا الملايين لديها ثقافتها، لديها درايتها، لديها تلقمها المعرفي وستميز بين الغث والسمين، بين الجيد والرديء، فليصل كل ما يكتبه الناس، دون رقابة، إلى ملايين البشر لكنهم سيختارون في نهاية المطاف على الانترنت أو على الكتاب المطبوع أو على الفخار أو على الحجر، سيختارون ما يستحق البقاء.
21- لكن بإمكان "جاحظ" اليوم ألا يموت تحت حزمة كتبه، بإمكانه أن يضع مكتبته الكاملة في جيبه، على CD؟
* أنا أفضل الموت تحت الكتب، على الموت ذبحا بالـCD .
22- هل صادف أن بحث سميح قاسم عن شيء ما، فعثر عن شيء آخر، تبين أنه هو ذاته الذي يبحث عنه؟
* طبعا.. هذا يحدث لي دائما. دائما.. دائما. مفاجآت الكشف، حتى أثناء كتابة القصيدة تأتيني صور ومعان تفاجئني، تفاجئني تماما. وأخرج منها بجلدي في اللحظة الأخيرة، مثلا في قصيدة " عجائب قانا الجديدة " هنا في تونس أحد الشبان قال أنا سأتشيع حماسة بحسن نصر الله وحزب الله وفي المساء وأنا أكتب هذه القصيدة استكملتها هذه القصيدة في قرطاج وأثبت ذلك في نهايتها (الرامة – قرطاج تموز2006 ) أكملتها هنا وإذا بي أضيف للقصيدة وأعلن أني تشيعت، تشيعت للسنة الظافرة، على دين حرية الصاعدين إلى مذهب الأمم الثائرة.. أخرجت نفسي من هذا المأزق التشيع والتسنن في آخر المطاف الإنسان يتشيع للحرية وللثورة. ليست قضية مذهب. أحيانا أجلس لكتابة رسالة فإذا بي أبدأ بقصيدة أو أجلس لأكتب قصيدة فإذا بي أبدأ مقالة، المفاجأة مستمرة دائما.
23- هل ثمة كتب قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟
* لا.. لا كتاب ولا امرأة ولا رجل ولا شيء قادر على تغيير حياتي إلى الأبد.
24- هل ثمة أوطان قادرة على تغيير حياة الكاتب إلى الأبد؟
* أبدا.. أبدا.. لا أنا صحيح أحب الاثنين لكن أحب الوطن العربي وأحب الكرة الأرضية بالنهاية كلها، ليس عندي تعصب لإقليم ضد إقليم، الكرة الأرضية كلها وطني.
25- يقول بعضهم أن سميح القاسم استفاد شعريا من علاقته بدرويش، في حين محمود درويش لم يستفد من هذه العلاقة؟
* هذا كلام أرصفة.. وكلام سخيف. محمود أخي الأصغر وأعتقد أنه يعتز أنه استفاد مني شعرا ونثرا وسياسة وفكرا ولا أرى غضاضة في أن يستفيد الإخوة أحدهم من الآخر لكن أعتقد أن نتاج الموضوع بين أيديكم يلغي هذا الكلام الذي قالوه نقاد المائة دولار، أنا أسميهم نقاد المائة دولار، تعطيه مائة دولار يجعلك شكسبير وأهم منه. نقاد الكافتريات. ليست لديهم أية قيمة. تجربتي سابقة لتجربة أخي محمود، سابقة في الزمن وسابقة في الحضور. هو لا ينكر أنه استفاد مني بدون شك وإذا كنتم تصرون على أنني أيضا استفدت منه فلا بأس. ولا أعرف أين تترجمون في قصيدتي هذا الادعاء. إذا كنتم تريدون ذلك فليكن. وأستفيد من أي شاعر مبتدئ ومن أي شجرة، أنا أستفيد من الكون كله. قصيدتي تحمل الكون كله.
26- قصائد صارت لها سلطة وحراس مؤسسة بامتياز، ألا تخاف أن تتحول أنت نفسك إلى مؤسسة؟
* أنا قلتها أنا لست مؤسسة، أنا دولة عظمى لكنني لست عضوا في الأمم المتحدة.
27- رأيكم في قصيدة النثر؟
* القصيدة الجيدة هي قصيدة جيدة وأحبها وأحترمها. سواء كانت قصيدة نثر أو تفعيلة أو قصيدة عمودية. جئني بالشعر وسأعانقه. القصيدة التافهة بأي شكل من الأشكال لا تعنيني. تبقى تافهة. الشكل لا يقرر، الخلطة بين الشكل والمضمون والقدرة الإبداعية إما تكون قصيدة أو تكون طُرحا شعريا، غير جدير بالبقاء.
28- هل صادف أن كتبت هذا الشكل – قصيدة النثر -؟
* طبعا.. طبعا كتبت أهم قصائد النثر في الشعر العربي الحديث.
29- كيف تعاطى سميح القاسم مع ما حدث في جنوب لبنان؟
* كما لم يتعاطى أي كائن، والدليل هذا الكتاب " عجائب قانا الجديدة ".
rwayda
08-Aug-2008, 12:26 AM
في بيته بحي الزمالك الراقي بالقاهرة، ومع كوب من الشاي بالنعناع أعده بنفسه لي، فتح الشاعر عبد الرحمن الأبنودي خزانة أسراره، تحدث بحماس واستفاضة عن طفولته ومسيرته الشعرية، وبأسى وشجن تحدث عن ثقافة مصر، وما أصابها من ترد وخواء، في زمن وصفه بـ«زمن الباعة». كما تحدث الأبنودي عن الأغنية وموقفه مما يحدث على ساحتها الآن، ورؤيته لفترة اعتقاله في عهد عبد الناصر، والتي وصفها بأنها كانت فترة جميلة، أدرك من خلالها القيمة الحقيقية للحرية. وتطرق الحديث إلى عدد من قضايا الفن والثقافة. وهنا نص المقابلة:
كيف ترى الآن بدايتك كشاعر، وما هي المحطات الأساسية التي أثرت في رحلتك مع الشعر؟
كان لا بد أن أتخرج من قريتي «أبنود» شاعراً، حيث كل إنسان في هذه القرية يغني. فهم يغنون أثناء العمل، وفي أوقات الراحة وأحيانا يستبدلون الغناء بالشعر. وتجدهم أثناء دورانهم حول السواقي يغنون، وفي أوقات دهس القمح يغنون. والنساء بدورهن حين ينفردن في الدور يغنين تلك البكائيات الرائعة التي أعتبرها من أدبيات الشعر العربي. وفي قريتي حين تقام الأفراح يغنون لأنفسهم ولا يجعلون أحدا من خارج قريتهم يغني بدلاً منهم. كل هذا يعطيك دلالة على أن الغناء هو البطل في هذه القرية. وعندما كنت صغيرا لم أتجاوز الثمانية أعوام، كنت أذهب إلى الغيط لجمع القطن، وإلى الحطابين لجمع السنابل من بقايا الزرع. هذه أعمال كنت أقوم بها وأنا أغني. كنت راعي غنم وجامع قطن وأذهب إلى النهر لأصطاد سمكتي لكي أعيش. كنت فقيراً وكان الغناء دائماً يحاصرني. وحين دخلت المدرسة الابتدائية تفتح أفقي وبدأت أسأل نفسي وأفكر، لماذا لا يدرّسون الأغاني والأشعار في المدرسة؟ وصرت استغرب حين أستمع إلى الراديو وما به من أغانٍ بلا قيمة، في حين ان قريتي كانت تعج بمئات القصائد والأغاني الرائعة.
لكن طموحك كشاعر فاجأك حينما ذهبت إلى القاهرة، وهو ما جعلك تفكر في الكتابة الشعرية الغنائية؟
لم أكن أتخيل أبداً أنني سأذهب إلى القاهرة وأكتب الشعر والأغاني. لكن بعد انتقالي إلى العاصمة، بدأت بعض الصحف والمجلات تنشر قصائدي، والناس في الشوارع يرددون أبياتا من أغنياتي. لم أذهب إلى مطربين لكي يغنوا أشعاري، ولم أفكر في الكتابة بشكل جاد، إلى ان طلبوني في الإذاعة المصرية، واختاروا إحدى أغنياتي المنشورة وأشهرها «تحت الشجر يا وهيبة» التي صنعت نجماً غنائياً كبيرا هو المرحوم محمد رشدي. هنا بدأت علاقتي بالرجل واستمرت حتى آخر يوم في حياته
هل نستطيع أن نقول إن الطبيعة لعبت الدور الأهم في صقل وتنمية موهبتك؟
الطبيعة هي أم لموهبتي وتجربتي. عندما أشعر بالفراغ الفكري، أذهب إلى قريتي أبنود لاستعادة الذاكرة والتشبع. أنا على صلة دائمة بقريتي وأزورها في المناسبات السعيدة وغير السعيدة. هناك ثلاث تجارب في حياتي مهمة، جعلتني مختلفاً عن سائر الشعراء. الأولى هي تجربتي في أبنود. وعندما أتحدث عن تجربة القرية، فأنا لا أتحدث عن تجربة شاهدتها عن بعد، وإنما عايشتها لأنني أحد هؤلاء الفلاحين الذين عرفوا الشقاء ولم يشاهدوه من خلف نافذة زجاجية.
التجربة الثانية: هي السجن، حيث تم اعتقالي في فترة (1966– 1967) مع خيرة المفكرين والأدباء في الوطن العربي، في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر حيث كانت أشواقنا ارتفعت من رؤوسنا، وكان هذا يزعج السلطات. وبرغم أن عبد الناصر كان رئيسا عظيما، كان أسلوب حكمه بوليسيا، وكنا مراقبين في بيوتنا، وفي كل مكان. في المعتقل كان معي الروائي جمال الغيطاني، وصلاح عيسي، والكاتب الأردني غالب هلسا الذي له فضل كبير على جيل الستينيات ولم يأخذ حقه الأدبي. وكان معنا الكاتب أحمد فتحي، والشاعر سيد حجاب، والصحافي محمد العزبي. كنا مجموعة جميلة من خيرة أدباء مصر.
هل كان انعكاس تجربة السجن سلبياً أم ايجابياً على شعرك؟
جدار السجن هو اخر جدار في العالم تستند إليه، لتعرف بالضبط قيمة ما يحتويه البدن من فكر ومواقف. إما أن تحس بالورطة وتفكر في كيفية الخروج منها، أو أن تحس ان هذا هو مكانك الطبيعي الذي تستحقه وهو بمثابة العودة إلى الرحم. تجربة الاعتقال جعلتني أتعرف أكثر على غالب هلسا الذي عرفته كل سجون الوطن العربي. علمتني هذه التجربة ان المبدع الحقيقي سيظل دائما في حالة صدام مع السلطة، لأن المبدع له طموح لا تقف أمامه عوائق. المبدع أفقه أوسع من السياسي ويرغب في الحوار والنقاش، ولكن لا وقت للسلطات البوليسية والعسكرية للحوار، والأفضل عندها أن تحبسه مع لسانه في زنزانة لتتخلص منه. دائما أسأل نفسي من واقع تلك التجربة: كيف بالله يمكنك أن تكتب عن الحرية إن لم تعش تجربة السجن. كنا في الماضي نرسم صورة لقفص حديدي، تخرج منه حمامة، ونقول هذه هي الحرية، لكن الحرية شيء آخر.
لكن ماذا عن التجربة الثالثة؟
هي تجربة الحرب، كيف تكتب عن النضال والصراع والمحاربين وأنت لا تعرف الحرب، هذا لا يصح. هيمنغواي، عاش تجربة الحرب الثانية، وكتب رائعته «وداعا للسلاح». وكثير من الكتاب عندما أرادوا أن يكتبوا عن الحرب ذهبوا إلى مناطق اشتعالها لكي يتعايشوا مع التجربة، ويكتبوا بصدق. وهناك من يكتب عن افريقيا وهو لم يسافر إلى أدغالها، هذا غير مقنع. ولذلك من يكتبون عن الحرب ويصفون وجه الشهيد بأنه مبتسم مخرفون، لأنني رأيت وجوه الشهداء فزعة. ولا يستطيع واحدهم أن يفكر في غير ما هو أمامه. حاولت أثناء وجودي بالحرب أن أستجمع صورة والدتي، ولم أستطع. أثناء وجودي على الجبهة بحرب الاستنزاف لمدة ثلاث سنوات ونصف، استطعت أن أكتب أهم أغنياتي «موال النهار» و«المسيح»، و«بيوت السويس»، وملحمتي «بيوت على الشط». فمصر لا تستشعر روحها في المدن المزدحمة، ولا في القرى الساكنة وإنما في بعض البؤر الخاصة. هذه الروح كانت موجودة أيام عبد الناصر، لكن نفتقدها الآن.
فمثلاً أثناء بناء السد العالي ذهبت إلى هناك وسط العمال والفلاحين، وكتبت أهم دواويني «جوابات حراجي القطن». حين أذهب لأي مكان، لا أدون مذكرات كما يفعل البعض، إنما أعيش التجربة وأنساها، وعندما تنضج الفكرة بداخلي يخرج هؤلاء الناس في صورة قصائد. هذه التجارب الثلاث وهبتني محبة الحرية والحياة، والذي أحب أن أقوله هو أنني هذا الإنسان الذي جاء من قرية بجنوب مصر وفي جيبه ثلاثة جنيهات، وأصبح عنده هذا المنزل، وابنتان، وعاش تجربة الزواج والإنجاب على كبر. إنها تجربة صعبة عندما يكون بينك وبين ابنتك الأولى 45 عاما والثانية 50 عاما. الأولى في الجامعة والثانية في المرحلة الثانوية. أعطيتهما الحرية كاملة، ولم أمارس عليهما الضغوط التي مارسها علي الشيخ الأبنودي حينما قام بتمزيق أول ديوان شعر لي دون أن يسألني، لأنه مكتوب باللغة العامية
لماذا تكتب إذن؟
الكتابة هي المبرر الوحيد لوجودي، فهي تسهل لي أن أفضح المسافة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء. حين أتأمل العمال الذين يبنون ويرصفون الطرق والفلاحين الذين يزرعون ولا يجدون قوت يومهم، حين أتأمل الأطفال المشردين في الشوارع، تصبح الكتابة حينئذ مهمة نبيلة للدفاع عنهم.
هل أنت دائماً مهموم بقضايا الفقراء البسطاء؟
مهموم بكل قضايا الإنسان. لا أدعي معرفتي بكل هموم العالم، ولكن يكفي أن أقوم بقياس الهموم على بسطاء وفقراء قريتي أبنود، وما يحدث الآن في المجتمع المصري من انهيار وفساد، واندماج النظام بالسلطة إلى حد مفزع، وعدم الإحساس بالظلم، وبيع مقدرات الشعب بالمجان، كل هذا يمنحني إيمانا راسخا بعدالة ما أكتب.
هل ترى أنك حققت رؤيتك، ولم تمارس معها نوعا من «التساهل المذنب»؟
لم أخن رؤيتي وحققت أجزاء منها. عشت كثيراً، وفترة الإبداع عندي طويلة فمنذ عام 1956 حتى الآن وأنا أكتب، أي على مدار نصف قرن تقريبا ما زال عطائي مستمرا، ولم يتوقف عند إصداري ثمانية عشر ديواناً، وإنما استطعت أن أجمع «سيرة بني هلال» التي التهمت من عمري ما يقارب الثلاثين سنة، ظللت أبحث عنها في الجبال والنجوع والقرى، وأسافر في البلاد لجمعها. ولولا أن وفقني الله في جمعها في هذا التوقيت ما جُمعت وضاعت. والعجيب أن جابر أبو حسين، هذا الرجل العظيم الذي سجلت معه السيرة الهلالية، مات بعد تفسير السيرة مباشرة. وسيد الضوّ، التلميذ الكبير لجابر أبو حسين، يقوم كل عام في العشرة أيام الأولى من شهر رمضان بإلقاء السيرة في التجمعات الشعبية. الذي يرضيني أن سيرة «بني هلال» أصبحت تدرس في الجامعات الأمريكية والأوروبية في فرنسا وأسبانيا وعدة دول أخرى، وهناك آلاف من رسائل الدكتوراة حولها.
لكنك استفدت مادياً من «سيرة بني هلال»
بالعكس، حين كنت في الستينات فقيراً مثل سائر مثقفي مصر في عهد عبد الناصر، كان عندي جهاز تسجيل ثقيل أحضره لي المرحوم عبد الحليم حافظ. عندما كنت أعلم أن هناك إنسـاناً عنده أشياء مهمة من سيرة بني هلال، أسافر له بالسيارات أو القطار، وبعد ذلك أركب الحمار، لكي أسجل لهذا الشخص. وعندما كنت أجد أحد أبناء هؤلاء الفقراء مريضاً كنت أقوم بالانفاق عليه. وهذا ما جعل الكثير من إخواننا الأكاديميين يهاجمونني، ويقولون أنت الذي جعلت الشعراء يطالبون.
ما حقيقة موقفك من اتحاد الكتاب المصري، وتهديدك بالاستقالة من عضويته؟ هل لهذا الاتحاد من دور في الثقافة المصرية؟
للأسف اتحاد كتاب مصر كان من المفترض أن يؤدي دوراً أفضل مما يؤديه. والحقيقة أن القائمين عليه لا نعرف لهم إبداعا حقيقياً. وكان لي موقف واضح منه منذ إنشائه في السبعينات، ورفضت أن أكون عضوا به، لكن رئيس الاتحاد الكاتب الكبير سعد الدين وهبة رحمة الله عليه، هو الذي تشاجر معي عقب إحدى الأمسيات الشعرية وقال: «هل من المعقول أن أكون رئيساً لاتحاد الكتاب وعبد الرحمن الأبنودي ليس عضواً به، لازم أنا مش عاجبك». على الفور قبلت وشاركت، ولكن سعد الدين وهبة خانني ومات، وترك لي هذه العضوية. فبقيت ثلاث سنوات بعده حتى هانت عليّ روحي ووجدت الحكاية غير مرضية، فكتبت استقالتي وأرسلتها تلغرافياً. وهم يقولون إنني لم أستقل وأرسلت الاستقالة، ولم أذهب إلى هناك وأسحب طلبا وأكتب الاستقالة، ولكن أنا لن أذهب إليهم
rwayda
08-Aug-2008, 12:28 AM
تعايشت مع عبد الناصر والسادات ومبارك، أي من الثلاثة بحق، أقرب الى هموم وأوجاع المصريين؟
لا نستطيع أن ننكر دور الزعيم عبد الناصر. أما عن المآخذ عليه، فأنا أتخيل نفسي رئيس دولة ومن حولي خمسة آلاف من الشخصيات الأمناء الذين أثق فيهم ويقدمون لي التقارير، هل أنزل بنفسي للتحقق من صحة هذه التقارير. عندما يصبح هؤلاء الأمناء ليسوا أمناء، فهم خائنون. نحن لم نخرج من السجن إلا أثناء زيارة وفد برئاسة المفكرة الفرنسية سيمون دي بفوار. فقد رفض الوفد زيارة بلد به أدباء محبوسون، فوعدهم عبد الناصر بأن يفرج عن كل الأدباء، يوم وصولهم إلى مصر، وبالفعل خرجنا. عند اعتقالنا لم توجه لنا تهمة، وفترة الاعتقال كانت جميلة، ولو كنا نعلم بحلاوتها لطلبنا الاعتقال بأنفسنا. ولا ننسى أن عبد الناصر هو الذي قال «ارفع رأسك يا أخي انتهى عهد الاستعباد». كان الفقراء وقت عبد الناصر يأكلون ويشربون وينامون ويحلمون، حتى ان الناس حين كان يموت أبناؤهم في الحروب يخفف الرئيس من حزنهم. عبد الناصر قام ببناء السد العالي، ولولا السد لحدثت كوارث مثلما حدث في السودان. عبد الناصر هو الذي بنى المصانع والقطاع العام، لكن كل ما بناه باعوه الآن. يا من تهاجمون عبد الناصر قولوا لنا: ماذا فعلتم؟ لولا عبد الناصر ما استطاع الفقراء من أمثالي أن يتعلموا. في هذا الزمان الذي يتفاخرون بأنه لم يقصف فيه قلم، هناك خمسة رؤساء تحرير للصحف حُكم عليهم بالسجن، فقط لأنهم نقلوا تساؤلات المصريين عن صحة الرئيس. كانوا يشاهدونه في التلفزيون والجرائد وفجأة اختفى لمدة عشرة أيام. من الطبيعي أن يكتب الصحافيون هواجس الشارع ولا يتم حبسهم. عندما مات عبد الناصر، كان في خزينته 350 جنيها ولو وجدوا عنده مبالغ كبيرة لكانوا قطّعوه. الآن بيعت كل الأشياء التي صنعها عبد الناصر، ولم نعرف قيمة هذا الرجل إلا بعد وفاته، وتولي الأنظمة الأخرى.
هل أنصفك النقاد في مصر؟
لا توجد حركة نقدية حقيقة في مصر. لكن يحتضنني الناس حين يلتقونني في الشارع ويقولون إن الكلام الذي كتبته في مجلة كذا أو جريدة كذا، جيد أو رديء فأستمع إليهم، لأن حبهم هدية وهبة من الله، وهذا لا يأتي من فراغ، وإنما من متابعتهم لإبداعاتي
فيما يستمر إبداعك الشعري بروحه الخاصة، لماذا توقف إبداعك الغنائي واختفت أغنياتك التي طالما هزت المشاعر والوجدان؟
بخصوص الشعر، هناك تجربة فريدة وهي تسجيل دواويني على شرائط كاسيت، أصبحت تُهدى في المناسبات. أما بخصوص الأغنية، نحن جئنا في فترة مهيأة تماماً لكي نصدح، ولم نصدح بكل ما أردنا. الآن لأن الأغنية تحولت إلى سلعة تباع وتشترى، طردني ذلك أوتوماتيكياً من دائرة الأغنية التي أصبحت مثل زجاجة المياه الغازية تشربها وترميها في سلة المهملات أو في عرض الطريق. الأغنية لم يعد لها دور أو هدف أو معنى. إنه زمن الباعة، وليس من حقنا أن نبدي رأينا فيما يباع.
هل أنت راض عن مشوار حياتك؟
الحمد لله، راض عن حياتي وما قدمت من إبداع. لا بد أن تنظر دائماً إلى ما هو قادم ولا تنظر إلى الماضي. قد أكون أحسنت في أشياء وأخطأت في غيرها، ولكن لو انشغلت بتقييمي لماض لشغلت عن ما هو قادم، وهمي دائماً أن أقدم الجديد.
كنت صديقا لنجيب محفوظ كيف تراه الآن؟
كنا نلتقي معاً كل يوم ثلاثاء، في إحدى العوامات، وكنت دائماً أقول له الحمد لله إنك لم تكن شاعراً. كان يضحك ويقول لماذا؟ فأجيبه: ما تكتبه هو أشبه بالشعر ولكن الناس يسمونه رواية، ولو كنت شاعراً لأخذنا حقائبنا وعدنا إلى بلادنا. لقد ترك محفوظ فراغا إنسانيا وأدبيا يصعب تعويض
rwayda
08-Aug-2008, 12:29 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:N8E_df2CqaVdkM:http://static.flickr.com/61/184183641_0667168d24.jpg
دلمــون القصيــدة بمعطــف القـرن الحـادي والعشريـن حاوره من مدينة أور: نعيم عبد مهلهل
قاسم حداد في ليستر سكواير في لندن
تستيقظ دلمون في كل صباح ليقابلها ضوء زمنين تتداخل فيهما رؤى مشتركة لألهة صنعتها الرغبات وأحلام قصائد العشاق. ضوء أور السومرية وضوء البحرين دانة الشاطئ الخليجي وبين البقعتين تخطط الأساطير مشاريع الوصول الى ظل التأريخ بأقل عذاب ممكن، وتلك المهمة لايتحمل مشقتها سوى الشعراء وربما يكون الشاعر قاسم حداد من أولئك بفضل تراث شعري مكنه ليكون في مقدمة نساجي معطف دلمون الذي أرتداه في القرن العشرين وسط تداخلات البدء للعولمة والحروب والاحتلالات وقفزت معه الى القرن الحادي والعشرين . وهو شاعر الجملة الواعية التي كانت ثوريتها مميزة بحدة الصوت وكثافة الصورة ، وهو أيضاً من الذين افترضوا في الشعر كينونتهم الوطنية وجعلوه شكلاً من أشكال المقاومة الحضارية والثقافية ، والذي يقرأ قاسم حداد يكتشف مراحل لاتحصى من نضوج الحلم الدلموني وتحولاته الفكرية التي ولدت من مخاضات لاتحصى في معركة أثبات الوجود ، وهو شاعر يضج بمعجميات الأمكنة وتأريخها فيما تمثل دراما وعي القصيدة عنده رائية لاكتشاف أكثر من هاجس ويصعب جداً أن ترى في شعر قاسم حداد تلاقيات هشه أو مديح لمن لايستحق المديح حتى لو كان نسراً على جبل .
هذا شاعر تتوضح خطاه في قيمة ماينتج ، وتراثه عبارة عن أهرامات من قصائد أزمنته هو بكل ماملكت من قساوة وعسر ومرح ولقد شكل مع مجايله وعياً جديداً وحداثوياً للحركة الشعرية في مملكة البحرين بل وجعلوا هذا الحركة علامة فارقة في تطور الجملة الشعرية وقوتها في زمن كانت شواطئ الخليج تبحث عن ذاكرة الوجود وسط جنون تدفق ناقلات النفط وهموم البحث عن السيادة والتخلص من هيمنة الشركات الكبرى .
في المنامة حيث ركن قاسم حداد مع روحة الرائية لظلال الأشياء اللامعة حتى ببعد سنوات
ضوئية ، هدأت الرجل وركنت الى صوفية حاذقة وتبشرية ذهنية تداف بشئ من حداثة الفلسفة الأثينية المعمولة بخلطة رمل سواحل جزر بلاده المتناثرة في ذاكرته كحبات اللؤلؤ الذي شد به قاسم وجع قصائده الأولى وصنع منها إشراقات واقعية البدء وجدية تعاملها مع الموجود الذي كانت تهيمن عليه عادات الشرق وتقاليده التي لاتحصى والخاضعة أصلاً الى موروث الاستلاب وثورات الحلم منذ مقتل الحسين ومروراً بالقرامطة والزنج وعصيانات القرن الثامن والتاسع عشر وانتهاءاً بعصر التمدن .
ويبدو أن خيار هذه الصوفية قد خلقت كونية واعية لنمط الحداثة الشعرية لقاسم حداد لهذا واستباقاً لكل هذا المجد الشعري الواعي وما أقل الواعين من صاحبي موهبة الشعر كان الحوار معه أشبه بمن يغامر ويصنع في ذاكرته حلم سندباد لسفينة لم تصنع بعد . ولأني صنعت أسئلتي من خلال جهد قراءة مركز لتراث قاسم حداد عبر معرفة ثقافية تعود الى سبعينيات القرن الماضي حملت أسئلتي على أكتاف ذاكرتي وبسطتها أمامه كمن يبسط بضاعة الريش في نهار لا تهدأ الريح فيه .
الشاعر قاسم حداد أنت وكما أراك حساً عائماً في قدرية الامتلاك. وكأن هذا وصف سريالي .ولكنك حتماً ستجد جواباً لمشفرتي.أي أريد منك أن تضع حدود الفهم لقصيدة تولد في رأسك، وأفضل أن تكون من البدايات ؟
الشاعر لا يستطيع الزعم باقتراح حدود (لفهم) قصيدته. ليس لأنه لا يريد أن يفسد حرية قصيدته، ولكن الأهم أنه ليس من الحكمة المجازفة في (إفساد) القارئ. فالعطب سرعان ما ينال من حرية مخيلة القارئ، ليس إزاء قصيدة بعينها، ولكن العلاقة الحرة مع الشعر سوف تتعرض للتنكيل.
فالشعر هو حرية بالدرجة الأولى. وعندما أكتب نصاً ما ليس في برنامجي معنى (مسبقاً) ناجزاً يمكن أن أقترحه (لئلا أقول أفرضه) على القارئ، مطلق قارئ.
بقي أن تدرب (مشفرتك) على تفادي توجيه مثل هذا السؤال للشاعر، فربما ساعدك القارئ على ما تريد أكثر مما تتوقع من الشاعر. وبالمناسبة فنحن عندما نكتب القصيدة أو الشعر فإنما نكتبه للقارئ العاري والمتحرر من (المشافر) وليس للناقد المدجج بها.
الشعرهو ما يذهب بنا الى آخر لا نعرف ملامحه بالضبط سوى أنه قارئ . كيف نصنع ثقافة مميزة لقصيدتنا ؟ هل نرمي الطعم لذاكرة الآخر ونشيد له وعياً لا يمتلكه هو أصلاً ؟ هل نحتفي معه بسعادة نصنعها من أجله ؟ أم أننا نبدع القصيدة ونترك الحبل على الغارب؟
كيف تجرؤ ؟ أنا شخصياً لا أجرؤ القول عن القارئ أنه (لا يمتلك الوعي أصلاً). هذا قول غليظ .. يا نعيم.
ليس من الحكمة الزعم بهذا كما لو أن القارئ هو جاهل مسبقاً. علينا أن نتميز بوعي يمنحنا الثقة في وعي القارئ. أكثر من هذا، فإنني من الذين لا يثقون في ثقافة ومعرفة القارئ فحسب، ولكنني أشعر دائماً في أن ثمة قارئ يتميز بالوعي والمعرفة أكثر من الشاعر. هذه طبيعة أشياء الحياة. فكوني الشاعر قادر (بموهبته) أن يكتب القصيدة فان هذا لا يعني على الإطلاق أنه يمتلك المعرفة والثقافة أكثر من سواه، وربما أكثر من القارئ خصوصاً. ولا ينبغي الصدور أبدا عن هذا الوهم لئلا نسهم في تكريس الفجوة بين النص الآخرين.
في سؤالك ثمة تعال لا يليق بمن يضع أدواته النقدية الجديدة في موضع الصقل والتجربة الجديدة. مما يستدعي الصدق و المسؤولية التنبيه برصانة حميمة الى أننا غير مهيئين الى خذلان إضافي ونحن نأمل في الأصوات النقدية الشابة وهي تقترح علينا حوارها المختلف.
لقد عانت تجاربنا من بعض الأوهام القاتلة من بين أخطرها تلك النظرة الدونية للقارئ، الى حد أن ثمة من تلقى فكرة (موت) القارئ لكي يؤثث موقفه الفض تجاه الآخر، مبالغاً في الوهم بأن الشاعر هو نبي المعرفة و الوعي لا يستطيع أحد فهمه وليس بين القراء من يمتلك ثقافته. أية روح يمكن أن تقود الشاعر و المثقف الى هذه النظرة ؟
شخصياً، اشعر بالقلق الكبير تجاه أجيال الشباب وهي تستورد مثل هذه المنظورات من أسلافهم المعاصرين، وتواصل المزاعم نفسها مكرسة القطيعة (المتوهمة) ذاتها. لابد لكم أن تكترثوا جيدا وعميقاً بما يصادفكم في التراث المعاصر أكثر من اكتراثكم بتركة التراث القديم.
غاستون بلاشار يقول : المكان هو من يصنع مادة الذهن . ماذا يفعل الزمان للذهن إذن ؟ ولكي أقربك من وعي العبارة سنأخذ قصيدتك { ماتيسر من سورة الخليج والدماء } وهي كتبت عام 1970 . أنا درست رائية الثورة في هذه القصيدة وكان صوتها يتحدث عن مكان هو البلاد وبعض شخوص لكن الزمن ينفلت الى أكثر من مكان . ماذا تقول ؟
تلك القصيدة ليست نص مكان فقط ، ولكنه خصوصاً نص زمان. وربما هذا السبب هو ما جعلها أقل قدرة على الاستمرار (النوعي) في تجربتي الفنية. ها أنت تتشبث بالنص بوصفه (ذاكرة)، في حين ينبغي لك، (كقارئ خاص أولاً وكنزوع نقدي ثانياً) أن تتصل بالنص بوصفه (مخيلة) بالدرجة الأولى. في الشعر، تظل الذاكرة هي العنصر الأكثر قدرة على العبور العميق
للزمان والمكان وهي بالمناسبة من النصوص التي لم يتضمنها أي كتاب شعري لي لأسباب فنية، هي بالضبط من النصوص التي (تقول) وليس من النصوص التي (تحلم). وها أنت تقول أنك درست فيها رائية الثورة.
إنني مدين لتلك القصيدة ومرحلتها بالكثير من دروس الثورة على غير صعيد.
أعمالك الأولى { البشارة ، خروج رأس الحسين ، قلب الحب.. } تميزت بمرحلة الانفلات الذي لا يخشى. أنا قرأت خروج رأس الحسين وكنت طالباً في المتوسطة. خلتك تدعو الى ثورة جديدة وتشهر استلاب الذات العربية بجرأة قد تحسد عليها . هل بقيت تلك الجذوة موجودة كما في كتب السبعينيات ؟
عليك أن تسال النص دائماً، لأن الشخص مشحون بالمزاعم التي ليست فوق مستوى الشك.
الشعر يمنح الإنسان مشاعر تتراوح بين الأحلام والأوهام بصورة غاية في الخطورة. وأخشى أنه كلما كثرت المزاعم ندرت الأشعار. بالطبع لا اخفي أنني تواق للمغامرة لا أزال، دون أن يكون هذا التوق ناجحاً على الدوام، لأن احتمالات الفشل تكون أكثر كلما تقدم الكائن في السن والتجربة. لكن من المؤكد أنني سوف أتذكر كلما قالتها ليلى صاحبة قيس عندما سألوها في عمر متقدم، ما ذا كانت جذوة الحب لا تزال ، فأجابتهم: إن الشهوة موجودة ولكن الآلة تقصر عن ذلك . علينا أن نسال النصوص دائما عن تلك الشهوة الأسطورية.
rwayda
08-Aug-2008, 12:30 AM
يقول المتصوفة. ذهن المتعبد محراب متهدم . لماذا قالوا هكذا ؟ هل لأنهم كانوا يستشعرون في القصيدة هدماً ما لكياناتهم؟ أنت وصلت الى مرحلة من نضوج مثل هذا الوعي. أنا أراه في قصائدك المتأخرة. تبحث في دالية المعنى بحداثة كونية وفضاءات غير تلك التي كانت تتعلق في دلمون فقط ؟ السر ؟
ثمة تأويل للمعنى الجوهري للتصوف ، أحب أن أراه أنا أيضا، يذهب إلى أن الصوفية هي، في العمق، ضربٌ من النقض الحصري لفكرة العبودية بمعناها الديني المتداول، أي أنها بشكل ما، هدم للدلالة والمدلول.
وتحرير الدال من دوال العامة وإطلاقه في أفق الدلالات اللامتناهية من المعرفة والرؤى.
من هذه الشرفة، سيكون ذهن المتعبد عرضة للانهدام (النوعي) دائماً، كلما استسلم للإصغاء العميق والتحديق في جواهر الأشياء وعدم التوقف عند حدود أصدافها الفجة.
في الشعر، لن يختف الأمر إلا في النوع فقط ، أما درجة النقض المستمر في جمود المواد وثوابت الحياة، أو ما يسعى لتثبيتها وهي التي لا تثبت لكونها (حياة)، أي أنها نقيض الموت، حيث أن الجثث هي فقط ما يتفق عليها، أما الحياة ، الكائن الحي، فهو المتغير الدائم. درجة النقض هي ذاتها التي يصدر منها ويذهب إليها الشاعر، ربما لأنه كائن لا يقنع ولا يستقر ولا يرى في الأجوبة إلا شرفة على سرب أسئلة وشيكة الاشتعال. الشاعر هو الذي يتعلم في كل ساعة .
عملت مشروع كتاب أنت والفنان العراقي المغترب ضياء العزاوي . والعزاوي من الذين يبحثون في اللون حكاية ما . ما الذي فعله الواحد للآخر ؟ هل اشتركتما في صناعة مروية ما من الرسم والشعر ؟ تحدث بمساحة واسعة عن تجربة مثل تلك ؟
كنا نسعى لانجاز نص يشرح الرسم ولا رسم يزين النص.
كل منا جاء من تجربة ذاتية (ثقافياً وابداعياً) لديها ما يكفي من التعبير عن كينونتها الانسانية من خلال المعنى الجوهري للحب. ولم تكن قصة المجنون حبا سوى ذريعة لأن نعبر عن ذاتين تقدران على الانبثاق في حوار إبداعي بأدوات وآليات مختلفة من حيث التقنية، غير أننا كنا متقاطعين بصورة لم تكن تحتاج للمزيد من الحوار و النقاش. من معرفتي في تجارب فنية مشتركة، كلما كنا في غنى عن النقاش والتخطيط الذهني للعمل، صارت التجربة أكثر جمالاً ومغامرة ومكتشفات. فالحوار ينبغي أن يتجسد في العمل، ليس قبله ولا بعده، وعندما تشعر أنك بحاجة للمزيد للاتفاق والشرح والتوضيح والتخطيط، عليك أن تنصرف عن التجربة.
مع ضياء العزاوي كانت التجربة مشوقة بصورة تستعصي على الوصف. جاء البحرين عام 1995، وكنا نلتقي للمرة الأولى فقط . كان كل منا يعرف الآخر منذ قرون، يعرف شعري وأعشق ألوانه ومغامراته، صعقني بالفكرة وسافر، بعد سبعة شهور تقريباً بدأت في الكتابة، كان هو قد بدأ في العمل، بعثت له النص، فقال لي أن حريقه زاد في الاشتعال. لم نكن نحتاج أكثر من هذا. كتبت عن الحب بوصفي قاسم حداد ولم تكن تعنيني تفاصيل حكاية قيس وليلى في التراث، كانا الى الأسطورة أقرب من الحقيقة، هذا فتح لتجربتي الأفق رحباُ، فكتبت أسطورتي الجديدة عن : الجنون و الحب والشعر. هذه هي الاقانيم الثلاثة التي أعدت صياغتها على طريقتي. في ما كتبت ستصادف حباً يتجاوز الطهرانية (الدينية) الفجة التي كرستها أخلاقيات التقليد الذي سيرى الحب دائما بوصفه سلوكاً مشوباً بالخطأ والخطيئة. هذه الخطيئة هي ذاتها التي سوف تتصل بمفهوم (الخروج) الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وبالتالي الأخلاقي في قانون القبيلة. ضياء العزاوي خرج على طريقته بالإبداع التشكيلي. أصل الفكرة أن ضياء اجتاز تجربة وعي ضرورة الحب في حياتنا العربية، وهو الفنان الذي لم يفلت من الحروب العربية المعاصرة جميعها، وقد خاضها بفنونه كلها مناضلا بشروطه، حتى توقف أمام حقيقة ما يفتقده الإنسان العربي في فنونه: أنه الحب، فبدأ سلسلة تجارب عن الحب، وكان ما أبدعه في تجربة (أخبار مجنون ليلي). وهي بالمناسبة قد طبعت في مطبوعات وكتب وأعملا فنية مختلفة. ولعي بالطاقة البصرية هو ما يجعلني ضعيفاً أما أي مشروع إبداعي مشترك من الفنانين من الأصدقاء، ففي مثل هذه التجارب أتعلم الأشياء التي فاتني إدراكها، واصقل ذائقتي الشعرية بها.
في المستحيل الازرق تحولت الى رائية العدسة. أي أنك بدأت تكثر من التجريب وبدأت تميل الى نمط ذهني وحضاري يمتد الى تمدن خارج أقليمية القصيدة رغم أن الأمكنة هي ذاتها تلك التي صنعت أخيلة الإبداعات الأولى . كيف ترى هكذا حس .أن تتشارك مع عدسة في تحليل كشوفات الضوء في الصورة والقصيدة ؟
هو ذاته الولع بالصورة، في تقديري أن الذائقة البصرية في الثقافة العربية عضو مهمل حتى أوشك على الضمور والعجز. ولعل هذا ما يفسر لنا تخلف الفنون البصرية عندنا. أكثر من هذا، فإن انقطاع الشاعر والأديب العربي عن الفنون البصرية ( ثقافة ومعرفة وممارسة) هو ما أدى إلى ضعف نمو (الصورة) الفنية في الأدب العربي بشكل عام، إلا ما ندر، وخصوصا في الكتابة الشعرية، لأن المخيلة الفنية لدينا فقيرة وذات ثروة وسليقة محدودة النشاط والحريات. هذا بالضبط ما أشعر به طوال الوقت، وربما لهذا أشعر بميل دائم لأن أخوض التجارب المختلفة التي تمنحني نعمة المتعة البصرية، فهي نعمة لا يجوز أن نحرم أنفسنا منها.
في كتاب (المستحيل ألأزرق) مع صديق الفنان صالح العزاز رحمه الله‘ هي من بين التجارب المختلفة عن غيرها. وقد أضافت لي نوعا جديدا من المتعة التي لا تزال حاضرة في كياني.
متى يولد حلم صناعة نص عند قاسم حداد ؟ وهل تخيلت نصاً ليصير رواية مثلاً ؟
لاأعرف شيئاً عما يحدث غداً، فكيف لي أن أتوقع النصوص القادمة؟ ناهيك عن التخطيط لأشكال تلك النصوص. الكتابة تأتي في وقتها وبالشكل الذي تحب هي. أكثر من هذا، فإنني لم أعد أتوقف عند حدود النوع في الكتابة.
عبر هذا العمر الطويل من صناعة القصيدة وأكتشافات إشراقتها. هل أنت مع مقولة النفري كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة ؟
أظن أنه نعم .
نعيم عبد مهلهل
rwayda
08-Aug-2008, 12:33 AM
حوار بين الشاعر محمود درويش والفنان ناجي العلي
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:LG3zqTnm1oUxpM:http://www.alimbaratur.com/All_Pages/Fadeh_Stuff/Fadeh_79_A.jpghttp://tbn0.google.com/images?q=tbn:XQM6uHQiIHAy6M:http://www.caripedia.com/painters/arabic_world_painters/20-21_century/palestine/naji_al_ali_/images/thumbs/caricature_encyclopedia_naji_al_ali_portray.jpg
حوار بين الشاعر محمود درويش والفنان ناجي العلي
درويش: شو بشوفك مستلمنا هاليومين يا ناجي… حاط دبساتك على طحيناتنا.. شو في؟
العلي: يا عمي ما تزعل مني.. هاي الشغلة مش ضدك شخصيًا.. أنا ما في بيني وبينك إلا كل خير ومحبة.. وانت عارف؟
درويش : لا .. أنا زعلان بجد.. ليش كل اللي رسمته وكتبته ما بخليني أزعل؟
العلي: يا محمود إنت إلك حق تزعل.. لو أني ما تعرضت إلك وأهملتك.. مثل ما بهمل دائمًا الساقطين.. أنا انتقدتك لأنك مهم لشعبك، وأنت لازم تفرح.. مش تزعل؟
درويش: مش أنت اللي بصنفني مهم ولا لأ.
وبعد حوار تأرجح بين الغضب والنقد.
العلي: يا عمي انتو بتقولوا بمد الجسور مع اليسار الإسرائيلي.. مدو زي ما بدكوا… بركي الجسور بتقيدكم مستقبلاً.. أما أنا وجماعتي فلا.. إحنا يا عمي إلنا جسورنا..جسورنا إحنا مع الناس المشردة.. ممدودة بخط واحد ما في غيره.. من باب المخيم لباب الحرم.. مع أهلنا في الداخل.. هاي جسورنا وما بنعرف غيرها.. وإحنا بننتقد كل واحد بيحكي هالحكي..
درويش: آه.. بس انت مش قدي يا ناجي.
العلي: شو يعني .. مش فاهم.. الشغلة صارت شغلة قدود.. قدك وقد غيرك.. والله أنا لما برسم ما بحسب قد لحدا.. وأنت عارف يا محمود؟
درويش: هلا مش وقت المزح.. بدي ياك تفهم يا ناجي منيح اليوم.. إني أنا محمود درويش.. إللي قادر يخرجك من لندن في أية لحظة.
العلي: أووف… والله هاي جديدة يا زلمة.. بالله عليك بتعملها يا محمود؟ وشو هالسطات اللي صارت عندك.. والله أبو رسول (الاسم الحركي لمدير المخابرات الأردنية الأسبق محمد رسول الكيلاني) بزمانه ما قال هالحكي.. ولا صلاح نصر قبله (..) على كل حال انتو يا عمي السلطة.. انتو الدولة والشيلة (..) هاي مش أول مرة بتصير ولا آخر مرة.. مش عملتوها قبل سنتين في الكويت وخرجتوني؟ وقبلها قال الختيار (الاسم الذي يطلق على ياسر عرفات من قبل أنصاره) قائدك وصديقك في ثانوية عبد الله السالم في الكويت في الـ 75 أنو راح يحط أصابعي في الأسيد إن ما سكت.. بعدين هالشغلة صارت مش فارقة معي هالخد صار معود عاللطم.
هذه المقتطفات من حوار تليفوني جرى بين "ناجي العلي" رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف أثناء وجوده في العاصمة البريطانية، و"محمود درويش" الشاعر الفلسطيني الأشهر المقيم آنذاك في باريس، وقد روى العلي ملخص الحوار مع درويش في حوار نشرته مجلة الأزمنة العربية (عدد 170 /1986/
ص14) وجاء هذا الحوار عقب رسم كاريكاتيري للعلي انتقد فيه درويش الذي دعا إلى مد الجسور مع اليسار الإسرائيلي، وأعاد الناقد والكاتب العربي شاكر النابلسي اقتباسه في كتابه الجديد "أكله الذئب … السيرة الفنية للرسام ناجي العلي".
rwayda
08-Aug-2008, 12:34 AM
حوار مع الشاعر المصرى ( المتميز ) محمد عفيفى مطر
محمد عفيفي مطر : يهاجم النفاق ولا تعنيه المؤسسة
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:2Ebqybrl89R6vM:http://www.asharqalawsat.com/2006/05/24/images/art.364658.jpg
ولدالشاعر محمد عفيفي مطر في شهر مايو 1935 بإحدى قرى المنوفية، التي تبعد عنالقاهرة العاصمة ساعة زمنية واحدة.. وعمل مدرساً للفلسفة لمدة عشرينعاماً، وميز نفسه بقصيدة تحمل صوته هو، حتى امتلك تجربة ثرية امتدت لنحوستين عاماً، حمل خلالها ثقافة موسوعية، نتج عنها ما يربو على 13 ديواناًشعرياً. هو إذن (حصان الحرية الجموح) كما تصفه زوجته. وتزيدبأن (الدنيا أضيق من خطاه) على الرغم من الشيب الذي أشعل رأسه بياضاً، إلاأنه ما زال جامحاً كجواد بري يركض في المشهد الشعري، ويواصل إشعال الحرائقوطرح الأسئلة، ما اعتبره الجميع ظاهرة شعرية قائمة بذاتها في مسار الشعرالعربي، بوصفه واحداً من أهم الشعراء المجددين في العالم العربي، وعليالرغم من انتمائه لجيل الستينات إلا أنه ما زال وقاداً قادراً على العطاء،في ظل محاولات قصدت تهميشه من قبل المؤسسة الحكومية، التي أدمنت حجبالجوائز عنه، وغالت كثيراً في منعه من النشر داخل مصر، لكن حسبه أن حصلعلى تقدير الشارع الثقافي. نلتقي الشاعر المصري الكبير محمد عفيفي مطر في حوار حول بدايات القراءة والكتابة ووجهات نظره في قضايا كثيرة تتعلق بالمشهد الثقافي:
* ما هو أهم كتاب تأثرت؟
ـهو كتاب (نيتشه) للدكتور عبد الرحمن بدوي، عثرت على الكتاب وهو قديممهلهل، فزلزلني زلزلة شديدة، فقد كانت حياة نيتشه وتجربته الروحيةوالفكرية بكل آلامها واحترقاتها، تلك الحياة التي قال هو عنها: (إحراقواحتراق) تلك كانت حياتي لقد عصفت بي كلمات القوة، وأخلاق السادة والعبيد،والتبشير بالإنسان الأعلي- عصفاً شديداً. انبهار.
* هل قادك هذا الكتاب إلى الفلسفة؟
ـكانت كتب المناهج الدراسية في الفلسفة والمنطق وعلم النفس هي البداية فيهذا النزوع نحو الفلسفة، وكان الطبيعيون الأوائل قد شكلوا رعيل الشعراءالفلاسفة منذ طاليس وحتى سقراط الذي أطلع الشمس الإغريقية. فوقفت مبهوراًأمام هيراقليطس وناره الكونية، ونهره الذي يتغير أبداً، والذي لا يكون هوأبداً بين لحظتين، ولا ينزله المرء مرتين.. بعد ذلك انتقلت إلى الصوفيةوالفكر الرياضي والموسيقي، فانفتحت أمامي كل الأبواب المضيئة.
* ما هو أهم كتاب قرأته في تلك المرحلة؟
ـهو كتاب (دروس في تاريخ الفلسفة) الذي كان مصدراً رائعاً ومهماً للمعارفوالمذاهب الفلسفية الإغريقية وعصر النهضة وحتى بزوغ شمس الفلسفة الحديثةعلى يدي ديكارت وبيكون.
* وماذا عن كتب التراث العربي والإسلامي العامرة بها مكتبتك؟
ـكان تاريخ الفلسفة الإسلامية ودور المتكلمين من معتزلة وأشاعرة ومتصوفة ،ودور المشائين والفلاسفة من الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا، كانتموضوعات هذه الكتب تمثل وطناً آخر يدخل في نسيج الوطن الشعري للشاعرالناشئ.
* ماذا عن الوطن الشعري.. لقد أجلنا الحديث عنه كثيراً؟
ـكنت أنسخ بخطي دواوين وقصائد لشعراء بلا حصر، وكم شهدتني الحقول وأنا أجأروأغني مشتعلاً، لكنني أبدأ لا أنسي شعر (محمود حسن إسماعيل) وخاصة ديوانه، (لا مفر) قرأت هذا الديوان ومع أول بيت في أول قصيدة شب في كياني حريقأطاح بكل ما قرأت وحفظت من أشعار الرومانتيكيين الآخرين، فحفظت الديوانكله من الغلاف إلى الغلاف ونسخته كله بيدي، فقد قرأته مسحوراً وعصفت بيموسيقاه، وزلزلتني سطوة أنظمة القوافي بالتكرار الرياضي المحسوب، والصورالنابعة من تراسل الحواس، وقلب العلاقات بين المجرد والمحسوس في الوصفوالتشبيه والمجاز والاستعارة. مرارة التجربة
* تشي أقوالك بمرارة لعدم نيلك ما تعتقد أنك تستحقه، هل هذا صحيح؟
ـالمرارة ترجع للسخط وليس لإحساسي بأني لم أنل حقي، فقد نلت حقي لكن ليس منالمؤسسة التي لا تعنيني، فأنا الشاعر الفقير، الذي لا يضر ولا ينفع، والذيلا سلطة له ولا شهرة متواجد في أشعار كل الأجيال التالية لجيلي أكثر من أيشاعر آخر.. تابع ما ينشر من شعر في مصر الآن، من أسوان إلى الإسكندرية،وفي الدول العربية تجد كلامي مؤثراً في كل الأجيال الجديدة فقد شكلت أشعاري في قصيدتهم وحتى في رؤيتهم للعالم، وهذا هو الجزاء الأوفى الذي لاأطمع في أكثر منه.
* هل هذا يعني أنهم خرجوا من عباءتك؟ـ بل خرجوا من أشعاري، من كلماتي ومن دواويني، وهذا يشعرني أنني أخذت حقي كاملاً، ليس ذلك فقط بل يسعدني ويمتعني.
* قلت: رغم ذلك يتهمك البعض بالغموض؟
ـهذا الاتهام لا أساس له من الصحة، فالتراكيب اللغوية التي يراها البعضصعبة وغامضة هي إحدى الأساليب الشعرية الموجودة في التراث الشعري العربي،كما أن قارئ الشعر يجب أن يكون عارفاً بلغته وبأساليب هذه اللغة، وملماًبطرائق التعبير فيها، أما حكاية الغموض المدعاة هذه فلا داعي لها، فنحن لانكتب (ألغازا) ، فقط منهجي في الكتابة وفي القراءة هو عدم الاستهسال. زيارات الدهشة.
* بعد 13 ديواناً شعيراً جاء كتابك الرابع عشر (أوائل زيارات الدهشة) ليقدمأسلوباً جديداً في كتابة السيرة الذاتية.. فما دافعك لكتابة سيرتكالذاتية؟ـ
هذا الدافع قديم جداً فقد ولد عام 1970 ، بالتحديد حينما زرت بيروت للمرةالأولى للمشاركة في مهرجان الثقافة العربية الأول، يومها طلب من كل شاعرأن يقدم لقراءته الشعرية بحديث عن تجربته يوضح فيه ملامح رؤيته للشعريومها أمسك الخوف بخناقي، خاصة وإنني وجدت من سبقوني يقولون كلاماً غارقاًفي الكذب والتلفيق وجاءت قصائدهم مقطوعة الصلة بما قالوا، لذا تحدثت عنمغالطات وغموض المصطلحات وعن الفجوة بين أقوال الشعراء وبين كلامهمالنظري. وحينماطلب مني أن أكتب سيرتي الذاتية تعجبت فأنا لم آت بمعجزة لكن بعد إلحاح قلتلنفسي: (جئت من هوامش الخلق والخليقة، فاكتب هوامش تكوينك مواطنا وإنساناسكنته وأقامت في حياته لحظات الدهشة العايرة) وهكذا جاء الكتاب مضموناولغة، وكل قيمته عندي إنني ابتهجت بكتابته بلهجة نادرة وعزيزة المنال فيزماننا. قصيدة النثر .
* أغلب شعراء جيلك قبلوا بقصيدة النثر لكنك لم تقبل ، لماذا؟
ـقال : هم يقولون ليس بالموسيقي وحدها يحيا الشعر، أجل، وليس بغيابالموسيقي يحيا النثر، وحين نتحدث عن الفن، أي عن الجماليات التي تفرق بينشعر وشعر، وبين نثر ونثر،
أسأل بدوري مستفهما. * هل يكون الكون كوناً بغير الموسيقي؟
ـوأحيل إلى نثر الكبار: (النفري والجاحظ والتوحيدي، وحتى الرافعي ومحمودشاعر) ففي نثرهم لا يخفى الحس الموسيقي المبثوث في أنماط التقسيموالتقابلات والتوازنات والصور.. الخ. وهي جوهر الأسلوبيات التي ترسخت بهاالإيقاعات الداخلية العميقة في النماذج العليا للنثر العظيم، فكيف لهمبالظن أنهم ناثرون؟وليسالنثر عندي أقل مكانة وإبداعية من الشعر، لكن شريطة أن يسمو في مراقيالإبداع إلى حدود النشوة الروحية والامتلاء بالحياة، إن الإيقاعاتالداخلية في النثر العظيم تنتمي للغة وحركة الأفكار ولكنها لا تنتميللموسيقي بمعناها الرياضي الصارم، والخلط بين الإيقاع النثري في النماذجالعظمي منه وبين الموسيقي يماثل الخلط بين شاعرية العبارة وبين نسقالقصيدة. باختصار إن الأفق الشعري للنثر ممكن، ومتحقق بالفعل عند عدد منالمبدعين الجادين، ولا يستوي نثر هؤلاء الغوغائيين أرباع المثقفين ونثرالتجارب الروحية والفنية الكبيرة عند القلة من المبدعين.
* ما رأيك في التحولات التي اعترت بنية النص الشعري العربي المعاصر.. والتطور الذي جرف أشكاله وأنماطه؟ـ
أعتقد أن القصيدة العمودية قد وصلت بمنهجها القديم، ووصل الشاعر الكلاسيكيبطريقته القديمة في رؤية العالم، وفي وظيفة القصيدة، ووظيفة اللغة فيالقصيدة إلى نوع من الجدب، والجفاف، والتكرار، والاعتماد على الذاكرةواستنزاف هذه الذاكرة، وكأن الشاعر قد أصبح مجرد وسيط ناقل للقدم. لقداختلفت مفاهيم الشعر والشاعر، إذ إن مفاهيم الحياة نفسها اختلفت، أنظر معيإلى ما اعترى خريطة العالم في الستين عاماً الماضية، لقد ضاعت فلسطين، أوضيعت، الثورات المقموعة، الاستعمار، الذي خيم على كل بلاد العربآنذاك..ولذلك كان لابد من وجود روح جديدة، تبني وطناً آخر بغير تلك الصورةالقميئة وحساً آخر للعالم، وفعلاً آخر للقيم، وكان لابد من وجود شكل جديد،توضع فيه القيم، والرؤى الجديدة. وكانأول هذه التصورات، هو تحرير الشعر من قوانين العروض الصارمة، ومن القاموسالقديم المتجمد، فبدأ الشعر يضج بما تمور به الحياة في السياسة، وفيالمجتمع ، وفي الأسواق. لقد أسس جيل الرواد، ورسخ لهذا الخروج على نفسالعروض القديم، ولفكرة الاعتماد على الذاكرة والمحسوس من اللغة، وتركيبالعبارة، وأصبح الشاعر يشعر باستقلاليته وتفرده، وأنه لم يعد تابعاً لقيمقديمة يبشر بها، وليس واعظاَ - بل لقد أصبح خلاقاً للتصور، وللضمير، وفيهتتجول روح الأمة.
* وما الذي حدث بعد ذلك؟
ـلقد ابتدعت بعد ذلك أشكالا جديدة، كقصيدة القناع، القصيدة الدرامية،القصيدة العنقودية، وتجارب جديدة في استلهام التاريخ، وتحويله إلى قناعللحديث من ورائه عن العصر،وعن العالم، وتعددت الحيل الفنية، واغتنت بتنوعالشعراء، وتجاربهم، حتى وصلنا إلى ما يشبه الجمود العروضي في قصيدةالتفعلية، وما يشبه المسكوكات والصيغ الناقدة، وبدأ التمرد على قصيدةالتفعيلة، وبدأ التفكير في قصيدة جديدة، فبدأت كل جماعة أو تيار تبشر بماخلقت لنفسها من مبررات، وكأنه هي الفرقة الناجية، ومن فرق أمة الشعر.. ولكنالأمر لم يكن كذلك أبدا، فأصبحنا الآن في حالة صراع، ويتجلى ذلك في كتابةالقصيدة النثرية على سبيل المثال، ومحاولة ما يسمى بالصراع ضد التابو،والخروج على ما هو متعارف عليه من أخلاق أو عقائد، إن هذا يمثل ما يمور بهقلب الأمة حالياً من الحيرة والإحساس بالعجز والمهانة، وتعيش الأمة حالياًمرحلة عصيبة جديدة تشبه الحالة التي بدأت شعر التفعيلة، وهكذا انتهتالموجة المتصاعدة من الحلم والأمل والصراع، ووصلنا إلى القاع، فالشعراءيتفارقون في الإحساس بما هو عام وأعتقد أن جيلاً كاملاً يتقلص إحساسهبالعالم إلى حد الانحباس في مصيدة صغيرة من همومه الشخصية. على جثتي.
* برغم أن الدولة قد منحتك قبل سنوات جائزتها التشجيعية في الشعر إلا أنك لا تحظى برضا مؤسسات النشر في مصر.. لماذا؟
ـمنذ بداية الستينات، وأنا مضطرب العلاقة مع المؤسسات الثقافية وأذكر أنصلاح عبد الصبور رحمه الله عندما كان مسؤولاً عن مؤسسة النشر الرسميةللدولة أقسم أنه لن ينشر لي كتاب ولو على جثته!! ولذلككنت ألجأ إلى نشر دواويني في بيروت وبعض العواصم العربية ولندن، وأحياناًفي دور نشر خاصة في القاهرة، وهذا سبب لي بعض الارتباك في ترتيب نشرالدواوين، وفي وصولها للقراء المصريين من ناحية أخرى، وقد حاولت تعديل هذاالوضع من خلال نشر جميع دواويني من خلال هيئة الكتاب، واتفقت على ذلك معد. سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب، ولكن ولأسباب شخصية وبيروقراطية كانتالدواوين تسحب من المطبعة قبل صدورها، والحمد لله أن منّ علي بما هو أفضلمن خلال نشرها في دار الشروق.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية
rwayda
08-Aug-2008, 12:35 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:VcBIhIla-eps9M:http://www.arabiancreativity.com/images/hawamdah.jpg
أتمنى ألا يتوقف البعض عند بطولتي في المحاكم، وألا ينسى أن قصيدتي عارية حاوره : الكنتاوي لبكم
مهمة القصيدة في الدرجة الاولى، التعبير عن رؤية الشاعر للوجود، هكذا يرى الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة دور الشعر، وبعد ست مجموعات شعرية تخللها جدل كبير وصل بعضها إلى المحاكم القضائية والشرعية، يقر أنه لا بدائل عن الإشتغال في جمر الحروف بعيدا عن حملات دعائية فارغة أوترويج حزبي أو حكومي أو وطني، وفيما يلي الحوار:
هل يختلف احساسك الان اتجاه قصائدك بعد نشرها في كتب؟
- بالتأكيد يختلف، لم أكن أعرف كيف، أو أفكر بذلك، لكن سؤالك قادني للتفكير، وقد قفزت إلى ذهني التداعيات والصور التالية؛ صورة الطفلة أو الإبنة حين تكون واحدة من الأسرة، وصورتها وقد ارتبطت بشاب تحبه، أو تزوجت وخرجت من البيت، أو هي أشبه بعلاقتك مع المرأة، التي تعيش معها حالة حب، وحين تتزوج منها، تصبح كأنها قصيدة منشورة. دعني أُقرِّب الصورة أكثر، وأقول؛ تظل القصائد غير المنشورة في كتاب، كأنها فتيان صغار متحمسون لدخول المدرسة، وحين يدخلون يصبحون طلابا، يخضعون للنظام، ولليقظة المبكرة وعناء الدوام، والوقوف في طابور المدرسة، والمساءلة. تنقطع العلاقة بينك وبين القصيدة، بعد نشرها في كتاب، تصبح بعيدة عن سطوة صاحبها وشاعرها، تأخذ حكما ذاتيا، او استقلالا ليس تاما، مثل استقلال الدول العربية، تظل تبعيتها مرتبطة بدول الاستعمار، لكنها لم تعد خاضعة للإنتداب او لحكم التاج الملكي مباشرة. لماذا نبتعد كثيرا عن الشعر، ونذهب للسياسة والعواطف، والقضية أبسط من ذلك؛ يمكن أن يطمئن الشاعر إلى مخزونه من القصائد التي لم تنشر، ولكن حال نشرها في كتاب يحس بالعري، أو يشعر بالفراغ العاطفي أو الخسارة والفقد، إلا إذا كان قد ادخر بعض القصائد ولم ينشرها. أما احساسي تجاه القصائد المنشورة، فهو بالتأكيد الإشفاق عليها، بعد أن صارت مكشوفة الوجه لمواجهة الجلادين، وفيالق المرتزقة، وقطاع الطرق، واللامبالين، أشعر بنوع من تأنيب الضمير أحيانا؛ لماذا أفعل ذلك بجزء أو قطعة من روحي، لماذا أعرض جوهري وذاتي للمشاة والحفاة والنظَّارة؟ لكن لا بد من تحول الفصول، وتبديل الشمس مشرقها، ولا بد أن يتأخر القمر كل ليلة، ليصغر ثم يختفي نهائيا، وهذه ضرورة طبيعية، بل قل؛ قدر حتمي، ستواجهه كل قصيدة تغدر بصاحبها قبيل الشيخوخة، وتفارق سنوات الرضاعة، وتلج عمر الفطام. وهو مصير درامي واجَّهه الكثير من أبطال التراجيديا، عبر كل الحضارات والازمان والأساطير، وحتى الحكايات الخرافية. لا بد من العري والتعري، وكشف الذات لتقشر الأفعى جلدها كما يقول نيتشه، على لسان زرداشت.
*هل يمكننا ان نجد رابطا بين الشعر والصحافة؟
- لدى الشعر مقدرة على إيجاد رابط مع جرائم القتل، ومجرمي الحروب والسفاحين، وليس مع الصحافة فقط،، لكن لا علاقة ودية بين الصحافة والشعر، من باب الحرفية، فالشعر سيد حر لا يقبل التثنية، ولا يحب أن يشاركه أحدٌ سرير اللذة، وكل شاعر يعمل في مهنة كتابية مغايرة للشعر، يقوم بخيانة مكشوفة لقصيدته، يدفع ثمنها آجلا أو عاجلا، ويعرض نفسه لانتقام القصيدة.
*متى يمكننا الفصل في التعاطي مع النص الشعري بخلفيات تفسر بماهو ديني؟
-في الأفق المنظور عربيا وإسلاميا؛ من الصعب الفصل بين كل ما هو ديني وكل شئ من حولنا، بل على العكس، كأن عقارب الساعة تعود للوراء، وتتم السيطرة أكثر دينيا، على جميع مناحي الحياة وليس على الشعر فقط، وكأن هناك (ردة) جديدة نحو التدين وليس الدين، ولكن بشكل غوغائي، ولكن لأي شئ يعودون؟ هذه هي المعضلة، لأن الناس ونتيجة اليأس يعودون للقشور والمظاهر والسلبيات والسطحيات، ولكن في العمق هناك إنزياح خطير وبعيد عن جوهر الدين الذي لا يتدخل لا في الشعر ولا في الادب ولا في الفن عموما، كما كان يفعل أجدادنا القدماء، وهم يتحدثون بحرية عن كل شئ في الحياة،في الفكر والجنس والفلسفة والشعر، وما إلى ذلك. ولكن ماذا نفعل؟ هل نتوقف عن الكتابة؟ هل نحسب حسابات تجارية؟ أم هل نضيف خوفنا إلى حساب السلطات والقوى الضاغطة في المجتمع؟ أم نتماهى مع جهامة الواقع وخرافة الجهل، أم نحترق في مواجهة الجهل والسفاهة؟ ليس من وصفة ناجعة لكل ذلك، وعلى كل مبدع أن يشق طريقه بمفرده، فلا أكثرية للغرابة والتمرد والخروج على طوابير الجهل، وقطيع الرضا.
rwayda
08-Aug-2008, 12:36 AM
كيف ترد على من يقولون بتراجع الشعر لصالح الرواية؟
والعالم يذهب للتسطيح والتبسيط أكثر، فبدهي أن يتجه الناس للحكي والسرد أكثر من العمق، الشعراء جميعا يتشبثون بعدة مقولات نافلة تؤكد أهمية الشعر وشرف الميزة الأدبية، والبعض يتحدث عن أزمة الشعر، وانحسار جمهور الشعر، وكل ذلك صحيح، لكنني شخصيا لست معنيا بالكثير بتوزيع الكتب، ومقاييس سوق الكتب، سأظل أكتب كأني اكتب لكل الناس، وكأني لا أكتب لأحد، وحين أطبع كتابا من كتبي، لا أطمح ان ينافس أي كتاب آخر، وأستغرب لو قال لي أحدهم أنه اشترى كتابا لي، او تكبد عناء البحث عنه وشرائه.
اعرف كل ذلك، وأعرف أن سوق الرواية اليوم أفضل، لكني ومن باب العناد، سأظل أدرك في داخلي، أن ما أفعله هو الصواب، يمكن لي أن أنخرط في لعبة الكتابة، وشروط السوق، ولكني ما زلت أعيش حالة جمود عقلي، تتمسك وتبرهن لي أن الشعر وحده السيد، ولا مجال لمقارنته مع أي نمط كتابي آخر. هذه قناعاتي وأنا مدرك أنها غير عملية وليست مقبولة. لكن لا بأس من الخسارة والهزيمة، إن كان الامر يتعلق بكتابة القصيدة، التي أحبها وأجد نفسي مهووسا بها. ولا آبه بتراجع دور الشعر، وأزمته وانكفاء الناس عن قراءته، وانكفاء النقاد عنه، لكن ليس لدي حاليا خيارات بديلة.
*في تجربتك الشعرية الكثير من التكثيف هل هناك من مبررات لهذا الاختيار؟
-العالم مكثف، صحيح أننا نشعر بطول الزمن والكثير من الوقت الزائد والفراغ الهائل، لكن اللحظات المؤثرة والخطيرة في الحياة، دائما تكون لمحات سريعة، من هنا أميل للتكثيف لأنه يختزل الكون والحياة في ومضات، ولأن أرواحنا صارت قلقة وسريعة الإشتعال، فإن ومضة سريعة تكفي لتحطيم أو بناء أو تدمير عالم بكامله، الحروب التقليدية والسفر التقليدي، وطرق التعابير القديمة انتهت، ونحن مقبلون على زمن أسرع مما نحن فيه، ولا يجوز أن تظل خطاباتنا السياسية والأدبية والحزبية والفكرية مطولات لا تنتهي، كأننا ما زلنا نقيم في العصور الحجرية، ولم ندخل عصرا جديدا. هذا جانب ام الجانب الآخر، فهو سبب ذاتي وشخصي، فانا دائما على عجلة من امري في الكتابة، لذا ألخص الأشياء بسرعة كي لا امل من مواصلة الكتابة، لا أنفع للكتابة المسهبة والمطولة، وأجد روحي تهرب مني بسرعة، وتريد تفريغ كل ما لديها بشكل سريع أيضا.
هل تعتقد أنه مازال هناك قارئ وفي للكتاب في زمن الانترنت؟
* - نعم القارئ موجود والكتاب سيظل سيداً، مهما تراجع مستوى القراءة ودور الورق، وحتى لو تحول الناس كلهم إلى شاشات الكمبيوتر، سيظل للكتاب سحر خاص، وسيبقى هناك من يحمل هذا السحر، وسوف ينتقل الناس قريباً إلى الكتاب من جديد، بعد أن يثبت الانترنت فشله في التثقيف، ويثبت أن متعة القراءة الورقية لا تضاهيها متعة. ولعل الجامعات اليوم منخرطة، في هذه اللعبة لعبة الانترنت لكن الناس سيعودون مستقبلا للكتاب، لأن الحياة والثقافة، لا يمكن أن تختصر في شاشة صغيرة، فهناك فضاء للكتب وللمكتبات، لم تعوض عنها كل هذه المعلومات السطحية الضخمة المتاحة عبر التكنولوجيا الحديثة.
ما جدوى الكتابة ؟
* - ليس لها جدوى إلا احتراق صاحبها، ولا يسلم أي مشتغل حقيقي في الكتابة من المس،الذي يشبه الجنون، لكن لا جدوى مباشرة من الكتابة، وسط هذا المحيط الهائل من الأمية. لكن لا يملك المبدع الحقيقي بدائل عن الاشتعال في جمر الحروف.
*ماذا عن التجارب الشعرية الجديدة؟
- جميلة جدا، وأحبها وأحب دائما العناصر الطازجة فيها، فهي متسرعة أكثر منا، وتنظر للعالم بمنظار جديد نحتاجه لا شك، كما ان التجديد في الشعر، وفي أي فن من الفنون يتم دائما بالعناصر والمواهب الإبداعية الجديدة. لكن للأسف ومع زحمة النشر، تختلط الامور على البعض، ويظن كل من يكتب أنه يقدم شيئا جديدا، لكن يمكن تمييز بعض التجارب الجيدة، وفي الكثير من التجمعات العربية بلا تحديد، بل لم تعد القصيدة والشعر، مربوطين بعاصمة معينة أو مجلة محددة، صار العالم أرحب من أن يحشر في نمط محدد، ومكان معين، وتجربة واحدة.
متى تتملكك اللحظة الشعرية؟
لا توجد وصفة للحالة الشعرية ولا يمكن وضع برنامج لكتابة القصيدة كما هو الحال في كتابة الرواية او القصة القصيرة او الدراسة، لكنني ضد ضرورة الكتابة اليومية كي لا يفقد الشاعر قدرته على الكتابة كما يقول البعض، ولا أملك بحرا أغرف منه يوميا، لأن اللحظة الشعرية مرتبطة بمزيج من التوترات والقلق والدوافع التي ربما تجتاحني في معينة أحبها، أكثر من بقية الحالات، وبعد شعوري بالذروة الجنسية، دائما أجد في نفسي رغبة بالكتابة، لكنها لا تتبلور ولا تظهر إلا حينما تشاء هي وبطريقتها، تظل مهمتي حينها إفساح المجال لها للظهور والتعبير.
*هل تتحمل القصيدة أدوارا في الحياة؟
كما تتحمل الشمس دورها، والأغنية دورها، والصبايا الذاهبات إلى موعد العشق الاول دورهن، كذلك تتحمل القصيدة حكمة الخروج دائما على نمط البيت العمودي والقصيدة المتفعلة وحتى تقليدية قصيدة النثر، وهي تركض دائما باتجاه تثوير اللغة، وإحيائها من جديد، ورغم القداسة التي تتمتع بها لغتنا لكنك ترى معي كيف استطاعت القصيدة إنزال اللغة من السماء إلى المقاهي ودفاتر الطالبات وشفاه المغنين. مهمة القصيدة في الدرجة الأولى، التعبير عن رؤية الشاعر للوجود، فلسفته السرية لصياغة الحياة، وفق نمط شعري غير تقليدي، وهي في هذه السيرورة ترسل شراراتها للأرض الرطبة، والباردة لكي تسخن وتدفأ، وتتحرك البذور في باطن التربة، وبالمقابل تساهم في تخضير نبات المعنى وخضرة اللغة، وتحاول إعادة صياغة الطين من جديد.
ما الذي يمنح قصيدة ما خلودا في وجدان القارئ ونحن في زمن متسارع؟
* ليس بالضرورة أن تخلد أجمل القصائد، ربما يساهم الوجدان الشعبي في لحظة ما بتخليد قصيدة ركيكة او بيت شعر سطحي، في العمق لا يُحتفظ بالقصائد العميقة إلا في الكتب، وفي الثقافة الشفاهية يردد الناس ما يصلح للحكم البسيطة أكثر مما يصلح لتثوير الوعي، ويتناقل المتناقلون ما يساهم في تثبيت اليقين اكثر وما يقلل من شقاء الحياة وشر الوجود، أما الشعر الحقيقي فهو يشبه النار المقدسة، والشعر الوجودي ثقيل على العامة لهذا تحتفظ الأساطير ببعض الديمومة فيما يساهم الدين في تكريس بعض المفاهيم الشعرية، لكن الغيوم العابرة لا تتوقف بثقلها في السماء بل تترك ماءً يحيي الأرض وهذا هو الشعر.
كيف ترى موسى حوامدة في عيون القصيدة القادمة؟
*ربما تحررني القصائد الجديدة دائما من عقدة الطمأنينة، والركون إلى منصة الثقة، دائما تذهب رياحي باتجاه آخر، عما توصلت إليه، ولذا لا أعرف كيف سأرى نفسي بعد لحظة او عمر معين، ولا أملك تصورا لما سيتبلور من قصائد، تحملني إلى أفق جديد، أو مناخات جديدة، أو منزلقات أبعد، لكنني لا أفضل الاستقرار، وأرفض التنميط ، وأفرُّ دائما إلى جهة أبعد.
ألا تخشى قصيدتك الزمن؟
* بالتأكيد كل أدب مهدد بالزوال، كما كل الثقافات والبشر، ولكل أثر في الوجود عمر افتراضي سيعيشه، ولا أفكر كثيرا في أهمية الزمن، ولست من الذين يعولون على الاجيال القادمة، فلها حين تجيء، آفاقها وأمزجتها ونظرتها لكل شئ، وربما تتخلى عن كثير من هذا الإرث الثقيل عليها، وتجد لنفسها لغة متطورة، أكثر منا، وآفاقا شعرية أعلى مما وصلنا، هذا شيء بديهي وطبيعي، وربما تنساق وراء موضات وعصرنة وتكنولوجيا تبعدها عن الجوهر الحقيقي لثقافتها، لا شيء مضمونا غدا، والأرجح ان العودة لنا قد تكون كنموذج لدراسة التراث الغابر، وشكل الإنجازات الأدبية والثقافية في عصر العولمة المدمر هذا.
تركت مجموعاتك الشعرية صدى طيبا ، هل أنت منحاز اليها الان بنفس الرضى؟
- على الإطلاق، لدي دائما هاجس التغيير وعدم الرضا، ودائما أفكر بالتخلي عما كتبت والهروب إلى لغة جديدة وعوالم أحدث، وتجتاحني رغبة أحيانا بحرق الكثير من القصائد، لكني أتردد لحظات حينما أجد أن البعض أحب حتى تلك القصائد الاولى، فأقول ربما ساهمت في بلِّ شفاه البعض، أو في منحه بعض الشعور باللذة، كما أنه لا يجوز لي بعد الخلاص من الكتابة والنشر، أن أنقلب على مؤلف غيري، لان ذاك الذي كتبها لم يعد “أنا” لأني لا أحس اليوم بمثل ما كان يحس “هو” من قبل، ولا أرى العالم كما كان يراه، ولا أفكر بطريقته، وربما كان يرى أفضل مني، ويفكر بحكمة أكثر مني، أو بجنون أقرب شعريا مني، لكني اليوم لست “هو”، فلا أترك الحكم على ما اقترف لمن لا يجد وصلا به، ربما تقطعت بيني وبينه السبل، ولا بد من احترام تجارب الآخرين
rwayda
08-Aug-2008, 12:37 AM
*هل تتفق مع تعاطف الساحة الثقافية مع الكثير من المبدعات رغم ضعف مايقدمنه من انتاج ابداعي؟
-هذه ظاهرة تشي بتخلف العرب عن غيرهم، وتشي بأن عقدة الذكورة وتمييز المرأة عن الرجل، حتى لدى المثقفين والمبدعين موجودة، كما هي لدى الناس العاديين، لأن الاهتمام المبالغ فيه بالأسماء النسوية، لمجرد أنها “نسوية” وتريد التعبير عن مكنوناتها، والوقوف صفا مع الرجل، تعني تخلفا مزدوجا تمارسه المرأة التي تتوهم هذه العقدة، ويمارسه الرجل أيضا الذي يساهم في تكريس بعض الأسماء المفتعلة. اما في العمق فقضية الحرية والتحرر واحدة، والكتابة لها جنس واحد، والأدب لا يعرف التفرقة، لذا تم إغراق الثقافة العربية حديثا بقائمة طويلة من المسميات، والأسماء مما ساهم في تخريب الذائقة أولا، كما ساهم بعض النقاد في ذلك، وبعض دور النشر، ووسائل الإعلام، بترويج بعض الظواهر والأسماء النسائية، على حساب القيمة الأدبية . لو كنا أحرارا في العمق، ولا نؤمن بالتفرقة، لما ارتجفنا حين نرى تلك الصورة الجميلة، لهذه الروائية، أو تلك الشاعرة، ولتعاملنا مع النتاج الإبداعي، وليس مع الوجه والجسد الأنثوي.
* لمن يقرأ موسى حوامدة؟
- لا تهمني الأسماء الشائعة كثيراً، أتوقف كما قلت لك عند الكتب والنصوص بلا انطباعات مسبقة، حتى لو رُوِّج للبعض، بل أحيانا، أهرب مما يروج له كثيرا، وأخشى أن الترويج يكون لتغطية ضعف معين.
*ما الذي أضافته الترجمة الى مشوارك الابداعي؟
-شعور لذيذ انك مقروء ومفهوم من قبل بشر جدد وثقافات جديدة يقرأون قصائدك بلا مواقف قطرية أو رجعية مسبقة وبلا انطباعات متأصلة من قبل، وهذا وهم الانطباع الاول، قبل القراءة فانت حين تدخل إلى اسم مكرس ومشهور ومروج له لن تجرؤ على التشكك فيما تقرأ، ولا التمتع بالنفور أو الإعجاب مما تقرأ، كما تقرأ لاٍسماء طازجة وغير معروفة. الترجمة هي نوع من الشعور بهذا الطعم الذي لا تجده إلا نادرا في العالم العربي فهم يقرأونك بخلفية معينة وبنمط واحد ومحدد وبانطباعات منقولة نقلا ومرسخة من جهات مختلفة، لكن القارئ غير العربي قد يقبل عليك بطريقة مختلفة.
كلمة أخيرة؟
- قلت كلاما كثيرا ماذا سأقول بعد؟
*قل ما تشاء عن الشعر والقراءة وعنك؟
*أتمنى ان أقرأ عربيا بشكل دقيق لا أريد حملات دعائية فارغة ولا ترويج حكومي ولا حزبي او وطني فقط أريد ان يتعامل معي القارئ بشكل محايد وان يدخل كتابي بلا خبرة سابقة وبلا نوايا مسبقة وبلا قسوة كما أتمنى ان لا يجفل من دهشة الشعر وان يترك روحه تعبر عما تراه وتشعر به، وأن يبتعد عن المقارنات والاحكام الجاهزة. كما اتمنى ألا يتوقف البعض عند بطولتي في المحاكم وألا ينسى ان قصيدتي عارية، لا تريد تهليلا أو تقليلا ليدخلها بلا أفكار جاهزة وبلا نظريات معدة سلفا، وليتحرر القارئ من عقده عسى يحررني من عقدي أيضا.
rwayda
08-Aug-2008, 12:38 AM
فاروق شوشه
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:HdjK_jn_0dc-DM:http://arabi.ahram.org.eg/arabi/ahram/2004/7/24/39.jpg
اهملنا شعر التفعيلة فضاع كبرياء القصيدة
فاروق شوشة, هو فاروق محمد البغدادى شوشة , ولد فى يناير 1936 بقرية ( الشعراء ) بمحافظة دمياط , درس حتى نهاية المرحلة الثانوية بدمياط , ثم التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة وتخرج فيها 1956 ثم نال الدبلوم من كلية التربية بجامعة عين شمس 1957 وفى 1958 التحق بالاذاعة المصرية وارتقى بها حتى اصبح رئيسا بها حتى اصبح رئيسا لها 1994
وفى مسيرته :
رئيس اتحاد كتاب مصر
رئيس جمعية المؤلفين والملحنين
عضو مجمع اللغة العربية
اصبح الان الامين العام للمجمع
برنامجه اليومى ( لغتنا الجميلة ) باذاعة البرنامج العام يدخل عامه الاربعين بعد اشهروبرنامجه التليفزيون الاسبوعى ( امسية ثقافية ) دخل عامه الثلاثين منذ اول هذا العام
يعمل ايضا استاذا للادب العربى بالجامعة الامريكية بالقاهرة
حوار مع شوشة اجراه معه :: بشير عيّاد
هل ترى اننا اليوم نمر بمرحلة ((مخاض شعرى )) , وان عمليات التجريب المستمرة سوف تتمخض عن شئ ما او شعر ما ؟؟!
-من المؤكد ان الساحة الشعرية الان فى مخاض وهو الذى نتصور دائما انه سيحمل مولودا بحكم التجارب السابقة
-فقد جاءت حركة الشعر الجديد وهزت القصيدة العمودية بعنف _ ايا ما كانت التسمية _ ثم فتحت التفعيلة بابا لقصيدة النثر , لولا شعر التفعيلة ما كانت قصيدة النثر , وانا اتصور فى داخلى ان قصيدة هى رد فعل لعدم احكام كثير من نماذج الشعر الحر , قصيدة الشعر الحر عندما ترهلت ولم يعد لها احكام القصيدة العمودية , واصبحنا نرى الكثير من مطولات الشعر الحر التى تنافس فيها عدد من كبار الشعراء قد فقدت معالمها, ولم تعد لها بداية ونهاية , تخلت عن فكرة الاحكام الفنى الذى يضبط كل شئ بميزان شديد الدقة , فوجدت قصيدة النثر فرصتها للتمرد , وللتعبير عن اننا محتاجون الى شئ فيه حرارة من نوع اخر ... الخ
-صحيح هناك ارهاصات قديمة بقصيدة النثر , لكن انا اتكلم عن الواقع , قصيدة النثر هى مولود طبيعى
عن شعر التفعيلة , ولابد ان يرى الشعراء الامر فى هذا الاطار , ولكنه مولود تخلى عن الموسيقية , ففقد شرعية الشعر الخيط الاساسى فى داخل اى بناء شعرى خيط موسيقى هو لا يضاف .. ولكن به يولد الكلام , فهو جزء من التكوين الشعرى وهو فى رحم الشاعر , الكلام لا يتزل عاديا ثم تزنه على الورق , الكلام يتوالد موزونا وموسيقيا , اذاًً , الموسيقى فى جينات القصيدة وليست عنصرا مضافا لنبقيه او نبعده ونفصله . الى اخر ما يتصور البعض , وبدون هذه الجينات الموسيقية فى العمل الشعرى لا نرى انه شعر , صحيح ان من يبدعون قصيدة النثر خصوصا فى الجيل الرائد الاول امثال محمد الماغوط وانسى الحاج واودونيس , كتبوا لنا كلاما جميلا نستمتع به على انه ابداع جميل باللغة فى صورتها النثرية عندما يصبح النثر عملا فنيا جميلا , هو يفوق الكثير من الابداعات الشعرية المتعارف على انها شعر... هذا ليس بدعة , وليس شيئا غير مألوف ولكن لكى نميز الاشياء لابد ان نقول : يا من آثرتم كتابة قصيدة النثر , انتم تخليتم عن عنصر جمالى اساسى فى التكوين الشعرى ... ماذا اكتسبتم بديلا منه؟! .. هذا هو السؤال . لا اعتراض لى على ان يكتبوا , ولا على من يمارس حريته , ولا اتوقف لاسال نفسى مثل هذه الاسئلة على الاطلاق , قد يصادفنى فى قصيدة ما مقطع يجئ نثريا , لا بأس , ليس لانى اريد كتابة قصيدة نثر , ولكن لانى اخضع للكلام الجميل عندما يواتينى فى سياق شعرى لا اعتراض لى على نفسى فكيف ارفضه من الاخرين هذا هو السؤال
rwayda
08-Aug-2008, 12:38 AM
الا ترى ان الشعر فى شكليه الموسيقيين العمودى والتفعيلى _ ما يزال مليئا بالغبار والاتربة ؟؟؟
الشعر الحر_ بكل اسف _ بعد مرور اكثر من نصف قرن الان لم نهتم بان نقيم مؤتمرا واحدا نقيم فيه حصاد هذا الشعر ... ماذا صنعت ايها الشعر الحر فى القصيدة العربية ؟؟ ماذا قدم شعراؤك عبر نصف قرن من انجاز شعرى؟؟ انا هنا لا اتكلم عن شاعر , ولا عن قصائد ... انا اتكلم عن حركة شعرية بسطت جناحيها على الافق العربى كله , ما هو الانجاز الحقيقى لهذه الحركة ؟ هل هو المسرح عندما كتب عبد الرحمن الشرقاوى وصلاح عبد الصبور مسرحيات بالشعر الحر؟؟ هل الانجاز مسرحى بالدرجة الاولى خصوصا ان هناك من يرى ان صلاح عبد الصبور قمه فى مسرحه تختلف عنه فى شعره , والكلام نفسه قيل عن شوقى وقيل عن الشرقاوى هل جاء الشعر الحر ليحل معادلة الدراما المسرحية والشعر الحر وكفى ؟؟ هل الشعر الحر فى اطار القصيدة _ والقصيدة الذات_ ما زال يعطى الزخم الذى قدمه فى موجاته الاولى عندما كان السياب انشودة المطر وصلاح عبد الصبور يكتب "اغنية حب) واحمد عبد المعطى حجازى يكتب ( كان لى قلب ) هل هذا كله مستمر حتى الان ام ان هناك شيئا اخر؟ كل هذا كان لابد ان يخضع للدراسة والتقييم , انا فى كثير من الاحيان احس ان هناك جيشانا فى داخلى يطمح الى كبرياء القصيدة العمودية , واسميه ( كبرياء ) لان القصيدة العمودية فى وجدانى كانت تعنى الشموخ والهيبة والكبرياء والسلطة الشعرية والاحكام ... كل هذه المفردات .
انا اتامل الان ما يكتب من نماذج فى الشعر الحر .. اجد التدفق الموسيقى , اجد انسياب اللغة , اجد الطواعية اجد الاقتراب احيانا من اللغة الواقعية لكن لا اجد هذه الاشياء التى تكلمت عنها والتى كانت تجعلنى استشعر الزهو... هذا هو شعر امتى , هذا هو ابداع لغتى , ليس هذه الكتابات المهمشة التى يوحى الىّ الكثير منها انها مترجمة , وانها خلت من الوتر او خيط الامومة الشعرى الذى لا يرى , والذى يربط الشعر الراهن بابيه وجده , والذى يقول لى هذا شعر جده عند المتنبى او عند ابى تمام , الابن غير الاب وغير الجد ولابد ان يكون هكذا لكن الخيط المشدود الذى قد لا يرى بالعين لكنه يحس عند القراءة لا نراه الان
الذين يتكلمون عن ( قطيعة شعرية ) واهمون لان ( قطعة ) مع ماذا ؟ ماذا صنعت ليكون ذلك قطيعة معه ؟
انت تتمرد عليها .؟؟ ...انت تريد ان تفجر وتهشم .. ما الذى بين يديك؟ ما هو الموروث الشعرى الذى تعرفت على جمالياته؟؟
لا يمكن لاى بناء بناء ان يمسك ب ( المسطرين ) ليبنى الا اذا كان قد خبر كيف يبنى البيت , ويبنى القصر وتبنى الفيلا ويبنى القش ويبنى الكوخ , ويعرف معمار كل نموذج من هذه النماذج ... انت ماذا بنيت قبل ان تمسك بمسطرين الشعر لتبنى مدماكا واحدا فى البناء الشعرى؟؟؟!!!
rwayda
08-Aug-2008, 12:42 AM
أجرت المجلة الفرنسية “ليكسبريس” (عدد 03 /05/2007) مع الكاتب التركي أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل للأدب سنة 2006، حواراً مهما عقب صدور مؤلفه الأخير “إسطنبول- ذكريات مدينة-”. و هو بمثابة سيرة مزدوجة للكاتب و مدينته التي نشأ و ترعرع فيها.
و في هذا الحوار يتحدث الكاتب عن وجهة نظره في العمل الأدبي و عن مدينته وكذلك عن التهديدات التي وجهت إليه داخل تركيا بالقتل.
للتذكير فأورهان باموك من مواليد إسطنبول بتركيا سنة 1953، وله عدة أعمال روائية أهمها : الكتاب الأسود، القلعة البيضاء، إسمي أحمر، ثلج و اسطنبول. وقد نال عن جل أعماله عدة جوائز أدبية من وطنه تركيا و من فرنسا و ألمانيا كانت آخرها جائزة نوبل السويدية.
- كيف هي أحوالك؟
- على أحسن وجه، لقد استقررت منذ أسابيع بنيويورك في إطار تلبيتي لدعوة وجهت لي من طرف جامعة كولومبيا. إنها المرة الأولى التي ألقي فيها دروساً، كما أنها المرة الأولى التي أزاول فيها مهنة معينة، فطوال عمري لم أفعل شيئا غير الكتابة. كما أنه بالنسبة إلي إنه رجوع إلى الأصل لأنني هنا داخل غرفة طلاب صغيرة كتبت روايتي الأولى : الكتاب الأسود. حينها لم أكن أملك مالا و لم أكن تقريبا أجد ما أقتات به و كنت أقرأ الكتب داخل أروقة المكتبات.
- تعود اليوم بعدما حصلت على جائزة نوبل للأدب، فما الذي تغير الآن؟
- لندع لغة الخشب جانبا. إن أول شيء يتغير بعد حصولك على جائزة نوبل هو رصيدك البنكي. بطبيعة الحال هذه الجائزة هي بمثابة تشريف لي خصوصا أنني أول تركي يحرز هذا التتويج. و إنني جد سعيد بذلك. و لكن من جهة أخرى فالجائزة تفرض علي أن أتحول إلى دبلوماسي ضدا على طبعي الذي لا يتلاءم مع كثرة الترحال و الاستجوابات بل ينحً تجاه العزلة و الإبداع. إنني أًستدعى في أنحاء المعمور لأعطي رأيي فيما يجري سياسيا، وهذا أمر يزعجني لأنني كاتب و لست معلقا سياسيا. من جهة أخرى حصولي على الجائزة مبكرا يوفر عني الإجابة عن أسئلة الصحافيين الدائرة حول إمكانية حصولي يوما عليها.
- أليست المسؤولية هي أكبر على عاتق من تسلم الجائزة؟
- إنه سوء فهم، فلا أعتقد أنه بحصولي على الجائزة أصبحت فجأة إنسانا مختلفا، أي مخولا لي الحديث في السياسة. أنا لا أحبذ فعل ذلك. إننا لا نصبح أكثر تأدبا لأننا حصلنا على جائزة نوبل. مسؤوليتي لا تنحصر في ادعاء إنقاذ العالم أو تغييره بخطابات سياسية، ولكن مهمتي هي الاستمرار في كتابة الروايات، ولهذا حصلت على الجائزة و ليس لأسباب سياسية.
- لكن هذا ما يروج له بعض خصومك داخل تركيا.
- هذا صحيح، و لكن ما يحرك هذه الهجمات هي الغيرة أو عدم اهتمام الوسط الأدبي بأصحابها. و في جميع الأحوال هذه الجائزة لا تغير من رؤيتي لحياتي في شيء، فأنا لا أنوي توجيه الضمائر بل سأستمر في الاستيقاظ كل صباح لأكتب القصص.
- ولكن ألا تظن أنه بطريقة معينة يمكن للأدب أن يغير العالم؟
- ليس لي مثل هذا الادعاء. فأنا لا أكتب لأغير العالم. إنني أكتب لأنه يجب علي أن أكتب. هذا كل ما في الأمر. إنني أشبه بطفل يلعب الكرة عن حب و تأتي أنت لتسأله هل له نية في تغيير العالم بضربة كرة.لا، إنه يلعب لأن هذه اللعبة هي الوسيلة الوحيدة المتوفرة له للوجود. و إذا أصبح يوما بطلا و ساهم ذلك في تغيير بعض الأشياء في العالم فهذا شيء آخر. فلنكن جديين، إن غاية الأدب ليست هي خدمة الإنسانية. على الكاتب أن يرصد أعماق وجدانه و مخيلته. التغيير يقع عندما يذهب بعيدا إلى حدود هذه المغامرة، و بنفاذه إلى عمق الروح الإنسانية قد يكتب روايات يمكنها، بطريقة ما، أن تكون مفيدة للبشرية. و لكن لا يجب أن تصير هذه النقطة هاجساً، فخدمة الإنسانية هي نتيجة و ليست هدفاً.
- تلقيت تهديدات بالقتل من طرف قوميين متعصبين فهاجرت من اسطنبول، فهل ستعود إليها؟
- نعم، لأنني لا أهول الأمور. و قد تلقيت دائما تهديدات و لكن لم يكن ذلك بسبب رواياتي، فالذين يهددونني لا يقرؤون كتبي. إن تصريحاتي خلال الاستجوابات الصحافية هي ما يجر علي هذه الاعتداءات و ليس عملي ككاتب، فتصريحاتي غالبا ما تُحور و تؤول بشكل سيء من طرف أشخاص أظن أنهم غيورون أو أناس هم في حالة غضب.
- هل تخشى الموت؟
- بطبيعة الحال. و لكننا سنموت يوماً. أليس كذلك؟ أظن أن إحدى السمات الرئيسية للطبيعة البشرية هي قدرتنا على نسيان المستقبل، و هذا ما يسمح لنا بأن نكون متفائلين. شخصيا هذا ما يجعلني أحافظ على ابتسامتي وفي البقاء على قيد الحياة. إنني باقٍ.
- تتموقع اسطنبول في قلب كل أعمالك و تكتب بأنها مدينة بين “عالمين”، كيف يمكن العيش هكذا مفرقاْ؟
- إن تركيا و اسطنبول تغري بالكثير من الكليشهات، بعضها يتضح أحيانا وكأنه واقع. و لكن في ما يخص اسطنبول يجب أن نفهم بأن هذه الحاضرة هي ثقافيا من أوربا الشرقية المنغرسة في المشرق. طبيعتها أن تكون بين الشرق و الغرب. و لكن، عندما نعيش هناك حياة يومية لا نشعر بالأمر. يجب أن يغادر المرء المدينة ليحس بذلك أو أن يكون أجنبيا و يقوم بجولة سياحية فيها. إن لنا ثقافتان، و روحان أيضا.
- هل تشكل هذه الطبيعة المزدوجة امتيازا أم مشكلا؟
- بالنسبة لي إنها امتياز. في اسطنبول كُثُر نحن الذين نريد الاستفادة من جميع ما تمنحه كل ثقافة على حدة. لكن بالنسبة لآخرين –وهم قلة- هذه الازدواجية غير متحملة و يًنظر إليها على أساس أنها “شيزوفرينيا”. مشاكل الهوية التي يتعرض لها بعض سكان المدينة هي مرتبطة جذريا بذلك. إنهم محاصرون بين وجهين متناقضين جداً في ما بينهما. بالنسبة للبعض هذه الازدواجية هي أيضا تعارض بين أمل في الديمقراطية و رفض لها. بينما أظن أن غنى و عمق الثقافة التركية مرتبط بهذا المزيج من حضارتين و وجدانين تتولد عنها مخاضات، لكن في خضم هذه المخاضات تنبثق الثقافة الحقيقية.
- كثيرا ما يقال عن نيويورك بأنها ليست الولايات المتحدة الأمريكية. فهل يمكنك أن تقول نفس الشيء عن اسطنبول، أي بأنها ليست تركيا؟
- في الواقع إن اسطنبول لهي مختبر خصوصا في مجال السياسة و الديمقراطية. وعلى العكس من ذلك إنني أتجاهل ذاك التكبر الفكري القائم على القول بأن المدينة التي نقيم فيها (نيويورك بالنسبة للأمريكيين أو اسطنبول بالنسبة للأتراك) هي مختلفة عن باقي البلاد، أي أنها أعلى منها مرتبة. إذا أكدت بأن اسطنبول لا تشبه المدن التركية الأخرى فهذا مرده قبل كل شيء لكوني كاتبا اسطنبوليا، فقد ولدت وترعرعت في اسطنبول و أكتب عنها منذ أن حملت القلم. والاختلافات التي أشدد عليها هي مميزات خاصة بهذه الحاضرة أكثر من أن تكون مجرد أشياء لا نراها بباقي المدن، وهذا بكل صراحة لأن اسطنبول مدينة تركية. لننسَ الخطاب السياحي الذي يدعي بأن الأمر يتعلق بطرف أوربا الموجود في آسيا. لا، فاسطنبول هي بحق حاضرة مخضرمة، غربية و شرقية، و لكنها تركية، تركية بعمق. إنها مدينة تسكنها عشرة ملايين نسمة أي أكثر من سكان نيويورك. بينما لا يزور السياح سوى جانب واحد، ذاك الذي يقطنه مليون واحد فقط من البشر، هذا المليون لا يمكنه أن يخفي التسعة الباقين و الذين يشبهون ملايين الأتراك في باقي البلاد. اسطنبول تشمل كل مشاكل تركيا. لا تنسوا بأن بعض سكانها هم من أشد الفقراء في كل البلاد. إن المدينة السياحية لا يجب أن تخفي الواقع. كل المشاكل التي تواجه تركيا هي متواجدة في اسطنبول: الهجرة، الدين، القومية…
- ستكون هناك إذن محاولة لتقديس اسطنبول على حساب باقي تركيا.
- إنها محاولات الغربيين خصوصا، أليس كذلك؟ صحيح أن الأحياء السياحية هي أكثر تقدما و أحسن تحديثا و تفتحا، و سياسيا هي أكثر وعيا من الأحياء الأخرى و لكنها ليست أكثر أهمية منها. إن اسطنبول حيث ترعرعت لا يزورها سياح، إنها نفس البيئة التي لقرية بوسط أناطوليا، يجب الإقرار بذلك. إن هناك جانبا أسود قديماً في هذه المدينة و الذي يجعل التعايش بين هذين العالمين مهما وخطيراَ في نفس الوقت.
rwayda
08-Aug-2008, 12:43 AM
- في أية بيئة ترعرعت؟
- هذا الكتاب هو سيرة ذاتية، لكنه أيضا تأريخ للخمسين سنة الأخيرة من حياة اسطنبول. إنني أروي القصة الثقافية لمدينتي دون أن تستحوذ فيها سيرتي على الباقي. المشكل هو أن السيرة الذاتية هي فن الاجتزاء و عدم الإفصاح، أن نشتغل بواسطة الأجزاء و نترك بعض اللقطات للمونتاج كما يقال في السينما. كان بإمكاني أن أكتب عشرة أجزاء عن حياتي و عشرة أخرى عن مدينتي، و لكن بالاحتفاظ على نقط الاشتراك بين الاثنين لم يبق سوى كتاب واحد: هو هذا. لم أحتفظ سوى بالحلقات التي طبعت لحظات الانفتاح الفكري على الفن والسياسة، فكلها عرفت ميلادها في مكان ما من المدينة وفي وقت محدد، و بطريقة جعلتني لا أدعي رصد تاريخ اسطنبول بل أن أبين بأنه كان لها تأثير واضح في حياة شاب كان على الدوام يحلم بأن يصبح كاتباَ.
- أنت تروي بأنك كنت تتمنى أن تصبح رساماَ.
- نعم هذا صحيح بالفعل. بين 7 سنوات و 22 سنة أردت أن أصبح رساماَ. لقد رويت بأية طريقة دفعتني اسطنبول أن أصبح ذاك الرسام الذي لسته. وأنا يافع كنت أتنزه في أزقة المدينة أصور المناظر و الناس و عندما أعود إلى البيت كنت أظنني بمتابة بيسارو أو أوتريو. بعدئذ تساءلت عن البعد الجمالي لهذه المدينة، وبتأملي في هذه الفكرة اكتشفت نصوص الكتاب الفرنسيين للقرن التاسع عشر وعلى الخصوص بودلير. بالنسبة له فالمناظر تؤثر مباشرة على الحواس وعلى وجدان من يتأملها. و بالتنقيب في هذه الفكرة و بمحاولة معرفة لماذا كانت اسطنبول مثيرة جدا صادفت أيضا كبار الأدباء الفرنسيين الآخرين أمثال فلوبير ونيرفال و غوتيي الذين كانوا يأتون إلى اسطنبول ويكتبون حولها الكثير مؤثرين في الكتاب الأتراك و مانحين إياهم القوة أيضا للكتابة. وهكذا بقراءتي لهؤلاء الكتاب فهمت أن الكتابة كانت بصيغة أخرى تتساوى مع الرسم. و لأجل ذلك نجد الرسم والرسامين حاضرين دوما في رواياتي. إن الكاتب هو رسام يستخدم الكلمات بدل الألوان و القلم عوض الريشة.
- لماذا قايضت بالريشة القلم؟
- من بين أمنياتي في أن أصبح رساما هناك الرغبة في قضاء الساعات كل يوم وحيدا داخل المكتب. إنها أيضا ميزة الكاتب، إنني أحب هذه العزلة، كما أحب الحلم كذلك.
- ما هو مفتاح فهم اسطنبول؟
- التعقيد. إننا نعيش في مجتمعات تريد أجوبة آنية و سهلة لكل شيء. إن اسطنبول مدينة تذكرنا بأن هذه الرغبة هي مجرد وهم، فوحده التعقيد يجيب عن الأسئلة التي تطاردنا. واسطنبول هي وجه التعقيد بعينه، إنها المزيج بين مدينة إسلامية تقليدية و مدينة أوربية ليبرالية. مفتاح هذه الحاضرة هو في هذه النصيحة: احترموا هذه الظلال و الرموز، فكلما أفلتت منك المدينة يمكنك أن تفهمها، إنها مفارقة مطلقة، أفهم ذلك. ففي اسطنبول نأتي للتفرج على المدينة و ليس لاستكشاف أسرارها، لأننا في هذه الحال لن نخرج سالمين.
- هل هذا يعني أن اسطنبول قابلة للاندماج في أوربا؟
- بالنسبة إلي فاسطنبول تشكل جزءا من أوربا بما أن فريق غلط سراي لكرة القدم يلعب من أجل كأس أوربا. إذا طلبتم مني معرفة هل اسطنبول توجد في أوربا سأجيبكم بأن تنظروا إلى الخارطة لتعاينوا الأمر. لكن بكل جدية لسنا لحدود اليوم في المستوى المطلوب. من هذا المنطلق يتوجب على تركيا أن تكون ثقافيا قادرة على اللحاق بالديمقراطيات الأوربية في الاتحاد لكن دون القطع مع جوهرها الحقيقي. فرغبة تركيا في دخول الاتحاد الأوربي تطرح المشكل التالي: ماهي الثقافة الأوربية؟ هل هو الدين؟ هل هو التاريخ؟ هل هي الجغرافيا؟ أم هو شيء آخر؟ إن اسطنبول تنتمي تاريخيا و جغرافيا إلى أوربا، لكن السؤال الذي يجب علينا جميعا (الأتراك و باقي دول الاتحاد) الإجابة عليه هو : كيف نرى مستقبل أوربا؟
rwayda
08-Aug-2008, 12:46 AM
حوار مع الروائي المصري يوسف القعيد
* هل يستطيع المثقف العربي النجاة من السؤال السياسي؟
- لا.. إطلاقا سواء باعتباره إنسانا عربيا، أو باعتباره مثقفا عربيا، لا ينجو أبدا من الغرق في تفاصيل السياسية. وأنا أصاب بانزعاج شديد لأن معظم الكتاب الجدد في مصر يفتخرون بأنهم لا علاقة لهم بالسياسة إطلاقا، ويعلنون أن هذا شأن السياسيين وليس شأن المثقفين، وبالتالي لا علاقة لهم ولا اهتمام لهم بالسياسة، مع أنه – في تصوري – أن تعريف المثقف هو الإنسان الذي يتعدى إدراكه مشاكله الشخصية، يعني يكون مرشحا ليشعر بمشاكل الآخرين ويحس بهمومهم وبآلامهم ويعبر عنها وينفعل بها ويعتبرها همومه حتى لو لم يكن يعاني منها، هذا هو التعريف البسيط لكلمة مثقف، ومن لا يفعل هذا يفقد شرط من شروط أن يكون مثقفا.
* لو حدث أن تورط المثقف، هل يمكن للنص أن ينجو؟
- أنا أيضا معترض عن كلمة "التورط" والنص لا بد أن ينجو إذا كان صاحبه يريد له أن يبقى، لأن الكتابة الآنية لا يبقى منها شيء، وربما يُغتفر للشاعر أن يتابع حدث آني بقصيدة شعرية، ليس لمذبحة دمشق التي كتب عنها أحمد شوقي، ولا الحرب اليابانية التي كتب عنها حافظ إبراهيم، لكن في كتابة النص الروائي لا بد أن يستند إلى شيء باق، شيء يبقى مع الزمن، حتى عندما يقرأ هذا النص شخص لم يعاصر هذا الواقع يستطيع أن يصل إلى النص بسهولة، أو شخص بعيد عن المكان الذي تمت فيه كتابة هذا النص. الكتابة شرطها الجوهري يتأتى من تحقق شكلها الفني، وليس لأنها تحتوي على هذا الهم أو ذاك.
* عندما حصل ماركيز على نوبل سنة 1984 صرح بأنه أخذ منجزات القص من ألف ليلة وليلة وأنه لولا قراءته لها، ما كان قد أنجز ما أنجز. بعدها مباشرة تفطن جيلكم الذي كان مفتونا بالسطح إلى عمق هذا التراث، لكن للأسف عن طريق وساطة، فهل يحتاج كل جيل أدبي إلى كاتب مثل ماركيز ليهديه شهرزاده؟
- أنا أريد أن أحكي لك شيئا قبل أن نتحدث عن شهرزاد، عندما كتبت رواياتي الأولى في منتصف الستينات من القرن الماضي، كنا جميعا نفخر بأننا قرأنا البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست ويولي لجوليس، ونعتبر أن قراءة هذين العملين هي جواز المرور إلى الكتابة الروائية، لكن بعد نكسة يوليو 1967، النكسة المدوية التي حدثت، حدث نوع من العودة إلى التراث كنوع من البحث عن أركان الذات وعن أشياء نستند إليها في معركتنا مع العدو الصهيوني، وفي هذه الأثناء أعدنا اكتشاف تراثنا، وأنا شخصيا اكتشفت في تراثنا سرد وحكي متقدم على الغرب نفسه يغني، فلو قرأت القرآن بعين الفنان ستكتشف أن في سورة يوسف وفي سورة مريم كل منجزات القص الحديثة التي جاءت من الغرب، المونولوج الداخلي، الجملة الاعتراضية، ضمير الغائب، ضمير المتكلم، ضمير المخاطب، ففي سورة يوسف تتجلى كل هذه الأشكال الفنية التي جاءت لنا من الغرب وسعدنا بها جدا، وأريد أن أقول أيضا أنه في سنة 1984 عندما حصل ماركيز على جائزة نوبل وصرح علنا أنه أخذ منجزات القص من ألف ليلة وليلة وأنه لولا قراءته لها مترجمة إلى لغته التي يقرأ بها، ما كان قد أنجز ما أنجز وأن الواقعية السحرية التي قدمها نابعة من ألف ليلة وليلة، هذا الكلام دفع أجيالا جاءت بعدنا لقراءة ألف ليلة وليلة، وأنا آسف لأننا عرفنا هذا التراث عن طريق الغرب، ويجب أن نعترف أيضا بحادثة أخرى مؤلمة، وهي أن ألف ليلة وليلة نشرت بالفرنسية قبل أن تنشر بالعربية، وأن نشرها العربي جاء بعد اكتشاف النص وترجمته إلى اللغة الفرنسية، لكننا جميعا أحفاد شهرزاد، والارتباط بتراثنا مهم جدا في أن نجد لغة قص عربية ونكهة عربية في القص والحكي وكتابة الرواية.
* تعتبر أن هذا الجيل الجديد أكثر حظا منكم؟
- لا.. أنا مختلف معك، هو أتعس حظا منا، أنا عندي ابن اسمه أحمد يدرس دراسات عليا في كندا، أنا أنظر إليه بإشفاق، الكتاب الذين جاؤوا بعدنا لن يكونوا أسعد حظا منا، نحن مررنا بخيبات وويلات لكن ما ينتظرهم مجهول، لا أدري إلى أين يمكن أن يقود الأشياء، يعني المدونات على الإنترنت خطر يهدد الكتاب، وضع الكتب على الإنترنت خطر يهدد الكتاب المقروء، هذا الإعلام الرهيب وهذه الفضائيات الرهيبة التي تملأ السماء العربية لا تخدم الثقافة، لكنها تشكل خطرا حقيقيا عليها، أنا لا أعرف شكل المستقبل الآتي، لكني أعتقد أن الوجدان، الكتابة والمعاني المجردة التي جرينا وراءها وحلمنا بها معرضة للخصخصة، وبالتالي أنا أعتقد أنه ينتظرهم مستقبل قد يكون ما عشناه نحن بويلاته وآلامه أفضل بكثير من الآتي.
هل المستقبل للرواية، وما رأيك في مقولة "الرواية ديوان العرب"؟
- أنا موافق جدا على هذا الكلام، أنا أريد أن أقول أن الرواية ديوان العالم وليس العرب فقط، بمعنى أن أكثر الكتب نشرا وقراءة هي النص الروائي، ليس لأني روائي ولكن عندما أعرف مثلا أنه في فرنسا وحدها صدر سنة 2006 أكثر من 600 رواية، يعني بواقع روايتين في اليوم وأن حوالي 180 رواية منهم تنشر لكتاب يكتبون لأول مرة، للأسف لا توجد عندنا مثل هذه الإحصائيات في الوطن العربي، لكن أعتقد أن الرواية هي الفن الأول والجوهري والأساسي، ليس في مصر، ولا في العالم العربي، ولا في العالم الإسلامي وفي العالم الثالث، ولكنها على مستوى العالم
* كيف تفسر ظاهرة لجوء الشعراء العرب للرواية، هل هو موسم الهجرة إلى الرواية؟
- محمود درويش قال لي أنه يكتب رواية اسمها "البيوت" تدور حول البيوت التي سكن بها وعاش فيها، سميح القاسم يفكر في كتابة نص روائي، محمد عفيفي مطر انتهى من كتابة مجموعة قصص قصيرة للأطفال ويكتب نصا روائيا الآن، سعدي يوسف كتب نصا روائيا، محمد القيسي له نص روائي كتبه قبل أن يموت، وهكذا الكل يجري وراء النص الروائي، علما بأنني أعتقد بأن القصيدة الروائية التي تحافظ على الشكل الشعري وتحكي وتسرد، ربما كانت أفضل من أن يترك الشاعر النظم أساسا من أجل أن يكتب نصا روائيا، كان يمكن أن يكتب نصا مفتوحا يمكن أن يكون رواية ويمكن أن يكون قصيدة في نفس الوقت.
* هل أصيب الموضوع الشعري بالعجز وصار معقدا إلى هذا الحد؟
- ليست عاجزة، أنا سمعت من المنصف المزغني – باعتباره معنا الآن – في العراق منذ سنوات قصيدة سردية كان عنوانها "عياش" أعتقد أنها سرد حقيقي وأنها نص روائي، وأنه لو ابتعد قليلا عن القصيدة ودخل قليلا إلى الرواية كانت أصبحت نصا روائيا كاملا ومتكاملا.
* هل سرق منكم نجيب محفوظ قراء وحجب عنكم أشياء كثيرة؟
- لا.. أنا لا أوافقك، لأنه توجد دعوى مثارة في مصر من سنة 1968 تقول أن نجيب محفوظ أصبح عقبة أمام الروائيين العرب، وهذه الدعوى تقوم على نظرية تقول أنه في أعقاب كل روائي كبير مثل تولستوي، مثل تشيكوف، مثل دستوفسكي، مثل بلزاك.. أنه في أعقاب كل روائي كبير تأتي فترة من التدهور في الكتابة الروائية، إلى أن يأتي كاتب كبير بعد قرن من الزمان، وهي دعوى مغلوطة، لأني أعتقد أن نجيب محفوظ لم يحجب عنا شيئا ولم يأخذ منا قراء إطلاقا، ونحن لنا تواجدنا، لكنه ليس بشهرته وكثافته، وفقط ما أقوله عن محفوظ أن نوبل التي حصل عليها سنة 1988 لم تتحول إلى نوبل للأدب العربي مثلما كانت نوبل التي حصل عليها ماركيز سنة 1984 وأصبحت نوبل للأدب المكتوب باللغة الإسبانية، يعني أصبحت نهضة حقيقية لرواية أمريكا اللاتينية، والفارق الأساسي بين حالة محفوظ وحالة ماركيز، أن ماركيز جزء من الغرب لكن نجيب محفوظ الآخر، والآخر هذه هي مشكلته الأساسية.
rwayda
08-Aug-2008, 12:50 AM
* هل تعتقد أن هذه الجائزة العالمية أصبحت مشبوهة ومغلوطة، وبالتالي السؤال عن القيمة الحقيقية لهذا النص المتوج أو ذاك؟
- طبعا واضح جدا، الكاتب الأخير الذي حصل عليها هو التركي أورهان باموك وكان في زيارة لمصر منذ أيام وأنا قابلته مرتين وهو كاتب جيد ودؤوب وله انجاز روائي، لكن الجوهر في سبب حصوله على الجائزة هو موقفه من مذبحة الأرمن التي تمت إبان الحرب العالمية الأولى في تركيا، والأرمن مسيحيون وجزء من أوروبا، وتعرضوا للإبادة من تركيا، وتصديه لهذه القضية، وباموك لم يتصدى لها روائيا بمعنى لم يكتب روايات عنها، هو تصدى لها بتصريحات صحفية إثارية، لكن هذه هي حجر الزاوية في حصوله على الجائزة، الجائز طبعا أنا متأكد أن هناك دوافع سياسية تحركها، لكن بالنسبة لنجيب محفوظ أنا أعتقد أنه يستحق الجائزة التي حصل عليها في اليوم الذي كتب فيه الكلمة الأخيرة في ثلاثية بين القصرين سنة 1950، يستحق الجائزة فعلا بعيدا عن السياسة.
* هل يمكن أن ينزع أحد الكتاب العرب منزع باموك ويصرح تصريحات قد تكون خطيرة العواقب من شأنها أن ترفع أسهمه لدى البيت الأبيض السويدي؟
- أتوقع هذا، أتوقع كتابة روائية تغازل نوبل، مثل التركيز على الأقليات العربية مثل المسيحيين أو النوبة أو الأرمن أو الأكراد، أتوقع كتابة فلكلورية موجهة للغرب، أعتقد أن تكون هناك تصريحات نارية بهذا الشكل، أعتقد ستظهر الشخصيات الإسرائيلية أو الصهيونية كثيرا في المشهد الروائي العربي بحثا عن مثل هذا الرواج، وأتوقع أيضا أن هناك كتاب سيكتبون من أجل الترجمة، كما أعتقد أن هناك زيادة مطردة في ستحصل في أعدد العرب الذين سيكتبون بلغات غير اللغة الأصلية، أعتقد أنه ستظهر كتابة ناتجة من خطة خلفية من أجل الحصول على جائزة نوبل في السنوات القادمة.
* لماذا انحرفت الجائزة، ألم يكن أدونيس المرشح الأقرب؟ وهل فعلا أدونيس يستحقها؟
- أدونيس يستحق الجائزة وغيره كثيرون من المبدعين العرب، لكن أعتقد أنه يكون هناك قرار مسبق، أعتقد في سنة حصول محفوظ عليها كان هناك قرار أن تمنح لعربي، أن تمنح لشخص يكتب باللغة العربية، أو أن تمنح لمسلم، أعتقد أن أدونيس دخل في دائرة التصفيات الأخيرة لأني قرأت هذا الكلام على لسان سكرتير الأكاديمية، لكن الجوائز لا تعبر عن ضمير أدبي حقيقي في جميع الأحوال، وتحدث تداخلات كثيرة، الأدب آخر تجلياتها عند منح الجائزة لهذا الكاتب أو لذاك.
* اللهفة التي أصابت بعض الكتاب لترجمة أعمالهم إلى لغات أخرى مهما كان اسم المترجم، ومهما كانت ظروف الترجمة، ومهما كان ثمنها، هل يحط ذلك من قيمة النص العربي أصلا؟
- تماما.. أنا قلت لك أنه من توقعاتي السابقة أنه قد يكتب كاتب من أجل الترجمة، وهناك نصوص تصدر دون ذكر أسماء، هناك نصوص تقدم لمترجمين وهي مخطوطة قبل أن تنشر باللغة العربية، ثم تترجم وتصدر بلغات أجنبية قبل ان تصدر بلغتها الأصلية، وهذا ضد قانون الترجمة، لأن الترجمة تقوم على ترجمة نص أثبت وجوده في لغته وبيئته الأصلية ثم يترجم بعد ذلك، الآن يحدث العكس، واللاهثين وراء الترجمة الذين يقيمون في العواصم الأوروبية أكثر مما يقيمون في بلادهم، هؤلاء لا يعنيهم سوى أن يترجَموا بصرف النظر عن أي اعتبار آخر. وأنا أرى أنها هوجة لن يبقى منها شيء لأن القضية الأساسية مثلا أنا سافرت لندن وباريس وموسكو وطوكيو من أجل أن أحضر حفلات توقيع لكتبي المترجمة، وقد سألت سؤالا محددا للناشر، هذه الكتب التي تترجم هل تطبع منها طبعات شعبية؟ قال لا، سألت سؤالا آخر: هل يقرأها راكب المترو؟ قال: لا. وقال لي أنها في معظمها موجهة إلى دارسي الأدب العربي والمهتمين بالحضارة العربية والمهتمين بالتجربة العربية بعيدا عن القارئ العادي الذي يقرأ النص للمتعة، وأنا أعتقد أنه من النادر أن تصدر طبعات شعبية لكتاب عرب، وأن هذه الترجمات كلها لا تخرج عن نطاق دارسي الأدب والباحثين عن الأدب في أي مكان في العالم.
أنا أتساءل معك: ما قيمة الترجمة لكاتب لم يقنع حتى في قومه؟
- لا قيمة لها، ولكن هناك كتاب ينفقون على ذلك الشيء الكثير، وهناك أنظمة حكم عربية أنت تعرفها كما أعرفها تنفق على كتابها بسخاء من أجل أن يترجَموا بصرف النظر عن هل هم موجودين في واقعهم أم لا؟ وهل هم مؤثرين في بلدهم أم لا؟ وهل لهم دور في مجتمعاتهم أم لا؟ والهدف هي الترجمة فقط، وهي تشكل حالة من الهوس الحقيقي عند كثير من الكتاب، وأنا أنظر لهم بسخرية شديدة جدا. الحمد لله أنا فقير ومن بلد فقيرة، لا أنا مستعد أن أنفق على ترجمة كتاب لي، ولا مستعد أن أسافر على حسابي الخاص، لا أستطيع حتى إذا أنا رغبت. وأيضا لا توجد حكومة مصرية مستعدة أن تلعب دورا من أجل ترجمة أعمالي، لأن أعمالي ضدها. وبالتالي فالحمد لله أنا خارج هذا المزاد الرهيب الذي يسيء كثيرا للأدب العربي المعاصر.
* المجتمعات العربية لا تقل غرائبية وسحرية عن مجتمع أمريكا اللاتينية، هل عجز الكاتب العربي على كتابة هذا المهرجان التراثي المتأصل أم أننا نفتقد إلى كاتب عربي مثل ماركيز لنستدل به على تراثنا وحضارتنا؟
- لم يعجز أبدا، فالمرآة التي تطير موجودة في ألف ليلة وليلة، الرجل الذي يتواجد في مكانين في وقت واحد موجودة في ألف ليلة وليلة، هذه الغرائبية السحرية موجودة في قصص القرآن نفسها، موجودة ويكتبها كتاب عرب معاصرون. لدينا من يكتب هذا ولدينا كتاب أهم بكثير من ماركيز، لكن المجتمع العربي لم يعد حاضنا لمواهب أبنائه وكتابه مثلما كانت تجربة مصر في الستينات.
* هل يمكن لواقع مثل واقعنا أن يفرز "الكاتب المؤسّسة"؟
- هذا غير موجود في مجتمعنا، نجيب محفوظ حتى وفاته لم يكن له سكرتير، عندما أتى باولو كويهلو إلى مصر كان معه 18 شخصا مرتبطين به، لدرجة أني أسميتها قافلة كويهلو، كان معه سكرتيرة خاصة، كاتب سيرته الذاتية، مخرج يخرج فيلم عنه، هذه تجربة لا بأس بها، أن يكون معك من يحمل عنك بعض الأعباء لكي تتفرغ للكتابة، لكن للأسف هذه غير موجودة في الوطن العربي، وأنا روايتي الأولى أصدرتها سنة 1969 يعني 38 سنة ومع ذلك مازلت أكدح من أجل أن أعيش، وما زلت أعيش من عائد عملي الصحفي وليس من عائد نشر أعمالي الأدبية، فالكاتب المؤسسة لم نعرفه بشكل متوسع في واقعنا، فأنا لا أخشى من فكرة المؤسسة.
* تراوح في الكتابة بين الرواية والقصة والمقالة، في أي موضع إبداعي يمكننا نتحسس روح يوسف القعيد؟
- أنا كاتب روائي بالدرجة الأولى، وأكتب القصة القصيرة في الاستراحة بين روايتين، أنا لا أدعي أني كاتب قصة قصيرة، أنا روائي، أعبر عن نفسي بالرواية وأحيانا أكتب القصة القصيرة، ولذلك تجد أن عدد رواياتي يفوق بكثير عدد مجموعاتي القصصية وأستريح جدا عندما أكتب واقع طالع من القرية المصرية، وأضيق ذرعا بالمدينة. أستريح جدا عندما أكتب رواية، وتقل هذه الراحة كثيرا عندما أكتب قصة قصيرة.
* المقالة الصحفية اليومية تقريبا هل تأخذ من النص الإبداعي؟
- أبدا، كل الأدباء لديهم إجابة جاهزة، يقول الصحافة سرقتني من الأدب، ولو لم أكن صحفيا كنت صرت أديبا أحسن، أنا أقول أن الصحافة خدمت الأدب كثيرا بالنسبة لي ومكنتني من رؤية كل شبر في مصر، ومكنتني من التنقل وأعطتني الوقت الكافي للقراءة والكتابة بشرط أن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وأنا أفعل هذا بدقة شديدة، أن أخصص وقت للكتابة الصحفية مرة في الأسبوع وأنتهي منها بسرعة، لكن الجوهر بالنسبة لي هو ما أكتبه أدبا، وهذا ما أنشره في الكتب وأسعى إلى نشره. وأعتقد أن هذا ما سيبقى مني وليس الكتابة الصحفية التي تكتب بمنطق "أكل العيش" أو مورد الرزق أو وسيلة حياة. رهاني الأساسي هو كتاباتي الأدبية وليست كتاباتي الصحفية.
* بمنطق "أكل العيش" هل يمكن أن تجمع في يوم ما كتاباتك الصحفية بين كتفي كتاب؟- غير وارد بالنسبة لي، أو ممكن أفعل ذلك، يعني ليس لي موقف من هذه القضية. لكن الكتابة الصحفية مثل كتابة السيناريو للتلفزيون أو للسينما، يدخل فيها الإنتاج، يعني أنا مقالتي الصحفية تصدر في جريدة لها سياسة وتوجه ويمكن أن يتدخل رئيس التحرير، ودعك من كل دعوة من دعاوي الحرية في الوطن العربي لأنها كلها دعاوي كاذبة في كل أنحاء الوطن العربي ولا أستثني أي دولة منه، لكن الكتابة الأدبية مختلفة، عندما أكتب أدبا لا أعبأ بأي شيء ليس معنى هذا أني في الصحافة أنافق لكن عندما أكتب لا أكون حرا بالقدر الذي أكون به عندما أكتب نصا أدبيا.
هل يؤمن يوسف القعيد بروائية أبناء جيله؟
- طبعا.. أؤمن جدا وأؤمن بالأجيال التي جاءت بعدنا.
* هل ثمة أسماء مختلفة عن البقية؟
- من جيلنا هناك جمال الغيطاني، لديه تجربة مهمة جدا في استوحاء التراث، استوحاء السرد، استوحاه من كاتبين مؤرخين، لكنهم لو عرفوا معنى كلمة رواية في زمانهما لكانوا قاموا بانقلاب في تاريخ كتابة الرواية كلها كابن إياس الذي أرخ لمرحلة المماليك في مصر.. من الأجيال التي جاءت بعدنا، هناك كاتبة اسمها أمنية زيدان، كاتبة مهمة جدا تكتب نصا روائيا فيه إضافة، وهناك روائي شاب اسمه حسين عبد العليم كاتب له أهميته وله تفرده وأنا شخصيا أتابعهم باهتمام وأيضا أتابع الرواية العربية بقدر وصولها إلينا. هناك في تونس حسن بن عثمان، آخر نص قرأته له اسمه "شيشخان" نص مهم، وطبعا محمود المسعدي الذي اشتهر كثيرا لأن الدكتور طه حسين كتب عنه مقالا نشر عندنا في مصر، وأتابع بقدر كبير الكتابة الروائية في الوطن العربي بقدر وصول الكتاب، لأن الكتاب العربي ينتقل من قطر عربي إلى آخر بصعوبة شديدة، هذا إذا انتقل طبعا.
* ألم يتراجع دور مصر ثقافيا، وسحب منها البساط لصالح – ما تسمونه أنتم – الأطراف؟
- لا.. مصر تراجع دورها السياسي كثيرا منذ أن وقع السادات على كامب ديفيد، وأقام صلحا منفردا مع العدو الإسرائيلي، وأثر ذلك كثيرا على دورها الثقافي، لكن مازال هناك إبداع أدبي في مصر جيد وممتاز رغم تردي الوضع السياسي، أيضا أنا من المؤمنين بأن الأطراف، وأنا ضد هذا التعبير تماما، تأخذ دورها، حتى لو سحبت البساط. أنا سعيد بهذا لأنهم أشقاء ويكتبون بنفس لغتي ويطرحون نفس همومي ويشعرون بكل ما أتألم به، وأنا سعيد بهم جدا.
* يعاني الكاتب المغربي نظير شقيقه المشرقي من الغبن والتجاهل، ليس من الإعلام فحسب، بل من الكتاب المشارقة أنفسهم؟
- لا تصل كتبهم إلينا، وإذا وصلت في مناسبة مثل معرض الكتاب، تصل غالية جدا، أسعار فلكية، يعني كتاب بخمسين جنيه، من يشتريه؟ المشكلة في عدم التواصل وعدم وصول إنتاجهم إلينا، لكنه لو أتى إلينا، لو طبع في مصر، سنحتضنه، ولا تنسى أن رموز الثقافة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، وإلى حد ما الربع التالي، كانوا كلهم صناعة مصرية، وكانوا كلهم ينشرون في المجلات المصرية، وينشرون كتبهم في مصر. هذه العادة تراجعت، وبالتالي لا نعرف عنها أي شيء.
* أبو القاسم الشابي مثلا اشتهر في المشرق؟
- طبعا، لأنه نشر في مصر وكان مرتبطا جدا بمصر، ولو لم ينشر – وهذا ليس من باب الشوفينية المصرية – لو لم ينشر الشابي شعره في مصر ما عرفه العالم العربي بهذه الكثرة وما ردّدت أشعاره عن الحرية بهذه الطريقة التي تمت بها عبر مصر.
* هل على الكاتب أن يقيم في مصر ليشتهر؟
- لا.. ينشر في مصر لا أقصد الإقامة بل النشر، هذه مسألة مهمة. نرجو أن نعود لها مرة ثانية، مصر مقصرة في حق الأشقاء العرب وهم أيضا مقصرين في حق مصر لأنهم يفضلون بيروت علينا الآن، لأسباب كثيرة ومتنوعة ولا أريد الدخول فيها، لكن يوجد تقصير مصري أنا معترف به، وأيضا هناك تقصير عربي لا بد أن يعترف به الأشقاء العرب ولا بد أن يتلافوه.
* كيف تفاعل يوسف القعيد مع الأحداث الأخيرة في لبنان؟
- أنا مؤمن بمبدأ يقول عدو عدوي حليفي، حسن نصر الله مسلم وعربي، نصر الله وقف ضد إسرائيل 34 يوما، وهذه مسألة أنا شخصيا فخور بها، بصرف النظر عن كثير من تجاوزاته داخل لبنان، هذه مسألة تخص الشعب اللبناني الشقيق لكن أنا سعيد بأن جيشا عربيا وقف ضد العدو الإسرائيلي 34 يوما، الباقي تفاصيل أنا لست طرفا فيها، ليست مسألة أني أنا متعب أو غير متعب، لكن أنا سعيد. طبعا ما يقوم به حسن نصر الله مؤخرا في الدعوة إلى عصيان مدني أنا ضده، لكن أقول أن هذه مشكلة لبنانية داخلية ممكن أن يتصرفوا فيها مع بعضهم.
* وماذا عن أشباه المثقفين الذين هرولوا لتمجيد إسرائيل؟
- خونة، خونة، خ..و..ن..ة..
* هل أنت متفائل بمستقبل الرواية العربية؟
- لا لست متفائلا، أنا مشغول جدا بقضية تراجع القراءة في حياتنا، مشغول بلا حدود بهذه القضية.
* ما رأيك في مقولة "الحداثة المزعومة"؟
- رأيي الشخصي أن الكتابة في العالم كله والعالم العربي جزء منه، داخلة على ما يسمى بالنص، الذي يكون فيه قص وشعر ودراما وبداخله كل تجليات الكتابة، أنا رأيي أن هذا هو مستقبل الكتابة القادم شئنا أم أبينا وبالتالي أعتقد أن الكتابة تسير في هذا الطريق حتى وإن لم ندرك نحن هذا وإن لم نستوعبه.
* عل ذكر "النص" في آخر كتاب لدرويش أشّر على غلافه كلمة "نص"؟
- هذا هو مستقبل الكتابة العربية كلها، الرواية والقصيدة والنص المسرحي والدراما.. سيكون هناك النص الذي يحتوي بداخله كل أشكال الكتابة المختلفة.
* الحداثة، هل هي نص أم سلوك؟
- الحداثة هي سلوك وليست نصا، وللأسف الشديد الحداثة فهمت خطأ مثلما فهمت البنيوية في النقد خطأ عندنا، الحداثة أن ترتبط بمجتمعك أكثر، أن تعبر عنه، أن تصير ضميره، أن تصير لسانه المعبر، أن تصير صوت من لا صوت لهم، لكن للأسف الشديد الفهم العربي للحداثة فهم خاطئ لأنه يرى أن الحداثة هي الإيغال داخل الذات والإطلال داخل النفس والبعد عن الجماهير، ويعتبرون الجماهير جريمة، لكن أنا رأيي أن هذا مفهوم خاطئ للحداثة، والحداثة لا تعني معاداة الجماهير كما يفهم الكثير من المحدثين العرب.
* هل ثمة كتاب -في فترة من فترات حياتك- أثر في توجهك الأدبي والفكري؟
- لا أنا ضد هذا.. ممكن أن أقول لك ألف ليلة وليلة لكن بمعنى أنه ساعدني على تأكيد اتجاهي أكثر من تغييري، الإنسان الذي يمكن أن يعيد إنتاج نفسه لأنه قرأ كتاب، أعتقد أنه غير صادق. بخصوصي ألف ليلة وليلة والقرآن الكريم، وأنا لا أقول القرآن نفاقا للإسلاميين، إطلاقا، أنا أقول القرآن بطريقة تغضب الإسلاميين لأنه عندما أتكلم عنه كنص قصصي يغضبون جدا ويعتبرون أ، هذا إبعاد للقداسة عن القرآن، لكن ساعدني على تأكيد اتجاهي لكنه لم يؤدي إلى تغيير هذا الاتجاه تغييرا مطلقا، من يقرأ كتابا فيصبح إنسانا آخر لا أعتقد أنه صادق.
rwayda
08-Aug-2008, 12:57 AM
حوار مع الروائي البرازيلي
باولو كويهلو
"لست وحيدا في هذه الحياة.. إنني قادر على أن أحب الناس ولو لم أكن قادرا على أن أتكلم لغتهم. لقد تألمت كثيرا ليس فقط من وجودي في المحتشد، فلقد عرفت أيضا مستشفى الأمراض النفسية على إثر تجربة عاطفية جارفة، وقد اعتبروني مجنونا، واكتشفت هناك كيف يكره الإنسان الإنسان، وعملت فيما بعد على أن أحارب هذه الحالة حتى لا يعيش الإنسان الإهانة. كما أني أحارب الظلم، فمنذ 1982 وأنا أدعو إلى عدم الزج بالإنسان في المحتشدات.. إنها جريمة.. أبدا لا يجب أن تتكرّر.. كلّ هذه التجارب في حياتي جعلتني أؤمن بأن الإنسان قادر على أن يكون مسؤولا عن الآخرين فطفقت أكتب.. وأكتب حتى اكتشفني الآخرون وأصبح صوتي مسموعا". بهذا البوح استهلّ الكاتب البرازيلي باولو كويهلو حديثه معنا مستلهما سيرة حياته وسجنه ومرارته وتجربته مع الجنون والمصحات النفسية وآرائه حول الموت والحياة والوطن والغربة والشرق والغرب. ولد باولو كويهلو سنة 1947 بريوديجانيرو في عائلة متوسطة وكان والده «بيدرو» يعمل مهندسا، في حين تهتم والدته "ليجيا" بأمور البيت. زاول تعليمه بالمدرسة المسيحية بسان أنياسيو بريو وسرعان ما نحت لنفسه روحا ثورية متمردة على الأساليب التعليمية الصارمة التي ينتهجها الرهبان، كما شهدت تلك الفترة ظهور ميولاته الأدبية ،
وفي السابعة عشر من عمره قرر أبوه وضعه في مستشفى الأمراض النفسية فكانت تلك التجربة مادة لروايته «فيرونيك تقرر الموت» خلال سنوات الستين التي شهدت انفجار التيار العالمي «الهيبي» وانطلاق ثورة فكرية عارمة طلب الملحن والمغني «رول سيكساس» من «باولو» أن يوحدا عملهما فأصبح الناطق بلسانه وتواصلا معا إلى سنة 1976 حيث حققا معا نجاحا هاما وساهما في تغيير وجه ساحة «الروك» البرازيلية. ولكن مختلف الأنشطة التي قام بها باولو بتنسيق كامل مع رول سيكساس كانت تتراوح بين العمل الصحفي والموسيقى والصور المتحركة فلم تلق قبولا في ظل الحكم الديكتاتوري المسيطر في البرازيل آنذاك والذي اعتبرها أعمالا تخريبية وهدامة فكان مآل «باولو» نتيجة ذلك السجن وخضع إلى التعذيب. لكنه استعاد حريته بفضل ملفه النفسي السابق الذي أدرجه ضمن المجانين وكان ذلك عاملا ساعده على مغادرة السجن. بعد تجربة السجون والمصحات العقلية بدأ كويهلو العمل في مؤسسة بوليغرام أين التقى بزوجته الأولى. لكن هذه الفترة لم تدم سوى عدة سنوات إذ قرر سنة 1978 مغادرة العمل ليرحل إلى مخيم داشوا حيث استعاد قدراته الأدبية ورغبته على ممارسة الكتابة فمثلت تلك الفترة منعرجا حاسما في حياته والتزامه الأدبي كما صالحت بينه وبين الكاثوليكية. فسلك الطريق القديمة للحج إلى «سان جاك دي كومبو ستال» صحبة «كريستينا أوتيسيكا» رفيقته الجديدة التي أصبحت في ما بعد زوجته واكتشف هنالك عديد الأسرار داخله والعالم المحيط به فكانت بمثابة الأفكار الرئيسية لكتابه الأول «حاج كومبوستال» الذي يعتبر بداية ظاهرة «باولو كويهلو» وهذا الكتاب الأول تولت إصداره دار نشر صغيرة برازيلية وسحبت منه تسعمائة نسخة ثم باعت منه إلى يومنا هذا ثلاثة وأربعين مليون كتاب وزع في مائة و أربعين بلدا وبخمس وخمسين لغة. وفي سنة 1999 قامت مجلة «لير» بتحقيق كانت نتيجته أن «باولو كويهلو» هو الكاتب الثاني في العالم من حيث مبيعات مؤلفاته. ثم رواية «الكيميائي» التي أحدثت نجاحا باهرا في العالم يوازي النجاح الذي حققته رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دي سانت كسيبري أو رواية «النبي» لجبران خليل جبران ومنذ ظهورها أصبح لهذا الكاتب رصيد يعد بملايين القراء في العالم تمكن من شد اهتمامهم بمختلف المواضيع والأفكار التي يطرحها والتي تجسد روحانيات الإنسانية وشغفها الدائم وطوقها إلى الحياة بأسلوب بسيط وممتع. له أيضا مؤلفات أخرى عديدة إلى جانب «الكيميائي» حيث أصدر «الجبل الخامس» و«الشيطان والآنسة بريم» «إحدى عشر دقيقة» و«على ضفة نهر بيادرا جلست وبكيت» وغيرها من المؤلفات التي بيع منها في فرنسا وحدها سبعة ملايين وخمس مائة ألف نسخة.
* كيف يصبح كاتبا ما مختلفا؟
* "وجدت وأنا أكتب في بداياتي أن الروايات هي نفس القصص التي تتردّد، هي قصص الحب، وقصص الحرب، وقصص العلاقة بين الإنسان والقوة والسلطة، وقصص السفر والرحلات. لقد حلمت دائما بأن أكون كاتبا.. ولمّا أصبحت كذلك ازددت تعلّقا بالكتابة الأدبية وبأهميتها ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحب الناس الأدب وأن يتعلقوا به.
** يلاحظ القارئ في مجمل أعمالكم اشتغالكم الدائم على الروحانيات وسبر أغوار الذات البشرية الدفينة وخاصة تطعيمها بعبق سحر الشرق، فهل تجيز لنا الادعاء بأنّنا في مجمل أعمالكم نشتمّ بشغف رائحة الشرق المذهلة؟
* لقد أصبحت مبهورا بالوطن العربي وكانت البداية بمدينة طنجة في المغرب، ثم اطّلعت على قصص "ألف ليلة وليلة" التي أعتبرها الأصل في الكتابة الروائية في العالم.. واكتشفت التصوّف الإسلامي.. وقرأت الكثير من النصوص، لن أحسّ بالنقص إذا ما قلت بأني متأثر جدا بثقافة الشرق وآدابه. وإني لا أبالغ إذا قلت بأن الإنسان الذي لا يقدر على أن يحب الشرق يعني أنه بلا قلب. اكتشافي الأول للحضارة العربية الإسلامية كان من خلال العرب المقيمين في البرازيل، ثم طورت معرفتي من خلال قراءة الأدب العربي مثل كتاب ألف ليلة وليلة إضافة للأدب الصوفي مثل كتابات جلال الدين الرومي إلى جانب اطلاعي على النصوص الدينية. ولمّا مارست الكتابة وجدت أن ثقافتكم في أعماق قلبي وتظهر طبعا في تلافيفها.. لقد أحببت الشرق بعمق.
** فماذا عن الادّعاءات التي يروّجها البعض بإعلان نهاية ثقافة الشرق ومواتها؟
* أبدا.. إن ثقافة الشرق هي نفسها ثقافة الحب والشوق فاليوم أنت تقف على أطلال قرطاج، إنّك لا تقول بأنها انتهت، لأنها في القلوب وتاريخها يسري في الذهنية والوجدان الإنساني. الشرق هو الشرق لا ينتهي ثقافيا لحدوث المتغيرات التي كثيرا ما كان الغرب هو المتسبب فيها.. وهو الذي يصنع الآن الصورة التي يريدها عن الإسلام وعن العرب.
** عن أيّة صورة نتحدّث ؟ هل تقصد شرق الموت والخوف والرعب؟؟
* لا يوجد شرق الرعب.. إنما هذه الصفة القذرة توجد في الصحافة الغربية، وكل شيء بدأ على إثر الهجوم على نيويورك وقبيل الحرب على العراق واحتلاله. الشرق لم يتغير رغم الحروب إن الصحافة الغربية هي التي تخلق صراع الحضارات ومن هنا يأتي دور المثقف والأديب والفنان لتجاوز الحروب فالشرق لم يتغير كما أن الأشخاص هم نفسهم.. غير أنني لا أستطيع أن أوقف غزو العراق لكنني أستطيع أن آمل وأن أحارب من أجل قيمي.
** هذه الصفة توجد أيضا في الروايات والكتب والأشعار، فهل تخلّى الأدب الغربي عن ضميره ورسالته الحضارية وأوكل مهامه إلى الصحفيين؟
* الأدب رغم أنه لا يكون بعيدا عن الأحداث لا يجب أن يتورط في ما يصنعه الآخرون ضد الإنسانية، علينا أن نفهم هذه الحقيقة، فالأدب يبحث عن إنسانية الإنسان ويصف الحب ويدافع عنه ويشرب من ثقافته والشرق بالتالي مازال عندي جميلا وزاخرا بالروحانيات المفيدة للإنسانية في هذه التحولات الكبرى التي تعيشها البشرية.
** إذن، قد يلوذ الكاتب بالفرار كلّما أحسّ بخطر يستهدف وجوده البيولوجي وكيانه الضيق؟
* ما زلت مرتبطا بكل ما يجري في العالم، أعتقد أن السياسة تكمن في كل شيء وأساسا في الكتابة.
** ماذا يمكن لكاتب واسع الشهرة أن يقدّم للبشرية، ماذا يمكن أن يغيّر في هذا العالم بالكتابة، ماذا قدّمتم أنتم بالكتابة؟
* أعرف أني لا أستطيع أن أغير شيئا كثيرا في هذا العالم لكني متفائل بالكتابة، أعرف أني لا أستطيع أن أمنع حرب العراق رغم أني كنت ولا زلت ضدها، أعرف أني لم أمنع التعذيب والمحتشدات ولكني مع ذلك أكتب وأناضل وأقاوم. وإن كنت لا أقدر أن أغير الكثير بالكتابة فإني مقتنع بضرورة فعل شيء ما فتحرّكت في محيطي وأسست معهدا يحمل اسمي في الحي الذي أقطنه وهذا المعهد يقدم بعض الخدمات الثقافية والاجتماعية التي تسعدني.
** في أقصى حالات العجز والوحدة يُسأل الكاتب عن حياته هو، عن أسطورته الذاتية، فهل نسألك عن " الكيميائي "مثلا؟
* في إحدى أحرج فترات حياتي.. وكنت وقتها غريبا مشردا أكاد أن انهار.. أمدتني هذه الرواية بقوة الأمل.. كنت أقرأها منشورة مسلسلة في مجلة أسبوعية، وفي كل أسبوع تمدني شحنة أمل وشجاعة لتحقيق أسطورتي الذاتية، أي رسالة الحياة.. تشجعت حتى وصلت إلى الشاطئ الأمريكي، شاطئ الحرية حيث أكتب الآن..
* لا أنفي رغبتي في الحصول على جائزة نوبل للأدب لكن الأمر طبعا ليس بيدي خاصة وأن الجائزة كانت دائما لغزا.
** كنت من أبرز معارضي الحرب على العراق فقد كتب رسالة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش للاحتجاج على احتلال العراق تحت عنوان "شكرا سيد بوش"؟
* بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول فقدت السيطرة على الأحداث وعمت الفوضى بعد غزو العراق، فلا فائدة من الكتابة عن الحرب لأن قادة الحرب لا يسمعون أصوات دعاة السلام.
** على غرار معظم الكتاب الكبار تم استدراجك روائيا إلى الشاشات الكبيرة لكننا إلى الآن لم نشاهد لك فيلما واحدا بعد كل هذا الزخم الإبداعي، فهل تفسّر ذلك بعدم قابلية نصوصك الروائية إلى الترجمة البصرية؟
* إن حبي للأدب وللكتابة جعلني أفرق بينه وبين السينما فأنا أحب السينما ولكني مع ذلك كثيرا ما أخرج من قاعة السينما منزعجا إذا كان الفيلم مأخوذا من رواية، فالسينما مهما فعلت لا تستطيع أن تعبر بدقة عمّا ذهبت إليه الرواية. ومن هنا سحبت الرواية التي كنت قد تعاقدت بها مع هوليود على إخراجها سينمائيا، ففي البداية كنت مبهورا بالسينما وأبهرتني هوليود لمّا استقبلتني بالسجّاد الأحمر ولكني لما اكتشفت عدم قدرتها على نقل روح الكتاب تراجعت.
** ماذا عن الذاكرة ؟ ما هي اللحظة الأصدق التي تتمثلها الآن في علاقتك بالشرق؟
* في مصر سألت مرافقي العربي لحظة وقوفنا أمام الأهرامات أن يقول جملة ما بالعربية لأرددها، فرددت ما علمني وقلت: أهدنا الصراط المستقيم! و لم أزل أسأل الله ليستجيب فيهديني وأسير طريقا يسيرا مستقيما في ما أكتب تحية له و لمن وجّه له الدعوة.
** لكل شعب ختمه السري ورموزه الخاصة، في تقديرك ما هو المفتاح السري لكل شعب؟
* إذا أردت أن تعرف روح شعب فاقرأ رواياته وقصصه، اقرأ أدبه عموما.
rwayda
08-Aug-2008, 12:58 AM
أجرى الحوار: ريتشارد فيسر R.Wisser
ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق
نقدم فيما يلي ترجمة للحوار الذي أجراه ريتشارد فيسر مع هايدجر لفائدة إحدى قنوات التلفزة الألمانية ونشر في إطار مؤلف جماعي تحت إشراف ريتشارد فيسر عن دار النشر Karl Alber، فرايبورج، ميونيخ 1970، ص: 67-77. وقد ألحقنا بالنص عدة هوامش، إما لتفسير الترجمة العربية لبعض المصطلحات والتعابير أو لتوضيح بعض القضايا والأفكار التي وردت في الحوار. والحوار يتناول قضايا هامة مثل: الفلسفة والمجتمع والفلسفة والتقنية، والفلسفة والكائن الخ.
rwayda
08-Aug-2008, 12:59 AM
فيسر:
السيد الأستاذ هايدجر! هناك في زماننا أصوات ترى أن تغيير العلاقات الاجتماعية هو المهمة الحاسمة في الوقت الحاضر ونقطة الانطلاق الوحيدة الواعدة بالنسبة للمستقبل؛ هذه الأحداث يتكاثر عددها وتزداد قوتها باستمرار، ما هو موقفكم إزاء مثل هذا الاتجاه لما يسمى "بروح العصر"، مثلا فيما يخص إصلاح الجامعة؟
هايدجر:
سأجيب عن السؤال الأخير فقط؛ ذلك أن ما سألتم عنه قبل ذلك واسع جدا. والجواب الذي أعطيه لكم، هو نفس الجواب الذي أعطيته قبل أربعين سنة في محاضرتي الافتتاحية بجامعة فرايبورج سنة 1929.
أورد لكم جملة من محاضرة "ما هي الميتافيزيقا؟": "إن مجالات العلوم بعيدة جدا عن بعضها البعض، وأساليب معالجة موضوعاتها تختلف اختلافا أساسيا. هذه التعددية المتفتتة للشعب لا تتم المحافظة على تماسكها اليوم إلا بواسطة التنظيم التقني للجامعات والكليات، كما لا تتم المحافظة على دلالتها إلا بفضل توجيه المواد نحو غايات عملية، في حين أن تجذر العلوم في أساس ماهيتها قد اضمحل."
أعتقد أن هذا الجواب يجب أن يكون كافيا.
فيسر:
هناك دوافع متباينة تماما هي التي قادت إلى المحاولات الحديثة الرامية إلى تغيير التوجيه فيما يتعلق بتحديد الأهداف وإلى "تحويل بنية" المعطيات الواقعية داخل المستوى الاجتماعي أو كذلك مستوى العلاقات بين الناس. جلي أن في هذا الأمر كثيرا من الفلسفة، فيما هو إيجابي وفيما هو سلبي.
هل ترون أن هناك مهمة اجتماعية للفلسفة؟
هايدجر:
لا! لا يمكن الحديث عن مهمة اجتماعية بهذا المعنى.
إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال فينبغي أولا أن نسأل: "ما هو المجتمع؟" وأن نتذكر بأن المجتمع اليوم ليس سوى صيغة مطلقة للذاتية() الحديثة، وبأنه انطلاقا من ذلك، فإن فلسفة تخطت زاوية نظر الذاتية ليس لها الحق في أن تساهم في ذلك.
أما السؤال: إلى أي حد يمكن الحديث عموما عن تغيير المجتمع، فهو سؤال آخر. إن السؤال عن ضرورة تغيير العالم يعود إلى جملة لكارل ماركس من "أطروحات حول فويرباخ"، وهي جملة يتم الاستشهاد بها كثيرا.
أريد أن أنقل هذه الجملة بدقة وأن أتلوها أمامكم: "لم يقم الفلاسفة إلا بتأويل العالم بكيفيات مختلفة، في حين أن المهم هو تغييره."
يغفل المرء عند الاستشهاد بهذه الجملة والأخذ بها أن تغيير العالم يفترض تغيرا في تصور العالم، وأنه لا يمكن الوصول إلى تصور للعالم إلا إذا تم تأويله على نحو كاف.
يعني هذا أن ماركس في مطالبته "بتغيير العالم" يستند إلى تأويل محدد تماما للعالم، وبذلك يتبين أن هذه الجملة غير مؤسسة. إنها تولد الانطباع بأنه قد تم الحديث بكيفية جازمة ضد الفلسفة، في حين أن القسم الثاني من الجملة يفترض ضمنيا ضرورة الفلسفة.
rwayda
08-Aug-2008, 01:00 AM
فيسر:
كيف يمكن أن تصير فلسفتكم اليوم فعالة في مجتمع مشخص له مهامه وهمومه المتعددة، متاعبه وآماله؟ أم هل الحق هو بجانب نقادك الذين يدعون بأن مارتن هايدجر ركز اهتمامه على "الكون"() إلى حد أنه ضحى بالشرط البشري، أي بكون الإنسان في المجتمع وكشخص؟
هايدجر:
هذا النقد يقوم على سوء فهم كبير! فسؤال الكون وبسط هذا السؤال يفترضان بالضبط تأويلا للدازاين()، أي تحديدا لماهية الإنسان. والفكرة الأساسية لتفكيري هي بالضبط أن الكون وبالتالي انفتاح الكون يحتاج إلى الإنسان، وأن الإنسان لا يكون بدوره إنسانا إلا لأنه يقيم في انفتاح الكون.
بذلك يجب أن يكون قد تم الحسم في السؤال: إلى أي حد اهتممت فقط بالكون ونسيت الإنسان. لا يمكن أن نسأل عن الكون دون أن نسأل عن ماهية الإنسان.
فيسر:
قال نيتشه ذات مرة: الفيلسوف هو الضمير المعذب لعصره. لنترك جانبا ماذا قصد نيتشه بذلك. ولكن تأمل محاولتكم لكشف تاريخ الفلسفة لحد الآن كتاريخ للتدهور فيما يتعلق بالكون، ثم بالتالي لتقويض هذا التاريخ، ربما يغري البعض بأن يسمي مارتن هايدجر الضمير المعذب للفلسفة الغربية.
أين ترون السمة، حتى لا أقول العلامة الفكرية، التي تميز على الأكثر ما تسمونه "نسيان الكون" أو "هجران الكون"؟()
هايدجر:
يجب علي في البداية أن أصحح سؤالكم من أحد الجوانب عندما تتحدثون عن تاريخ للتدهور. لا يجب فهم ذلك بمعنى سلبي!
إنني لا أتحدث عن تاريخ للتدهور، ولكن عن مصير الكون، من حيث أنه ينسحب أكثر فأكثر بالمقارنة مع انفتاح الكون لدى الإغريق() -إلى حد انتشار الكون كمجرد موضوعية() للعلم، واليوم كمجرد رصيد يستعمل من أجل التحكم التقني في العالم. إذن: ما نعيشه ليس تاريخا للتدهور، بل انسحابا للكون.
إن السمة التي تميز على الأكثر نسيان الوجود- ويجب هنا دائما تفكير النسيان انطلاقا من الإغريقية، من الـ Lethe، أي من اختفاء أو انسحاب الكون-، أي السمة المميزة للعصر الذي نعيش فيه هي -بقدر ما أرى عموما- واقعة أن سؤال الكون الذي أطرحه لم يفهم بعد.
rwayda
08-Aug-2008, 01:01 AM
فيسر:
هناك أمران وضعتموهما المرة تلو المرة موضع سؤال وجعلتموها جديرين بالسؤال: طموح العلم إلى السيطرة، وفهم للتقنية لا يرى فيها سوى وسيلة صالحة لبلوغ الهدف الذي نرغب فيه كل مرة بكيفية أسرع. إنه بالضبط في زماننا الذي ينتظر فيه أغلب الناس من العلم كل شيء، والذي تظهر لهم فيه برامج تلفزيونية من كل العالم، بل ومن المناطق المعزولة عن العالم، أن الإنسان يحصل بفضل التقنية على ما يريده، في هذا الزمن تثير أفكاركم حول العلم وحول ماهية التقنية لدى الكثيرين وجع الدماغ(). ماذا تقصدون أولا بادعائكم أن العلم لا يفكر.
هايدجر:
لكي أبدأ أولا بوجع الدماغ: إنني أعتبره ظاهرة صحية تماما! هناك اليوم في العالم قليل جدا من وجع الدماغ وغياب كبير للتفكير، وهو غياب مرتبط بالضبط بنسيان الكون.
أما الجملة: العلم لا يفكر، التي لفتت الأنظار كثيرا عندما نطقت بها في إحدى محاضراتي الجامعية بفرايبورج، فتعني: أن العلم لا يتحرك في بعد الفلسفة. ولكنه مع ذلك متوقف، دون أن يعرف ذلك، على هذا البعد.
مثلا: تتحرك الفيزياء في إطار مفاهيم الزمان والمكان والحركة. ولكن العلم كعلم لا يمكن أن يحسم في تحديد الحركة، المكان، الزمان. إن العلم إذن لا يفكر، إنه لا يستطيع بتاتا بواسطة مناهجه أن يفكر بهذا المعنى.
لا يمكنني مثلا أن أقول ما هي الفيزياء بواسطة مناهج فيزيائية. إنني لا أستطيع أن أفكر ما هي الفيزياء إلا بكيفية السؤال الفلسفي. فالجملة: العلم لا يفكر، ليست مأخذا على العلم، بل تسجيلا لبنيته الداخلية: ينتمي إلى ماهية العلم أنه، من جهة، يتوقف على ما تفكره الفلسفة، وأنه، من جهة أخرى، هو ذاته ينسى ولا ينتبه إلى ما ينبغي تفكيره.
فيسر:
وماذا تقصدون عندما تتحدثون ثانيا عن خطر أكبر من خطر القنبلة الذرية على البشرية الحالية، هو قانون() التقنية، أو "الوحدة المجمعة لكيفيات الاستشارة"() كما تسمون السمة الأساسية للتقنية، التي تتجلى في جعل الواقعي ينكشف كرصيد() تحت الطلب، أو بعبارة أخرى في جعل كل شيء وأي شيء رهن الإشارة بمجرد ضغط على الزر.
هايدجر:
فيما يتعلق بالتقنية، فإن تحديدي لماهية التقنية، هذا التحديد الذي لم يصادف لحد الآن القبول في أي مكان، هو -حتى أقول ذلك بكيفية مشخصة- أن أساس علم الطبيعة الحديث قائم في سيادة ماهية التقنية وليس العكس().
يجب أن أقول في البداية بأنني لست ضد التقنية. لم أقل أبدا شيئا ضد التقنية، ولا ضد ما يسمى شيطانيا في التقنية. ولكنني أحاول أن أفهم ماهية التقنية.
عندما توردون هذه الفكرة عن خطورة للتقنية أكبر من خطورة القنبلة الذرية، فإنني أعني ما يتطور اليوم كبيوفيزياء، وهو أننا سنصبح في مدة غير بعيدة قادرين على أن نصنع الإنسان، أي على أن نبنيه في ماهيته العضوية المحضة، حسب ما نحتاجه: ماهرين وغير ماهرين، أذكياء وأغبياء. سيصل بنا الأمر إلى هذا الحد! إن الإمكانيات التقنية اللازمة لذلك متوفرة اليوم، وقد سبق أن تم الإعلان عنها من قبل علماء حاملين لجوائز نوبل في إحدى المؤتمرات بمدينة Lindan، وهو ما سبق أن ذكرته قبل سنوات في محاضرة ألقيتها في مدينة Messkirsch.
إذن: يجب أولا رفض سوء الفهم الذي يجعلني كما لو كنت ضد التقنية.
إنني أرى في التقنية، وبالضبط في ماهيتها، أن الإنسان يوجد تحت قوة تتحداه ولم يبق حرا إزاءها، وأن أمرا ما يعلن في ذلك عن ذاته، هذا الأمر هو علاقة للكون بالإنسان، وأن هذه العلاقة التي تختفي في ماهية التقنية ربما ستظهر للنور ذات يوم في لا اختفائها.
لا أعرف هل سيحدث ذلك! ولكنني أرى في ماهية التقنية الظهور الأول لسر أكثر عمقا بكثير أسميه "الحدوث"(). من ذلك يمكنكم أن تفهموا أنه لا مجال للحديث عن مقاومة أو إدانة للتقنية. ولكن الأمر يتعلق بفهم ماهية التقنية والعالم التقني. وحسب رأيي لا يمكن أن يتم ذلك، ما دام المرء يتح
rwayda
08-Aug-2008, 01:01 AM
فيسر: كل تأملاتكم تتأسس في ذلك السؤال، الذي هو السؤال الأساسي لفلسفتكم، في "سؤال الكون" وتفضي إليه. لقد أشرتم المرة تلو المرة أنكم لا تريدون إضافة أطروحة جديدة إلى الأطروحات المتوفرة لحد الآن عن الكون. نظرا بالضبط لأن الكون تم تحديده بكيفيات مختلفة جدا، مثلا كخاصية، كإمكان وفعل، كحقيقة، بل وكإله، فإنكم تبحثون عن وحدة قابلة للفهم بين الآراء؛ وبالضبط ليس بمعنى أطروحة فوق الأطروحات، بل كسؤال عن معنى الكون.
في أي اتجاه يمهد تفكيركم الطريق لجواب عن السؤال: لماذا هناك كائن، وليس بدل ذلك لا شيء؟
هايدجر:
هنا يجب علي أن أجيب عن سؤالين، أولا: توضيح سؤال الكون. أعتقد أن هناك غموضا في صيغة سؤالكم. إن تعبير "سؤال الكون" مزدوج الدلالة. يعني أولا سؤال الكون السؤال عن الكائن من حيث هو كائن. وفي هذا السؤال يتم تحديد ما هو الكائن. الجواب على هذا السؤال يعطي تحديدا للكون.
ولكن يمكن أيضا فهم سؤال الكون بمعنى: ما هو أساس كل جواب على السؤال عن الكائن، أي، أين يتأسس عموما لا اختفاء الكون؟ وإذا تكلمنا بصيغة المثال: حدد الإغريق الكون كحضور لما هو حاضر(). في الحضور يتكلم الحاضر()، في الحاضر هناك لحظة للزمان، إذن: إن تحديد الكون كحضور يربطه بالزمان.
وإذا حاولت الآن أن أحدد الحضور انطلاقا من الزمان واستطلعت في تاريخ التفكير عما قيل عن الزمان، فإنني سأجد بأن ماهية الزمان قد تم تحديدها منذ أرسطو انطلاقا من فهم للكون محدد مسبقا(). إذن: إن المفهوم التقليدي للزمان غير قابل للاستعمال. ولذلك حاولت في "الكون والزمان" أن أقوم ببسط مفهوم جديد للزمان والزمانية() بمعنى الانفتاح المتخارج().
إن السؤال الآخر هو سؤال سبق أن طرحه ليبنز ووضعه شيلنج بدوره، ثم كررته من جديد حرفيا في ختام محاضرتي "ما هي الميتافيزيقا؟" التي سبق أن أشرت إليها.
ولكن: هذا السؤال يتخذ لدي معنى مختلفا تماما. إن التصور الميتافيزيقي المعتاد لما يسأل عنه في هذا السؤال هو: لماذا هناك إطلاقا كائن وليس بدل ذلك لا شيء؟ وهذا يعني: ما هو السبب أو الأساس الذي يجعل الكائن كائنا وليس لا شيء؟
وعلى العكس من ذلك فأنا أسأل: لماذا هناك كائن وليس بالأحرى اللاشيء؟ لماذا يحظى الكائن بالأسبقية، لماذا لا يتم تفكير اللاشيء بوصفه متطابقا مع الكون؟() وهذا يعني: لماذا يسود نسيان الكون ومن أين يأتي؟
إنه سؤال مخالف تماما للسؤال الميتافيزيقي. وهذا يعني أنني أسأل: "ما هي الميتافيزيقا؟" إنني لا أسأل سؤالا ميتافيزيقيا، بل أسأل عن ماهية الميتافيزيقا.
كل هذه الأسئلة تتميز، كما ترون، بصعوبة غير معتادة، وهي ليست أساسا في متناول الفهم المألوف. يحتاج الأمر إلى وجع طويل للدماغ وتجربة طويلة وحوار حقيقي مع التراث الكبير. إن إحدى المخاطر الكبرى لتفكيرنا اليوم تتمثل بالضبط في أن التفكير -بمعنى التفكير الفلسفي- لم تبق له علاقة حقيقية أصلية مع التراث.
فيسر:
واضح أن كل شيء يتعلق حسبكم بتقويض الذاتية، وليس بما يتم التركيز عليه اليوم: ما هو أنتروبولوجي ومتمركز على الإنسان، ليس بالتصور الذي يرى أن الإنسان يكون بفضل المعرفة التي لديه عن نفسه والفعل الذي يقوم به قد أدرك ماهيته. بدل ذلك توجهون الإنسان إلى الانتباه لتجربة الدا-زاين() الذي يتعرف فيها الإنسان على نفسه ككائن منفتح على الكون والتي يعطي فيها الكون ذاته للإنسان كلا - اختفاء(). إن أعمالكم بمجملها تنصب على بيان ضرورة مثل هذا التحول في كون الإنسان انطلاقا من تجربة الدا-زاين.
هل هناك علامات على أن هذا الأمر الذي تفكرون ضرورته سيصير واقعا؟
هايدجر:
لا أحد يعرف كيف سيكون مصير التفكير. سبق أن تكلمت سنة 1964 تحت عنوان "نهاية الفلسفة ومهمة التفكير"، في محاضرة لم ألقها أنا نفسي وقدمت في ترجمتها الفرنسية. إنني أميز إذن بين الفلسفة، أي الميتافيزيقا، والتفكير كما أفهمه.
إن التفكير الذي أميزه في هذه المحاضرة عن الفلسفة - وذلك عن طريق محاولة توضيح ماهية المفهوم اليوناني aletheia -، هذا التفكير هو من حيث الشيء ذاته بالمقارنة مع التفكير الميتافيزيقي أسهل بكثير من الفلسفة، ولكنه بسبب سهولته بالضبط أصعب بكثير عند الإنجاز.
وهو يتطلب عناية جديدة باللغة، لا ابتكارا لمصطلحات جديدة كما كنت أعتقد سابقا، بل عودة إلى المضمون الأصلي للغتنا الخاصة، التي هي آخذة في الاضمحلال.
سيكون على مفكر قادم يجد نفسه ربما أمام مهمة الاضطلاع بالتفكير الذي حاولت تهييئه أن يرتضي كلمة سبق أن كتبها هاينريش فون كلايست H. von Kleist، وهي:
"أنحنى أمام ذلك الذي ليس هنا بعد وأنحني أمام روحه قبل قدومه بألف عام".
rwayda
08-Aug-2008, 01:02 AM
محمود عزب
باريس فى 4 أكتوبر 2006
مدخل
كان الاستشراق دائماَ مثار جدل فى الماضى والحاضر. ومازالت رموزه مثار دراسات، لم تكن فى اغلبها علمية أو على درجة كافية من الموضوعية.
ذلك فى الغالب لأن العرب والمسلمين من جانبهم حين يحاولون دراسة الاستشراق والمستشرقين، يقع أكثرهم فى فخاخ المشاعر والعواطف... فقد شاع ربط الاستشراق بالاستعمار، فأصبح ذا سمعة ليست بالحسنة، حتى أن الكثيرين ممن كانوا يسمون مستشرقين أصبحوا يتوجسون من هذه التسمية، ويفضلون أن يدُعَوا مستعربين Arabisants أو علماء إسلاميات Islanologues
وليس معنى ذلك أن كل من كتبوا عن الاستشراق والمستشرقين، من الباحثين العرب والمسلمين، كانوا أسرى العاطفة والذاتية.. كما أن الاستشراق لم تكن كل رموزه قاتمة أو منحازة فى بحوثها وآرائها....
ومعنا الآن خلال هذه الدراسة القصيرة واحد من كبار علماء الإسلاميات فى أكبر جامعة من جامعات فرنسا وأوروبا كلها.. تعلم فيها، ثم عاش حياته أستاذاً لتاريخ الفكر الاسلامى بها – هو محمد أركون.
وقد ولد ونشأ فى بلد ذي ثقافة عربية إسلامية هو الجزائر، وبدأ حياته الدراسية هناك فى جامعات يقوم بالتدريس فيها أساتذة فرنسيون، فى الجزائر المستعمرة التى كانت تدعى الجزائر الفرنسية، كان على وعي ببدايات تكوينه فى هذا الجو قبل أن يأتى إلى فرنسا نفسها لاستكمال دراساته.
إنه تعود منذ بدايات حياته الدراسية والعقلية على تخطى الحدود... هكذا وصفه الأستاذ شتيفانى فيلد فى برلين سنة 2003 إلا أن منحه جائزة ابن رشد للفكر الحر لسنة 2003.
rwayda
08-Aug-2008, 01:03 AM
يقول الأستاذ فيلد:
"ربما كانت أفضل طريقة لوصف حياة ونشاطات محمد أركون هى القول بأنها دائماً تتخطى الحدود. فالحد الأول هو مسقط رأسه. ولد أركون سنة 1928 فى الجزائر من أصل بربرى. وقد تخطى الحدود الجغرافية عندما ذهب للدراسة الجامعية، حيث قطع البحر المتوسط من الجزائر إلى باريس للدراسة فى السوربون. ثم تجنس بالجنسية الفرنسية، بذلك يكون قد تخطى الحدود اللغوية، ثم الحدود الثقافية السياسية. وكل تخط لأى حدود هو تعب ووداع، وحزن، وبنفس الوقت هو انطلاق جديد، ثم فرصة.... ثم فى عام 1968أركون أستاذاً لتاريخ الفكر الإسلامى والفلسفة فى السوربون".
وإشكالية هذا البحيث، هى، السؤال التالى:
"ماذا عندما يكون ناقد المستشرقين جامعاً هذه التركيبة كونه بربرياً، عربياً مسلماً، مزدوج اللغة أو متعدد اللغات يرى المستشرقين منذ سنواته الجامعية الأولى، ويدرس بمناهجهم ويكمل معهم فى بلادهم، ويدرس وينتج بلغتهم؟
لم تثر شخصية من بين علماء الإسلاميات فى جامعات الغرب ما تثيره شخصية محمد أركون. غزير الإنتاج كتباً ومقالات ومحاضرات، مدعُو ومحاضر فى أوروبا وأمريكا وكل قارات العالم تقريباً. هو موضع ثقة أكثر الباحثين فى العالم، بل وموضع ثقة أكثر المسئولين وكبار رجالات السياسة..
كانت ثمة محاولات دائمة لتصنيفه، هل هو مستشرق أم باحث مسلم؟
وكانت الإجابة أو محاولات الإجابة عن هذا السؤال مثار جدل كبير، واختلافات فى الشرق والغرب، أما فى الشرق، أى فى البلاد العربية والإسلامية، فكانوا يضعونه أحيانا فى صفوف المستشرقين، أليس بنقد الإسلام وعلومه بمناهج شبه حاسمة، أبعد ما تكون عن التمجيد والتقديس"؟
وأما فى الغرب فهم يرونه يكتب بشكل مختلف عن إشكاليات العقل الإسلامى، ويستحضر النصوص الأصلية دائماً، ثم انه دأب منذ رسالته للدكتوراه فى جامعة السوربون على نقد للعقل الاستشراقى..
كان لصعوبة لغته، وخصوية مفرداته، ومنحوتاته واصطلاحاته الجديدة غير المتعارف عليها، دور فى عدم سهولة فهم مايكتب وكان كثيراً مايتصف، أو يوصف بالغموض فى الشرق والغرب كذلك وكان نادراً مايترجم للعربية، ونادراً ماتكون الترجمة واضحة سهلة مفهومة، حتى اختص بترجمته باحث عربى جاد هو هاشم صالح الذى يحاول كثيراً أن يفسر ويحلل كثيراً من العبارات والأفكار الأركونية فى هوامش الكتب ليساعد القارئ العربى على استيعاب لغة أركون.و لهذا فإن تأثيره فى جامعات البلاد العربية، مازال فى دور التنامى ويسير بشكل بطئ.. وإن كان له حواريون، وأنصار متزايدون.
هو يختلف إذن عن الباحثين العرب والمسلمين حتى أولئك الذين درسوا مثله فى باريس وفى السوربون. وأدى ذلك إلى اعتبار بعضهم إياه مستشرقاً...
وهو يختلف كذلك عن الباحثين الغربيين فى علوم الإسلام اختلافاً كبيراً فى المنهج وغير المنهج وكثير منهم لذلك لايعتبره مستشرقاً.
ثم إن هؤلاء وأولئك قد يقولون أو يقول كثير منهم إنه خرج على تقاليد المستشرقين منذ عهد ليس بالبعيد..
rwayda
08-Aug-2008, 01:04 AM
كيف يقدم أركون نفسه؟
فى حوار مباشر مع الكاتب الصحفى أحمد الشيخ. وفى كتاب بعنوان "حوار الاستشراق (صادر عن المركز العربى للدراسات الغربية .. والذى يضع الحوار مع أركون ضمن عشرين من أسماء كبار المستشرقين المعروفين. يقول احمد الشيخ فى ص 63:
"فى إطار حواري مع المستشرقين الفرنسيين توجهت للبروفيسور محمد أركون، وهو من أصل جزائرى، وسألته كيف يفسر واقع أن البعض يعدونه ضمن المستشرقين كجان بيير برونسيل هوجوز " فى مقال نشر فى صحيفة "لوموند" الفرنسية، وأن البعض يضعونه بأنه من الأصوليين، مثل أوليفييه كاريه" فى كتابه الأخير "سيد قطب: قراءة ثورية للقرآن"، والبعض الآخر يصنفون كتاباته خارج الحقل الإسلامى"
"طرحت هذه الاختلافات على البروفيسور أركون، وطلبت منه أن يحدد لنا موقفه من حركة الاستشراق فأجاب:
" أود أن ألاحظ إن الذين يظنون أننى أكتب عن الاستشراق والمستشرقين. لم يطلعوا على جميع الكتب التى نشرتها حتى الآن. كان كتابى الأول - وهو أطروحتى – يعالج ماأسميته الإنسية فى القرن الرابع الهجرى، وهو كتاب يدرس جوهر الثقافة العربية، فى فترة محدودة، تعتبر من أهم الفترات التى يمكن دراستها اليوم فى تاريخ الفكر العربى، واعتمدت على نصوص لمفكرين مسلمين، وحاولت فى هذه الدراسة التى كتبتها فى الستينات أن أرد على مناهج المستشرقين، فى دراسة الفلسفة العربية، وفى دراسة الفكر الإسلامى بصفة عامة، وموقفى مما يخص جميع الثقافة العربية الإسلامية هو موقف جزائرى تربى فى الجزائر وتكون فى الجزائر فى عهد الاستعمار، حيث كان فى نفسى مثل زملائى فى هذا الوقت، رد فعل ضد الضعف الذى كنا نتألم منه فى الجامعة الجزائرية التى يدرس فيها الفرنسيون، وكان المناخ السائد هو مناخ استعمار، وكنا نريد أن نرد على هذا الوضع وأن نتحرر منه، وهذا الشعور يطبع جميع ما كتبته انطلاقاً من الخبرة الجزائرية فى الخمسينيات، التى كانت تتصف بهذا الاضطرام الثقافى والفكرى، بين الشخصية الجزائرية، وأهداف التحرير الجزائرية، وبين الفكر الذى كان ينتقل إلينا عن طريق الثقافة الفرنسية إلا أننى كباحث لا أتكلم عن هذا الأمر بصورة مباشرة، لكن الذى يقرأ يتمعن ماكتبته وما أكتبه يمكنه أن يجد فى مقاصدى واتجاهاتي هذا الاستلهام المتصل بهذه الخبرة التى عشناها فى عهد الاستعمار".
إنه فى هذا يكاد يشبه أكثر الطلاب العرب الذين تكونوا فى جامعات فرنسا... وهمومه تشبه هموم حوارهم مع جامعاتهم وأساتذتهم.. كان يكافح المستشرقين والجامعة كفاحاً إيديولوجيا، وعندما جاء إلى فرنسا للدراسات العليا رأى الاستشراق من قرب آخر، يقول:
"هذا ما اكتشفته هنا فى باريس، ولازلت أكافح ضده، لكن هذا الكفاح هو كفاح منهجى ومعرفى وليس بكفاح إيديولوجى"
ولكنه فى الوقت ذاته يدعو إلى:
"ضرورة تغيير المناهج التى يتبناها الباحثون المسلمون عن الفكر الإسلامى، والمسائل الإسلامي
rwayda
08-Aug-2008, 01:04 AM
وهو ربما يخشَّى أن يحسب طرف من الطرفين وكأنه انحاز للآخر ولذا نراه يؤكد فى وضوح:
"... لذلك أنقد نقداً حاسماً مواقف المستشرقين الذين يقفون بعيداً عن المناهج الحديثة" وانتقد أيضاً المسلمين الذين يرفضون هذه المناهج الحديثة لأنها غربية.. مامعنى هذا الكلام، هل هناك عقل خاص بالغرب وعقل خاص بالعرب والمسلمين؟ نحن بشر وجميع مسائل المعرفة متعلقة بالإدراك، وعلى هذا الأساس النفسانى الجذرى، ينبغى علينا أن ننتقد المعرفة، أن ننتقد جميع ماينتجه العقل البشرى أنىَّ كان فى جميع الثقافات.. وجميع التجارب، بغض النظر عن كونه يابانيا أو أفريقيا، أو عربيا أو مسلماً".
§ نقد الاستشراق:
أما من داخله فنقده قليل، ونادراً مايتسلط النقد على أعماق الاستشراق ذاته، على مناهجه، وأصوله... وأما من خارجه أى عند العرب والمسلمين خصوصاًُ فالقضية معقدة ولايسهل الحكم فيها أو عليها بتسرع ولابحسم..
وإذا أخذنا نقطة بداية محددة، ولتكن بدايات عصر نهضة العرب والمسلمين، ولنقل منذ بدايات التواصل خلال نشأة الجامعات العربية، غير الدينية بدأ الحديث عن الاستشراق والمستشرقين، بل قبل ذلك بما يشبه القرن، منذ حوارات الطهطاوى، مع دو ساسى ورفاقه... أما بداية الاحتكاك المادى الحقيقى فكانت تقريبا مع الجامعة المصرية، التى صارت فيما بعد جامعة القاهرة.. (بعد تمهيد الأفغانى ومحمد عبده اللذين كانا على اتصال مباشر ببعض رموز الاستشراق). لقد استدعت الجامعة المصرية عدداً من المستشرقين من أوروبا الغربية، للتدريس بها ... وهم أولئك المتخصصون فى العربية والإسلام وعلومهما...
ومازالت أسماء كارلو ناللينو أستاذ تاريخ الأدب العربى حتى العصر الأموى، وسنتلانا أستاذ تاريخ الفلسفة الإسلامية وتاريخ الترجمة، وميلونى الذى كان يدرس تاريخ الشرق القديم/ وإنُّو ليتمان الذى كان يتحدث عن اللغات السامية، وبدأ بعد ذلك حديث يقدر لهؤلاء وغيرهم حسن جهودهم فى دراسة التراث العربى الاسلامى وتحقيقه ونشر أكثره، وفى الوقت ذاته بدأ الحديث عن بعض المواقف الاستشراقية الإيديولوجية والأحكام المسبقة.
وتتابعت الدراسات الناقدة للاستشراق بشكل أو بآخر، والمكتبة العربية غنية نسبياً، ومن الناحية الكمية بالدراسات التى تنقد الاستشراق والمستشرقين، بمنهجية أحياناً، وبعاطفية وإيديولوجية كثيراً.
ثم جاء إدوار سعيد، وفتح باباً جديداً، يتبنى كثيراً من التحليل التاريخى والأدبى والنفسى، ويبحث عن كثير من موضوعية، وأجبر الباحثين فى الشرق والغرب على السواء وكثيراً من المستشرقين أنفسهم على قراءته ومناقشته واحترامه.
فأين أركون ونقده الاستشراق من ذلك كله؟ أين هو بمكوناته الغزيرة المتعددة والمعقدة والمتراكبة، وقدرته الفائقة على تخطى الحدود، وعبور الزمان والمكان؟ أين هو من نقد الاستشراق والمستشرقين، وهو الذى يتميز بمعاشرة واقتراب فائق النظير؛ وهو يكاد يشكل وحده فى ذلك نموذجاً شبه فريد، وشكلاً ولوناً خاصة فى تكوينه، وفى منهجيته، وفى إنتاجه؟
rwayda
08-Aug-2008, 01:06 AM
أركون ونقد الاستشراق:
أنه حسب كلامه هو، قد انتقل من الجانب الوطنى، جانب الشخصية الجزائرية وأهداف التحرير الجزائرية، جانب مشوب بالإيديولوجية، وهو أمر مفهوم إلى جانب واع مثقل بالخبرة:
"عندما انتقلت إلى باريس، درست فيها، اتسعت خبرتى النفسانية والثقافية واكتشفت أن مانطلق عليه "الاستشراق" فى حقيقته حركة علمية هامشية"
وهو تعبير على حد علمنا لم يُسبَق إليه محمد أركون.
ولاجتماع عوامل عدة – فى رأينا كذلك – سيبدو نقد أركون للاستشراق وكأنه نقد داخلى، وكأنه آت من أعماق الاستشراق ذاته... يراه من داخله، وينقده فى سياقه الجغرافى والتاريخى والفكرى.
ويمتاز أركون فى نقده هذا بالتوجه مباشرة إلى أصول الاستشراق إلى أعماقه ومنهجيته، فهل هو بذلك، وبكل معطياته الخاصة فى تكونه وتطوره منخرطاً فى خط توجه بدأ على استحياء يدعو إلى مايسمى بعلم الاستقراب – دراسة الغرب وثقافاته وعلومه دراسة نقدية تحليلية فى موازاة الاستشراق.."
ولكن أركون ليس أتيا من خارج الاستشراق تماماً، لاجغرافياً ولا منهجياً. ثم إن "مشروع الاستقراب " هذا مازال فى أطواره الأولى... بل مازال مشروعاً يبحث عن إطار ومناهج وأدوات .. مازال متردداً ومحاطاً بأسئلة صعبة تنقد الفكرة ذاتها.
فنقد الاستشراق لن يكون بالضرورة استغراباً.. فالأول يتوجه إلى حقل دراسات بعينه رموزه معروفة ومناهجه مطروحة منذ زمان أما الآخر .. الاستغراب فيحاول التوجه إلى الغرب وثقافاته كلها.. وهو عالم شبه هلامى أو واسع فضفاض.
هل يكشف أركون فى دراساته عن جديد من قصور فى الاستشراق وهو ينقده برؤية جديدة من داخله، ويضيف إليه أساساً كان الاستشراق يفتقده حتى صرح به أركون؟
وحيث يقول بأن الاستشراق حركة علمية هشه أو هامشية فهو لايوجه اتهاماً جغرافيا، ويتركه على علاته! وإنما يقول:
"أقصد أن الدراسات العربية الإسلامية فى الجامعات الغربية، وليس فى فرنسا فقط تتسم بأنها منعزلة فى الجامعة لاتنغمس فى الحياة الجامعية ككل. وهذه الدراسات تعتبر دراسات خاصة، لبعض الناس الذين يريدون أن يخوضوا فى أمور بعيدة عما يهم الفكر الغربى والثقافة الغربية".
إن هذا هو ما جعلنا نقول بأن النقد الأركونى لاستشراق أت من داخله وموجه إليه, فلا يتصَّوَرُن الكثيرون من الباحثين العرب والمسلمين بل ومن الأوربيين والغربيين أو غيرهم، أن أركون يعود إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، ويحن إليه أو ينقد نقاده من المستشرقين! إن ذلك سيكون حكاً سطحياً مبنياً على كثير من الذاتية والعاطفة، ولاصلة له بالعلم والبحث... فنحن نرى أن أركون لم يتغير ولم يحد عن طريقه الذى كان بدأه:
" كان كتابى الأول – وهو أطروحتى - يعالج ما اسميته الانسية فى القرن الرابع الهجرى.... وحاولت فى هذه الدراسة التى كتبتها فى الستينات أن أرد على المستشرقين، على مناهج المستشرقين فى دراسة الفلسفة العربية، وفى دراسة الفكر الإسلامي بصفة عامة".
إن ما قد حدث ربما هو تعميق وتعمق فى الرؤية نتيجة الخبرة وليس تغييراً أو تغيراً فى أساس التوجه، فإذا عاد اليوم إلى التأكيد على هامشية الاستشراق، فهو بالأحرى فقد يأتى من داخل المجتمع العلمى الغربى، وكأن أركون يدرك أكثر من المستشرقين حاجات هذا المجتمع الغربى والثقافة الغربية، ويعيب على هؤلاء وعلى العقل الاستشراقى عدم تلبيته لهذه الحاجات، وعدم إشباع ذلك الاهتمام
rwayda
08-Aug-2008, 01:06 AM
وبذلك لايكون أركون فقد داخلاً فى سباق نقد العرب والمسلمين المعتاد للاستشراق والمستشرقين، إذ هو ينطلق من رؤية المجتمع الغربى واحتياجاته وهمومه.. وعدم انسجام الاستشراق معه.
وهو من ناحية أخرى ينطلق يختلف عن منطلق إدوارد سعيد كذلك فى نقده للاستشراق ... يقول سعيد فى مقدمته:
"وإذا اتخذنا من أواخر القرن الثامن عشر نقطة انطلاق محددة تحديداً تقريباً، فإن الاستشراق يمكن أن يناقش.. ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق. التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه، وإقرارها. وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه وحكمه .. الاستشراق كأسلوب غربى للسيطرة على الشرق، واستبنائه وامتلاك السيادة عليه"
إن أول فرق يتبادر إلى ذهن القارئ أن أركون، ويحسب مفرداته يرى ويقر أن:
أولاً: الدراسة العربية الإسلامية - الاستشراق - فى الجامعات الغربية، تتسم بالانعزال ولاتنغمس فى الحياة الجامعية ككل.
ثانياً: هى بالتالى تعتبر دراسات خاصة، أو فردية لبعض الناس، لآحاد من الناس، يريدون أن يخوضوا فى أمور بعيدة عما يهم الفكر الغربى والثقافة الغربية.
أما إدوارد سعيد، فهو يرى، وبحسب مفرداته كذلك:
أن الاستشراق مؤسسة،أى عمل جماعى، وليس عمل أفراد. ولكن من هى هذه المؤسسة .. هل هى المستشرقون وحدهم أم أنهم جزء من كيان أكبر؟ ليس ذلك مايهم إدوارد سعيد، ولكن مايهمه هو:
أولاً: كيف يتم ذلك التعامل؟ إنه يتم "باصدار تقريرات حول الشرق، وإجازة الآراء فيه، وإقرارها، وبوصفه وتدريسه".
ثانياً: ...."والاستقرار فيه، وحكمه... الاستشراق كأسلوب للسيطرة على الشرق واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه"،
· ولكن لماذا هذه المقارنة؟
حاشا لنا أن نجتزئ أو نقطع، أو أن نمر بهذه الأمور الدقيقة مرور الكرام، فالمقارنة التى قد تفيد حقاً فى فهم خط دراسة الاستشراق من توجه إدوارد سعيد، إلى توجه محمد أركون – وهى ما قد نعد به – تحتاج إلى وقت وجهد للتحليل أعمق فى داخل أعمال كلا الباحثين الكبيرين، وهما – على اختلافهما فى المنطلق وفى الوسائل - قد يتداخلان ويتكاملان، فهى إشكالية الاستشراق.
أما مانريد أن نركز عليه الآن، ومانرى أن أركون ينفرد به حقاً، فهو الخطوة الثانية فى نقده الاستشراق والمستشرقين وهى رؤية علمية أكاديمية بحته.
يرى أركون "أن المستشرقين لايتبنون مايظهر من جديد فى إشكاليات البحث ومناهجه، فظاهرة العلوم الإنسانية، فى الجامعات الغربية ترجع إلى الخمسينيات والستينيات.. وعندما نقارن المناهج التى ينتهجها، المستشرقون بالمناهج التى ينتهجها الباحثون والمؤرخون والانتروبولوجيون، واللسانيون، وجميع مايتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعيةن نجد فرقاً كبيراً بين المناهج الاستشراقية، ومناهج هؤلاء لأن العلماء المستشرقين لايتابعون الإنتاج العلمى فى جميع العلوم، كما يوجد فى جميع الميادين التى يمارسها المتخصصون الذين يدرسون المجتمعات والمسائل الفكرية".
إنهم إذن منعزلون، ليس فى داخل جامعاتهم ولكن فى داخل أقسامهم، والأمر جد خطير فإن ذلك الانعزال وعقليته تتوالد وتستمر، ثم إن ملامح تلك العقلية تؤثر سلباً على علوم العربية والإسلام، فالطلاب والباحثون المسلمون يأتون من بلادهم للدراسة فى تلك الأقسام وهذه الجامعات، ويعودون فيؤثرون بدورهم فى مجتمعاتهم .. وهكذا إلى مالانهاية.
والذى يقرأ كتابات أركون بدقة ويستمع إليه فى محاضراته باهتمام يجده يحمل بشدة على أولئك الذين يتجاهلون تطبيق المناهج الحديثة والإشكاليات الحديثة فى دراسة الثقافة العربية.
rwayda
08-Aug-2008, 01:07 AM
وهو يطرح ذلك على محورين متزامنين معاً:
الأول للدراسيين والباحثين المستشرقين:
"هذا هو موقفى الحقيقى من الاستشراق، ولازلت منذ سنين، ولا أزال أدعو فى محاضراتى وكتبى من أجل تطبيق مناهج حديثة فى الدراسات الإسلامية.. وألخ..
على هذه النقطة، لأنها أساسية".
والأخر: للدراسيين والباحثين المسلمين والعرب:
"يجب على الباحثين العرب أن ينتقلوا من النقد الايديولوجى المحض، والجدلى، لما يسمونه الاستشراق إلى النقد العلمى والمعرفى، وإنهم إذا انتقلوا إلى هذا المستوى سيدركون ضرورة تغيير المناهج التى يتبناها الباحثون المسلمون عن الفكر الاسلامى والمسائل الإسلامية.
لأننا إذا لم ندرك أهمية الايستمولوجيا، لايمكننا أن نتقدم فى تحديث البحوث التى تتناول المسائل العربية الإسلامية"
· ثم إنه يؤكد ويكرر:
لذلك "أنقد نقداً حاسماً مواقف المستشرقين الذين يقفون بعيداً عن المناهج الحديثة" .... "وأنقد أيضاً المسلمين الذين يرفضون هذه المناهج لأنها غربية".
أما نقده للباحثين العرب والمسلمين، فهو قديم، وهو ليس فريداً فيه، ولاجديداً، وربما يميل إلى العموميات والخطوط العريضة، وربما كان ذلك متوازياً مع تزايد حالات التضييق على الباحثين والمفكرين فى بلاد الإسلام. وقليلاً مايدخل إلى التفاصيل الدقيقة لملامح فكر إسلامى عربى جديد، تظهر رموزه هنا وهناك. وهو يحاول الاستمرار والتقدم، وهو يلاقى كثيراً من التهميش فى الداخل والخارج على السواء...
وأما نقده- أي أركون - للفكر الاستشراقى، وهو نقد علمى منهجى، وهو ليس جديداً، كما يقول أركون نفسه، فهو فى حالة تطور مستمر، وفرق بين التحول والتطور، وهو ربما يطالب المستشرقين أولئك بما يشبه تطوره هو، إذ يزداد اعتماده كثيراً على ما انتجه الفكر الغربى الحديث أو على المنظرين الغربيين، بل على نصوص كنصوص الشافعى وابن رشد والفارابى".
وهذا فرق أساسي بينه وبين المستشرقين، إذ لايعتبر نفسه إذن مستشرقاً.
أما الملمح الأخير - الذى نود التنويه به - من ملامح نقد أركون للاستشراق والمستشرقين، والذى نعد بالتركيز عليه أكثر وتفصيله فى تنمية هذه الدراسة أو فى غيرها، فهو نقد تعامل المستشرقين مع القرآن ودراساته.
ومجال الدراسات القرآنية عند المستشرقين، وربما عند كثير من الباحثين المسلمين مجال يتسم إما بالركود والتراجع، وإما بالمغامرة والجرأة غير العلمية غالباً.
وفى كتابه عن "الفكر الأصولى واستحالة التأصيل - نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامية " (ترجمة هاشم صالح، صادر عن دار الساقى بيروت ط 2 سنة 2002).
فصل فى غاية الأهمية بعنوان"القرآن والدراسات النقدية المعاصرة وفى سياق نقده للمستشرقين يقول أركون:
rwayda
08-Aug-2008, 01:08 AM
"ولكننا سوف نذكر أيضاً بمعطيين اثنين يفاقمان من حالة المستشرقين الغربيينن الذين يستخدمون أدوات ومسلمات العقل التاريخوى والفيلولوجى المتضامن مع العقل العلموى:
1) كل المستشرقين (ماعدا استثناءات قليلة جداً لم تترك أى أثر دائم) يزودون المناقشات المنهجية. والقلق الإبستمولوجى، ولايهتمون إلا بدراسة الوقائع المادية المحسوسة، بالمعنى الذى يقصدونه، وضمن الإطار المعرفى الذى يختارونه".
2) هناك نوعان من العلماء المستشرقين: المؤمنون وغير المؤمنين. والمؤمنون يحملون معهم عندما يدرسون التراث الاسلامى ثقافتهم اللاهوتية اليهودية والمسيحية، وأما غير المؤمنين، من لا أدريين أو ملاحدة، أو حتى مجرد علمانيين، فإنهم يطمسون تماماً مسألة المعنى فى الخطاب الدينى أو يتجاهلونها تماماً. وهكذا يرفضون الدخول فى مناقشات حول مضامين الإيمان ليس بصفتها قواعد حياة وسلوك مستبطنة من قِبَل كل مؤمن، وإنما بصفتها تركيبات نفسية لغوية واجتماعيه وتاريخية.
هكذا نجد أن القضية المركزية لمسألة "الحقيقة" قد أخليت تماماً من الدراسة العلمية للقرآن. ومعلوم أنه نص يهدف أولاً، وقبل كل شئ إلى تقديم المعيار الوحيد والمطلق، والمقدس للحقيقة الكلية العليا، بصفتها الكائن الحقيقى، والواقع الحقيقى، والشريعة الحقيقة (أو الحق فى لغة القرآن) هكذا نجد أن هذه المسألة المركزية بالنسبة للعقل الدينى، كما للعقل الفلسفى الأكثر نقدية وتقدماً، تهمل من قبل هؤلاء الباحثين الأشاوس".
لقد أطلنا هذا الاستشهاد من أركون لنقد الدراسات القرآنية فى جامعات الغرب، قاصدين واعدين بتوسيع الدراسة وتعميقها ونشرها... ولأننا نلاحظ على جانب من جوانب الاستشراق وهو جانب الدراسات السامية أموراً مشابهه كثيرة وخلطاً وتجاهلاً، وسرعة أو تسرعاً فى إصدار الأحكام وكأنها - أي الدراسات السامية - تعانى ما تعانيه الدراسات القرآنية من تكرار ودوران فى حلقة مفرغة.. وإن آثار ثقافة الباحث، مؤمناً كان أو ملحداً أو علمانياً لذات أثر كبير فى نقده وتحليله، واستنتاجاته.
"أما حديث الأجيال الجديدة من المستشرقين، شأنه شأن حديث الأجيال الجديدة من الباحثين العرب، فهو حديث ذو شجون، وحدث ولاحرج"
rwayda
08-Aug-2008, 01:09 AM
محمد السيد - مصر: قادة التنوير في المجتمعات يندمجون فيها محاولين إصلاح ما أفسدته الديكتاتورية و التطرف وليس بالهروب. السؤال هو ما هي أطروحاتكم التي تسهم في جعل المواطن المصري يعيش بكرامة؟
نوال السعداوي: كلمة "الهروب" لا تنطبق علي و لا أحبها، وهناك إناس يصطادون في المياة العكرة. فأنا مندمجة في المجتمع المصري حتى النخاع أكثر من الحكومة المصرية ذاتها. فكتبي قرأتها أربعة أجيال منذ نشرها حتى الآن. عندما خرجت من مصر كنت غاضبة من النخبة المصرية والعربية التي باعت نفسها لرجال المال والسلطة الذين يحكمون البلاد. ليس غريبا أن تصمت تلك النخبة عندما تم تقديمي للمحاكمة بتهمة التكفير. أتمنى أن تكون الأسئلة القادمة موضوعية و ليست مجرد هجوم.
جنان - السودان: ما هو رأيك في موضوع ختان الإناث لأن هناك أراء كثيرة في هذا الموضوع الحساس؟
نوال السعداوي: أنا ضد ختان الإناث والذكور. أقول هذا من منطلق كوني طبيبة، كما أقول أيضا بصوت عالي إن كل المعلومات الطبية تقول إن قطع جزء من جسد الطفل فيه خطورة شديدة. تاريخيا، فكرة الختان جاءتنا عن طريق العبودية و ليس لها علاقة بالإسلام. إنه لمن المضر قطع جزء مهم من جسد المرأة، فدول مثل السعودية و سوريا و العراق و تونس لا تعرف فكرة ختان الإناث. لقد ذكر في التوراة أن بني إسرائيل و ذرية إبراهيم سيكون لهم الأرض الموعودة مقابل أن يختنوا الذكور. أؤكد أن الختان عادة ليس لها علاقة بالإسلام أو الطب. هل منطقي أن نقوم بقطع جزء من الطفل الذي خلقه الله سليما؟!
مينا - مصر: لماذا ترفضين الحجاب وتهاجميه و أيضا الحج؟
نوال السعداوي: ما أعارضه هو أن يستولي الزوج على مصاريف أسرته ومدخرات زوجته و يشتري تذكرة للحج و يقبل الحجر الأسود. فالعمل عبادة و إطعام الأطفال عبادة. بل أن كل طقوس الحج جاءت قبل ظهور الأديان، وهذا هو جزء من التاريخ. الحج ليس عبادة إسلامية فقط، فالإسلام جاء ليمنع تقبيل الحجر الأسود. أما بالنسبة للحجاب، فأنا ضد اعتبار أن المرأة عورة. فالأخلاق في سلوك المرأة و عملها وليس في تغطية شعرها الذي يعد تزييفا للأخلاق. لا بد أن ننظر للمرأة على أن لها عقل
rwayda
08-Aug-2008, 01:10 AM
أيمن الدالاتي - سوريا: اتفق مع الدكتورة السعداوي بنقاط كثيرة، و اختلف معها بنقاط أقل، إنما أكثر أهمية و دسما، لكن بالنسبة لفصل الدين عن الدولة لا يمكن هذا أبدا. إنما الصح هو عدم تسييس الدين و عدم تديين السياسة؟
نوال السعداوي: عزيزي أيمن. اختلف معك، فمن الممكن فصل الدين عن الدولة وقد حدث ذلك بالفعل في بلاد أخرى. أنحن شعوب أقل من الشعوب الأخرى التي قامت بذلك؟! طالما أن الدين دخل في السياسة لن يكون هناك نقاش وسيكون القتل مصير من يختلف معك. فعلى الدولة أن تحكم بقوانين مدنية، فالدين حالة خاصة، وعلى كل شخص أن يعبد إلهه في بيته.
صابر بابان - بغداد: هل مصر والدول العربية تتمتع بالديمقراطية كي تستطيعي أن ترشحي نفسك و خصوصا آراءك العلمانية تلقي رفض من كل الحكومات العربية بسبب العقيدة الدينية ... وما هو سبيل التغيير في مصر بصورة خاصة والدول العربية بصورة عامة؟
نوال السعداوي: لماذا نناضل إذا كانت بلادنا تتمتع بالديمقراطية؟! نريد أن نتحدى الديكتاتورية لا أن انتظر الديمقراطية تهبط من السماء، و لذلك قمت بترشيح نفسي في الانتخابات لمواجهة النظام ديكتاتوري في مصر برغم أنني كنت أعي جيدا أن مشاركتي رمزية و لن يسمح بها. أشير هنا أن الحكومات العربية كلها ديكتاتورية، وكذلك الحكومات الغربية. الحل هو أن يبدأ كل شخص بنفسه. لا بد أن تسأل نفسك "ماذا قدمت حتى يكون هناك ديمقراطية حقيقية" بدلا من أن تجلس في بيتك لتربية الأولاد. أتعجب لماذا لم يكن هناك رد فعل عندما تم استدعائي للنيابة.
أبو عمرو - فلسطين: كل كتاباتك عن المرأة وعلاقاتها مع الرجل ..ما هو موقفك من قضايا الأمة ؟
نوال السعداوي: أنا لا أفصل بين تحرير المرأة و تحرير مصر و الوطن العربي، و قمت بالربط في كتاباتي بين الاستعمار سواء أكان بريطانيا في السابق وأمريكيا حاليا من ناحية و قضايا المرأة. الصحافة تشيع أنني اكتب عن المرأة فقط، لكني أؤكد أن كتاباتي تربط بين قضايا المرأة وعلاقاتها بالسياسة المحلية و الدولية.
rwayda
08-Aug-2008, 01:12 AM
عباس - كندا: هل فكرت في الحصول على جائزة نوبل؟
نوال السعداوي: أنا رشحت بالفعل لجائزة نوبل، بل أن هناك أفرادا يعتقدون أن إنتاجي الأدبي و الفكري أهم من جائزة نوبل التي هي في الأساس جائزة سياسية أكثر منها فكرية. الأديب الحقيقي هو ما لا يهتم بالجوائز و إن كانت تعطي له دفعة قوية خاصة إذا كان يشعر بالاضطهاد في مجتمعه.
رفعت ناجى - مصر: استأذنك أن تعرفي لي من هو المثقف؟ و ما هو وجهة نظرك في من يختلف معك في أرائك؟
نوال السعداوى: يا سيد رفعت، المثقف هو الإنسان الذي يحاول أن يفهم العالم من حوله ويتحاور معه و يربط بين المجالات المختلفة للمعرفة (الطب والأديان و التاريخ). أما بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، الاختلاف في الرأي أمر لا بد منه، لكن هذا الاختلاف لابد أن يكون بالفكر و العقل لا بالسيف و التكفير. وهنا تقع مشكلتنا في العالم العربي أن من يختلف معنا نعتبره كافرا يجب أن يعتقل أو يقتل. فلم نتعود على التعامل مع من يختلف معنا في الآراء.
مها محمود - الإسكندرية: ما هو تقييمك للديمقراطية في مصر؟ ... ولماذا لم تصمدى طالما أنت مؤمنة بقضيتك؟
نوال السعداوي: لا توجد ديمقراطية في مصر أو في أي من بلاد العالم حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي درست فيها لمدة 13 عاما حيث تبنى فيها الديمقراطية على المال و السلطة. بل أن السؤال يبقى: ما هي الديمقراطية؟ إنها ليست الذهاب إلى صناديق الاقتراع أو ممارسة حرية التعبير، إنما هي العدالة الاجتماعية و الاقتصادية. لقد رأيت فقرا في بلجيكا يشابه ذلك الموجود في مصر، و رأيت فقرا في أمريكا لا يقل عن مثيله في الهند. و الله أنا صامدة حتى الآن. لو قرأت تاريخي لوجدت أنني تعرضت للسجن و النفي و تم وضعي على "قائمة الموت". يا مها، أنا عمري الآن 75 عاما. عندما خرجت من مصر لم أفر كما يقولون ولكن لأن عندي شغل في الخارج أقول به. و أؤكد لك أنني سأعود إلى مصر حتى لو حكم علي في قضية "إزداء الأديان" المرفوعة ضدي.
إبراهيم على سالم - أبو ظبي: لماذا رفضتي المناظرة مع الدكتورة سعاد صالح أستاذة وعميدة سابقة بجامعة الأزهر الشريف؟
نوال السعداوي: لم يحدث ذلك، وهو ما يجعلني أشعر بالدهشة من طبيعة انتشار مثل تلك الأخبار غير الصحيحة. على العكس، لقد رفض طلبي لمناظرة الشيخ (محمد متولي) الشعراوي خمس دقائق كل أسبوع وهو الذي يتكلم كل يوم ساعة.
رمزي - سدني: تحرر المرأة من أولوياتك خلال السنوات الطويلة الماضية ... هل أنت راضية عما حققته في هذا المجال أم أن المهمة كانت اكبر من توقعاتك؟
نوال السعداوي: أنا راضية بما فعلت، لأن في مصر أشعر بأني محاطة بأربع أجيال من النساء و الرجال تأثروا بأعمالي و كتاباتي... و أنا راضية لأن لي تأثير بين هؤلاء الناس.
نجدت صبري القاضي - دهوك - العراق: وضع المرأة في شمال العراق أفضل من وضعها في الكثير من بلدان الشرق الأوسط، إلا أن التركيبة الاجتماعية المتوارثة و العادات و التقاليد تفرض علينا (الرجال والنساء) أوضاعا لا نملك منها فكاكا علما أن هذه الأوضاع ليس لها علاقة بالالتزام الديني؟
نوال السعداوي: أنا لم أدرس وضع المرأة في شمال العراق، لكن سيدات عراقيات تقلن إن أيام صدام أفضل من الآن. وليست المسألة في هذا الشأن تتعلق بالعادات والتقاليد، بل بالسياسة، حيث أن المرأة في عراق ما قبل الاستعمار الأمريكي الجديد كانت أكثر تحررا. وهنا يجب علينا فهم المشكلات في العراق ووضعها في سياقها. أما عندما نتكلم عن المرأة ومشكلاتها دون الحديث عن الاحتلال والاستعمار فقد بعدنا عن الحقيقة.
rwayda
08-Aug-2008, 01:12 AM
لمى عيزوقي: حبذا لو تعطينا الدكتورة نوال فكرة مختصرة عن المواضيع التي تناولتها في حياتها وعن أهم النشاطات الإنسانية التي قامت بها في مصر و في خارجها؟
نوال السعداوي: صعب في خلال دقائق أن ألخص ما كتبت، فأصدر لي أربعون كتابا أعيد نشرها. عليك أن تقرئيها لمعرفة الإجابة على السؤال. لكن بشكل مختصر، الفكرة الأساسية في مؤلفاتي هي الربط بين تحرير المرأة والإنسان من ناحية وتحرير الوطن من ناحية أخرى في نواحي ثقافية و اجتماعية و سياسية. كما أحاول أن أدرس الأديان لمعرفة ما يحدث في مصر وأربط بين مجالات المعرفة التي تم فصلها من خلال دراستنا الأكاديمية في الجامعات.
ناهد تاج هاشم - الكويت: ... أريد أن أسألك عن رأيك فيما يحدث حاليا. كثيرا ما يخلط بعض من أبناء الجيل الحالي بين مفهوم حرية المرأة كإنسان بالدرجة الأولى والقيام بأعمال ليست مناسبة للمرأة (من منطلق السعي للمساواة بين الرجل والمرأة)؟
نوال السعداوي: من قال أن المرأة يجب أن تكون مثل الرجل. ما أقوله إن المرأة إنسانة لها جميع الحقوق. صحيح أن الرجل مستعبد والمرأة مستعبدة، لكن استعباد المرأة ضعف استعباد الرجل. ما يحدث هو أن جسد المرأة يعرض للاستهلاك في السوق الحرة، حيث يعرض عليها إما تغطية أو تعرية جسدها. وهكذا صارت المرأة أداة في هذه السوق من قبل التيارات الدينية المسيطرة.
حسام أبو الفتوح: ما وجهة نظرك في التعديلات الدستورية الحالية؟ وهل سوف تحدث تغييرا في تاريخ مصر؟
نوال السعداوي: لن تحدث سوى تغييرات طفيفة في الدستور، مثلما حدث قبل الانتخابات الرئاسية. بل على العكس، التغييرات السابقة في الدستور كانت ضد المرشحين الرئاسيين وخاصة المستقلين منهم. عليك أن تتأكد أن تلك التعديلات ليس لها علاقة بحل المشكلة في مصر.
صالح عزيز - لندن: د.نوال أنا من المعجبين بآرائك ومؤلفاتك، ولكن الا تعتقدين بأنك تجاملين أحيانا، من خلال تصريحاتك، الإسلاميين وبذلك تحتفظين - بجسور - ولو ضعيفة مع هؤلاء وهو ما يجعلك عرضة للتهديد أحيانا و امرأة صالحة في نظرهم أحيانا أخرى. أليس من الأجدر بك أن تصري على مواجهتك للرجعية والتخلف المرتبطين، شئنا أم أبينا، بالدين؟
نوال السعداوي: عزيزي صالح، أنا لا أجامل الإسلاميين على الإطلاق. على العكس، أنا أرفض قيام الدولة الدينية وأطالب بفصل الدين عن الدولة وإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري التي تعتبر الإسلام مصدر التشريعات.
rwayda
08-Aug-2008, 01:13 AM
سميح - برايتون - بريطانيا: تواجهك دعاوى قضائية و تهديدات منذ سنوات، ما سر قرارك في مغادرة مصر في هذا التوقيت بالذات حيث مجال الحريات أفضل نسبيا من الماضي؟
نوال السعداوي: عزيزي سميح، في 28 يناير/ كانون الثاني، قامت النيابة المصرية بالتحقيق معي وابنتي الكاتبة منى حلمي في إطار قضية "إزدراء الأديان" الموجهة ضدنا. وتتعلق القضية بمقال واحد كتبت عبرت فيه ابنتي عن رغبتها أن تحمل اسم أبيها وأمها. من ناحية أخرى، منعت خمسة من أعمالي من النشر أيضا. لذلك شعرت بالتهديد من نظام يقدمني للمحاكمة، وشجعتني كل هذه الأسباب على ترك البلاد التي لم أكن أفكر في مغادرتها من قبل. يأتي ذهابي للخارج أيضا بسبب احتياجي إلى الهدوء لكتابة رواية جديدة وكذلك دعوتي لحضور عدة مناسبات في الخارج كمؤتمر في روتردام و آخر في بروكسيل ودعوة أخرى لاستلام جائزة الأدب الأفريقي من جامعة ويست فرجينيا. إضافة إلى دعوى أخرى بالتطليق (الحسبة)، وهي قضية جديدة غير مرتبطة بقضية أخرى رفعت للتفريق بيني وبين زوجي بالقوة في عام 2001. لكني لا أعرف لماذا رفعت قضية أخرى ضدي هذا العام.
rwayda
08-Aug-2008, 01:15 AM
أدخل رهانا نقديا على اسم شاعر شاب سيتألق بوهج مثير للدهشة في دنيا الإبداع، ليصبح شاعر مصر الأول. إنه أحمد بخيت.. الذي تخطى الثلاثين بقليل، وبهر كل من تعامل مع شعره، بقوته، وعرامته، وصدقه.. بنبضه الكلاسيكي الحي وقدرته على إعادة الشباب للقصيدة العربية… إنه وريث المتنبي، والأمل الموعود للشعر الحديث/ د. صلاح فضل.
.
* أحمد بخيت هذا الفتى الأسمر الذي وصل إلى القاهرة مثقلا بالهواجس والخوف والأحلام، هل كان يعلم أن ما ينتظره هناك – داخل الوسط الأدبي – سيجعله يتخلى عن الكثير من القيم؟
- في مطلع السبعينات قدمنا إلى القاهرة من صعيد مصر، حمل أبي الصعيد الشجاع في ساعديه القويين وحملته أمي مع صرة ملابسي وبعد أسابيع قليلة حمل أبي حقيبته إلى ليبيا للعمل ليوفر لنا الخبز والكتاب ووجدت الصعيدية الوحيدة الأمية نفسها في صحراء الغربة وحدها وفي حجرها عصافير زغب – هم أنا وإخوتي – فأنشبت أقدامها في الأرض لتتحول إلى شجرة تظللنا وحملت الحقيبة وحدي إلى الأول الابتدائي
ومن اليوم الأول أدركت بفزع أني وحدي لا أب يحرس ولا أخ أكبر ينافخ، وليس إلا الكتاب وعليك أن تعرف لتكون وأن تكون صخرة نفسك حيث لا مجال لرفاهية الفشل عليك أن تكون متفوقا حتى الموت إن شئت أن تعيش بكرامتك بين أطفال – حقا – ولكنهم متوحشون أيضا أذا لم تكن جديرا بالحب والاحترام
وهكذا تفوقت دراسيا وكان هذا هو الدرس الذي كان علي أن أتذكره مرة أخرى بعد عشرين عاما حين دخلت الحياة الأدبية، يفضل أن يسميه فاروق شوشة اقتحاما. كان علي كما على كل مبدع حقيقي أن يسير ولا يلتفت، يكتب ولا ينتظر، يعمل ولا يأمل إلا في الله وفيما يكتب وأنا أبتسم حين يلتقيني مثقفون مصريون كبار باحترام وبشاشة مذهلة وكانوا هم أنفسهم من لم يمنحوني دقائق من الاهتمام أو كلمة تشجيع في أول الطريق، لكنني أكن لهم كل مودة فقد علموني بتجاهلهم أن أعرف نفسي وبعدم دعمهم أن أدعم قلبي وبصمتهم أن أجعل كلماتي تصل إلى مسامعهم. ولكن – وللحق – كان هناك حب كبير من الناس ومن بعض المبدعين في كل لحظة من حياتي، دعمني بقوة هائلة للاستمرار
rwayda
08-Aug-2008, 01:15 AM
* عندما ينتبه أحد النقاد أو الكتاب، ممن يقودون دفة المشهد الأدبي، أن هذا الصوت أو ذاك مختلف تبدأ المتاعب، ألا تعتقد أن على المبدع في هذه الحالة ألا يكتفي بالنص فقط وإنما يتماهى مع دوامة النفاق ليستمر؟
- رغم أني أعتقد أن حسن الظن في وجود عبقريات كثيرة أمر مفرط في التفائل أو السذاجة مما يعني ضرورة أن تثبت كل موهبة جديدة جدارتها بصبر وقوة ليتم الاعتراف بها لأن الحياة الثقافية كثيرا ما شهدت ولادات باهرة لمواليد أثبت الزمن ضعفهم وهشاشتهم وعدم قدرتهم على الاستمرار في التطور إلا أني أظن – وهذا من سوء الظن الذي أتمنى أن يكون من حسن الظن – أن المجتمع الثقافي العربي عامة وليس المصري خاصة شديد الجبن ويفضل التجاهل والانكار والصمت على التبشير بصوت جديد أو الدعم له فإن نجح يمكن تدارك الأمر بكيل مديح متأخر وإغداق كرم فات أوان ضرورته وإن لم ينجح فقد كفى الصمت – غير المؤمنين – شر المنافسة.
* ألا تعتقد أن المشهد الأدبي “القاهري” على مرّ التاريخ لم يتخلص من عقدة نبذ الآخر خاصة إذا ما تعلق الأمر بمبدع قادم من الجنوب؟
- ذلك يحدث لأن المبدعين الآن يتنافسون على الظهور الإعلامي أو المديح النقدي دون أن ينتبهوا إلى أنه للأسف لم يعد النقد الأدبي في الوطن العربي قادر على إبراز نجوم في الكتابة النقدية، تغيير ووضعية أديب من خانة أديب موهوب إلى خانة أديب موهوب مقروء وإنما الأمر لا يفضي لأكثر من تداول الاسم في الأوساط الثقافية وفي النهاية كل مثقف لا يعتد بآراء غيره ويعتبر نفسه الناقد الأعظم وهو حين يقرأ المبدع يحدد موقفه وفقا لقناعاته إن سلبا أو إيجابا. ولأنني لم أحلم بأن أظهر في الصحف والإعلام فقط بل حلمت بأن أصبح مقروءا فإن النقد العربي بوضعيته الحالية، غياب النقد التطبيقي وتفشي ظاهرة الانتفاع النقدي وهامشية النشاط الثقافي في الحياة المعاصرة جعل حلم النقد اليوم الذي يمهد الطريق للمبدع حلما بعيدا بُعد البوم والغراب عن حلم الغناء.
rwayda
08-Aug-2008, 01:16 AM
* نلاحظ من خلال ما استمعنا إليه من قصائد أنك تشتغل على خطين فنيين، ففي الوقت الذي تطفح فيه الأسطر بشعرية عالية تحافظ أيضا ببراعة على خط سردي خفي يؤلف بين ما هو داخلي فيك وما هو خارجي فينا، لتخلق حالة من التواطؤ والتوتر عجز الكثير من مدّعي الحداثة على انجازه في نصوصهم؟
- أشكر لك رأيك وأتمنى أن أكون جيدا بما يكفي وأحترم إبداعات الآخرين ونجاحاتهم.
* هل حدث أن شعر أحمد بخيت – وهو يقرأ أمام الجمهور – برغبة في البكاء؟
- كنت حاضرا هنا أنت في سرت عندما ألقيت عن أبي قصيدة قمر جنوبي تذكرت أني كنت أفتقده في القاهرة وأنا طفل وألومه دون قصد على غيابه وأنا هنا الآن أفتقد أولادي تذكرت أنه كان يكدح في العمل مجروح الأبوة يحن إلينا ويحبنا في الغياب أكثر كادت دموعي تسيل وأمسكتها بقوة كي لا يعتقد أحد أني أحاول التأثير على الجمهور وقد شحن هذا صوتي بشجن عميق أظنه وصل للجمهور حتى أن البعض قال لي أنه بكى بالفعل وخفف عني كثيرا قول الكاتب الكبير زكريا تامر أنه نفسه كاد يبكي. ما من كتابة حقيقية لا تصل إلى القلب وفي كل مكان ألقيت فيه شعرت بحب الناس الصادق وارتجفت من الفرح والإحساس بالمسؤولية تجاه الكلمة والناس. أكتب شعري عاري القلب وكثيرا ما أقرأه على الناس عاريا حتى القلب فأشعر بهم ويشعرون بي وتلك هبه الله التي أحمده عليها والذي تعدل عندي وتفوق أعظم الجوائز الأخرى
rwayda
08-Aug-2008, 01:17 AM
* كل كاتب كما بين هنري ميلر إنما يعني مركب الإحساس باليتم واللقاطة، إن حدث ذلك فأي مركب تفصح عنه؟
- كل نص جميل يتيم في العالم، حتى يجد كاتبه، لقيطا في الأرض حتى يجد قارئه. الكتابة كفالة الأيتام والقراءة ملجأ اللقطاء وبهذا المعنى تكتمل عائلة الإبداع.
* إلى أي مدى يظل كل كاتب عربي حفيد شهرزاد اللسانية؟
- شهرزاد الرائعة والموجعة علمتنا أنه لا بد من صوت وأن الإنسان صوت بين صمتين يأتي من الصمت ليعرف ويحكي ويذهب إلى الصمت ليحكي عنه الآخرون، فلا مفر له من مواصلة الافتتان والإبداع وإلا وجد سيف مسرور في عنقه. تبقى ضريبة البوح المتواصل الساحر تستنفذ أعظم طاقات الإنسان ليذهب إلى الغياب تاركا حضوره في ذكرى صوته وحكاياه. اللسان قاتل واللسان منقذ تلك فتنة شهرزاد وفجيعتها ومحنة أحفادها وإرثهم الجميل.
* ( الزمن أعظم ناقد في الدنيا، لأنه يفضح الذهب الزائف ويعلي قيمة اللؤلؤ الحرّ ) بأي معنى يكون ذلك صحيحا؟
- أنظر إلى فعل الزمن في العطر المعتق والخمر المعتقة وإلى فعله في العظام النخرة. تعرف ما أعني وإليك الذين كتبوا ليسمن لحمهم وشحمهم وتزداد أوسمتهم وملابسهم الأنيقة تعفنوا في قبورهم، والذين أحرقوا أرواحهم عطرا واعتصروا أيامهم خمرا ازداد ما تركوه نفاسة وعظمة وتاريخ الأدب الإنساني شاهد على من ذهبوا لامعين وانتهوا منطفئين ومن عاشوا أقل لمعانا وماتوا فازدادت آثارهم إشعاعا وتألقا.
rwayda
08-Aug-2008, 01:18 AM
* ( ثمة تجارب شعرية لي قد حرثت أرضا لم تحرثها التجربة النزارية ) ألا تخاف من جمهور نزاري مزروع على امتداد الوطن العربي مما يفسد مشروعك الشعري ويعرقله؟
- من يخاف لا يكتب، ومن يكتب ينبغي ألا يخاف إلا من أن ينافق أو يكذب. جمهور نزار عريض وكبير لكن أنا واثق أن جمهور نزار سيحبني أولا لأن شعري يثبت حبي لنزار واحترامي له ويثبت خصوصيتي الإبداعية وقوتي الخاصة التي تؤهلني للبحث كما أهلت خصوصية نزار وقوته الخاصة شعره لحب الجماهير. لا يبقى الشاعر الكبير شاعرا كبيرا ولا يقلل من عظمته لكن الأقزام فقط هم من يتصورون أن اسما عظيما في الماضي يلغي المستقبل واسما جميلا في الحاضر ينفي الميراث الجميل.
* هل حدث أن تنازلت عن بعض القناعات ثم ندمت بعد ذلك، خاصة إذا ما أضفنا للسؤال هذا السطر الذي ذكرته في حوار سابق: “لقد كتبت الأغنية لأشتري الحليب لطفلي”؟
- لا أزعم أني أقوى من الجبال لكني لم أقدم تنازلات أخجل منها قبلت العمل في الجامعة ولم أكن أحبه لخمس سنوات وكتبت الأغنية لفترة قصيرة في مناخ فني لم أستسغه لكنني صححت موقفي بأسرع من البرق وعدت إلى ميداني. الشعر اختياري الذي لم أحد عنه لأنني أشعر في قرارة نفسي أنه اختياري من بين الكثيرين من أبناء جيلي لأكون واحدا من فرسانه البارزين.
* ألا تخيفك فكرة النهايات، فكرة نهاية الكثير من العظماء في العالم: بوشكين، ليرمنتوف، ألان بو، هنري ميشو، السياب، طرفة ابن العبد، ميشيما، أمل دنقل، الشابي، رامبو.. في اعتقادك لماذا يموت هؤلاء قبل الأربعين معظمهم تحت وطأة المرض والخوف والتشرد والحرمان، ألا ينتابك هاجس النهايات أحيانا خاصة وأنك تشبه هؤلاء – على الأقل في اعتقادنا -؟
- دائما حتى أنني قررت أنه ما دام لا يمكن هزيمة الموت فعلي أن أتعلم صداقته. أخيرا أكتب سيرة الكائن وأكتب فيه نص الموت الذي ظللت أراوغه وأكتب على استحياء وعن بعد أواجهه الآن عن قرب في نص أتمنى أن أنجزه كما أحلم ليكون كتابة للحياة من أرض الموت. لا بأس بالموت إذا اقتربت من العرفان، فالموت:
يليق بذاته لا زهو فيه
لكي يكفكفه
كمالي حين أعرفه
ونَقصي أن أعرّفه
بسيط، كبّد الدنيا
مشقّة أن تفلسفه.
rwayda
08-Aug-2008, 01:21 AM
* هل يستطيع المثقف العربي النجاة من السؤال السياسي؟
- أجل بوسع المثقف العربي النجاة من السياسة في اللحظة التي يفتح فيها الباب للضوء العظيم مستقبلا غده في سلام تاركا ورد الحسرة للهالكين وذباب الوهم للواهمين معلنا براءته الكاملة أو خيانته الكاملة. لا نجاة للمثقف الغربي من فضيحة السياسة إلا بالموت وعلى المثقف العربي – مع كامل احترامي لكل أطروحات النقاد الجمالي الخالص والاستعلاء الفكري الرصين واللعب الحرّ – أن يظل ما دام ممتطيا حرفه إما شاهدا في محكمة الإنسانية ضد كل إساءات السياسة وتواطؤات وشهيدا على نبالة القليلين الذين صدقوا الإنسان فيهم وصدّقوه ويعرف المثقف الحر أنه في اللحظة التي يكشف فيها عن محاكمة العالم وسياسته سيبدأ العالم في محاكمة آثاره كل قبح في العالم سيكتب في إرث المثقف شهادة ضده وإلا سيعتبره صديقا هالكا وكل جمال في العالم سيمنحه دمعة مودة على جمال آفل. صدقني لا نجاة لنا إلا بمحاكمة السياسة ثقافيا وإنسانيا في كل لحظة وإلا سيسمح للأنياب الأنيقة أن تلتهم إنسانيتنا في وداعة قاتلة.
rwayda
08-Aug-2008, 02:52 AM
حوار مع محمد شكري
طنجة: عبد الله الدامون
محمد شكري من الكتاب القلائل في العالم العربي الذين لا يحتاجون الى تعريف او تقديم الى القارئ، فمنذ أن أصدر روايته «الخبز الحافي» في مطلع الثمانينات، طالت شهرته جميع الافاق حتى اصبح شكري نفسه يتضايق من الصيت الذي أعطي لروايته لأنها سرقت عنه كل الاضواء وجعلته يعيش تحت رحمتها. واذا كان شكري قد عرف ككاتب وكاتب قصة فإن القليل من الحوارات التي أجريت معه وبمختلف لغات العالم لم تستطع أن تسبر غور الكاتب لترسم صورة مقربة عنه، كما يحاول أن يفعل في هذا الحوار المفتوح عبد الله الدامون من طنجة (شمال المغرب) الذي اختار لمحاوره اسئلة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها بعيدة عن المألوف قريبة منه بما أنها تتمحور حول العادي واليومي في حياة كل واحد منا.
* نحن نجلس الآن في مكان ليس غرفة عادية ولا هو شرفة، ماهي قصة هذا المكان بالضبط؟
ـ هذا الجزء من المنزل الذي نجلس تحت سقفه أنا الذي صنعته. فهو لم يكن موجودا من قبل. إن قصته طريفة. ففي يوم من الايام اتصلت بالطاهر بنجلون وسألته لماذا لم يعد ناشر كتبي «ماسبيرو» يرسل لي المال كالعادة، فقال لي الطاهر بنجلون ان كتابي بيع في البداية وان الأهم هو ما اخذته في البداية لذلك يجب ان اقبل ما يرسل إلي الآن من تعويضات رمزية. لكن في أحد الايام تحدثت حول الموضوع مع الصديق عبد القادر شبيه الذي كان يزورني بين الفينة والأخرى، وبما انني لا اعرف الكتابة بالفرنسية رغم أني اقرأها وأتحدثها، بلغة الشارع طبعا، لذلك طلبت منه ان يكتب لي رسالة إلى «ماسبيرو» لكي اعرف ما يحدث. بعد ذلك عرفت أن الناشر الفرنسي «ماسبيرو» باع اسهمه في شركة النشر وترك فقط اسهما رمزية.
بعد ذلك تلقيت جوابا يفيد بأن هناك بعض المال. طلبوا مني عنواني من جديد ثم ارسلوا لي حوالي أربعين ألف درهم (نحو أربعة الاف دولار أميركي). بهذا المال الذي تلقيته انشأت هذا البيت الجديد في السطح. حدث ذلك قبل عشر سنوات، وهو مازال في حالة جيدة كما ترى. في بعض المرات، وحين تكون رياح الشرق قوية، اقول مع نفسي بأن كل هذا سيذهب مع الريح ولن اجد له اثرا في الصباح، لكنه ظل صامدا في وجه عاديات الزمن.
rwayda
08-Aug-2008, 02:53 AM
أنت تكتري هذا المنزل أم هو ملك لك؟
ـ أكتري هذا البيت بمائتين وخمسين درهما (نحو 25 دولارا). كان ذلك هو سعر الإيجار عام 1971 وهي السنة التي استقريت فيها هنا، كان سعر ايجار البيوت في طنجة وقتها رخيصا، رغم أن هذا السعر كان وقتها مرتفعا مقارنة مع راتبي الشهري كمعلم.
* ما الذي أغراك في هذه الشقة بالضبط؟
ـ شيئان، إنها قريبة من المدرسة التي كنت ادرس فيها، ثم باحة الشرفة. فعندما أغسل ملابسي لا اجد نفسي مضطرا لنشرها فوق سطح العمارة. كما انني استغلها من اجل تزيينها بانواع من النباتات إضافة إلى بعض الحيوانات. فقد عاش معي كلب هنا اكثر من سبعة عشر عاما، و«نمسان». الآن تعيش معي سلحفاة واحدة بينما ماتت السلحفاة الأخرى.
* ما هو سر ولعك بالحيوانات؟
ـ السبب الاول هو اني غير متزوج
* هل هو تعويض عن....؟
ـ لا.. ليس الامر مسألة تعويض. إنها اشياء نابضة بالحياة سواء كان طيرا ام سلحفاة. لم أعد الآن استطيع تربية الكلاب. فالكلب الذي كان معي شاخ بطريقة سيئة وصرنا نغسله بأنبوب الماء. الامر مختلف مع الطيور او السلاحف. فالسلحفاة لا تعرفها متى تشيخ حتى تراها ميتة دون أن تظهر عليها علامات الشيخوخة. إنها لا تعاني مثل الكلب الذي يتحرك بصعوبة في شيخوخته ويضعف بصره ويسقط عنه الزغب فيصير منظره محزنا. الطيور كذلك تظل تقفز وتزقزق في القفص حتى تسقط ميتة دون سابق إشعار.
* هذا يعني أن الطيور والسلاحف تموت ميتة كريمة؟
ـ بالفعل. إنها تموت ميتة كريمة ومستورة ونبيلة. ثم اني افتقد السلحفاة رغم أنها تعيش معي في منزل واحد ولا أراها سوى مرة كل ثلاثة اشهر أو اربعة. كانت صغيرة مثل علبة عود ثقاب والآن صارت كبيرة مثل صحن طيني.
* والطائر الملون الذي في القفص ما اسمه؟
ـ اسمه موزار.
* لماذا اسم موزار... هل لأنه يبدع في الغناء؟
ـ أسميته موزار لأنه كان لي طائر مات اسمه موزار، فأتيت بهذا وأطلقت عليه نفس الاسم.
* صعدت عندك حتى الطابق الرابع راجلا لأنه لا يوجد مصعد في العمارة. هل تحملت كل هذا الصعود والهبوط دون كلل منذ سنة 1971؟
ـ صاحب العمارة محق، فما نؤديه كمقابل لسعر الإيجار لا يمكن ان يوفر حتى صيانة المصعد. أقول لك شيئا، لقد كنت في نزاع مع ورثة مالك العمارة وحكمت المحكمة لصالحي ضد مطالبهم برفع سعر الايجار. ومع ذلك فقد تم رفع سعر الايجار خمسين درهما ليصبح ثلاثمائة درهم في الشهر (نحو 30 دولارا).
* من هم زوارك في بيتك؟
ـ قبل حوالي عشرين عاما، وخصوصا خلال الصيف، كان هذا البيت مقصدا للكتاب المفلسين الذين لا يملكون ما يؤدون به غرفة في فندق. كانوا ينامون حيثما اتفق. كانوا يتكورون في أي زاوية وينامون. كان البيت عبارة عن مخيم، بينما البعض يأكل ترى البعض الآخر ينتظر أو يطهو طعاما آخر.
مع مرور الوقت، لم أعد استقبل عددا كبيرا من الزوار، سواء من داخل طنجة او من خارجها. ففي ذلك مضيعة للوقت. لان بعض الضيوف يتصرفون مثل التتار، يلتهمون ويشربون كل شيء رغم انهم حين يأتون لا يحملون معهم اي شيء. والاسوأ من كل هذا أن بعض ملابسي واشيائي بدأت تختفي.
* من هم هؤلاء، هل هم مغاربة ام اجانب؟
ـ إنهم خليط من البشر. فيهم الكتاب وفيهم غير الكتاب، فليس من المعقول أن يكون كل اصدقائي من الكتاب. صارت بعض الكتب ايضا تختفي. في احدى المرات فتحت عيني فوجدت احدهم يملأ علبة بلاستيكية بالكتب. سألته عما يفعل فقال لي بأنه سيردها لي بعد قراءتها رغم أنه لم يستأذني. أخذت منه الكتب وطلبت منه أن ينزل الأدراج بسرعة قبل ان يحدث شيء.
زواري الآن قليلون مثل الزبير بن بوشتى (كاتب مسرحي) والاخوان اسليكي (ناشران)، وفي بعض الأحيان ونادرا جدا يأتي الصحافي عبد اللطيف بن يحيى أو المحامي بهاء الدين الطود، وأحيانا يأتي بعض الاجانب سواء من العرب أو الأوروبيين
* من هم الزوار الأجانب الذين ما يزالون يقصدون بيتك؟
ـ يأتي حسونة المصباحي مثلا كل صيف، وصديق آخر من جبل طارق، كما أن هناك صحافيين يأتون وأستقبلهم باستمرار.
لقد تعودت أن اعيش تحت هذا السقف وحدي، لذلك فإني لم أعد أتحمل الإزعاج الذي يسببه لي البعض، بحيث يجب ان تنام وقت ينام وتستيقظ وقت يستيقظ. أنا اريد أن أنام متى اريد واستيقظ متى أريد. حين يكون الصديق مفلسا أكتري له غرفة في فندق ليوم أو يومين. الايام تغيرت والمشاغل كذلك، وبيتي صار ضيقا ومملوءا بالكتب. في السابق كان الاختلاط بالناس مهما، أما اليوم فالعكس. لا أختلط بالناس إلا نادرا في بعض الحفلات أو المناسبات، ربما يعود ذلك إلى عامل السن.
وهذه الكتب التي تملأ كل مكان في البيت ماذا تفعل بها مع مرور الوقت؟
ـ أهبها لبعض الاصدقاء. أقدم لهم بعض الكتب لأنهم لا يتوفرون على إمكانيات لشرائها، لذلك أهديها لهم.
rwayda
08-Aug-2008, 02:54 AM
هل يمكن أن اكون أنا ايضا محظوظا وأخرج من بيتك بكتاب أو كتابين؟
ـ (بعد تفكير وابتسام) الله أعلم.
* أين كتبت رواية «الخبز الحافي».. هل في هذا البيت؟
ـ كتبتها بشكل مشتت. كتبتها في أماكن متعددة، في المطعم والمقهى والجبل والبحر. كنت أحمل أوراقا وقلما وأينما عنت لي فكرة أجلس وأكتب. الفصل الأول من الرواية كتبته في مقهى «روكسي». ففي الوقت الذي وقعت فيه عقدا مع الناشر لم أكن كتبت ولا كلمة واحدة من الرواية ومع ذلك قلت له بأني أنهيت الرواية. اقترضت خمسين درهما (5 دولارات) من «بول بولز» ثم جلست أكتب الفصل الأول.
الآن لا أستطيع الكتابة في المقهى. ففي السابق لم أكن معروفا، أما الآن فلم أعد اجلس في المقهى إلا نادرا. أحيانا يراك شخص جالسا في المقهى فيأتي نحوك محييا «أهلا السي شكري.. كيف حالك.. هل من جديد؟» ثم يطلب قهوة بخمسة دراهم ويجلس يناقش معك فكرة أو كلمة كتبتها لمدة ساعة ونصف. بعض الناس مزعجون وللشهرة مساوئها ايضا بينما محاسنها قليلة بالنسبة لي. إن ما تسببه من الإزعاج اكثر بكثير من إيجابياتها.
* رأيتك مرة تحتج صارخا في الشارع بعد أن أزعجك احد المتسولين الذي ألح في السؤال، ربما يعتقد أنك غني، حتى فقدت اعصابك.. هل هذه إحدى مساوئ الشهرة؟
ـ بالفعل. يأتيك شخص ويطلب منك مالا. أنا ايضا لم يكن لدي شيء لكني لم أكن اطلب من احد عشرة دراهم أو مائة. إنها واحدة مما أسميها بمساوئ «العلاقات القديمة».
لقد بذلت مجهودا فلماذا لا يبذل الآخرون نفس المجهود من أجل تدبير حالهم، وسواء كان عندي مال كاف أو لم يكن فهذه مسألة تخصني وحدي، فحتى لو رضع معي شخص من ثدي واحد فإني لا أعتبر نفسي مسؤولا عنه ولا عن أخوته، فكل واحد يتدبر أمره بطريقته، ما ذنبي إذا ظل البعض فقيرا بينما عرفت كيف أستر حالي. ثم إن الغنى ليس عيبا، هل يريدونني أن أتآخى مع البؤس وآكل دائما فضلات السوق، مرة كنت في الشارع فاقترب مني لص وفتح لي حقيبتي فانتبهت إليه وسألته عما يريد فاعتذر. كان قربي شرطيان وكان بإمكاني ان أدلهما على اللص، لكني لم أفعل. اعتذر اللص مرة أخرى وانصرف. يجب ان يكون لدى الناس مرونة العيش، أما التشنج فلن يفيد شيئا.
* ماذا تعني لك الامكنة، خصوصا بيتك؟
ـ كل واحد ينظر إلى بيته بطريقته الخاصة. أنا لي حميمية خاصة مع الأماكن، سواء مع بيتي هذا أو مع أماكن أخرى أجلس فيها. ليس ضروريا أن تكون هذه الأماكن ذات جمال خاص، المهم بالنسبة لي هو ان يكون المكان مريحا. يمكن ان اقول ان لي علاقة صداقة مع الأمكنة، فالصداقة لا تكون مع البشر فقط، بل يمكن ان تكون مع الحيوانات أيضا.. أو حتى مع الجدران.
rwayda
08-Aug-2008, 02:54 AM
ولك ايضا حميمية مع مدينة طنجة بشكل عام، فاسمك صار مرتبطا باسم المدينة؟
ـ أنا شبه مؤرخ جوال في المدينة. الناس الذين عرفتهم شبانا رجالا ونساء صاروا شيوخا. الأماكن ايضا لها تاريخها ونسجت علاقات معها. أحيانا، ولكي لا أمل من الامكنة التي أحبها فإني أغيب عنها وقتا طويلا. مثلا، لم أزر «السوق الداخل» منذ عدة شهور، وكلما أعود إليه أجده في شكل جديد رغم انه صار سيئا ولم يعد كما كان. هناك ايضا بعض الاماكن الشاطئية التي أرتادها باستمرار.
* أين تنام في هذا البيت، هل في مكان واحد أم تغير الامكنة؟
ـ ذلك يختلف حسب الفصول. ففي فصل الشتاء أنام هنا (غرفة قريبة من الشرفة)، أما في فصل الصيف فأنام في الغرفة الأخرى، أما السبب فلأن الغرفة الأخرى تتوفر على فراش كبير بحيث يمكنني أن أتنقل من الجهة التي تصبح دافئة إلى الجهة الأخرى الاكثر برودة، إنه فراش يتيح لي حرية التنقل مثل سمكة.
هذه الغرفة التي نجلس فيها أكثر حميمية في فصل الشتاء، ففيها جهاز تلفزيون وأستقبل فيها بعض الاصدقاء.
* تؤثث منزلك بديكور وأثاث متنوع وتحف، هل هذه الساعة الحائطية العتيقة تعمل جيدا أم أنها فقط تتكئ على الجدار؟
ـ الحقيقة أنه لا يهمني أن تعمل أم لا. إن عمرها يزيد عن مائة وعشرين عاما، وسواء تحركت عقاربها ام لا فالمهم هو أنها ديكور جيد. هناك اشياء اهم على الجدار. أنظر إلى صورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، جدي وجدك، حتى لو لم تكن ريفيا، قربها صورة لي عندما كان عمري ثمانية عشر عاما، وقربهما صورة لنا مع وزير الثقافة محمد الاشعري في مدينة اصيلة، وصور أخرى كثيرة.
* وكل هذه الكتب التي تسكن معك، ألا تحس بأنها ستطردك من البيت قريبا؟
ـ إنها كتب كثيرة بالفعل، لكنها كتب من نوع خاص، بينها حوالي مائة مؤلف من مؤلفات «بول بولز» (كاتب اميركي استقر في طنجة ومات قبل ثلاث سنوات)، وهي كلها موقعة ومترجمة إلى لغات كثيرة من بينها اللغتان الفنلندية واليابانية.
* إذا لم تكن تعرف اللغة الفنلندية أو اليابانية فما جدوى احتفاظك بهذه الكتب؟
ـ إن أهميتها تكمن في كونها موقعة من طرف الكاتب نفسه، وهناك نسخ اشتريتها بمائة درهم مثلا تساوي الآن أربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم. لدي كتاب يساوي عشرة آلاف درهم (حوالي ألف دولار) لأنه موقع منذ سنوات طويلة، كانت هناك نسخة من روايتي «الخبز الحافي» تحمل الرقم التسلسلي 900 وصل سعرها الآن إلى عشرة آلاف درهم، فما بالك إذا كان رقمها التسلسلي اثنين او ثلاثة لربما وصل سعرها إلى اكثر بكثير. هناك أناس يحبون جمع هذا النوع من الكتب كشكل من اشكال التحف، لكن للاسف لا يوجد هذا النوع من الهواية في العالم العربي، فنحن مازلنا في الطابق السفلي وما زلنا ننتظر الصعود إلى الطابق العلوي.
rwayda
08-Aug-2008, 02:55 AM
هناك كتب في كل مكان في البيت، كتب مرمية على الأرض. ألا تحاول احيانا جمعها وإعادة ترتيبها؟
ـ لا.. ابدا. إنها تملأ علي المكان. فحينما استيقظ كل صباح أوزع نظراتي عليها وعلى كل شيء. ربما لأنها تعوضني عن الاسرة كنوع من الحميمية التي أربطها مع الاشياء. فحتى السيدة التي تأتي للعناية بالمنزل لا تقترب من هذه الكتب لأني اشترطت عليها ذلك. احيانا اعيد ترتيبها وأفضل تمزيق الاشياء التي لا تستحق الاحتفاظ بها.
* هل تعتني بشؤون البيت بنفسك؟
ـ هناك سيدة تأتي يوميا للعناية بشؤون البيت، تقضي في ذلك حوالي ساعتين أو ثلاث.
* وهذه العطور المتراصة في البيت تدل على ان لك ميلا خاصا نحو الاناقة؟
ـ من الممكن ان أكون فوضويا في الشارع لكن في بيتي الأمر يختلف. العطور مسألة ضرورية.
* كيف حال المطبخ في بيتك، وهل تطبخ بنفسك؟
ـ قمت بتعليم الطبخ للسيدة التي تأتي للعناية بالمنزل ثم صارت هي التي تتكفل بذلك، أما أنا فلم أعد أطبخ إلا نادرا، وخصوصا حين يأتي بعض الاصدقاء حيث أتطوع واطبخ لهم.
* تطبخ لهم كما لو كنت توقع لهم كتابا؟
(يضحك) الطبخ يأخذ وقتا اطول، والآن لم أعد أملك نفس النشاط، لذلك فإني صرت أستغل الوقت الذي أمضيه في الطبخ أمام جهاز الكمبيوتر.
* هل تتقن التعامل مع هذا الجهاز؟
ـ إني أفهم التعامل معه، أما الإتقان فهذه مسألة أخرى. إني أقوم بما هو ضروري لأن الكمبيوتر بحر كبير.
* ما هي الاطباق التي تجيد اعدادها؟
ـ هناك أطباق كثيرة، لكني أطبخ السمك بشكل جيد، وكذلك الدجاج واللحم بالملوخية، وهذه الاكلة أفضلها في فصل الصيف بالخصوص. الشيء الذي لا أتقنه هو «السلطات»، والحقيقة أن الوقت الذي تأخذه في الإعداد يتعبني، لذلك فإني أشتريها جاهزة في الكثير من الأحيان، أو أشتري مكوناتها في المعلبات ثم أعدها بشكل سريع لكني قمت بعمل جيد حين علمت الطبخ للسيدة التي تعتني بالمنزل فصرت أعتمد عليها كثيرا، خصوصا وأن النساء لا يزعجهن قضاء الكثير من الوقت في المطبخ، وهن في كل الأحوال يتقن الطبخ أكثر من الرجال. أحب أيضا «البقولة» والسبانخ، لكنني لا أتقن اعدادها رغم أنها رخيصة الثمن ويمكن لوجبة «بقولة» سعرها درهمان أن تغدي شخصين.
rwayda
08-Aug-2008, 02:56 AM
* والكسكس.. أين موقعه داخل مطبخك؟
ـ لدي مشكل مع الكسكس. كان عمري سبع سنوات حين مات خالي، وبمناسبة الجنازة أعدوا الكسكس في المنزل كما هي العادة، ومنذ ذلك الحين اختلط في ذهني الكسكس برائحة الموت. لكن هذا لا يعني أني لا آكله تماما. أتناوله مرة كل سنة أو سنتين. ثم اني لا أفهم لماذا يتكلم الجميع عن الكسكس. أنا لي ذوقي الخاص.
* كم ساعة تقضي في منزلك يوميا، خصوصا وأنك تقول دائما بأنك مؤمن بتقاليد الجلوس على مقعد لعدة ساعات من أجل الكتابة؟
ـ ذلك مرتبط بمراحل العمر، ثم اني لا اكتب بشكل يومي، بل أكتب بطريقة مزاجية بحيث يمكن ألا أكتب لمدة سنة أو سنتين، بل اجمع التفاصيل في ذهني وحين اجلس للكتابة أنهي الكتاب في شهر، كما فعلت مع رواية «زمن الاخطاء» التي كتبتها في شهر رمضان بحيث لا أفتح الباب لأحد ولا أخرج سوى لقضاء الأغراض وأخذ البريد ثم أجلس للكتابة أربع عشرة ساعة في اليوم وأرتاح باقي اليوم. أحيانا ايضا أكون مرتبطا في نفس الوقت بإعداد برامج إذاعية، لكنها لا تأخذ مني وقتا طويلا أنا اليوم أقضي معظم وقتي في المنزل أكثر مما كنت أفعل سابقا. في الماضي كنت أبقى خارج المنزل حتى ساعات الصباح الأولى، أما اليوم فقد ذهب الاصدقاء الذين كنت أقضي معهم وقتي، البعض شاخ والبعض مات.
* وكيف تقضي وقتك الآن في المنزل؟
ـ أحيانا أتفرج على بعض القنوات التلفزيونية التي تعجبني مثل البرامج الوثائقية في القناة الإسبانية الثانية أو القناتين المغربيتين حين يكون هناك برنامج مهم، إضافة إلى القناة الفرنسية الخامسة أو قناة «ايه. آر. تي» أو قناة «الجزيرة». إني أحدد من قبل ما يمكن أن أراه في التلفزيون، فلا يمكن أن أمضي وقتا طويلا أمامه.
* في منزلك الكثير من الاسطوانات الموسيقية؟
ـ أخصص وقتا مهما من أجل الاستماع إلى الموسيقى خصوصا الكلاسيكية وموسيقى الشعوب. لم تعد أذناي تتحملان الاستماع إلى ما يسمى بالطرب أو الأغاني بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة، باستثناء بعض الأغاني القديمة لأم كلثوم أو اسمهان أو أغاني نادرة مثل سليمة مراد وعالية الأطرش، والدة فريد الاطرش، أو «نادرة» و«حسيبة رشدي». للاسف فإن الأجيال الجديدة لا تعرف هؤلاء. كما تعجبني أغاني الشيخ العنقة الجزائري وصبيحة التونسية. عندي أغنية لمحمد عبد الوهاب حين كان عمره سبعة اعوام وهي «ألفيتها ساهرة». لدي ذكريات كثيرة مع هذه الأغاني القديمة هناك أيضا موسيقى الشعوب مثل الإغريقية والهندية وباقي أنواع الموسيقى الشعوبية، وليس الشعبية، في العالم كله.
* والموسيقى المغربية ماذا يعجبك فيها؟
ـ تعجبني رقصة «أحواش» والموسيقى الاندلسية، إضافة إلى بعض القطع للمرحوم المعطي بنقاسم، ثم نعيمة سميح، عبد الهادي بلخياط خصوصا في اغانيه القديمة لسنوات الستينات. هناك ايضا لطيفة أمال وخاصة عندما تغني الملحون.
* هل تمارس نوعا من أنواع الرياضة؟
ـ كنت في السابق اقف على يدي على حافة الشرفة كنوع من أنواع التحدي، أما الآن فعمري سبعة وستون عاما. الآن أمارس رياضة المشي بين الفينة والأخرى. للعمر أحكامه ايضا ولا يمكن ان أكون كما كنت في الخامسة والعشرين من عمري.
جريدة الشرق الاوسط
_ فبراير 8 2003
rwayda
08-Aug-2008, 02:56 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:E0_k-7U6KxholM:http://thawra.alwehda.gov.sy/images/534%255C28.jpg
< وضعت كتباً سردية كثيرة (قصة - رواية - نصوص) وهناك كتاب روائي طويل ،وكتاب قصصي أو سردي يميل الى القصر - كيف تنظرالى الكتابة السردية ؟
- أنا أنظر الى الكتابة السردية بوصفها وسيلة تعبيرية عالية ،أنا اشتغلت في خياراتي الشخصية ،بدأت قاصاً ،كتبت العديد من القصص القصيرة ، ونشرت ثلاث مجموعات قصصية هي أحزان الكتابة عن المنفى - أحميدة المسيردي الطيب - أسماك البحر المتوحش )تناولت فيها - من خلال السرد المكثف - الأوضاع التي كانت تعيشها الجزائر من فترة الاستعمار الى الوقت الحاضر ،وتناولت بعض القضايا العربية التي كانت تشغلني ككاتب ،لكن بدءاً من الثمانينات توقفت عن كتابة القصة القصيرة ،وبدأت أكتب الرواية واعتبرت إن كتابة القصة بالنسبة لي كانت مرحلة طارئة في الحقيقة ،لأن هناك - حتى في قصصي القصيرة - بعداً سردياً ،ونفساً طويلاً ،لايمكن للقصة القصيرة أن تستوعبه ،فوجدت في الرواية وسيلتي وضالتي في الكتابة ،وبالموازاة كنت اشتغل بالنقد مادامت قد أنجزت رسالتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الجزائري والأدب العربي حول نظرية البطل ،ونقلت هذا الفعل الأكاديمي الى الجامعة ،عندما عدت الى الجزائر في عام 1958 م ،عائداً من دمشق ،وباريس طبعاً ، وبدأت أتعامل مع النقد ،وهذا يتأتى من كون أن المادة االنقدية بالنسبة لي هي مادة جمالية بالدرجة الأولى لكن مع بداية التسعينات أوقفت كل العمل القصصي القصير ،وأوقفت كل الاشتغال النقدي على الرواية وبدأت أكتب الرواية ،تفرغت للعمل الروائي لأنني أؤمن بالتخصص ،ولم أكن أريد تخصيص وقتي الإضافي الى للكتابة النقدية ،ولكن قلت سأضيفه كقيمة إضافية للكتابة الروائية مما سمح لي بإنجاز الكثير من المشاريع التي كانت تشغلني ككاتب وروائي ،وهي طبعاً مشاريع وجدت لها قراء في الجزائر ،وفي الوطن العربي ،وحتى عالمياً ،لأن الكثير من هذه النصوص ترجم الى العديد من اللغات العالمية .
rwayda
08-Aug-2008, 02:57 AM
عالجت في رواياتك - على سبيل الواقعية النقدية - القضايا القومية في أبعادها التاريخية ومنظوراتها السياسية ..مارأيك في الخطاب الروائي ومدى تمثيله للخصائص الثقافية والسياسية ؟
- أنت تعرف أن الوطن العربي عاش ظروفاً صعبة ،عاش ظروف انفصاله - مثلا - في بداية القرن العشرين عن تركيا ،وهذا خلق نوع من الانكسارات الداخلية ،خصوصاً بعد اعدامات 1915 - 1916 - للمناضلين والمثقفين العرب الذين كانوا ينادون باستقلال الأرض العربية عن الدولة العثمانية ،وهؤلاء كانوا يحلمون بالدولة العربية الكبرى ،لكن اتفاقية (سايكس بيكو) قسمت كل المشروع ،ومزقت بلاد الشام شر تمزق ،ولم يكتب للمشروع النجاح وخلف الاحساس بالخيبة ،وسينعكس هذا فيما بعد على النص الأدبي ،ثم جاءت الثورات والانتفاضات التي قامت فترات لاحقة في مواجهة الاستعمار الفرنسي ،والانكليزي ،وإسرائيل ،وغيرها حتى فترة السبعينات ،ثم دخلنا في مرحلة خيبة كبيرة بدءاً من الثمانينات ،عندما انهارت كل المشاريع العربية القومية ،ولم تصل للأسف الى أهدافها التي رفعتها في البدايات ،وتقريباً تخلصت الخطابات السياسية من هذه المشاريع بما في ذلك قضية فلسطين ، والكاتب العربي الذي ينشأ ضمن هذه الظروف كان هاجسه المركزي هو أن يعبر عن هذه الظروف ،وكان التعبير السياسي هو الوسيلة المثلى لهذا التعبير ،لكن الذي حدث فيما بعد الى نهاية القرن ،ان الكاتب العربي بدأ يفكر في شكل سردي من نوع آخر يسمح له بالعمل على المجتمع الذي يكتب عنه ،لكن بوسائل جمالية جديدة ،فأدخل عنصر الطرفة ،وأدخل سؤال اللغة ، وأدخل سؤال الجماليات وأصبحت الرواية ليست خطاباً سياسياً ولكن خطاباً عليه أن يشتغل أولاً بالوسائل الأدبية التي تؤسس له ،والتي تفرض استمراريته ،وتضمن كذلك التعريفات التي تعطى له كأدب .
rwayda
08-Aug-2008, 02:58 AM
تناولت في عدد من رواياتك قضايا الإرهاب ..ماتقديرك للتأزم الوطني والقومي الناجم عن ذلك ؟
- الإرهاب هو التعبير الأجلى لانهيار الحداثة في الوطن العربي ،لأنه لونجح الفعل الحداثي في الوطن العربي ،لما وجدت هذه العودة الى الوراء ،فمادام هناك اجتياح للظاهرة الأصولية ،فهناك خيبات كبيرة ،فيما يتعلق في التحقيق الديمقراطي لم ينجز في الوطن العربي والذي كان يمكن أن يدفع بهذه التيارات للانهيار ،ورهان التعليم والتكوين لم ينجح - التكوين بالمعنى الدقيق وليس التعليم ،لأن هناك فرق بين التعليم والتكوين - نحن فتحنا مدارس عديدة وفتحنا جامعات ،ولكن ماهو المشروع السياسي والثقافي والحضاري الذي كانت تدافع عنه البلدان العربية ،للأسف هذه المشاريع وصلت الى أفق مسدود ،لأنها لم تتطور من داخلها ،فكانت تتطور تحت فعل الأزمات وتحت فعل الدفع ،ولم تأت كخيارات حقيقية ،وحتى الديمقراطية تقريبا في السنوات الأخيرة فرضت عليها فرضاً وبالتالي نرى الحركة الأصولية وانهيار لمشروع التحديث العربي ،وهو الصورة العالية التي يتجلى من خلالها هذا الانهيار البشع والكلي ،طبعاً الرواية العربية دخلت غمار هذه التجربة ،وعبرت عنها ،وكتبت عنها ،وأنا كنت من الذين كتبوا عن هذا الانهيار وهذه الخسارة والثمن يدفع ثمن هذه الكتابة بالمنفى والحذر ..الخ الى اخره ،ولكن الكاتب كذلك عليه أن يدخل غمار هذه تجربة شعبه ،ولايبقى على الهامش ،ولو انه في قتله ،لأنك تخسر تاريخ ،وعندما تخسر هذا التاريخ عليك أن تقبل بثمن ،لأنه لايوجد مثلك سياسي ،وثقافي ،وحضاري يوجد فقط بالنوايا الحسنة ،وكتابة الرواية عن الارهاب مثل سيدة المقام ، أو حارسة الظلال ،أو مرايا الطريق ) أوغيرها من الروايات التي كتبتها حول هذه الحقبة ،في الحقيقة هي التعبير الأدبي الذي حدث في الجزائر ويمكن أن يحدث في بلدان عربية أخرى .
rwayda
08-Aug-2008, 02:58 AM
كتبت في بعض الروايات عن إشكالية المنفى والاغتراب الخارجي والداخلي على نحو غير مباشر اعتماداً على التأويل ..مامدى التواصل برأيك بين وعي الذات وحوار الحضارات ؟
- أنا أؤمن بشيء مهم بأننا لسنا في الجزيرة لوحدنا ،نحن موجودون داخل عالم ،ومايسمى بالعولمة،أو غيرها هي في الحقيقة تحمل وجهين : هناك التعبير السياسي والاقتصادي الذي يستفيد منه الغرب بالدرجة الأؤلى طبعاً ،ولكن هناك أيضاً التعبير الثقافي الذي كان يشتغل عليه الكتاب العالميون - والعرب من بينهم - وتحدثوا عن أن العالم قرية صغيرة ،وسؤالنا المركزي ضمن حوار الحضارات هو
كيف نكون فاعلين داخل هذه القرية الصغيرة ؟ و السؤال يبقى : هل نملك الوسائل و الوسائط الفعلية و الثقافية و الحضارية التي تسمح لنا بأن نحتل مكاننا لا بأس به ضمن هذا الفضاء ، و ضمن هذه النقاشات ؟ الامر ليس سهلاً ، ثم ان هذا الامر يأتي في افق مرتبك ، في افق صراعي و أنا لا أؤمن بفكرة صراع الحضارات ، الحضارات مجبرة ان تدخل في الحوار ، وليس الصراع ،لان الصراع مدمر ، ما نشهده اليوم حتى ليس صراعاً بين الحضارات كما يريد ( بوش ) و بعض اتباعه ان يروجوا لذلك ،لان ( بوش) واقع تحت ثقافة ( هنتنغتون ) ، و أنا ارى هذا البعد الثقافي الحواري يحتاج الى حوارية حقيقية يحتاج ان نسمع لحوارات لبعضنا البعض ، و ان لا نظل منغلقين ، انا كعربي ادخل حلبة الحوار ، و لكن الافق الذي انتظره ، هو ان لا تحول رغبتي في الحوار على أساس انها حالة ضعف ، يجب ان تؤخذ في سياقها و في مقامها .
rwayda
08-Aug-2008, 02:59 AM
ابتدعت في عدد من رواياتك السرد ما بعد الحداثي استغراقاً في التخييل لابراز اشكاليات الوجود القومي تعميقاً للرؤى الفكرية المنشودة .. الى أي حد - بتقديرك - يثمر التحديث رؤى الاصالة الادبية في الوقت نفسه ؟
يمكن نحن ان نكون مرتبطين بسياقين ، الكاتب هو انسان يعيش في عصر ، و في هذا العصر هناك صراعات ، و هناك اختراقات ، الى آخره ، لكن ما هو موقعه ، هو يطلعنا الى ان سؤاله المركزي وهو : كيف يعبر عن حالة من الشجن ؟ و عن اشغال عميق في لحظة تاريخية هو موجود فيها ؟ هل يعبر عنها بالهروب مثلاً ؟ هل يعبر عنها بالدخول في غمارها و ؛كتابة نصوص تعبر عن هذا الهاجس القومي و الحضاري ، و الفكري ، و الانساني ؟ أم ماذا ؟ أنا شخصياً عندما اسأل هذا السؤال ، أقول : أنا ابن عصري ، انا حامل لكل هذه الاعتبارات و هذه المشكلات التي تتداخل ، و يجب ان اواجهها ، طبعاً لا اواجهها بالكلاشنكوف ، و لا بالمسدس ، لان هذا ليس من اختصاصي ، و لكن اواجهها بالقلم ، و بإدخال فعل التساؤل الموضوعي و الخروج بنتيجة ، هذه النتيجة قد تكون رواية ، او قد تكون قصة قصيرة ، و في وضعي الحالي نقول ان تكون رواية ، و في وضع كتاب آخرين قد تكون قصة ، و قد تكون دراسة و لكن يجب ان لا نظل صامتين منهارين نتأمل في حركية العالم و هي تختفي ، لان العالم يتحرك و نحن نتأمله ، و التأمل يعني بكل بساطة ، هو الموت الحتمي لانه انت لا يمكن ان تضيف قطرة ماء للمجهود العالمي و الانساني اذا لم تكن تملك القدرة على صياغة اسئلتك الحقيقية ، ما هو سؤالنا نحن كعرب ؟ سؤالنا كعرب او كمبدعين عرب - اذا اردت ان اخفف - هو ان نكون موجودين في زمن يريد ان ينفينا و ان يخرجنا من العصر ، و من التاريخ ، هذا المجهود يجعلنا احياناً نطير ، و أحيناً نبقى على الهامش ، أو على الحافة ، لكن نبذل المجهود كي نبقى في هذا العالم ، و اعتقد ان معاناة الانسان العربي ، أو الكاتب العربي هو أن العالم وضع في سياج ، و بعدها يمنع من الدخول ، و يقولون : لازم تدخل ، و على العربي ان يبذل مجهوداً مضاعفاً ، اكثر من غيره ، و يقطع كل الاسلاك الوهمية التي توضع بينه و بين الحضارة ، و يخترقها و يدخل ، و انا اقول ان الحالة ليست إلا لحظات تاريخية من الصعوبة بمكان و هذا الكاتب العربي يستطع اختراق تلك الاسلاك
تعتبر انت من أهم الروائيين العرب في الجزائر .. ما رأيك بالرواية العربية في الجزائر ؟
اهم خاصية في الجزائر وجود جنس أدبي استقر بشكل كاف ، و خلق مسارات طبيعية ، فعندك الجيل التأسيسي ، و هو الجيل الاول ، ثم الجيل الوسيط ، ثم يأتي جيل الشباب ، و ان في هذا السياق لا توجد قطيعة تكفر خطيئة الرواية ، بالعكس ان القطيعات الموجودة لم تكثر الخطر ، فهي ساهمت في تعميقها في تنفيذها ، انا اقول ان جيلي - وهو ما يطلق عليه جيل السبعينات - و هو جيل عاش كذلك التجربة القومية و الاشتراكية الى آخره ، عاشها أولاً كوجود - انه وجد نفسه فيها - و لكنه عاشها كذلك كصراع داخلي ، بأن أمر مثل هذا لايمكن ان يحقق إلا من خلال المعطى النقدي ، و عاشها كذلك خيبة لان كل الفعل الحداثي الذي حمله على عاتقه للأسف سقط في الماء ، الآن لا يمكن ان اقول ان كل ما انجز كان خائباً ، و بالعكس تماماً لانه في تاريخ الشعوب دائماً هناك قفزات ، و زيادات ، ثم صعود ، ( الطاهر و طار ) يكتب عن الخيبة ، و عن الانهيار ،و احياناً يرى ان حل الحداثة هو في العودة الى الاصول الاولى الحركة الاسلاموية وهذا ما عرضه للنقاش مع الكثيرين من الكتاب « ابن هدوقة » رحمه الله ينظر الى ضرورة احداث قطيعة مع كل الاشكال الميتة أما بعض الكتاب الجزائريين الشباب فينظرون الى ضرورة رفض كل الممارسات السابقة للجيل السبعيني والجيل التأسيسي وانشاء تقاليد ثقافية اخرى جديدة ولكن هذا كله يدخل في طبيعة الصراع من اجل ايجاد مسلك حقيقي ليس فقط في الرواية لكن للخيارات المستقبلية الثقافية والسياسية والحضارية والفكرية .
< اضافة الى انك روائي ومبدع انت استاذ جامعي وناقد وتمارس النقد منهجياً ومعرفياً .. كيف توفق بين النقد الروائي والرواية ؟
توفقت عن النقد منذ سنوات وكل ما اقوم به حالياً هو مجرد اسهامات في هكذا ندوات أو مؤتمرات لا اعتبرها نقداً بقدر ماهو دخول في معارض التساؤلات العربية من الناحية النقدية لكن انا ادرس في الجامعة المناهج النقدية وهذا ما يجعلني في مجابهة يومية مع النقد وهذا يأخذ مني وقتاً كبيراً ليس فقط في التحضير ولكن حتى في الانشغال احاول ان استفيد من هذه الاسئلة وادرجها ضمن الكتابة الروائية التي تخصصت فيها في السنوات الاخيرة ولكن مع ذلك فأنا بفعل الوظيفة على ان ابقى على تماس مع هذه الاسئلة النقدية الزمن المعطى للانسان هو زمن قصير وانا اقول انه من العبث ان نضيع جزءاً من هذا الزمن في مسائل يمكن ان يكون هناك اناس يمكن ان يقوموا بها احسن منا ففي المجال النقدي انا ارى ان هناك نقاداً عرب متخصصين ومنهم جزائريون هم يقومون بهذه الوظيفة وليسوا بحاجة الي وافضل ان اظل في عالمي الخاص وعالمي الذاتي هو عالم الكتابة الروائية وهذا الخيار ذاتي وخيار استراتيجي وخيار نهائي كذلك رغم انه يحدث في نوع من البطر لان علي ان اتخلص من جزء من ثقافتي التي كونتها عبر اربعين سنة ومع ذلك لا خيار في ذلك اذا اردت ان اتفرغ لكتابة نص روائي يفترض ان اقدم شيئاً جيداً على مستوى الوضع العربي .
< شاركت في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية الذي تقيمه مديرية ثقافة الرقة .. كيف تنظر الى تجربة الدكتور عبد السلام العجيلي رحمه الله ككاتب وروائي ؟
العجيلي تجربة استثنائية وهذه الاستثناء متأت من العديد من العناصر وهذا جميل ولكنه في الوقت نفسه يضعه امام مسؤوليات كبيرة اولاً انه شخص عمر طويلاً /1918 - 2006 / هذا ليس معطى لكل الناس فهو حظه الطبيعي ان يشغل كل هذا الزمن ومقدر للانسان العيش في كل هذا الزمن منحه ان يكون ممثلاً لتجربة جيل بكامله تبدأ مع بداية القرن وتنتهي بنهايته واذا حكمنا على العجيلي فنحن نحكم على مسار قرن بكامله ثم ان مسار هذا القرن انجز فيه الكاتب نصوصاً وهذه النصوص متعددة ومتنوعة وتحيلنا الى الاسئلة الكبرى بخيباتنا بأفراحنا الى آخره فكيف نتعامل مع هذا الرجل ؟ كيف نتعامل مع هذا القرن ؟ ان التعامل مع العجيلي هو تعامل مع قرن مضى وانتهى للأسف انتهى خائباً هذا القرن وانتهى بدون نتائج تذكر لكن انتهى بهزائم كبيرة انتهى بأسئلة تتعلق بمشكلة الحداثة لم تحل انتهى بأسئلة تتعلق بالمشكلة الديمقراطية لم تحل انتهى بوظيفة الكتابة لم تحل انتهى بالصراع الذهني القائم حول دور المثقف في الوطن الذي يعيش فيه هل هو مجرد بوق ؟ مجرد صوت ؟ ام انه فاعل وهذا الفعل ربما قد يضعه بين قوسين ثم ماهي وظيفة السياسي والاديب الذي يكون فيه هاتين الصفتين ؟ هو سياسي وهو اديب بالوقت نفسه اذا هو العجيلي يضعنا امام هذه الاسئلة انا في مداخلتي اتحدث فيها حول فكرة الهاوي هل هذا الرجل الذي قطع قرناً بكامله كتابة وابداعاً قصة ورواية ومسرحاً وشعراً ونقداً وتأملات وسفريات ومقامات الى آخره هل هو هذا الشخص الهاوي ؟ هو يقول عن نفسه انه هاوي وهذا لغة ولكنه في العمق لم يكن هاوياً مطلقاً وكان رجلاً مسؤولاً عما يقوله ولهذا هو وجد ضالته في نوع من الانفصال والانزواء ثم وجده في الرقة هذه نقطة العزلة التي تمنحه فرصة الكتابة وفرصة التأمل وفرصة القول ان هذا فعلاً يدهشني واقول : خسارة ان العجيلي رحل ولم نستفد منه كثيراً مثلاً لم ار حواراً مفصلاً وهو الذي شارك في جيش الانقاذ وانا اشتغل على هذه الحقبة وعندي رواية ستصدر قريباً واسميتها « خيبات الشرق » تتناول فعلاً هذا القرن الميت أو الذي ذهب وقرأت له كتابه الاخير « جيش الانقاذ » لكن هذه التجربة العميقة ، كان مع القاوقجي ، كيف لم نستطيع أن نتقرب منه ؟ أنا مثلاً قلبي يأكلني ، لو كان حياً لقمت بسفرة من أجله ، ولسألته هذا السؤال : لماذا .. لماذا الجيش العربي انهزم ؟ كيف كانت الثورة ؟ من كان يعطي القرارات ؟ كيف سلمت .. ؟ كيف دخل الجيش العربي إلى القدس ؟ كيف لم يستطع أن يحمي فلسطين ؟ كيف حدثت الخيانات العربية ؟ مثلاً في تلك الفترات ، كلها أسئلة أنا تشغلني ، وتشغلني كعربي أولاً ، وتشغلني كمثقف جزائري وإنساني ثانياً ، وأقول للاسف هؤلاء الكبار ذهبوا بدون أن نستطيع أن نصل إليهم ، لأن دوامة الحياة لم تمنحنا هذه الفرص ، لكن بدون كلام العجيلي هو شخص استثنائي .
rwayda
08-Aug-2008, 03:01 AM
هل لرواية عمار يعقوبيان الفضل فى طردك لفكرة الهجرة خارج رأسك ؟
طبعا فلقد نشرت مجموعتين قصصيتين لم تلقيا النجاح المنتظر مما جعل اليأس يتسرب إلى قلبى ،فلقد شعرت انى وهبت قلمى معظم طاقتى ووقتى ، ولكنى لم أنال إلا القلق الدائم ،لذا فقرت فى الهجرة ،فجاءت يعقوبيان بالنجاح فما لبثت فكرة الهجرة ان تطايرت
هل تؤمن بوجود ما يسمى بالأدب الثورى ؟
فى اعتقادى ان الأدب لا يكون ادبا حقيقيا إلا اذا كان ادبا ثوريا وأخلاقيا بالضرورة ،فالأدب يجعللك كان انسانى افضل ،ويهبك قيم انسانية أوسع ،فلا تميل للاحكام المطلقة ،وتتفهم النفس الأنسانية وتحترم فيها ضعفها ،وكل ذلك يصب فى مصلحة التغيير ،على ان مصطلح الأدب الثورى اسىء فهمه ، فأصبح الأدب المعبأبطريقة عشوائية يسمى ادب ثورى ،وانا اختلف مع هذه الرؤية ،ولا اعتقد انه يوجد معنى اكثر دلالة على اليسار والتغيير اكثر من ذلك .
فى ظل القطب الأمريكي الأوحد هل ترى الرؤى اليسارية مازالت قادرة على الدفع للأمام أم جودباى سوشيالزم؟
- اليسار يحوى من المعان الكثير، وعن غفلة نحصره في التجارب الماركسية في العالم الغربي فاليسار يعنى التغير والإنسانية ،ويعنى أن تطبق قيماّ إنسانية بعيدة كل البعد عن السوق والمنفعة الشخصية فاليسار اصطلاح رحب لا يمكننا حصره بتجارب فشلت في الغرب لظروف تاريخية معينة ،فاليسار قادر دائما على التغير ،وأنا أجزم أنه لا يوجد أديب حقيقي إلا ويكون يساريا بذلك المعنى ولا أقصد أن يكون ماركسيا فأنا لست ماركسي فهناك في الإسلام من أعلن إيمانه العميق بتلك الرؤى اليسارية قبل أن يكتب كارل ماركس كلمة واحدة عن اليسار ،فاليسار يعنى الإنسانية ،واليمين يعنى المصلحة الذاتية .
أطلق البعض على رواية أنها رواية لحركة التغير الجماهيرية فإلى أي مدى تعولون آمالكم على الحركة الجماهيرية؟
أنا متفائل للغاية ولى في التاريخ خير دليل فموقع مصر كان وبالا عليها فمنذ لإسكندر الأكبر حتى جورج بوش لا يمكنك أن تسيطر على العالم إلا إذا سيطرت على مصر، فأصبح المصري مهيأ ليتعايش مع الاحتلال والاستبداد فنشأت لدينا نوع من المرونة والازدواجية جعلت المصري لا يمكنك أن تعرف آرائه إلا من عينيه، فهو لا يتكلم إلا عندما يرى أن ما سيقوله سيحدث تغيراّ في المجتمع، نتج عن ذلك أنك لا تستطيع أن تتوقع الفترة التي ستهب فيها رياح الثورة، فثورة 1919 أكبر دليل على ذلك فعندما تم نفى سعد زغلول كانت كل تقارير السفارة البريطانية تؤكد أن قيام الثورة من المحال فالجميع منهمك في حياته والبارات والقهاوي يغشاها الناس كعادتهم وعندما اتجه مجموعة من الطلاب إلى رفاق سعد في بيت الأمة حتى يعتصموا اعتصاما سلميا قوبل عرضهم بالرفض وبمجرد خروج الطلبة من بيت الأمة، التهبت الثورة، ويمكننا أن نقول ذلك على ثورة يوليو 1952، فالثورة غير متوقعة كل ما نستشعره أن مصر تنتقل من حالة إلى حالة فالقديم لم يعد مناسبا والجديد لم يتضح بعد وأعتقد أننا نحيا في هذه الحالة
rwayda
08-Aug-2008, 03:02 AM
# رواية عمارة يعقوبيان أظهرت ضباط عهد الثورة على أنهم حلوا محل أثرياء العهد الملكى ،فما هى رؤيتكم لثورة يوليو ؟
# ثورة يوليو ثورة عظيمه ،كما اننى اريد ان أوضح لك ان ارأئى لن تجدها فى رواياتى لأن الروائى الذى يتخذ من المذهب الواقعى سبيله فى السرد الروائى كفنان العرائس المتحركة الذي يتخفى وراء الحائط الخشبي وظهوره امام الجمهور يعنى الذهاب بمتعة العرض ، الروائي فعندما تقرأ في رواية عمارة يعقوبيان عن شخصية ذكى الدسوقيكإنسان دمرته الثورة مما يدفعه لأن يهاجمها بآرائه فهو يرى أن الثورة سحقته ، لذا فاراءه تخصه كشخصيه روائية أما عن ارائى فيمكن لمن يريد معرفتها ان يقرأ مقالاتى .
#
ما هى رؤيتكم للحركة الطلابية ؟
#
- أنا أرى أن الحركة الطلابية تقريباّ من أكثر الحركات تشكيلالتاريخ مصر الحديث فمن الأسباب التي دفعت السادات للتعجيل بحرب أكتوبر كانت الحركةالطلابية التي ازدهرت ما بين عامي 1968و 1972 ، ومن المواقف التي مازالت تحكى عنهذه الحركة مواجهة أحد الطلبة للسادات عندما كان رئيسا لمجلس الأمة صارخا في وجهة " أنت بتشرب سجاير كنت والناس مش لاقيه تأكل " فأطفأها السادات سريعا فصرخ الطالب " وكمان بتطفيها من غير متشربها " فالحركة الطلابية مرعبة للمستبدين ولا ننسى حركة 1946 التي أستشهد فيها العديد من الطلاب كعبد الحكم الجارحي
#
تو قيعك على البيان الذى يناهض اعتقال قيادات الأخوان يجعلنا نسألك عن رؤيتك لتيار الأسلام السياسى ؟
#
من حق أي إنسان مهما كان انتمائه السياسي أن يمارس حقوقه السياسيةفلا توجد ديمقراطية بتحفظات ، فيجب أن تحترم حرية الآخرين في ممارسة حقوق المواطنةوإن اختلفوا معك في الرؤى السياسية
rwayda
08-Aug-2008, 03:03 AM
ما تحليلكم للأضرابات والأعتصامات التى شهدتها الحركة العمالية ؟ü الأضرابات والأعتصامات التى شهدتها الحركة العمالية تؤكد على ما سبق أن ذكرته لك وهو أن الشعب المصرى لا يمكن توقع هبته الثورية فى أى وقت ،مما يثبت كذب من يدعى أن الشعب المصرى لن يسعى للتغيير.
تم تقديم نقد الى طريقتكم فى الكتابة الروائية حيث المباشرة؟ أ
ولا أنا أتقبل النقد بصدر رحب فماركيز صرح العام الماضى بأنه تعلم الجديد فى الكتابة الروائية ,فحتى الكتب المنزلة من عند الله لا يوجد عليها اجماع لذا فمن المفترض ان ينفتح قلبك للقراء والنقاد على السواء،ولكن للأسف يوجد أنواع من النقد تسعى إلى تحطيمك والتقليل من شأنك وكل ذلك نتيجة لحالة الأحباط المستقر التى أنتجتها الدكتاتورية.والمباشرة التى تتتحدث عنها ناتجة عن سوء فهم للكتابة الواقعية،وكل شخصياتى الروائية التى تم ربطها بشخصيات معينة أؤكد أنى لم أقصدها{وبأبتسامة} عدا شخصية واحدة لن أذكرها .
· تم تقديم نقد إلى عمارة يعقوبيان فى أنها أستدرت عطف قارئيها على الشاذ جنسيا والمتطرف الأسلامى ،فما هو ردكم؟
ü أعتقد أن من قدم هذا النقد قد منح الرواية شهادة تقدير فمن وظيفة الأدب ،فمن وظيفة الأدب أن يثير تعاطفك مع الشخصيات المنحرفة والتى ضلت الطريق.
· نجاح فيلم عمارة يعقوبيان الساحق يجعلنا نتسأل عن رؤيتكم لعلاقة الأدب بالسينما حالياّ؟ü
معظم الأفلام التى أختيرت كأفضل 100فيلم مأخوذة عن كتابات أدبية ،فكاتب السيناريو ينطلق من صراع واضح مما يجعل أبداعه أفضل ويجعل الفيلم أكثر عمقا،على أن جمهور السينما يختلف عن جمهور الأدب عدا الجمهور الفرنسى الذى كنت أوقع له الرواية فى قاعة السينما .
· كارول الفتاة الزنجية المضهدة تطرح تساؤل هل تحلل النظام الرأسمالى ألى نظام أكثر عدالة أجتماعية ستمحى النظرة العنصرية تجاه السود؟
ü النظرة العنصرية لها بذور تاريخية عندالبيض وقد أتضح ذلك فى الرواية عندما هزأالأستاذ الأمريكى المتعصب من علاقة جرهام بكارول،كما أوضحت الرواية أن النظام الرأسمالى يسلع المرأة.
· شخصية ويندى التى أرتبط بها المبعوث اليسارى ناجى عبد الصمد كفتاة يهودية تجعلنا نريد أن نستوضح رؤيتكم لقضية التطبيع مع أسرائيل؟
ü هناك فرق بين اليهودى والصهيونى ،فاليهودية ديانة سماوية وليس من العقل أن نمنح أسرائيل ككيان أستيطانى توسعى مبررات عنصريتهم ،واليهود عاشوا فى ظل سماحة الأسلام فى الأندلس كما أوضح ناجى لويندى.
· يوجد فى الرواية ثلاثة شخصيات يسارية ألى أيهم تميل؟
ü الثلاثة شخصيات روائية مستقلة عنى ،ولكننى أعتقد أنى أشارك ناجى عبد الصمد فى العديد من ارائه.
· يرى البعض أن النهايات كانت مأساوية لكل الشخصيات ،فما تعليقكم؟
ü أنا لا أتحكم فى النهايات ،فأنا أرسم للشخصية عالمها الخاص ثم تنطلق الشخصية دون قيد منى عليها،فعند كتابتى لمشهد إلقاء الدكتور صلاح الخطاب أمام الرئيس لم أكن أعرف ماذا سيفعل حتى اننى فوجئت بعدم ألقائه الخطاب.
rwayda
08-Aug-2008, 03:03 AM
حاورته أميرة القحطاني:
الذي يقرأ مؤلفات الكاتب السعودي الكبير عبده خال لا يتوقعه بهذا اللطف وهذا التواضع وقد كنت أتخيل الحديث معه صعب جدا أو مستحيل.. فمجاراة كاتب كبير خصوصا على قارئه ومتابعه عاديه ليس سهلاً ولكن بمجرد الالتقاء معه تصبح الأمور مختلفة.. تصبح أنت الكاتب الكبير وهو المحاور الصغير.. عبده خال ليس فقط كاتب مختلف ولكنه أيضا إنسان مختلف
] *من هو عبد الرحيم محمد خال أو عبده خال؟ [I
- هو كائن انساني تم استئصاله في محطات عديدة، واول المحطات كانت قريته، تلك القرية التي تقرض الناس كفأر شره، وكان عبدالرحيم على مائدتها، قدره أنه جاء معكوسا على تلك المأدبة، فقرضت جزاء من اسمه، فأخذت (الرحيم)، وفي ليل دامس تم تهريبه للمدينة يحمل اسما مبتورا وحكايات كالأرغفة الطازجة كلما جاع قضم ما يشتهي من أرغفته المحمولة، وفي المدينة وجد نفسه مقسما بين ماض وحاضر يوقفه امام الناس باسم عبده خال ويتم تجزئته واستقطاءه بقرض من قوارض لا يعرف من أين تقرضه.
* يبدأ باولو كويليو روايتة "الزهيّر " بـ (أنا رجل حر) ! هل يستطيع الإنسان العربي أن يكون حرا؟
- الحرية نسبية، وهي ممنوحة لكل كائن، على المستوى التخيلي، وتتناسب حينما تتحول الى شيء مشاع، فحين أكون في حالة تخيلية أمارس الحرية المطلقة.. وحين تتحدث أما سلطة (أي كانت هذه السلطة) تتناقص تلك الحرية وتدخل في نفق أو أيقونة تصفي حريتك وفق سمك الايقونة التي تخرج من خلالها كلماتك تصبح حرية مرتهنة لمشيئة المجموع وليس وفق مشيئتك الذاتية. ويمكن القول أن كل وجود يحتم الحرية ومتى ما كان ذلك الوجود مؤطر فإننا نمارس حرياتنا في الخفاء.. وكلما ضاق المكان بمحرماته اتسعت حرية الخيال، فالمخيلة هي (المستر كي) لأي غرفة مغلقة إن المخيلة تمتلك حرية لا تحدها قضبان أو مقولات وهذه عظمة الإنسان.
* فسوق الرواية التي صدرت مؤخرا للكاتب عبده خال هي أشبه بحجر كبير وثقيل تم إلقاؤه في ماء (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الماء الراكد والمحرم. ويدخل (أيمن ناس) في حوار مع موظفي الهيئة يكشف الخطأ الفادح الذي تقع فيه الهيئه باسم الاسلام والحفاظ على القيم الاسلاميه وهو فضح الناس في مجتمع لايتقبل المخطئ مما ينتج عنه خطأ آخر يطول جميع افراد العائله والمحيط. اهنئك اولا على شجاعتك و على طرح موضوع الهيئه بهذه الصوره الواضحه والهادئه والعقلانيه. والحقيقه شغلني سؤال وهو
كيف استطعت أن تعطي وجهك للعاصفة وما هو السبب الذي دفعك لهذه المواجهة؟ لحل مشكله يعاني منها المجتمع ام هو ثأر؟
- الجثة عندما تتحلل لا يمكن أن تمنع انتشار رائحتها.. هل نستطيع أن ندلس ونقول أنها رائحة زكية.. ورواية فسوق هي جثث متعددة الروائح هب عليها الهواء فنشر روائحها لجهات مختلفة، ولم أكن سوى مستنشق لها.. والعاصفة التي تتحدثين عنها هي من عرت تلك القبور الصامتة، فمكنت كل جثة من إظهار ندوبها وترحيل صوتها عبر الكتابة..
فالموتى لا يحملون فضائحهم معهم لكن تلك الفضائح تبقى عالقة على ألسنتنا..
rwayda
08-Aug-2008, 03:04 AM
* (حين تخلق سجنا كبيرا، على الناس أن يتدبروا كيفية الهرب) واضح انك تلمس الانسان من الداخل وتعطي العذر لكل انسان حوله المجتمع الى مجرم او ساقط او سارق او مدمن او منبوذ كما نرى في حالة (شفيق الميت). ومن الاشياء التي تميز اعمالك بشكل عام انك تدخل الى عمق الشخصيه البشعه وتقوم باخراج الروح الجميله التي تكون حبيسة ذلك الجسد الذي حوله المجتمع الى جسد مليئ بالقبح. من اين تاتي بهذه القدره؟ وهل درست علم النفس؟
- شكرا على إطراءك لتلك المقدرة التي وصفتيها.. وقبل ذلك فالنفس البشرية هي كوكب نسكنه، وندعي أننا أحطنا بتفاصيله بينما حقيقة الأمر نحن نجلس في زاوية ضيقة من ذلك الكوكب ونحاول أن نخط حدوده بقيم وأخلاقيات وسلوكيات نتشارك جميعا في تمجيد الحميد منها وذم المشين. ولو تأمل كل منا في هذه النفس التي يحملها سيجد أنه لا يعرف خبايا وزوايا معتمة كثيرة، هو فقط يهندم سلوكه وفق أمزجة وقواعد الآخرين حتى إذ اكتشف سلوكا غريبا أو شاذا أثناء تأمله سرعان ما يحاول أن يمحوه أو يسدل عليه الحجب.. ولو تعرينا للحظات عما يجب ولا يجب سيكتشف أنه يقتعد كوكبا يموج ببحار مالحة وأنهار عذبة ونفايات وشخصيات كل منها يناقض الأخرى، شخصيات حقيقة تسكن وما علم النفس إلا أداة قاصرة عن فهم ذلك التجريف المهول الذي يحدث في أنفسنا، كما أن علم النفس ولد من الروايات حين طبق أحد الأطباء حالات واقعية على شخوص الروائي الفذ دوستوفسكي.. والكاتب كلما منح نفسه فرصة التحرر من ملابسه الثقيلة وغاص في بحور النفس البشرية اكتشف مواقع لم تصل إليها أساليب التهذيب والتعليم.. فالتعليم يكبل الحرية، التعليم هو الآفة الحقيقية للعقل البشري، ولو لاه لما أنتجنا كل هذه البشاعة التي نتبادلها كهدايا ونحن نبتسم.
هناك كهوف لا تزال مظلمة عنا ومهمة الكاتب أن يضيء جزء منها لنعرف أننا لا زلنا نقف على بقعة صغيرة من كوكب مهول ومسكون بشخصيات لا نعرفها في واقعنا.. (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).. البشرية لازالت تقف في رقعة صغيرة من قارة ضخمة أسمها النفس.
* كتبت رواية فسوق بأسلوب بوليسي شيق يجعل القارئ ينشغل بأمور البحث والتقصي والرغبة في الوصول إلى النهاية لمعرفة حل القضية. الا تعتقد بانك تشغل القارئ بهذه الطريقة وتبعده عن تأمل جمال الرواية والتوقف عند الأفكار والجمل الابداعيه الكثيرة التي تحملها فسوق؟
- كتابة الرواية كالإعداد لمهرجان متنوع.. والحاضرون لمشاهدة هذا المهرجان شخصيات مختلفة المذاقات والثقافات والاهتمامات.. فبعض الحضور يرغب في معرفة مفردات المهرجان والبعض يبحث عن النشوة والبعض يبحث عن البهرجة والبعض جاء للالتقاء بالأصدقاء والبعض جاء لتخريب الفقرات والبعض جاء مشاركا في الحفل وأشخاص جاؤوا لأن مهمتهم تنسيق الفقرات وإخراجها وفق مخططها والبعض جاء لتلبية الدعوة.. هذا الخليط المختلف ممن حضروا لكل واحد منهم غاية من الحضور.. والرواية عليها أن تلبي أو تمنح تلك الرغبات جزء من ميولها لكن سير المهرجان يتوقف على المخططين له.. وربما استهدفت أن تكون رواية فسوق مهرجان لجنائز ذهبت لمقابرها في كامل زينتها عل القارئ يشم كل تلك الروائح المنتنة التي نخبئها في دواخلنا ونحن نرتدي أجمل الحلل.. أو لعلني كنت أخرق لأني تعمدت أن أزيل الأتربة عن كل تلك الجثث مدعيا أني أحتفي بها. !!
rwayda
08-Aug-2008, 03:05 AM
هدفك من الكتابة بشكل عام.
- الكتابة هي خروج عما يجب أن تكون عليه، هي الحرية المطلقة لأن تعيد تفاصيل الحياة كما تشتهي ربما تقع أسير الواقع أثناء السرد لكنك تترك جزء منك يحلق خارج السرب، وفي هذا تهريب بذور أمانيك في جهة لا تصلها دويبات الأرض أو الحشرات المتطفلة. والكتابة ليست عملا روتينيا بحيث تدعي أنها تحقق لك المردود المالي والاجتماعي هي عشق ومطارحة هوى، فهل رأيت إنسانا يمل من مطارحة عشيقته لوعاجه كلما صدأ في الأزقة الملتوية والتي تلتهمه كجزور علق على خطاف جزار يعرف كيف يفصل اللحم عن العظم.
*بالرغم من انك دللت كثيرا إلا إن (القرية، الطفولة الصعبة، المرض، الألم) قواعد قويه ساهمت في صناعة الكاتب عبده خال. ما مدى تأثير الظروف والبيئة التي نشأت بها في كتاباتك وهل صحيح بأنك تستمد أحداث قصصك من ماضيك؟
- نحن نرتحل عبر الأزمنة وكأننا نرتحل عبر مدن، نحبها ونعشقها إلا أن رحلتنا بها ما هي إلا رحلة (ترانزيت) علينا أن نستنشق ونرى كل ما تسمح به اللحظة، ورحيلنا عبر هذه المدن ربما يجعلنا أكثر تقلبا في الأمزجة وفي الاعتقادات وفي القناعات. والماضي كالطفولة نحن له ولا نعرف كيف تعلمنا المشي وغادرناه لكنه يبقى كالرحلات التي تعكرت في بعض موانئها وكلما أوشكت الرحلة على الانتهاء اشتقنا لكل اللحظات التي عبرتنا.
ليس هناك ألم في الماضي.
تصدق هذه الجملة كلما ابتعدنا عنه كثيرا، فكل اللحظات تعجن في ذاكرتك وتفوح برائحة الحنين.. نحن نحن للجرح القديم، ألا تجدين من ينتشي أمامك وهو يريك جرحا غائرا في جسده، نشوته تأتي من لحظة التذكر لتلك الحادثة، يتذكرها بفرح غامر كطفل يرغب في إعادة تلعثم الكلمات على لسانه.. ألا نتغنى جميعا بلثغة الأطفال.. هل أقول لك أني لم أكتب الماضي بعد، فمخزن هذا الماضي لا يزال مليء بالشخصيات التي أحلم بأن أخرجها لكي ترقص في واقعنا..
* متى تكتب وهل هناك طقوس معينه تتبعها قبل أو أثناء الكتابة؟
- كتابة الرواية تحديدا تبدأ من مغازلة عذرية، ثمة شخصية تطوف في مخيلتي وتغيب.. تغيب كفتاة عاشقة وخجولة، أشعر بها تخترق دمي، وظل انتظرها حتى تغرق في داخلي تماما، ساعتها نتطارح العشق في أي وقت تشاء أو أشاء.
*تتشح رواياتك بالسواد وأحيانا أكثر من ذلك.. المرض.. التخلف.. الإيمان المطلق بالخرافات وخصوصا في " الموت يمر من هنا " وقد كانت مفاجأة حقيقية بالنسبة لي أن اعرف بان هذه الأمور تحدث فعلا في الواقع وفي زمن قريب جداً وربما لازالت تحدث حتى ألان خصوصا فيما يتعلق بالوثنية أو ما يشبه الوثنية. وأود معرفة شيء سمعته لو سمحت لي وهو انك عشت تجربه مريرة من تجارب الموت يمر من هنا.
- العقل البشري ينهض بمنجزاته في جزء من الأرض ويتباطأ في جزء أخر، هذا التباطؤ هو نوع من الحافظة التي يسرب إليها العقل تجاربه الأولى، هناك نقاط تظل معتمة، والعقل في حاجة لإبقائها في الجزء المعتم.. كي ينمو الغموض والوحشية والجمال الذي يهتكه العلم بضوئه الباهر، والبشرية إذ استسلمت للإضاءة الباهرة تحرق، لذلك أنا أؤمن أننا بقايا أساطير، تظهر جيناتنا الأولى من سلوك أو لفظة، أو أزياء، أو فكرة..
وأمراض العقل الأولى تظهر حينما نترك الذاكرة الحافظة تمنحنا قليلا من لزوجته لنفرك بهما عجينا له نكهة الحكاية الأولى التي كانت تفسر كل عواصف الطبيعة حينما كان العقل أعزل من أي نظرية تمكنه من خلق التفسيرات الفيزيائية لحدوث ظواهر الطبيعة.
وعندما تكون الكتابة الروائية تدور في فلك المكان الأول عليها أن تستعير أدوات العقل الأول، وهذا ليس احتقار لبدائية العقل البشري بل أرى أن تلك البدايات كانت أكثر حرية في صياغة الكون بما يتلاءم مع المساحات الشاسعة من الحرية المطلقة.. ومن هنا تأتي صياغة الرواية متفلتة مما يجب.. هي الحجر الذي يفلق أكبر الأنهار..
* لست مع تفسير الكاتب لكتاباته ولكنني مضطرة لطرح هذا السؤال ماذا تريد أن تقول في (الطين)؟
- لو كنت راغبا في شرح ماذا كنت أريد من تلك الرواية لكنت كتبت مقالة في ليلة واحدة ووفرت على نفسي تعب أربع سنوات متواصلة في كتابتها.. أنا كتبتها كجنون بشري ربما اعترى مخيلتي البدائية وتفسيرها للكون وفق ذاكرة تنطلق من عجينة الماضي والحاضر بكل منجزاته العلمية من نظريات مثبتة وغير مثبتة، أرادت تلك الذاكرة تمزيق كل الكون وإعادة التفكير فيه مرة أخرى وفق جنوح العقل نحو الثورة على عقل ساد بتعليمنا بنظريات غدت كأوتاد الجبال لتسمر مخيلتنا وفق نظريات تراكمات في تفسيرها لما يحيط بها.. وكانت الطين معول سعيت به لهد الكون كاملا.. هو نوع من الجنون.. ألم تسمعي أن مجنونا هم بتحطيم اهرامات الجيزة، أظن أنهم لو تركوه لفعلها.. وفي كتابتي للطين لم يتبعني أحد، فهددت ذلك الكون القائم في مخيلتكم بفعل النظريات المتراكمة.
rwayda
08-Aug-2008, 03:05 AM
يزعجني التَعَامَل معي كظاهرة أدبية تعلمت في سن متأخرة دون التركيز
على قيمة اعمالي
http://www.maktoobblog.com/userFiles/a/l/ali_auto100/images/873image.jpeg
حاوره: يحيي بن الوليد و الزبير بن بوشتي
يحيي بن الوليد: كثيرا ما نحاور الكتاب والشعراء والمبدعين، خصوصا ممن لهم صيت واسع، لكن نادرا ما نتوقف عند الحوار ذاته. وربما خالف بعض المفكرين هذا التقليد وهم يسطرون المواضيع التي يخوضون فيها وعيا منهم بخطورة الحوار والنتائج المرجوة منه. ولذلك نريد أن نفتتح هذا الحوار الطويل بمحور حول الحوار ذاته، لنسألك بداية: كيف تري الحوار مع كاتب مثل محمد شكري؟
محمد شكري: أنا تعلمت بطريقة عشوائية، وهذا معناه أنني لم أتعلم بطريقة أكاديمية، ومستواي التعليمي لا يتعدي أربع سنوات وبضعة أشهر. وطبعا التعلم العصامي لا يعتمد علي توجيه من الذين تعلمت علي يديهم. هذا التعلم والتعليم، في الخمسينات والستينات، كان عشوائيا ومحنة للجميع في مرحلة التعبئة الاستقلالية. ومن خلال هذا التعلم غير الموجه قرأت الكثير من الكتب غير المفيدة، لأنني لم أكن موجها من طرف معلمي أو من طرف قراء جادين يعرفون ما يقرأون. ومع مرور التجربة القرائية بدأت أميز بين الجيد والغث في اختيار ما أقرأ، سواء بذكائي الخاص أو بمساعدة بعض أذكياء القراءة، كتابا كانوا أو غير كتاب. ليس ضروريا أن يكون كل قارئ جاد كاتبا، بل هناك قراء جادون أفضل من بعض الكتاب الذين لا يعرفون ما يختارونه في قراءاتهم.
يحيي بن الوليد: من فضلك، محمد شكري، نعود الي السؤال السابق لتحدثنا عن كيف تنظر الي الحوار مع كاتب مثلك؟
محمد شكري: في الحوار معي ستكون الاجوبة بنفس الطريقة التي تعلمت بها. رغم هذا فهناك نظام في تصور الاشياء إذا أعيد ترتيبها من خلال الكتابة. ليس هناك تسلسل كرونولوجي. هناك سابق كان ينبغي أن يكون لاحقا، ولاحق كان ينبغي أن يكون سابقا. الانسان لا يفكر بطريقة آلية.
يحيي بن الوليد: يقال ان الكاتب هو نصوصه التي كتبها ليتركها لمختلف المجموعات القرائية وللباحثين والنقاد والمؤولين، هو ما لا يسمح للكاتب بأن يتحدث عن نصوصه، هل أنت من الذين لهم نفس التصور؟
محمد شكري: لا أعتقد أن الكاتب منفصل تماما عن نصوصه، فهو مبثوث في نصوصه، ليس هناك تجرد مطلقا في حياة الكاتب مع نصوصه، ليس هناك حياد مطلقا. وأنا أعتقد أن المبدع مبثوث كناقد في إبداعاته طبعا هذا لا يعني ما يسمي بـ الرقابة الذاتية بمفهومها السطحي.
يحيي بن الوليد: صحيح أن بعض المبدعين أمثال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهما نجد في حواراتهما آراء نابعة بخصوص الادب، ولكن هناك من يري أن المبدع ناقد فاشل.
محمد شكري: هناك كتاب فاشلون ليسوا مبدعين حقيقيين ولا هم نقاد حقيقيون. من حقنا أن نقول: لابد من خلق نقاد مبدعين في نقدهم يبتدعون الاشياء المُبدَعة. الابداع درجات، وعندما تكون هناك خلخلة أو عدم توازن فلابد أن يكون موازيا له نقد إبداعي. هناك نقاد مبدعون. رولان بارت مبدع في النقد. وهناك من يجمع بين منتهي الابداع ومنتهي النقد مثل ت. س. إليوت، عزرا باوند وكامو.
يحيي بن الوليد: وسارتر.
محمد شكري: نعم. كذلك سارتر، ميشيل بوتور وروب آلان غرييه. هناك من تجمعت فيه هذه الموسوعة.
rwayda
08-Aug-2008, 03:06 AM
الزبير بن بوشتي: هل تقبل بأن يحاورك من غير العارفين والمطلعين علي أدبك؟
محمد شكري: أقبل، لكن بشرط أن يكون الشخص الذي يريد أن يحاورني مطلعا جيدا علي آداب أخري.
الزبير بن بوشتي: كيف تري علاقة الكاتب باللغة؟
محمد شكري: إن الكاتب ينبغي لـه أن يتعامل مع اللغة وكأنه يخلقها لأول مرة وليس أن يتعامل معها فقط كإيصال. عليه أن يبدع فيها. وهذا يبقينا معجبين بأبي تمام وأبي نواس وإن لم يذهب في بعض شعره أبعد من الترميم والانتقاء. إن اللغة أيضا هي تخييل مثلما هو الابداع. وفي المقابل نجد بودلير، مالارميه، بول فاليري، لوتريامون، هويتمان، ماياكوفسي وياسنين. هؤلاء أيضا نحتوا لغتهم.
يحيي بن الوليد: وفي النثر أليس هناك نحت لغوي؟
محمد شكري: أعتقد أن أول شاعر في شفافية النثر العربي الحديث يبدأ مع جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة والي حد ما أمين الريحاني. ثم جاء بعدهم جبرا إبراهيم جبرا ويوسف إدريس.
يحيي بن الوليد: وأحمد بوزفور.
محمد شكري: إنه رائد القصة القصيرة الشاعرية ومحمد زفزاف يتقارب معه في بعض قصصه.
الزبير بن بوشتي: لقد أجريت العديد من الحوارات مع قنوات عربية أجنبية، فما هي طبيعة الاسئلة التي عادة ما تطرح من طرف المحاور العربي والأخري التي يطرحها محاورك الاجنبي؟
محمد شكري: يصعب أن أنحاز الي أي منهما من حيث إلقاء الاسئلة. هناك أسئلة جادة وأخري باهتة من الطرفين. الامر يتعلق بعمق الاطلاع وذكاء الاسئلة التي قد تثير أجوبة في مستواها. وإذا كان هناك فارق فإن الاجانب ترتكز أسئلتهم علي مدينة طنجة وتحولاتها بعد الاستقلال. ربما بسبب ما تركه أجدادهم وآباؤهم هنا من حنين.
rwayda
08-Aug-2008, 03:07 AM
يحيي بن الوليد: سنكرس لمدينة طنجة محورا خاصا، ولذلك نطلب منك أن تواصل حديثك عن طبيعة أسئلة الاجانب.
محمد شكري: أحيانا يزعجني أن يُتَعَامَل معي فقط كظاهرة أدبية تعلمت في سن متأخرة دون التركيز علي القيمة الادبية في كتاباتي المختلفة. أنا ضد هذه الماركينتيغية أو السكوبات (السبق الصحفي). إن الانبهار بالسبق الصحافي لا يتهافت عليه إلا الفقراء في ذهنيتهم. إنهم لا يبحثون عن الامتاع الذهني فيما يقرأون. لا علاقة لي بهؤلاء وإن كانوا يقرأون كتبي.
الزبير بن بوشتي: ولكنك أنت أكبر المساهمين في تكريس هذا التصور عن نفسك.
محمد شكري: لماذا لا تقول العكس بحيث هناك من يخدم شهرته من خلال شهرتي بدءا من الناشرين، والصحافة المكتوبة، والفضائيات والاذاعات. لا أكرس نفسي وحدي لشهرتي.
الزبير بن بوشتي: بل كرست عن نفسك صورة الصعلوك التي ترفضها الآن... فأنت في العديد من اللقاءات لا تتحدث إلا عن حاناتك وعن دخولك الدار سكرانا وغيرها من الصور التي تروجها عن نفسك في حوارات ولقاءات، فكيف تقول بوقوف الآخرين وراء ترويجها؟
محمد شكري: الصعلكة هي نوع من الحياة، وهي بمفهومها القديم كانت أحيانا تسلية، وأحيانا التزاما نبيلا اجتماعيا لنصرة الفقراء، لكنها استغلت وأصبح الصعلوك لا يعني إلا الاخلاق السيئة؛ فأنا عندما أسكر أفعل ذلك بسمو السكر وتجليه. أحافظ علي أن لا تصدر عني أفعال وأقوال تزعج أو تؤذي الآخرين. أحيانا أكون أخلاقيا أكثر من الاخلاقيين أنفسهم. لا وجود لي إلا بمقدار ما أعطيه للآخر من الاحترام الذي يستحقه لكسب احترامه لي. هناك مسامرة الندّ للندّ، وهناك ناس محدودون في سلوكهم، والمطلوب في مجالستهم ومسامرتهم هو نوع من اللياقة في الكلام معهم. قبل ايام كنت أمارس نوعا من هذه الصعلكة مع نفسي دون أن يشاركني فيها أحد. إنها نوع من التدمير الذاتي أمارسه مع نفسي لتسكين قلقي المجهول. هذه الحالة تغزوني بين فترة وأخري. عندي كل ما أحتاجه، لكن ينقصني شيء ما مبهم. ثم جاء يونس الخرَّاز (رسام مغربي من أصيلة) وشاركني جزءا من هذه الصعلكة فسمّي حالتي تسكين (القهر الداخلي). أعجبت بتعبيره.
يحيي بن الوليد: قبل قليل اشرت الي الاسئلة الجادة التي طرحت عليك، نريد أن نعرف هذه النوعية من الاسئلة.
محمد شكري: كتب عني أكثر مما كتبت. الظاهرة هم الذين خلقوها. كيف أكبحهم؟ لست ملكا لنفسي كلية. جزء مني ملك للآخرين. أتذكر ذلك اليوم في كلية الآداب في مراكش أثناء لقاء نظمه لي عبد الصمد بلكبير مع الطلبة؛ فاجأني أحد المعجبين الذي لم يكن يملك أحدا من كتبي طالبا مني أن أوقع له اسمي علي ورقة. قلت له أنا لست مغنيا أو لاعب كرة قدم لكي أوقع لك علي ورقة. قال بأن الكاتب أهم.
يحيي بن الوليد: وماذا عن أسئلة الاجانب؟
محمد شكري: في معظمها لها علاقة بالمدينة التي أعيش فيها علي الدوام كما قلت من قبل. ونحن نعرف أن طنجة هي من المدن العالمية المُؤَسْطَرَة مثل المدن المينائية: الاسكندرية، أثينا، قاديش. مدن الغزو والقراصنة. إنها أسئلة لا صلة لها بمسيرة الادب العالمي ككل. أسئلة فيها فلكلور وعجائبية. أسئلة عن طنجة الكوسموبوليتية. هل ما كتبته في الخبز الحافي ، السوق الداخلي ، القصص الاخري عشته بالفعل. أسئلة من هذا النوع تلقي عليّ من طرف الاجانب والعرب.
يحيي بن الوليد: ألا تري أن هذا النوع من الاسئلة فيه استفزاز بالنسبة لك؟
محمد شكري: لماذا لا نقول بأنه استقصاء وفضول المعرفة... ! هل ما كتبته في الماضي مازال مستمرا؟ هل مازال البؤس مستمرا ومعيشا كما من قبل؟ هل مازلت الدعارة مستمرة وتمارس كما تحدثت عنها في بعض قصصك؟ والشذوذ الجنسي أحاله هي كما كان في الماضي في طنجة؟ مثل هذه الاسئلة غالبا ما يطرحها الاجانب. والجواب عنها يكون حسب طبيعة موضوع السائل في مجموع أسئلته في عمقها وسطحيتها. لا جواب ذكي بدون سؤال ذكي.
يحيي بن الوليد: وحتي نبقي دائما في الاطار ذاته، فما هي الاسئلة التي تكره أن تطرح عليك؟
محمد شكري: هل حقا مسموح بالكتابة عن الخلاعة والشذوذ؟ هل تعتبر نفسك صاحب الكتاب الواحد؟ هل تكتب عن الدعارة لأنها كتابة رائجة؟ مثل هذه الاسئلة وغيرها أعتبرها سطحية.
الزبير بن بوشتي: هل تعتبر نفسك عدو المرأة؟
محمد شكري: إن كتاباتي عنها لا تكشف عن ذلك بل أدافع عنها. ليس كل من يكتب عن المرأة الداعرة هو عدوها. الجنس الداعر أوظفه توظيفا اجتماعيا للكشف عن أسبابه الاستغلالية في أبشع صوره. هناك كثير من المباءات الاجتماعية يساهم الجنس العاهر في الكشف عنها. لكن اصحاب العقـــلية المتشددة في انتقاد الجنس المحرم قد تجدهم مهتمين بقراءاته في الخفاء بتلذذ. لا أبالغ إذا قلت إن الذين ينتقدون الجنس المحرم هم أكثر الناس شراء للكتب الجنسية.
الزبير بن بوشتي: والآن ما هي الاسئلة التي لم تطرح عليك وكنت ترغب في أن تطرح عليك؟
محمد شكري: الاسئلة التي لم تطرح علي هي الاسئلة التي لم يفكر فيها الغير ولم أفكر أنا في الاجابة عنها.
rwayda
08-Aug-2008, 03:07 AM
يحيي بن الوليد: ألا تعتقد أن الحوارات تخدمك؟
محمد شكري: بل تخدمهم هم. فكل صحافي يأتي إليك ليحاورك يريد أن يمتصك مثل إسفنجة في الماء. وأكثر الحوارات تجارية وأقلها جادة. ثم قد يقول لك المحاور في مقاله عنك ما لم تقله ليزكي مقاله بالاثارة التي قد تسيء إليك.
يحيي بن الوليد: أنت قلت في اللقاء الذي نظمه فرع اتحاد كتاب المغرب بطنجة حول تجربتك بأنك لا تجري الحوارات مع وسائل الاعلام إلا بمقابل مادي. ألا تري أن هذا يدخل بدوره في إطار الماركيتينغ؟
محمد شكري: يا عزيزي يحيي، ربما إلحاحي وتشبثي بأن كل حوار ـ سواء كان أجنبيا أو عربيا ـ يجب أن أتقاضي عنه مقابلا ماديا هو إعادة اعتبار لما أخذ أو سرق مني؛ فأنا قد استغللت استغلالا كبيرا من طرف مؤسسات النشر الاجنبية والعربية: الاسبانية، الفرنسية، الايطالية، البرازيلية وغيرها. أمام العربية فسهيل إدريس نشر مجموعتي القصصية مجنون الورد (1979) ولم أستلم منه سوي تسبيق عن طريق محمد برادة، فحتي الآن لم يجر معي أية حسابات عن عدد الطبعات والمبيعات. ونفس المجموعة نشرتها مؤسسة الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة (1997ـ الطبعة الثانية) دون استشارتي. كيف يعقل أن مؤسسة رسمية تنتمي الي بلد عريق في الحضارة تقوم بمثل هذا العمل غير الاخلاقي والقرصني (نسبة الي القرصنة).
يحيي بن الوليد: لحسن الحظ أنها لم تحدث زوبعة كما حصل لـ وليمة لاعشاب البحر لحيدر حيدر.
محمد شكري: (يصمت شكري للحظة ثم يواصل) إن اية مقابلة صحافية معي ينبغي أن تؤدي عنها مستحقات حتي أسترد ما سرق مني.
الزبير بن بوشتي: ووسائل الاعلام المغربية، ما حكايتك معها؟
محمد شكري: أصبحت أطلب المبلغ الذي أستحقه سواء من القناة الاولي أو الثانية. أريد أن أستفيد من شهرتي أجنبية كانت أو عربية أو مغربية. نعم، أطالبها بدفع المستحقات إن كانت تمولها أجهزة تجارية. أما إذا كان الصحافي مبتدئا وينتمي لجريدة أو مجلة لها انتشار محدود فقد أدعوه الي مائدة الطعام.
يحيي بن الوليد: وكيف تنظر للحوار في علاقته بما يسمي التسويق الذاتي ؟ ألا تلاحظ أنك تروج لنصوصك في حواراتك؟
محمد شكري: إبراز الذات غريزة بشرية خوفا من الفناء.
الزبير بن بوشتي: هل معني هذا أنك تطمح للخلود؟
محمد شكري: ألم يثبت الفراعنة أنفسهم في الاهرام وبعدهم شعب الإنكا. نزعة الخلود لا أراها شاذة. إنها حافز كبير للتطور وتبئير للانتاج الفكري.
الزبير بن بوشتي: ما رايك في الجمال؟
محمد شكري: الجمال محفز للاعجاب والتعارف.
الزبير بن بوشتي: ورأيك في ظاهرة السراويل النسائية؟
محمد شكري: ليست كل مؤخرة نسوية يلائمها السروال اللصيق جدا بها. إن بعض المؤخرات مضحكة ومنفرة. فهي تبدو مثل سنام جمل. وإذا خلعت المرأة سروالها المشدود جدا عليها فإن رائحة العفونة ستنبعث منها؛ لأن التهوية منعدمة في السروال المشدود جدا.
يحيي بن الوليد: وما الذي تسعي إليه من خلال حوار القدس العربي معك؟
محمد شكري: توضيح لما لم يلق علي سابقا من أسئلة. أسئلة ظلت مبهمة وأسعي من خلال هذا الحوار استجلاءها وإبراز أشياء جديدة لم تطرح علي من قبل.
rwayda
08-Aug-2008, 03:09 AM
حوار مع الروائي (الطاهر وطار)
المتنبي كان حاضرا في روايتك الجديدة "قصيد في التذلل"، مثلما حدث في روايتك السابقة "عرس بغل"، كيف كان حاضرا هذه المرة؟
اعتمدت على أبي الطيّب المتنبي كشاعر أراد السلطة، وأرى أن طلبه للسلطة ذاك كان يهدف منه أن يكون محط أنظار جميع الناس، كما لو أن الشعر لم يكفه وتلك حالة فنية وهي أن يطمح الفنان لأن يكون الواحد الأوحد في كل ميدان، لكن السلطة عندما تدرك خطر الذي يتقدم لطلب نصيب منها إذا كان شاعرا حقيقيا يصير خطرا عليها لأنه عندما يحصل على الملك يصبح "الملك الشاعر" بكل المقاييس، ولهذا الأمر تم حرمان المتنبي في مشارق الأرض ومغاربها، وكيف لا وهو الذي لا يسمح أبدا بأن يتنازل عن قيمته ويقول بأنه خير من في المجلس حتى في حضرة الأمراء.
"قصيد في التذلل"، ظاهريا هو احتفاء بالشعر وباطنيا هو "نقض" له؟
"قصيد في التذلل"، هو متابعة لهاجسي المركزي وهو علاقة المثقف بالسلطة، ففي الروايات السابقة تحدثت عن المثقف بصفة عامة، عن المتعلم وعن رجل المسرح مثلا في "تجربة في العشق" مثلا، لكن في هذه المرة تحتم عليّ أن أفصّل في هذه الظاهرة فذهبت إلى المبدعين كشريحة التي هي منفصلة تماما عن ظاهرة المثقف التي عالجتها سابقا، فهي تتميّز بكيانها وخصوصياتها وتاريخها الطويل، وطبعا عندما نقول "المبدع" يبرز أمامنا الشاعر وهو الأكثر حضورا في تاريخ الأدب العربي، وهو حسب معرفتي الأكثر حساسية من بين المبدعين الذين نعرف في الرواية والمسرح، وربما لا يتساوى في هذا الأمر إلا مع الموسيقار، وقد أردت القول، كيف يمكن أن تكون علاقة بين مبدع يفترض أن يتجاوز الواقع كل لحظة، وبين سلطة هي رمز للاستقرار والثبات لـ"غض الطرف عن الصغائر"، كيف يكون هذا التزاوج خاصة مع ما لوحظ في الجزائر مثلا منذ سنوات بعد خفوت صراع المثقفين الإسلاميين بكل وسائلهم وبين السلطة وما نجم عن ذلك بارتماء الكثير من المبدعين وخاصة الشعراء منهم في أحضان السلطة بكل استسلام، وبدون تساؤل وبالتذاذ عجيب، فتم تعيين الكثير من الشعراء على رأس مديريات الثقافة بالولايات وكذلك في مناصب حساسة في قطاع الإعلام، وبحكم اهتمامي بالموضوع رحت أبحث عن الإشكاليات فيما يمكن أن يجمع بين المبدع ومسؤوليه، وما يمكن أن يفرقهما، وهل يقبل المبدع الفساد المتفشي، وإن رفض فهل يعبّر عن ذلك أم يكون بطريقة سرية.
http://www.difaf.net/images/maqalat/taher%20wettar2.jpg
فعندما يكون الفساد متفشيا في الارض ويسكن عن ذلك الشعراء فهذا دليل على غيابهم.
عودتنا على استلهام شخصياتك الروائية من أشخاص واقعيين، فعلى من اعتمدت هذه المرة؟
في هذه الرواية شيء من سيرتي الذاتية، فعندما عدت إلى فترة الستينيات من القرن العشرين وفترة التسعينيات منه دخل على الخط شيء من سيرتي الذاتية، فلا تنس أني مررت بسلطة عندما كنت مديرا عاما للإذاعة الجزائرية لمدة ثمانية عشر شهرا، وحينها واجهت تجربة واكتسبت خبرة في هذا الشأن، ولم استلهم تجارب أشخاص آخرين.. كنت بيني وبين نفسي، رجل شيوعي مناضل حاول أن يختطف الرائد شابو أمين وزارة الدفاع الوطني حينها، فهذا أنا.
rwayda
08-Aug-2008, 03:10 AM
ألم يكن بشير حاج على الشاعر المناضل الشيوعي حاضرا وسط الأحداث؟
الرواية كما تعلم في جزء منها تناولت حادثة انقلاب العقيد هواري بومدين على الرئيس احمد بن بلة يوم 19 جوان1965، والشاعر بشير حاج علي ساعتها كان في السجن وقد ذكرته بالاسم مثلما ذكرت المؤرخ محمد حربي، والصحفي اليساري عبد الحميد بن الزين والمناضل الحقوقي حسين زهوان وكلهم كانوا في السجن ساعتها.
ألا تتداخل بعض التفاصيل هنا، مع مذكراتك الشخصية؟
نعم بعض الأحداث فيها شيء من السيرة الذاتية كما لم أتطرق بالتفصيل إلى ذلك في المذكرات فبين الحين والآخر تطفو الذكريات الشخصية بتفاصيلها وسط الأحداث.
كثيرا ما يحضر الشعراء في مختلف روايتك ما السر في هذا خاصة مع شبه غياب للروائيين وأنت واحد منهم؟
الشعراء كثيرون، والشاعر صوت قبل أن يكون كلمة مكتوبة، ثم أن ثقافة العرب هي شعرية بالأساس، فعندما تنطق كلمة شاعر يكون لتلك الكلمة صدى ورنين مميز وهذا لا نجده مثلا عند الكلام عن الروائيين.
لكن الرواية هي "ديوان العصر" والروائيون حاليا هم أشهر من الشعراء، وأكثرهم مقروئية؟
الشعراء أكثر انتشارا ونفوذا.. الشاعر يصل كصوت في المهرجانات، ومع التكنولوجيا أصبح صوته ينتقل بين الناس عن طريق أشرطة الكاسي والسي دي وغيرها من الوسائل، وهذا لا يتوفر للروائيين الذين يعتمدون على الكلمة المكتوبة.
وكيف تجاوزت اللغة الصوفية التي كتبت بها رواياتك الأخيرة لتعود إلى "لغة واقعية" في هذه الرواية؟
أنا من المستسلمين بشكل نهائي للموضوع، أترك له العنان ليختار شكله من حيث اللغة والانشاء والتركيب والبناء الهيكلي لهذا يصعب عليّ القول بالاختيار الواعي للشكل، فأنا أرى أن هناك علاقة جدلية بين الشكل والمضمون، فهذا يشكّل هذا والعكس صحيح، وما احرص عليه هو الوفاء للشخصيات في أبعادها، فعندما تكون هناك شخصية ولي زاهد متعبد خارج من وجدان الناس فأنت مجبر على استعمال لغة صوفية فيها الكثير من "الأكاذيب" كأن تجعله يحلق في الفضاء مثلا وهي حالة غير طبيعية، وعندما تتحدث عن مناضل فأنت مجبر على استعمال تعابير أيديولوجية، فالشخصيات تفرض شكل الرواية والأسلوب والحوار، وأنا عندما عدت في هذا العمل إلى المتنبي، عدت إليه بشيء من الفنتازيا لأن شخصية أبي الطيب لا يمكن أن توصف بهذه الواقعية.، فهذا مناضل كبير ولو مازال حيا لاختطف معي الرائد شابو (يضحك).
على ذكر المتنبي، هذا الشاعر كان حاضرا في رواية "عرس بغل"، والرواية نفسها للمح لانقلاب بومدين على بن بلة، فهل يمكن اعتبار "قصيد في التذلل" بمثابة جزء ثاني لـ"عرس بغل"؟
ما لم أتحدث عنه في "عرس بغل" هو دور المعارضين للانقلاب الذين دخلوا السجون ودور الذين تم نفيهم والذين هربوا من البلاد، كل هذا كان غائبا في تلك الرواية وفي كل الأعمال الأدبية الجزائرية التي أتت بعد ذلك، فالشاعر في هذه الرواية الجديدة فيه شيء كثير مني ومن رفاقي.
وفيه شيء من الشاعر المغتال يوسف سبتي مثلا؟
لا.. هذا الشاعر على عكس يوسف سبتي عقلاني النزع
rwayda
08-Aug-2008, 03:11 AM
في العادة تكتب رواياتك على دفعة واحدة، لكنه حدث الاستثناء هذه المرة وقد عدت من خلوتك ولم تتم الرواية بعد، هل الصعوبة تكمن في الموضوع هذه المرة؟
منذ رواية "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" أحسست بضرورة التأني في الكتابة مع محاولة إعطاء الموضوع الوقت الكافي في التحرير وأحسست كما لو أني أسعى إلى التراكم النوعي، فاخترت ألا اكتب الرواية الطويلة لضرورة العصر، والناس حاليا يسعون إلى اختزال كل شيء، ومع ذلك لدي شبه نقد ذاتي وهو أني متعجل بشكل من الأشكال وأنا للأسف مضطر لهذا، لأني في باقي أيام السنة أكون منهمكا في العمل الجمعوي وفي "المناشطة" الثقافية وأنا أجدني في شهر عطلتي منهكا وكلما تقدمت بي السنون يكون إنهاكي ثقيلا كما لو أني أهرب من استكانة الشيوخ وهي إعلان العجز البدني، وفي هذه السنة بذلت نفس الجهد البدني الذي كنت أبذله وكنت اكتب بمعدل 1500 كلمة في اليوم، وعندما أقول أكتب فأنا أحرر وأظل طوال الوقت أفكر في الموضوع وأبعاده ومستلب مئة بالمئة من طرفه وأحس بضرورة التأني وتقديم شيء يقترب من أعمالي الناجحة مثل "تجربة في العشق" و"اللاز" و"عرس بغل".
ومتى تعود إلى انهاء الرواية التي لم تكتمل بعد؟
سأحاول بعد التفرغ من إعداد رزنامة نشاطات الجاحظية وملتقى شعراء الفائزين بجائزة مفدي زكرياء المغاربية للشعر أن أكتب وأعيد إلى خلوتتي بين وقت لآخر، وأنا لست قلقا في هذا الشأن، وعندي خبرة من خلال رواية "تجربة في العشق" التي ظللت أكتبها وأعيد كتابتها لأكثر من سنة حتى أنهت نفسها بنفسها، وعلى روايتي الجديدة هذه أن تنهي نفسها بنفسها هي الأخرى.
---------------
rwayda
08-Aug-2008, 03:11 AM
حوار مع الروائى الليبى ابراهيم الكونى
http://www.maktoobblog.com/userFiles/f/y/fyathnaem/images/alkuoni.jpg
لم ألتقِ به سابقاً حتى صورته الصحراوية القديمة بزيه الطوارقي وبلثامه لا تكشف سوى القليل من مظاهره، أما أن داخله وعوالمه العاصفة أو الساكنة وهجراته في أكوانه وصحرائه فهي أمور تتجلى في الكتاب الصحراوي الذي سبر متاهاته نحو حكاية التكوين، غائب في ظاهره وحاضر في روحه في نصه، في نصه الطوفان والتبر، نزيف الحجر، وبيان اللغات والأديان، غريق متنه أو سابحٌ في فضائه الشاسع المجهول، متخفٍّ في أطياف المقيمين والعابرين على الأرض، مرتحلٌ أبدي، فكيف تلتقيه وهو أسير سكينته والبحث الجليل عن الحرية والحقيقة؟ كيف تلتقيه وهو الهارب الأكبر في حكايات جدته الصحراء؟ انشغل لربع قرن بالمتن الخلاق، غَلَق على الجسد أبواب العزلة، والعزلة تتيح لمن مثله إقامة جادة الحساب مع الدهر مع النفس ومع الذات، والعزلة فضاء أكثر رحابة لسبر المجهول والبحث عن السر.. سر المعادلة لكيمياء الحياة، هنا في هذا النقيض الخلاق يمارس فعل الكتابة والتأمل، هنا في هضاب جبال الألب، إنه النقيض في الظاهر أو إنه الفردوس الذي بحث عنه التائهون في الصحراء الكبرى، لكنه في العمق هو محطة من محطاته الأرضية أو هو مطرح للانطلاق من جديد في شعاب المتن، تلك الشعاب المؤدّية غالباً إلى الحنين، أما الهامش كان جولة في هذا الفردوس الأرضي ولقاءً في دبي لعله يكشف بعض ملامح هذا الصحراوي المهاجر في شعاب الحنين الأبدي إلى الغاب
المتن والهامش في حياة المبدعين
خلينا نتحدث عن المتن والهامش، إذا اعتبرنا المتن هو انشغالك اللي عمره فوق الثلاثين سنة بعالم الرواية والأدب هو هذا المتن، وهذا الشيء اللي عم نقوم فيه الآن هو الهامش.
إبراهيم الكوني: يقين.
أحمد علي الزين: يعني أنت تقريباً حوالي عشرين أو ربع قرن شبه غائب عن الإعلام العربي، هل هذا موقف؟ ولماذا اخترت الآن هذه الإطلالة؟
إبراهيم الكوني: لأن مأساة كل الكتاب أعتقد ليس الكتاب العرب فقط هي الاهتمام بالهامش أكثر من الاهتمام بالمتن، تحضرني مقولة لأحد الكتاب الفرنسيين في القرن السابع عشر يقول: أنه عندما يفلح المبدع في إنجاز عمل خارق أو عمل عبقري أو عمل ناجح فلا بد أن يفعل المجتمع المستحيل لكي لا يتكرر هذا العمل.
أحمد علي الزين: جميل.
إبراهيم الكوني: بأي معنى الأضواء بالاهتمام به كشخص بمحاولة احتوائه وإبعاده عن قضيته عن رسالته، هذا يعني أن الأضواء مميتة عندما تكون.. حتى لو كانت عن حب..
أحمد علي الزين: ولصالح المتن؟
إبراهيم الكوني: ولصالح المتن.
أحمد علي الزين: لأنها تفسد العملية الإبداعية؟
إبراهيم الكوني: تفسد العملية الإبداعية لأنها..
أحمد علي الزين: تجعل المبدع يعيش على شي من المجد.
إبراهيم الكوني: بالضبط، يعني ينشغل المبدع بالهامش أو بالحياة الدنيوية وينسى الحقيقة وينسى رسالته ينسى إبداعه..
أحمد علي الزين: المهمة الأساسية.
إبراهيم الكوني: المهمة الأساسية التي خُلق من أجلها.
أحمد علي الزين: رُدِّي إليّ عطشي وأبعدي عني الإنسان، قال الجمل للصحراء في كتاب ديوان النثر البري لإبراهيم الكوني، قرأت هذه العبارة وكنت على علوّ أربعين ألف قدم فوق الصحراء الكبرى، لا يمكن أن أرى من هذا العلو ما عاشه إبراهيم، ويستحيل إلا بالخيال تتبع أطياف أهله ونجعه وفلول المهاجرين الأبديين في الصحراء نحو فراديسهم المفقودة والتي لا يعثر عليها إلا التائه الذي يقع في فخ الضياع، ما هذا العدم؟ ما هذا العدم المعادي للروح؟ وللحرية؟ ثم وتخيّلت أبطاله الأشقياء المصابين بوجع الحنين وبالغناء والوجد، وافتكرت بسر هذا الصحراوي المسكون بصحرائه الكبرى المرتحل فيها وفي أسطورتها وتكوينها في سرابها وسرها وسحرها والمشبع بصمتها المدوّي وبطقوسها، لكأنه مجبول من رنها وسرابها ونسغ شجرها القليل وعشبها الشحيح
rwayda
08-Aug-2008, 03:12 AM
لماذا احتفى الغرب بأعماله؟
احتفى الغرب بإنجازات إبراهيم الكوني على أكثر من مستوى، ربما أول مستوى هو ترجمة أعمالك إلى كل اللغات الحية تقريباً، ثم تلك الجوائز اللي نلتها الجوائز العديدة اللي نلتها على مدار سنين، وبالتالي اهتمام النقد الغربي بتجربتك ربما أكثر من النقد العربي، هذا إذا ما كان النقد العربي شبه غائب، بتقديرك هذا الاهتمام أو الانهماك الغربي والاحتفال بإبراهيم الكوني هو مردّه إلى صحرائك الكبرى التي تروي عنها له لهذا الآخر الذي يحب أن يكتشف بعض الغموض؟
إبراهيم الكوني: ربما، لكن السبب الرئيسي أعتقد هو أن الأوروبيين يقرؤون ونحن في العالم العربي لا نقرأ، حتى نقادنا لا يقرؤون، الأوروبيون يعرفون ماذا يقرؤون ويعرفون ماذا يقولون، لهذا السبب لا أعتقد أن اهتمامهم بأعمالي ناجم عن..
أحمد علي الزين: كغرائبي أو الأسطورة اللي..
إبراهيم الكوني: نعم، الموضة أو انتصار النزعة الغرائبية، لأني لا أعتقد أن لدي نزعة غرائبية في واقع الأمر، لأن الأسطرة أسطرة الواقع ليست غرائبية لا يجب أن تكون غرائبية، هذا تنفيذ لقوانين الرواية، لقوانين العمل دائماً، لكن أعتقد أن ما استفزّ أو ما أثار النقاد أو القراء في أوروبا لقراءة أعمالي هي الاستعارة، هي التحدث عن الصحراء كاستعارة للوجود الإنساني، الصحراء ليست صحراء في أعمالي أعتقد، ولكنها دائماً ظل لحقيقة أخرى، ظل لمبدأ ميتافيزيقي، هي دائماً استعارة للوجود يقول بيت الشعر:
الصحراء تمتد وتتسع
فالويل لمن تسول له نفسه أن يستولي على الصحراء
الصحراء كالصحراء المرئية لكنه يقصد الوجود..
أحمد علي الزين: الوجود الإنساني.
إبراهيم الكوني: الوجود الإنساني بشكل عام.
أحمد علي الزين: جميل، طيب أنت كثيراً ما تتحدث عن الصحراء والعدم، يعني شو هو الرابط بين الصحراء وبين العدم؟
إبراهيم الكوني: نعم هذا لست أنا من يتحدث عن الصحراء والعدم، لست أنا من يقرن الصحراء بالعدم، ولكن أنا أعتقد هذه نزعة عامة لكل الناس عندما يقولون: الصحراء يقولون: جحيم، جحيم كالصحراء، عدم كالصحراء، نار كالصحراء..
أحمد علي الزين: خلاء كالصحراء.
إبراهيم الكوني: يعني النظر إلى الصحراء بروح سلبية، لعن الصحراء في كل عبارة، هذه أعتقد أنه إثم كبير، لأن الصحراء هي رمز للروح، الصحراء هي قرين للحرية، الصحراء هي قرين لأنبل ما في الوجود الإنساني، لذا يجب أن نكبر الصحراء، أن نركع للصحراء، أن نصلي للصحراء، لأن كل علامة في الصحراء هي صلاة للأبدية، الصحراء ليست رمزاً للوجود الإنساني فقط ولكنها رمز للأبدي في أنبل معانيه، وليس عبثاً أن تكون كل الأفكار العظيمة نابعة من الصحراء، هي قاسية بطبيعة الحال لأن الحرية قاسية، هي عدم بطبيعة الحال لأن الموت عدم، ولكن في حقيقة ما وراء الموت.. إذا آمنا بأن ثمة حقيقة وراء الموت، إذا آمنا بخلود الروح فالصحراء هي الدليل الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع أن يثبت ذلك.
أحمد علي الزين: وتخيّلته طيفاً يجوب الخلوات الكبرى باتجاه تامبكتو مرة، ومرة نحو إناث الجن في كهوف جبالها المعممة بغمام الفقيد والأبدية أو يقرأ في صمت أبيه المهاجر المستعصي حضوره الصارم في نبله على السؤال، السؤال عن السر الأعظم سر التكوين، فيبحر لاحقاً في اللغات والأديان والأساطير بحثاً عن المعرفة لكشف اللغز، كل لغة حجاب يفكّه فيزداد الكشف غموضاً وتتسع دائرة الشك والسؤال، يضرب رمل البيد بلغته البكر الطريقية فيخرج من السراب طيف أنثى الشوق بحثاً عن الحرية
الصحراء الساكنة في ضميره وروحه
http://www.maktoobblog.com/userFiles/f/y/fyathnaem/images/ebrahim_alkoonai.jpg
أحمد علي الزين: طيب أستاذ إبراهيم أنت حتى الآن كما قلت حوالي 60 مؤلفاً عملاً إبداعياً ومعظم هذه الأعمال أتت من مصدر الصحراء وأنت على ما نعلم أو يعني عشت طفولتك لمدة عشر سنوات في تلك الصحراء، هل تلك العشر سنوات كافية كخزّان لكل هذا الفيض من الكتابة الملحمية؟
إبراهيم الكوني: أعتقد أن عشر سنوات كافية لزرع رموز الصحراء في وجداني، الحياة الروحية شيفرات شيفرات وإلا لما كان هناك وجود لما يسمى اللاوعي أو ما يسميه الصوفيون الباطن، نحن نختزن في الطفولة ما يجب أن يبشّر به في الرجولة، دائماً الكود دائماً الشيفرة المبثوثة فينا ليس فقط منذ الطفولة ولكن منذ أجيال سبقت الطفولة بآلاف السنين، هي مبثوثة فينا، كل ما هنالك أنه لا بد أن نهدهدها، لا بد أن نرحمها، لا بد أن نستجديها أو نعتني بها بحيث تتفجر فينا، وهو ما يتحقق بالتأمل الطويل، وهو ما يتحقق ليس بالتأمل فقط وإنما بالزهد، وهو ما يتحقق بالتنسك، وهو ما يتحقق بالانقطاع، لذا لا خيار أمام مبدع يريد أن يعانق رموز العالم وحقيقة العالم إلا أن يعتزل، إلا أن يضحّي بحياته في سبيل هذه الرسالة، صحيح أن عشر سنوات بعمر الزمن قليل، ولكن إذا أخضعنا التجربة إلى الباطن فإنها كثير جداً.
أحمد علي الزين: عقد يديه وراء ظهره وتدحرج كيبيس العشب عبر الخلاء، عقد يديه وراء ظهره دون أن يدري أن هذا الفعل ما هو إلا تميمة من تمائم كثيرة ورثها عن الأب لا بد أن يستعين بها كل من قرر أن يقهر في مسيره الصحراء، وتدحرج طويلاً
rwayda
08-Aug-2008, 03:13 AM
أحمد علي الزين: يذهب إلى الواحة لفك لغة العرب فيزداد شقاء وحملاً ويقيناً بضرورة الوصول ويراكم في سعيه معرفته، شق سراب عمره الأولي في متاهات صحرائه الأبدية قطعها ساهماً نحو صقيع الشمال، الثلج مرادف للرمي والماء مرادف للسراب والفقدان، البحث عن التبر شقاء، والشقاء الأكبر العثور عليه والسعي إلى الحرية مشقة مضنية والحصول عليها ربما أكثر مرارة، وربما أيضاً سأل إبراهيم نفسه: من أنا في عيش النقيض وحزن جليل يصيب عقله؟ من أنا في هذه الصحراء الإنسانية الممتدة من صحراء الأولى من جدة الصحراء الكبرى إلى أقصى صقيع الشمال وأعلى قمم في الألب السويسري؟ من أنا؟ من أنا هذا الشقي الملوّح بشمس الطفولة المشظّاة في الرمل المشتعل هناك؟ تلك المهاجرة في الجنوب الأسطوري هناك حيث خلق السؤال الكبير الأنبياء والشعراء والعرافين والمهاجرين، هناك حيث طفولتي كيمياء التكوين في شطحة من شطحات تجلّي الخالق، كل ذلك افتكرت به وتخيّلت إبراهيم الكوني ابن السنوات العشر يجري خلف ظلّه في الخلاء الأكثر خلاء وفي المكان الأكثر قسوة حيث يتعادل العدم والروح، الماء والسراب، الممكن والمستحيل، الأمل والألم
مسكون بالبحث عن الحقيقة
المحطة الأولى بعد الصحراء هي كانت كما تسميها الواحة، حيث تعلمت اللغة الأولى بعد لغة الطوارق وهي العربية، وتابعت تعلم اللغات يعني أنت تجيد ست لغات على ما أعتقد، وأيضاً ذهبت برحلات في الأديان ودرست الأديان وتاريخ الحضارات وتعمقت في ذلك، ماذا كنت تريد أن تعزّز في وعيك وفي نفسك؟ عما كنت تبحث؟
إبراهيم الكوني: عما يبحث عنه الجميع، عن الحقيقة، ليس هناك رحلة أنبل من رحلة البحث عن الحقيقة.
أحمد علي الزين: والحقيقة تكتشفها في الآخر في لغة الآخر حيناً؟
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، الحقيقة موجودة في كل شيء، ولكن الإنسان لا يقنع بحقيقة أصغر، الإنسان يسعى للحقيقة المطلقة.
أحمد علي الزين: وأنت كما قلت يعني انطلاقاً من أنك ترى العالم يعني هو شبه صحراء حتى لو كان يتألّق يعني بأشكال أخرى مختلفة، هذا نتيجة إحساسك بالعدمية المطلقة لهذا العالم يعني؟
إبراهيم الكوني: يقيناً باطل أباطيل وقبض الريح، يعني يجب أن كما يقول القديس بولس مرة أخرى: نحن غير ناظرين للأشياء التي تُرى ولكن الأشياء التي لا تُرى، لأن الأشياء التي تُرى وقتية، أما الأشياء التي لا تُرى فأبدية، الصحراء هي الرديف أو القرين للأبدية دائماً، ومحنة التعبير عن الأبدية هي محنة التعبير عن الصحراء، لذا صعبة الكتابة عن الصحراء لأنها العدم، لأنها الكتابة عن العدم، ولكن العدم الذي يبدع الظاهرة وليس العدم الذي ينفي الوجود.
أحمد علي الزين: يعني هذا الحنين الذي نستشفّه في كتاباتك هو حنين للأبدية؟
إبراهيم الكوني: بالتأكيد حنين ميتافيزيقي، حنين، حنين موجود في روح كل إنسان، حنين موجود في روح كل إنسان.
أحمد علي الزين: حتى يشعر القارئ أحياناً أن هناك أو يقع في حنين من خلال القراءة إلى شيء غامض ومجهول، هل أنت يعني تشعر بهذا الشيء؟
إبراهيم الكوني: أكيد.
أحمد علي الزين: لديك الحنين إلى شيء غامض؟
إبراهيم الكوني: يقين.. يقين.
أحمد علي الزين: وما هو هذا الشيء الغامض؟
إبراهيم الكوني: الله
التكرار حق لم أستخدمه حتى الآن
أحمد علي الزين: منذ خروجه الأول من صحرائه نحو الواحة التي تعددت في رحلاته الجغرافية وأصبحت واحات معرفية متنوعة بدأ إبراهيم الكوني الرحلة المعاكسة رحلة الحنين، الحنين إلى ذلك المجهول الغامض والأبدي وتجلّت هذه الرحلة في ستين كتاباً رواية وقصة موضوعه واحد لكنه شاسع وأبدي: الصحراء، الصحراء بمعناها الوجودي والإنساني والأسطوري، ستون صحراء، ستون رؤية، ستون حكاية، حكاية الحكايات اللامتناهية التي توالت تيهاً وشجناً ولحناً سماوياً يحض على المضيّ في العبور الكبير نحو الحقيقة، وهكذا كان يفيض الكوني يفيض كتابة منذ عام 1974 وبنفَس كأنه واحد متواصل يجري خلف شخصياته في عرائها الكامل ومتاهاتها يؤسطر اليومي البعيد ويحاكي الأسطورة الأولى بخروجه من الهامش الحياتي الأرضي إلى متن التأمّل، وعبر هذه المسافات الأرضية والروحية مرّ بأقوام وبشر ورؤى دوّن لبعضها في ملاحمه في رباعية الخسوف مثلاً أو الطوفان والمجوس والسحرة والناموس لكأنه يسرّ لخلانه بأمره ويسرّ للقارئ بما فعلته به صحراؤه الكبرى التي حملته لسنوات عشر، لكي يحملها مدى الزمان منفذاً وصاياها في متاهاته الروحية.
طيب أستاذ إبراهيم يعني هناك من يقول من النقاد أن الموضوع الواحد عندما يتكرر في أكثر من عمل ربما يخسّر المبدع بعض التجليات الإبداعية، ويعني يوقعه في التكرار وفي إعادة صياغة الأشياء بنفَس آخر، يعني كيف تدافع عن نفسك أمام هذا القول؟
إبراهيم الكوني: هذا قول باطل، هذا قول ربما شائعة أطلقها أحد الذين لا يقرؤون وصدّقها النقاد الذين لا يقرؤون أيضاً فكرروها، لكن الحقيقة غير ذلك تماماً، أنا أكرّر النماذج وليس الأشخاص في أعمالي، عندما أقول العرّاف فهوية.. يجب أن نعرف هوية العراف في أعمالي، هوية العراف هو رجل الدين في العهد القديم، هذا لا بد أن يتكرّر في الصحراء، لا بد أن يتكرر في كل رواية، عندما أقول الزعيم فلا أعني به زعيماً محدداً هذه رسالة، هذه وظيفة، الزعيم حاملٌ للواء السلطة، الزعيم هو مثال روحي لدى الجماعة البشرية الصحراوية بالذات، لذا لا بد أن يتكرر في كل عمل، عندما أقول الدرويش فهو النموذج الزهدي الذي يراه الناس أبلهاً لأنه يحمل في وجدانه الحقيقة، لذا لا بد أن يتكرر بشكل أو بآخر، ثم أنه من حقي أيضاً أن أكرّر الأشخاص لست أنا أو غيري من ابتدع هذا الأسلوب، بل ذاك في الكوميديا البشرية يكرر، شخصياتهم كلها مكررة ثم لماذا نذهب بعيداً؟ لنعد إلى أول روائي في التاريخ هوميروس، الإلياذة، كان هناك شخصية ثانوية في الإلياذة هي يوليسيس أو دوسيمس انقلب إلى بطل في ملحمته الثانية الأدويسا، لماذا؟ لأن هوميروس كان في حاجة إلى نموذج يحمل معنى الاغتراب لأن قضية الاغتراب في حرب طروادة قضية رئيسية، لذا التقط نموذج أوديسيس أو يوليسيس ملك إتاكا ليبثهم هذا الشجن مسألة الاغتراب، وهي مسألة الاغتراب للإنسان كله نحن غرباء بالجسد قريبون من رب الروح كما يقول القديس بولس، لذا كان من الضروري أن يضيف له عشر سنوات أخرى ثم يرميها في البحر وفي الأهوال قبل أن يصل قبل أن يبلغ شطآن إتاكا، إذن هذه تقنية، هذه ضرورة أملاها العمل..
rwayda
08-Aug-2008, 03:13 AM
حمد علي الزين: بتقديرك تكرار الشخصيات هو مش ضرب من ضروب البحث عن الذات أيضاً بمعنى أن هذه الشخصية تتكرر هي فيها شيء..
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، غنية أكثر، أكثر ثراءً، وأكثر غنى ويحبها الكاتب أكثر بكل..
أحمد علي الزين: لأنها بتشبهه.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد ويحمّلها رموزه هو..
أحمد علي الزين: لأجل ذلك يكررها دائماً.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، ثم يقال ثم وهذه حقيقة أخرى وهي أن المبدع في واقع الأمر حتى لو كتب مائة رواية يكتب رواية واحدة من زوايا مختلفة..
أحمد علي الزين: يكتب رواية ثم ينوّع عليها في روايات أخرى.
إبراهيم الكوني: بالضبط.. لذا من حقي أن أكرر برغم أنني لم أكرر، من حقي أن أكرر برغم أنني لم أفعل ذلك حتى الآن.
أحمد علي الزين: طيب ليش اخترت الأسطورة دائماً والأبعاد المثيولوجية اخترت ذلك المكان الخلاء متل ما ذكرنا طبعاً..
إبراهيم الكوني: الصحراء فضاء مفتوح، الصحراء روح عارية، وللروح العارية قوانين أخرى غير الروح المستترة في الجسد أو في الطبيعة، لذا لا بد أن تكون هناك تقنية خاصة باستنطاق هذا المبدأ مبدأ الروح العارية والأسطورة تهبّ هنا لي كنجدة، الأسطورة ضرورة بالنسبة لمن يحاول أن يعبر على المدى الصحراوي، لأن ما هي الصحراء؟ الصحراء طبيعة تعرت، الصحراء طبيعة بادت وتحوّلت إلى روح، إذا اعترفنا بأن الطبيعة عندما تغترب عن نفسها تتحول إلى روح والروح عندما تغترب عن نفسها تتحوّل إلى طبيعة، فإن الصحراء هي الرديف الشرعي والحقيقي ليبدأ الروح ليبدأ الخلود الذي نبحث عنه في الميتافيزيقا، نبحث عنه فيما وراء، وهو أمامنا كل ما علينا استنطاقه أو إتقان استنطاقه.
أحمد علي الزين: مالت الشمس إلى المغيب وكان عليه أن يحدد سبيل الخروج قبل حلول الغروب، تفقد العراء فوجده ينطلق إلى جهات الدنيا الأربع، ينطلق إلى الأبد صارماً لا مبالياً يستثير اليأس، استولى عليه وهَن شديد مفاجئ فركع أرضاً، وغمره إحساس غريب بأنه وحيد ومهجور، في تلك اللحظة وقع بصره على أثر وقد سمع العقلاء مرة يرددون وصية تقول: إن سلالة الصحراء لم تكن لتنجو من التيه يوماً لو لم يدبّر الخفاء الأثر ليكن لهذه الملة الشقية دليلاً
rwayda
08-Aug-2008, 09:22 PM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:q20fpQLtEe2myM:http://www.imbh.net/cms/photo/1123133103
الروائي صنع الله إبراهيم:مصر مقبلةعلي ثورة تلتهم الأخضر واليابس
* روايتك الأحدث «تلصص» تلعب في منطقة المقاربات التاريخية انطلاقاً من حرب ١٩٤٨، فعلي أي نحو جاءت هذه المقاربات، وإلي أي حد اقتربت من تفاصيل اللحظة السياسية الراهنة؟
- رغم أن أحداث هذه الرواية تعود إلي ذلك التاريخ حيث زخم أحداث عام ١٩٤٨ فإنني اكتشفت أن أحداث تلك الفترة تتشابه إلي حد كبير مع عصرنا الحالي، حيث تداعي النظام، وتراجع الحياة، وقديماً وصل الناس لحد مهاجمة النظام الملكي، فخرجت في المظاهرات وهي تهتف «أين الكساء ياملك النساء؟» مثلما هتفت حينما طلق الملك فاروق الملكة فريدة وهي تقول «خرجت من بيت الدعارة.. لبيت الطهارة».
وكانت هناك حالة من السخط العام، وكان هناك بلاء شديد، وأيضاً أثرياء حرب ومظاهرات واعتصامات لرجال البوليس وللعاملين في التمريض، وأضرب العمال، وكان هناك في المقابل صعود لدولة إسرائيل، وكنا مضحكة للأمم بعد أن أضعنا فلسطين، وإذا بي أقف علي هذا التشابه بين تلك اللحظة ولحظتنا هذه، إذ نشهد بداية التدخلات الأجنبية وسيطرة النفوذ الأجنبي ووصايته علينا، ولنشهد ضرب الصناعة المصرية، وملاحقة الشيوعيين، ومحاولات الاغتيال.. ولذلك فإنني أقول ما أشبه الليلة بالبارحة.
* وهل بسبب اعتماد الرواية علي هذه المقاربة جعلت بطلها طفلاً ورجلاً طاعناً في السن وكأنك تقيم حواراً بين الماضي العربي المصري وحاضره؟
- نعم.. وهو في مقدمة الرواية أما خلفيتها فهي أحداث عام ١٩٤٨، وهاتان المرحلتان كانتا بغرض تحقيق هذا الحوار بين زمنين، ورغم بعدهما فإنهما متشابهتان في نقاط كثيرة.
* مرت علي تجربة اعتقالك فترة طويلة جداً، فلماذا كتبتها الآن، ولماذا لم تصدر «يوميات الواحات» قبل ذلك بعشر سنوات أو أكثر مثلاً؟
- أما لماذا الآن فليست هناك أسباب محددة، ولكنني عادة ما أمر بحالة صعبة عقب انتهائي من أي عمل روائي، وكنت قد فرغت من رواية «أمريكانلي»، وقد اعتدت أن أدخل في عمل جديد فور انتهائي من عمل ما، هروباً من هذه الحالة، التي هي أقرب إلي الاكتئاب.
* ولكن «يوميات الواحات» عمل ثقيل ومرهق في كتابته، بل من شأنه أن يعمق حالة الاكتئاب، إذ يستعيد حالات تعذيب.. وامتهان، واسمح لي أن أقول إن هذا العمل لا يمكن أن يكون نتاج المصادفة، خاصة أنه يتحدث عن سنوات الاعتقال ومرحلة التكوين لوعيك؟
- لا والله.. بل لعبت المصادفة دوراً، فلقد طلب مني رئيس تحرير مجلة «الهلال» الأسبق كتابة شيء عن سنوات التكوين، وهو باب كان قد استحدثه هو في المجلة، فبدأت أكتب عن هذه السنوات، فلما وجدت الخواطر تتداعي بسهولة، وأن الذكريات تتدفق وجدتها فرصة لأحول الفكرة إلي مشروع أكبر، خصوصاً في هذه المرحلة من العمر، وكأنني قصدت أن أكتب شهادتي الخاصة علي فترة من الزخم عشتها، كما وجدتها فرصة لأوثق لتجربتي مع الكتابة
* هذا استدعي منك بالضرورة، أن تعيد الحياة لمذكراتك في المعتقل، والتي كتبتها علي ورق «البفرة»؟
- نعم، أخرجت هذا الورق، وأضفت إليه بعض الأشياء، وألغيت أخري، وشعرت بأنه من الممكن نشرها بعد معالجتها باعتبارها وثيقة قد تكون مفيدة أو مهمة لفترة ما من الفترات.
* أشعر بعدما قمت به من معالجات أنها لم تعد تقتصر علي كونها يوميات وإنما اشتملت أيضاً علي سؤال الإبداع؟
- نعم لم تكن يوميات تسجيلية للحياة اليومية بقدر ما كانت أيضاً رصداً وتأملاً لرحلة التكوين وتشكيل الوعي، كما كانت رحلة للبحث عن أشكال وأطر مغايرة للكتابة وفنياتها.
* في هذه اليوميات وجدنا حضوراً ملحوظاً لوالدك، فإلي أي حد لعب دوراً في هذا التكوين المعرفي؟
قل) فكان لا يتلقي الأشياء باعتبارها مسلمات، فلم يكن ضد التفكير حتي وإن صاحب هذا التفكير شطحات.
* مثلما أخذت منك سنوات الاعتقال، فقد أعطتك أشياء وهذه الأشياء جميعها كان متعلقاً بمسارك الإبداعي، ونكاد نقول إن تشكلك المعرفي تدين به لسنوات الاعتقال؟
- من الناحية الفكرية، كنت قد ارتبطت بالحركة الديمقراطية للتحرر «حدتو» وكان انتمائي يحركه حماس الشباب دون تدبر في الأفكار النظرية والفلسفية، وقد ساعدتني فترة السجن علي التعمق في هذا الجانب حيث التفكير ملازم للقراءة، مما أكسب قناعاتي قوة، أما الجانب الآخر لتجربة المعتقل فهو الاحتكاك بالآخرين حيث المئات من أساتذة الجامعة والصحفيين والعمال والفلاحين، وعلي قدر هذا التنوع كان التميز وكانت معانقة الحياة وفهمها، فكل هذه الطوائف تشكل في مجملها أطياف الحياة، ولعل احتكاكي اللصيق بهذه الأنماط الإنسانية قد أعطي عمقاً لفهمي للشخصية الإنسانية، أيضاً علمتني سنوات المعتقل الاعتماد علي النفس، وكيف أقوم بالغسيل وإعداد الطعام، وهذه طقوس حياتية يومية تعاملت معها متضرراً في البداية، لكنها ظلت ملازمة لي حتي الآن، حتي أنني أجد متعة في دخول المطبخ والقيام بأعمال النظافة فيه، وأجد فيها امتصاصاً لشحنات عصبية فائضة.
* هناك أبطال في أعمالك، نجد ملامحها مجتمعة بمثابة تجميع لملامحك الشخصية والمعرفية مثل (رمزي بطرس) و(شكري) في «أمريكانلي» إلي أي حد يصح هذا التصور؟
- هذا أمر طبيعي وأنت حينما تختلق شخصية ما أو تكتب عن حدث معين فإنك تجد نفسك مستعيناً بتجاربك وبخبراتك الشخصية، ولابد من وجود ظلال لشخصيتك أو لبعض من ملامحك في الأعمال التي تكتبها، وهذا متحقق لدي سائر الكتاب، فروائي مثل إبراهيم عبدالمجيد حينما يكتب عن صيد اليمام لابد وأن يكون قد مر بالتجربة، وبهاء طاهر حينما يكون قد أمضي فترة طويلة من حياته في جنيف فلابد أن تتسرب تجربة الغربة لكتاباته، ولكن وجود هذه الظلال لا يأتي علي نحو مباشر لأننا لا نكتب سيراً ذاتية وإنما روايات
rwayda
08-Aug-2008, 09:23 PM
* هناك أكثر من سؤال حول «وردة» هل نعتبرها تجسيداً لفكرة الصراع علي السلطة، أم هي استثمار روائي للهامشي والدرامي في التاريخ، أم أنها حوار متصل بين الحاضر والماضي، أم هي مراجعة للثورة العربية في عمان؟
- هي كل ذلك، وأحد جوانبها هو تجلِّ لتاريخ حركة القوميين العرب، كما أنها تجسيد لفكرة التحول السياسي لدي بعض الناس، من التعصب القومي إلي الماركسية والناصرية، أما الجانب الثالث في الموضوع، فيمكن اعتبار «وردة» أيضاً قراءة لهذه الفترة، لكنها ليست مجرد تأريخ، فلقد كنت واعياً لإمكانية أن تستفيد القوي الوطنية في المستقبل من مثل هذه التجربة، وكانت مشكلة الحركة القومية في (ظفار) هي وجود نوع من التعصب أو التقلب بين التيارات السياسية، كما يمكن اعتبار «وردة» نموذجاً دالاً علي عواقب التضارب والتناحر بين التيارات.
* بناء علي هذا يمكن اعتبارها قصة ثورة في محك المراجعة.. نهاية من تكون وردة هل هي رمز للثورة؟
- هي قصة شخصية متخيلة، لكنها حقيقية أيضاً وفق المعايير والمقتضيات والمعطيات الروائية، ومنذ أسابيع ماتت في البحرين شخصية نسائية معروفة اسمها «ليلي فخرو» وقد تصور كثيرون أنها «وردة»، لكنها كانت في الحركة، وكان لها اسم في حركة القوميين وهو «هدي» وقد لعبت دوراً مهماً، إنما فيما يتعلق بـ«وردة» فهي شخصية متخيلة أي روائية، لكنها قائمة علي أساس واقعي.
* لفت انتباهي توصيفك للعمل الروائي بأنه كذبة.. ونريد أن نعرف كيف؟
- العمل الروائي «كذبة» لكنه ليس «كذبة» أيضاً، ففي الرواية تقول أشياء لم تحدث، لكنها تعبر بشكل دقيق وأمين ومركز عما يحدث أو عما حدث، فالرواية رديف للواقع، رديف قابل للتصديق، لأنه يستقي مادته من الواقع.
* رغم الضغوط اليومية التي يقع المصريون تحت وطأتها، ورغم التوصيف المخيف والمحبط والقاتم للحالة التي تعيشها مصر، والتي ذكرت تفاصيلها في بيان رفضك لجائزة الرواية عام ٢٠٠٣ فإن هذا الشعب يبدو كأنه مسلوب الإرادة وافتقد آليات الاعتراض، فما الذي حدث للمصريين، فلا النظام يتغير ولا الشعب يعترض، نريد أن نفهم ما الذي طرأ علي جينات المصريين؟
- اسمع.. سيبك من حكاية النظام دي.. فالنظام لايبالي، فقد مر عليه ٢٦ عاماً، وهو وقت كاف لتحجره لا لتحركه، وأصبح كل ما يعنيه أن يدافع عن بقائه ووجوده وهذا كل ما يهمه وليس الشعب.
* بتأمل مضمون عنوان روايتك «أمريكانلي» يحتمل معنيين أن الكلمة جاءت علي وزن «عثمانلي» وهي إمبراطورية سطعت وتألقت ثم خبت.. وطالها الانحطاط، وبتفكيك العنوان كالآتي «أمري - كان - لي» نجد المعني ينطوي علي فقدان استقلاليتنا.. وانخراطنا في التبعية، أما المضمون فهو يمضي تماماً بالتوافق مع المعنيين، فهل تشير إلي تجربة بعينها.. تحضرني مقولة ابن خلدون في مقدمته، التي تقول بأفول الإمبراطوريات الكبري بعد بلوغها الذروة؟
- نعم.. تماماً فأمريكا فرضت نفسها علي العالم، بكل الطرق، بالقوة تارة وبالأكاذيب تارة أخري، وبلعبة المصالح تارة ثالثة، وبالشعارات تارة رابعة، وأتفق معك فيما ذهبت أنت إليه في الاستشهاد بمقولة ابن خلدون حيث لكل إمبراطورية مداها التاريخي الذي تبلغ ذروته ثم تبدأ في التراجع والأفول، ويمكن أن تصل البشرية أيضاً إلي نقطة عدم وجود أي إمبراطوريات، ولعل أمريكا ستكون آخر هذه الإمبراطوريات، ولكن سيبقي منطق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة بين الأمم
* في حيثيات حصولك علي جائزة مؤسسة ابن رشد في ألمانيا، وردت عبارة تقول: «إن هذا الكاتب الوطني دأب علي مهاجمة أنظمة الاستبداد في العالم العربي» وقد بدا الأمر، أن حصولك علي هذه الجائزة جاء لمجرد أنك تهاجم هذه الأنظمة لا لأنك روائي متفرد أيضاً وصاحب مشروع روائي؟
- «ماتبالغش قوي كده..» إنما كانت هذه عبارة بين عبارات وأسباب أخري في حيثيات حصولي علي الجائزة، وإنما أراد مانحو هذه الجائزة أن يقولوا إنني كاتب صاحب موقف، وأن هذا ملمح من بين ملامح أخري تميز مشروعي الروائي، والدليل أن هناك كتاب آخرين حصلوا علي الجائزة ذاتها دون مبررات سياسية، وإنما هناك مبررات أخري لحصولنا جميعاً علي هذه الجائزة، ومنها أن أدبنا لصيق جداً بالهم الإنساني المعاصر.
* للدكتور يوسف إدريس وقفة مهمة معك في أول مسيرتك الإبداعية، لنتوقف عندها لنعرف كيف تعامل يوسف إدريس مع جيلك؟
- أولاً، جيلنا كان مهتماً جداً بالمشروع القصصي ليوسف إدريس، حيث كان يمثل لنا تجربة جديدة تماماً تجاوزت كل الأطر والأشكال القصصية المتعارف عليها، وقد جاوزت تجربته كل الأنماط التي كانت سائدة قبل تجربته، حتي أننا كنا نتلقف جريدة «المصري» كل صباح لنقرأ قصته فيها، إذ كان يمثل لنا تجربة جديدة كسرت كل «التابوهات» الفنية وقدم قصصاً حية وبسيطة وكاوية ومتقاطعة مع الحياة، وقد سعينا للتعرف عليه، وقامت بينه وبين جيلنا علاقة قوية وطويلة الأمد، وكنا نطلعه علي أعمالنا، وفيما يتعلق بوقفته معي التي تسأل عنها، فكنت قد أطلعته علي مجموعة من قصصي القصيرة فرحب بها، وكان بين هذه القصص قصتان أو ثلاثة عن شخصية أحاول تجسيدها قصصياً اسمها «خليل بيه» فرحب بها جداً، كما كانت له وقفة مهمة أخري معي، إذ كتب لي مقدمة «تلك الرائحة» وفي السياق أعرب عن إعجابه بشخصية «خليل بيه».
* المدهش في الموضوع، أنه بعد مرور أربعين عاماً علي هذه المقدمة، وعلي «خليل بيه هذا» وجدناك تقوم بإحياء شخصية خليل بيه من جديد؟!
- نعم ولكنني منحتها مزيداًمن الخبرة والأبعاد وعالجتها بكثير من التعمق، ويمكنك أن تعتبرها امتداداً للشخصية القديمة، في محك ما طرأ من تحولات.
* رغم تحمس يوسف إدريس لتجربتكم فإنه عاد وتبرأ منها فيما بعد في روايته «البيضاء»؟
- رواية «البيضاء» تمت كتابتها في ظروف خاصة، فلقد كان هناك موضوع يؤرق يوسف إدريس بعد اعتقالات ١٩٥٩، وكان يعمل حينها في «الجمهورية»، ونشرها علي حلقات، كنوع من الدفاع عن النفس وكنا نقرأها في السجن ونحن متأثرون جداً وكون أن هناك رؤية سلبية للشخصية الطليعية في الرواية، فهذا حق مكفول لأي كاتب، لكنه لا يعني بالضرورة أنه انقلب علي موقفه من تجربتنا، أو حتي تجربة جيله.
* لك تجربة سينمائية وحيدة وفريدة قمت فيها بالتمثيل في فيلم من إخراج السوري محمد ملص، لماذا لم تكررها؟!
- تعرفت إلي المخرج محمد ملص حينما كان طالباً في معهد السينما في موسكو، وكنت وقتها هناك، في منحة دراسية، وطلب مني التعاون معه في مشروع التخرج فشاركت معه، في كتابة السيناريو وقمت بالتمثيل فيه وهذه التجربة أرهقتني، وشعرت أن هذا الأمر أكبر من طاقتي ولن استطيع القيام به مرة أخري.
* لم تكن الرواية هي الشيء الوحيد الذي وصفته بأنه أكذوبة، ولكنك وصفت أسامة بن لادن بنفس الوصف؟
- نعم أسامة بن لادن أكذوبة صنعتها أمريكا، وتستخدمه ككارت في الوقت الذي تحتاجه، كمبرر لممارساتها في المنطقة، كما تستخدمه كفزاعة للأنظمة العربية، للتغطية علي المخطط الأمريكي الكبير فنجد مثلاً «الجزيرة» فجأة تبث له شريطاً مجهول المصدر، وغرض أمريكا من هذا أنها تريد للعالم العربي والغربي علي السواء أن يستشعروا معها خطورة ما وصفته بالإرهاب، وأن هذا الخطر الماثل دائماً، مصدره الوحيد هو العالم العربي، للحصول علي صك موافقة عربي لاستهداف أي بلد عربي أو إسلامي.
* باعتبار أن «بن لادن» ظاهرة إسلامية، فإنه يهمنا رأيك في صعود ثمانية وثمانين من الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية لدورة ٢٠٠٥م، وما يمثله هذا الصعود من دلالات سياسية وفكرية؟
- .. «وإيه يعني لما يوصل الإخوان إلي البرلمان؟!» هذا لا يمثل مصدر خوف لي أو لغيري، وأنا مع صعودهم إذا كان هذا الوصول نتيجة اختيار شعبي حر، أنا لست ضد وصول أي تيار أو أي كيان سياسي للبرلمان أو حتي للسلطة مادام هذا كان نتيجة اختيار شعبي حر.
* وماذا لو وصلوا للسلطة، وخرج من بينهم وزير للثقافة وآخر للإعلام وثالث للسياحة ألن يجعل هذا سقف الحريات أكثر انخفاضاً؟
- هل تعتقد أنت أن مصر وشعبها سيتقبلون هذا؟ أليس من الممكن أو المحتمل أن تحدث جماهيرية الإخوان تغييراً في منهجهم وفكرهم؟ ولذلك فإننا نطالب دائماً أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية لأن وجودها سيتيح المجال لأطياف سياسية أخري، لكن من اختاروا الإخوان قد اختاروهم لأنه لم تكن هناك خيارات أخري أمامهم إما الاستبداد أو الإخوان فاختاروا الإخوان لأنهم لا يصدقون النظام.
* وصفت مصر في أحد أحاديثك بأنها بلد مستعمر، أي استعمار تعني والذين يحكمونها مصريون أبناء مصريين؟
- إنهم يحكمونها منذ ربع قرن، وهذا أحد أشكال الاستبداد، وهناك صور أخري للاستبداد، تتمثل في قواعد ممنوحة، واتفاقيات وتنازلات لا نعلم عنها شيئاً، وظاهر الأمر أن هناك تورطاً مصرياً مع أمريكا في ممارساتها العدوانية، هذا فضلاً عن السيطرة الاقتصادية عليها، من خلال المعونات المشروطة بالإذعان السياسي والمشروطة بدورة مالٍ مفادها أنه لا يتم شراء أي سلع بأموال المعونة إلا السلع الأمريكية، وفوق هذا فإن مصر تلعب دور الوسيط الأمريكي في المنطقة.
* لفت انتباه البعض موقفك الذي بدا متناقضاً مع الأمريكيين، ففي الوقت الذي كنت تعمل فيه استاذاً زائراً بجامعة «بركلي» بالولايات المتحدة، رفضت فيه جائزة الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن الرواية؟
- أولاً الجامعة الأمريكية بالقاهرة تابعة بشكل مباشر للحكومة الأمريكية، لكن جامعة «بركلي» مستقلة، أيضاً فإن الجامعة الأمريكية في القاهرة تلعب دوراً تم التخطيط له بعناية فائقة لغرض تحقيق هيمنة الثقافة الأمريكية، فأين يكمن التناقض إذن؟!
* هل تحلم بعودة عهد عبدالناصر؟
- لم نكن في حاجة لعبدالناصر في أي وقت مثلما نحن في حاجة إليه هذه الأيام، وبالفعل فإنني أحلم بعصر مشابه، ولكن بشرط أن يخلو من الملاحقة البوليسية، وقمع الرأي المخالف، فوجود زعيم مثل عبدالناصر في هذا العصر من شأنه أن يحقق مشروع نهضة جديداً وأن يدافع عن الفقراء، وأن يحقق العدالة الاجتماعية، ويقضي علي الفساد الذي استشري بشكل مخيف، ويحقق الانضباط ويوقف التسيب والتساهل والتستر علي النهب في المؤسسات الحكومية، وأن يوقف مظاهر السَّفَهْ والإسراف، وأن يقيم الصروح الصناعية الكبري التي لا تجعلنا نمد يدنا للغير ونذعن لشروطه.
* وإلي أين ستقودنا اللحظة المصيرية الراهنة وأي مستقبل ينتظر مصر والمصريين؟
- كل عاقل في هذا البلد، يتمني أن تتجنب مصر الكارثة والحريق المهول الذي يقودنا إليه النظام الحاكم الحالي.
* ما طبيعة هذه الكارثة، وهذا الحريق؟
- ستكون في شكل تمرد أو ثورة فوضوية الطابع، وتأتي علي الأخضر واليابس وكل عاقل يتمني أن تتجنبها مصر، بأن يقبل النظام الحالي بفكرة إرساء ديمقراطية حقيقية، وتعددية حقيقية، وتداول سلطة حقيقي، وتخل عن المشهد السياسي ورفع قبضته عن خيرات البلاد ومواردها، وتصد بحسم للفساد ويعاقب المفسدين، وما لم تكن لديه رؤية استراتيجية واضحة للمستقبل و«طول ما هو رافض» لكل هذا فنحن بانتظار كارثة.
نقلا عن جريدة المصري اليوم
rwayda
08-Aug-2008, 09:29 PM
حوار قصير مع عبد الرحمن منيف http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gif
من ضمن ما قاله في الحوار:
- قال في سياسة أمريكا حالياً
.. أما فيما يخص طريقة الأمريكيين في التعامل مع موضوع المقاومة فهي تعتبر أن كل خصم وكل مناوئ لسياستها هو مرتبط بـ “القاعدة” أو محسوب عليها بنسبةٍ ما، علماً أن تكوين القاعدة هو تكوين بدائي بحيث أنها عاجزة عن أن تقوم بهذا الدور. وأنا عندي قناعة – وهي بحاجة إلى مراجعة- أن 11 أيلول هو صناعة داخلية أمريكية، أو على الأقل هُيئت لها أجواء وظروف داخلية مكنتها من أن تعبّر عن نفسها بهذا الشكل …
وقال أيضاً :
.. تماماً كما كان يحصل أيام الحرب الباردة حين كان يُعزى كل أمر إلى السوفييت وجواسيسهم، علماً أن ثمة عوامل داخلية في كل بلد هي التي تفرز هذه الظواهر وتؤدي إلى نمائها.
- ويصف الشعب العراقي
.. وأنا لم أر شعباً يهتم بالتاريخ مثل الشعب العراقي. ومما أثار اهتمامي عندما كنت في المراحل الأولى للدراسة في بغداد أن طبيعة العلاقات بين المثقفين مختلفة عما هي عليه في أماكن أُخرى، فكنت ترى في “مقهى البرازيلية” ، مثلاً، آثارياً ومؤرخاً وشاعراً يجلسون حول طاولة واحدة وينضم إليهم شخص يحب الغناء القديم فكانت تكتمل حلقة متنوعة الاهتمامات. لنقارن بسوريا, مثلاً, حيث تسود العقلية الحرفية – وهذه ملاحظات بحاجة لمراجعة- التي تحرص على التفوق في أسرار الصنعة وعدم البوح بها، بينما تجد في العراق أن هناك فخراً بتملك أسرار الصنعة ومحاولة إشراك الآخر بها والانخراط في مناقشة معه.
- ومما قال عن دور مثقفي اليوم
أصبح المثقف جزءاً من وامتداداً للحزب السياسي، خاصة عندما أمسك الحزب بزمام السلطة وعمل على لجم المثقف. فولاء المثقف للحزب السياسي وتمثيله لهذا الحزب حوّله بالتدريج إلى شخص فاقد لحريته الفكرية وللدور المنوط به من قبل المجتمع، مقابل زيادة في الكم الإعلامي في ممارساته. فالحزب السياسي كان، في الدرجة الأولى، بحاجة لإعلاميين أكثر مما هو بحاجة إلى منظّرين لأنه يعتبر الزعيم السياسي هو المنظّر الأكفأ والمفترض أن يكون الوحيد. وقد أصبح قادة الأحزاب السياسية هم الذين يمارسون التنظير وتبرير المواقف السياسية وتقديم القراءات في مرحلة معينة فيما أصبح مطلوباً من المثقف أن يقتصر على الدور الإعلامي مبرراً ومفسراً لما يريده السياسي. واستمر الوضع إلى أن تكشّفت الأحزاب السياسية عن قدر كبير من الخواء ولم تعد قادرة على ملء هذا الفراغ عبر طروحات جدّية ومعرفة حقيقية بتكوين المجتمع وبعناصره المتداخلة، مما أدى أيضاً إلى فكرة انحسار بين عدد من المثقفين والأحزاب السياسية ..
وقال أيضاً:
.. وبدأ يترسخ وهم جديد لدى المثقف معتقداً أنه هو البديل عن الحزب السياسي وبدأ يطالب بدور اكبر وبنوع من الاستقلالية الكاملة وحتى بمشروعية المعارضة والتصدي للأحزاب السياسية ..
فسأله المحاور :
ففُتحت لهم أبواب السجون العربية كلها !
فأجاب
طبيعي، هذا عامل مهم جداً، لكن أيضاً الدور الذي كان مطلوباً من المثقف أن يكون إعلامياً بانت ضحالته وعدم فائدته. فترى مثلاً أن الحزب الشيوعي غادره كم كبير من المثقفين أو على الأقل شكلوا خطاً موازياً ، يعني ليسوا في خط التنظيم والفعالية اليومية. وكذلك حزب البعث وأحزاب دينية. فالحالة الراهنة هي حالة ملتبسة ومطلوب البحث عن معادلة من نوع جديد تؤسس لعلاقة جديدة بين المثقفين والقوى والأحزاب السياسية. إذ لا يمكن للمثقف أن يحل مكان الحزب السياسي كما أنه لا يمكن للحزبي السياسي الإستغناء عن المثقف وعن دوره في التنظير وفي الكشف وفي ربط الأحداث والمواقف والقضايا
وأضاف :
.. فدور المثقف ليس بديلاً عن العمل السياسي وإنما يفترض أن يكون جزءاً منه ..
وعن الرواية العربية قال :
.. مع الأسف يحدث أحياناً أن بعض الروايات تُكتب لأجل إظهار البراعة ومتعة اللعب اللغوي والشكلي عبر تقليد مباشر لبعض الإتجاهات الغربية. أو أن تُغرق روايات أُخرى في لعبة الغرابة من أجل إدهاش القارئ الغربي وكي تُترجم الرواية إلى لغات أوروبية، فبعضهم يكتب وعينه على المترجم وبالتالي ترى أنه حتى الصداقات بين الروائيين والمترجمين أصبحت مشبوهة.
وأضاف :
أنا شخصياً إن قُطع رأسي يستحيل أن أكتب رواية عن صدام حسين. كما لا أحب أن أكون بذوقين وأن أكتب لأنال إعجاب الآخر ورضاه. ولم يكن بذهني إطلاقاً عندما كتبت مُدن الملح (http://www.amazon.com/gp/product/039475526X/qid=1151160541/sr=1-1/ref=sr_1_1/102-3380574-8171323?s=books&v=glance&n=283155) أن هذه الرواية ستُترجم لأنها في منتهى الصعوبة. ولو كان ذلك في ذهني لكنت يسرت المهمة على المترجم.
rwayda
08-Aug-2008, 09:32 PM
بعض الأدب يصيب القارىء بمرض "السكّري" لفرط حلاوته
لم نزل نخلط بين الحياء والجبن في العالم العربي
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:3IiTJzTkU5sp0M:http://www.kikah.com/data/kikaharabic/live/k2/2007-07-19/220_files/image004.jpg
جاءت ولادتك الأولى من رحم الكلمة إلى عالم الشعر. إذ شرعتَ في كتابة القصائد، وصدر ديوانك الأول عام 1972. لكنك سرعان ما كرّست نفسك للرواية، مع بعض العودات القصيرة الى الشعر. لم هذا التحوّل؟ صحيح أن نصوصي الأولى قصائد، لا بل إن تعبيري الأثير هو الشعر، ولكن هل أنا شاعر؟ ليس لي الحكم في ذلك. فالشعر ليس مهنة، إنه حالة، ونعمة نادرا ما تحلّ. الشعر لا يُدعى، لا يُنادى، لا يُكتب على الطلب. إنه يأتي من تلقاء عنفه وجنونه وصفائه. يجتاحنا. تولد فجأة في داخلنا حاجة ملحة وطارئة الى كتابته. لا يسعنا الرفض. وأحياناً كثيرة يمتنع عن القدوم مهما توسّلناه. ولهذا السبب ثمة عدد قليل جدا من الشعراء الكبار. أما الرواية فلا تتبع هذه الشروط. الرواية تحكي قصّة، قصّة يمكننا أن نخترع فيها أن نهلوس أن نتخذ القرارات أن نحيد عن الدرب. مع الشعر لا قرارات: إنه صاحب القرار الوحيد، وهو متطلب ودقيق جدا، أكاد أقول ماتيماتيكي في تشدّده. فضلا عن ذلك، إن العصر الذي نعيش فيه لا يحبّ الشعر، بل يؤلّه البضاعة، المنتج التجاري، أكان هذا المنتج شيئا أم إنسانا أم جسد امرأة ام نجومية ما. نعيش في عالم لا يفسح مكانا سوى للسلعة، والشعر هو المفهوم المضاد للسلعة بامتياز. إنه خلاصة المجانية.
* إذا الرواية في رأيك هي أكثر اقترابا من مفهوم "البضاعة"؟
لا، لم أعن ذلك، لكنّ الرواية ترافق العصر، هي مرآته، أي أنها أكثر قدرة على احتمال بشاعته. أما الشعر فقدره أن يقلب العالم رأسا على عقب، على غرار ما فعله السورياليون في العشرينات مثلا، عندما تمردوا على عصر صار خلوا من الدهشة والمفاجآت والخلق، فحرّروه وأنقذوه بشعر صاعق غير منتظر. الآن لا ارى الكثير من الشعراء الجدد الذين يبرزون ويحرّرون، لا في العالم العربي ولا في الغربي. أكرر، نحن نعيش في عالم بلا شعر، وأسفنا الكبير هو أن كبار الشعراء المعاصرين، على غرار ايمي سيزير، محمود درويش، إيف بونفوا، وسواهم، ليسوا على تناغم مع زمنهم. يقام مثلا في فرنسا الكثير من مهرجانات الشعر، وأنا أحرص على متابعتها لكي أرصد تطوّر الأمور. لكن ما أراه غالبا هو مغنّ يكتب ثلاثة أسطر ويعتبر نفسه "شاعرا". إنها مهزلة. ليس ذلك تصوّري للشعر على الاطلاق. بل ينبغي على هذا أن يكون عصيّا على اللوم، ساطعا ماحقا نقيّا لا عيب فيه. عالمنا محكوم بالبراغماتية والفردانية والعنف، هو ليس عالم هدوء وتأمل وتفكير. وافضل دليل على ذلك سلوك الولايات المتحدة الاميركية خلال الأعوام الأخيرة، فهذا السلوك يشكل "نموذجا" للعالم أجمع، إنه يرسم المسار العام: اي عدم احترام القوانين، وسيادة منطق القوة والعنف على الحق، وتقديم المصالح الخاصة، وتأليه منطق التجارة. ربما سيشهد العالم بعد كل هذه الكوارث ولادة شعر جديد. لا أعرف، ولكن حان وقت اتخاذ موقف.
في الحديث عن المواقف، انت مثقف ملتزم، تعبر باستمرار عن وجهات نظرك في مشكلات العالم، وتردد أن الكاتب يجب ان "يغرز قدميه اكثر في المجتمع المدني". لكنك تقول ايضا ان "الفن يدرك جماله الاقصى عندما يكون بلا جدوى"، وتؤكد ان لا افظع من الروايات الاجتماعية او النفسية او السياسية: فكيف يوفّق الطاهر بين التزام الكاتب ولا جدوى الكتابة؟
انا ملتزم مجتمعي كمواطن وإنسان. أما الكاتب فيّ فملتزم أدبه وكتابته ولامجانية هذين الأدب والكتابة بالذات. يجب أن نجتنب ما قام به الستالينيون في مرحلة ما، اي دعم الأدب "المناضل" وتعزيزه على حساب أدب الخلق الصافي. أعتقد أن ثمة التزاما هو خاص بالادب في ذاته، اي بمعنى التفكير في الكتابة والاخلاص لها. ينبغي ألا يمزج المرء بين فعل الكتابة وفعل الحضور في العالم. أنا ملتزم أدبي لأني أمين له، مثلما أني ملتزم مجتمعي لأني معني به، لأني رب عائلة وأقلق على مستقبل أولادي، ولا يسعني ان أكون منعزلا ومنسحبا وفي حال حياد، ولا أن ادفن رأسي في الرمل واقول: ما يحصل من حولي لا يعنيني. بل إنه يعنيني. ولا أقصد بذلك المجتمع الفرنسي فحسب، بل المغربي أيضا وخصوصا.
* فعلا، فأنتَ تعيش في فرنسا منذ نحو ثلاثين عاما، لكننا نلاحظ أن المغرب حاضر بقوة في جوهر رواياتك وفي روح اهتماماتك. هل هذا الحضور الدامغ تعبير عن انتماء مطلق لأرضك الأم ومسقط رأسك؟
هذا الحضور الدامغ، كما تقولين، سببه قوة المغرب، ولا فضل لي في صونه. إذن هو ليس تعبيرا واعيا بقدر ما هو انعكاس لسطوة بلدي عليّ وعلى خيالي ووجداني وصوتي وهذياني. فأنا أنتمي الى أرض تطبع أبناءها بقوة، أكانوا رسامين أم شعراء أم روائيين الخ... إنها بلاد تغذي دواخلنا بطريقة استثنائية ورائعة، تغذينا حقا. وواقع إقامتي بعضا من الوقت داخل المغرب يدعم هذه التغذية، فأنا أعيش الآن نصف السنة في فرنسا، والنصف الآخر في المغرب. وبسبب هذين الذهاب والعودة المستمرين يسعني أن "أرى" بلدي، أي أني ألاحظ فورا الأشياء التي تصدمني فيه وتلك التي أعشقها. أقضي الأيام الثلاث الأولى من وصولي كل مرّة في التأقلم، فالمجتمع الفرنسي "معقلن جدا"، إلى حد مغيظ ربما، وأعرف تماما ما ينتظرني فيه، على العكس تماما من المجتمع المغربي الذي لا يكف عن مفاجأتي، وعن إغاظتي أيضا على طريقته. لذلك ظللت مغربيا جدا، اي متجذرا في مجتمعي، هذا المجتمع الغني بمخيّلة رائعة. طبعا نحن نعاني مشكلات كثيرة، لكن الروائي كما تعلمين في حاجة الى المشكلات، لا الى السعادة.
* صحيح، فأنت الذي تقول إن السعادة ليست "أدبية"، كأنك تعني أن الكتابة مرادف للتعاسة... لا بدّ انك تعيس جدا، وربما عندما تصبح سعيدا ستكف عن الكتابة!
أصبح سعيدا؟ أرجوكِ، لا اتمنى لنفسي مصيرا كهذا! (يضحك). الناس السعداء مشبوهون ومثيرون للريبة. في اي حال، لا شك عندي في أن الكتاب "السعيد" ممل جدا. إنه في شكل ما الكتابة على طريقة باولو كويلو. الكتابة اللطيفة و"المهذبة". لا، ينبغي على الأدب أن يثير، أن يزعج، أن يقلق، أن يصفع. كأن نكون مثلا في السادسة عشرة من العمر ونكتشف كتابة سيلين، أو سالينجر، أو فولكنر... يا لها صدمة! أعتقد أن الاضطرابات هي التي تغذي الكتابة، والأدب الحقيقي لا يصل الا مع الاعاصير والعواصف، لا مع الهدوء المسطّح. ويُستحسن لمن ينشد الهدوء المسطّح أن يتناول حبة منوّمة. لا يمكن ان نصنع الادب بالمشاعر "الجيدة". بل من الضروري أن ندفع القارىء الى استثمار منطقه واحساسه وانفعالاته وخيالاته وعنفه. حتى ما يُسمّى "الواقع" غير موجود في الأدب. فالواقع مفهوم نسبي جدا. وكتابي الجديد، الذي سوف يصدر في شهر آذار في عنوان "الصديق الأخير"، يعالج موضوع هذه النسبية بالذات، التي قد تجعل الحياة كلها وهما كبيرا. النسبية اكتشاف يمكن أن يقلب الحياة رأسا على عقب، وقد اخترتُ تناولها تحديدا في إطار الصداقة لا الحب، لأن التوهم جزء من لعبة الحب، بينما الصداقة تجسد العلاقة بين إنسانين في كمال مجانيتها.
rwayda
08-Aug-2008, 09:33 PM
ألاحظ أنك غالبا ما تتحدث عن الصداقة، ولديك أيضا كتاب آخر عنها في عنوان "رباط الأخوّة". هل لديك اصدقاء كثر؟
( يبتسم بتهكّم ينم عن ألم). كيف يمكن أن اجيب عن سؤال كهذا؟ (صمت). لا، في الواقع لا، لقد تعرّضتُ لخيانات كثيرة على مر الوقت، وحسبي أن اصدقائي يُعَـدّون على اصابع اليد الواحدة. أتحدّث عن هذا الموضوع في كتبي لأنه مؤلم، فأنا مقتنع كما ذكرت بأن على الأدب أن ينكأ الجروح، أن يكسر حواجز المجاملة والمسايرة وأن يوجع، وإلا سيتحوّل نثراً دلعاً من شأنه أن يصيب القارىء بمرض "السكّري" لفرط حلاوته. طبعا لا يعني ذلك أن الأدب دواء أو حلّ. فالكتابة لا تحدث تغييرا. جل ما تحققه هو أنها تجعل الإنسان والعالم أكثر قابلية لـ"المعاشرة".
* ولكن عندما كتبت "العنصرية كما فسّرتها لابنتي"، ألم تكن تأمل في إحداث تغيير ما؟
إسمعي، عندما كتبتُ ذلك الكتاب، كان 15 في المئة من الفرنسيين مع لوبين. أما اليوم، وبعد خمسة أعوام، فقد ارتفعت هذه النسبة الى 22 في المئة ! (يضحك). هذا لأبرهن لكِ مدى قدرة الكتب على إحداث أي تغيير. في أي حال، إن التحوّلات لا يمكن أن تتم إلا على مستوى الأجيال الشابة، أي من طريق التربية. وهي تتحقق بتراكم الصدمات المتتالية.
* أنتَ تصدم أيضا بتناولك مواضيع محرّمة غالبا، هي على علاقة بالجسد والجنس ووضع المرأة، مما يستفز قراءك التقليديين. فكيف يتلقى القارىء العربي كتاباتك هذه؟
تصوّري أن بعض غلف كتبي "الصادمة"، على غرار غلاف كتابي الأخير "قصص حب سحرية"، تُبدَّل في المغرب! انا لستُ استفزازيا، بل أشهد على الواقع بكل بساطة. أحاول رصد الاشياء غير المرئية، أي الامور التي تُخبأ في عتمة الجوارير، تلك التي يجب كتمانها وعدم تعريضها للضوء، وأولها العلاقة الجنسية، التابو الكلاسيكي عندنا نحن العرب. إذا ما تأملنا في تصاعد موجة الاصولية في العالم العربي-الاسلامي، سنكتشف انها في الاصل مشكلة جنسية، لا دينية. فما يربك الاصوليين في شكل خاص هو المرأة والجنس، لا مسألة أداء فروض الصلاة خمس مرات في اليوم. مشكلتنا الأساسية في العالم العربي هي علاقتنا بالمرأة، وهذه العلاقة هي في رأيي المؤشّر الأصوب والأدقّ للحكم على تقدم مجتمع ما او تخلّفه. سلوكنا مع المرأة ونظرتنا إليها يحددان مدى تطورنا، ويعبّران عن مشكلات ونزاعات اخرى أكثر خطورة. نحن في العالم العربي لم نزل نخلط بين الحياء والجبن، ولن تتغيّر الأمور سريعا. القوانين قد تتغير ربما، لكن الذهنيات لن تتبعها إلا بعد وقت طويل.
* أخال ان التطور المنطقي هو العكس، أي أن يؤدي تطوّر الذهنيات الى تغيير القوانين...
صحيح، ولكن التقليد والعائلة يضغطان الى اقصى الحدود على تصرّف الإنسان في عالمنا وعلى طريقة تفكيره. إنها موروثات ثقيلة لن تتغيّر من تلقاء نفسها. ودعينا لا ننسى كذلك تأثير الدين، فالاسلام تحديدا ينعكس في شكل قوي جدا على سلوك الانسان الاجتماعي وتكوينه السيكولوجي.
* بما أنك تطرّقتَ الى السيكولوجيا، لقد قمتَ بدراسات معمّقة في علم النفس الاجتماعي: ترى هل ساعدتك هذه الدراسات في تكوين شخصياتك ونحتها، علما أنك تؤكد باستمرار أن الروح الانسانية تعصى على علم النفس؟
تلك الدراسات لم تساعدني حقا، لكن ثمة عامل مهم في هذا الاطار، هو الاعوام التي أمضيتها في الاهتمام بالامراض العقلية في احد المصحات، حيث اكتشفت كم ان الروح الانسانية متعددة الطبقة وكم يمكن الغوص بعيدا فيها. لقد أفادتني هذه التجربة كثيرا: هي طبعا لم تعلمني كيفية تفسير العلاقات الانسانية، لكنها أثرت على نحو لا واع في طريقة نظري الى الناس والى الانسانية عموما. فأنا عندما انظر، اراقب بفضول، اتخيل، أتـنبأ، أحلل، أكمن، اي انني نادرا ما ارتاح. ولهذا السبب أعاني الأرق، وعلاقتي مع الليل ليست جيدة، إذ أمضيه في التفكير وفي التحاور مع شخصياتي. احرص على الشروع في طقوس النوم باكرا، فأنا اكتب خصوصا في الصباح، واذا كانت ليلتي سيئة لا يمكنني العمل في اليوم التالي. أحرص كذلك على حماية حميميتي وخصوصياتي، فهي المسافة التي تعينني على اختراق حصون الآخرين، أي على الانقضاض عليها في شكل أفضل
rwayda
08-Aug-2008, 09:42 PM
فعلا، فأنتَ توصف دائما بالرجل الخفر، المتحفظ، الغامض، المنسحب. هل تعتقد أن الكاتب يجب أن ينعزل عما حوله، وما رأيك في ظاهرة نجومية الأدباء التي نرصدها اليوم لدى البعض، خصوصا في الغرب، بفضل آليات الاعلان والترويج والتسويق؟ هذا اللهاث وراء النجومية امر فظيع من دون شك، والكتابة هي حتما عمل انعزالي، ولكن عندما نُصدر كتابا، يتحتّم علينا أن نرافقه: ألا يرافق الأهل خطوات ابنهم الأولى؟ لا يمكننا أن نختبىء ونقول: "ها هو الكتاب ولد، وعليه أن يشق دربه بنفسه". بعض الذين يختبئون، على غرار ميلان كونديرا مثلا، إنما يخدمهم هذا الإختباء بالذات، كعامل ترويجي. أكرر، لقد أدركنا للأسف زمنا تؤدي فيه وسائل الاعلام دورا رئيسيا، زمن غزت فيه الكتب غير الأدبية رفوف المكتبات بنسبة 80 في المئة: كتب الاسفار، والشهادات، والمذكرات...الخ: إنها كتب تجتاح مساحة المكتبة وتسرق منا القرّاء: قد تقولين لي إن قارئا عاديا يدخل الى مكتبة لن يختار على الارجح كتابا لإيكو او لكونديرا، وستكونين على حق: لكنه كان ربما ليقرأ هذا الكتاب لو لم يكن أمامه كتاب آخر عن الفتاة التي عاشت تجربة الستار اكاديمي أو عن الشاب الذي هزم تماسيح أدغال الأمازون! انه اجتياح اللاأدب واللاكتب لعالمنا. لذلك علينا ان ندعم الكتاب. أن نحميه ونعينه على الصمود. حتى صديقي لو كليزيو، الذي كان مثال الكاتب "المتوحش" والمتوحّد والمنعزل، رضخ الآن وصار يجري مقابلات على الراديو والتلفزيون ويقوم بحفلات توقيع عندما يصدر كتابا جديدا. إنه وضع مؤلم ومرير لكنه الواقع. المهم ان يفعل الكاتب ذلك باحترام، محافظا على كرامته وكرامة أدبه، أي ألا يذهب الى أي مكان، ويلبي فورا أي دعوة. فالأدب مثل الحرية: إنه غير قابل للمفاوضات والتنازلات، وهو، خصوصا، لا يحتمل المساومة.
* لقد سبق أن نشرتَ كتابين يحملان طابعا اوتوبيوغرافيا، هما "الكاتب العام" و"رباط الأخوّة". هل تؤمن بنظرية أن كل رواية هي في شكل ما سيرة ذاتية؟
طبعا، فالكاتب يتغذى دائما من نفسه. مثلا، كتبتُ أخيرا رسالة الى اوجين دولاكروا أتناول فيها موضوع رحلته الى المغرب عام 1832، التي بعدما عاد منها لم يرسم سوى بلادي طوال ثلاثين عاما تقريبا. وادركت في لحظة ما أني ، إذ كنت أكتب عنه، أكتب عن مغربي أنا من خلال رسومه وحياته. ذلك لأقول إن الكاتب، حتى عندما يؤلف كتاب خيال علمي، لا يسعه أن ينسحب كليا مما يكتب. لا اؤمن بالكتابة المحض موضوعية. إننا ننهب انفسنا وحيواتنا باستمرار. لكننا نخترع أيضا، بالتأكيد، ولحسن الحظ، عالما غير موجود، ونكتب لكي نمحو في شكل ما وجوهنا. فالكاتب لا يمشي قط عاريا، ولا يسلّم نفسه للقرّاء على نحو كامل. فضلا عن اني لا أملك على ما أظن ما يكفي من التعقيدات لكي أكون أنا شخصيات كل رواياتي. تعلمتُ أن افرض مسافة بيني وبين ما أكتب، إذ يجب الا نرهق الكتاب والقارىء بصورتنا. أغرف من الحياة التي تدور من حولي أيضا، ومن الناس الذين أعرفهم وألتقيهم، ولذلك غالبا ما يتملكني الشعور بأني أسرق الآخرين عندما أكتب.
* وما المشاعر الأخرى التي تنتابك أثناء الكتابة؟
أعيش خصوصا حالا من القلق الهائل، لاني لا أنفك أخاف من ان اخيّب القراء. يتكرر الخوف والتوق نفسيهما مع كل كتاب جديد، فالكتاب الذي نشرناه هو دائما اقل أهمية من ذلك الذي نحلم بكتابته. اتخيل ردود الفعل الممكنة، يجتاحني انعدام الرضى وتتآكلني الشكوك. أخشى الضياع وفقدان صرامتي وتشددي.
* وهل يدفعك هذا الخوف من التخييب الى القيام بمساومات؟ الى المراعاة والمجاملة؟
ابدا على الاطلاق، بل على العكس من ذلك، إنه خوف يدفعني الى تجاوز نفسي وبذل كل ما اوتيت من طاقة بغية تقديم شيء ذي قيمة. أحيانا أثق بكتابتي وأحيانا لا، ولذلك أتقدّم دائما من الكلمة بتواضع وخشوع. من ناحية أخرى، لقد تقبّـلتُ واقع ان لا يمكن المرء إرضاء الجميع، وان لا مفر من وجود اشخاص لا يحبوننا، لا بل ثمة أيضا اولئك الذين ينتقدوننا عن جهل. لقد عانيت الكثير جرّاء هذا الخبث في حياتي.
* أعرف أنك واجهت مشكلات كثيرة مع كتابك "تلك العتمة الباهرة" الذي يروي قصّة أحد السجناء في سجن تازمامارت. فما قصّة هذين الكتاب والجدل؟
فعلا، عشتُ تجربة مؤلمة للغاية مع هذا الكتاب على مستويين، اولا من حيث المضمون، لأنه كتاب موجع جدا وقد كتبته وعشته بكل جوارحي، وثانيا على المستوى الشخصي، لأن السجين المعني وشقيقه خدعاني وأوقعاني في فخ بشع جدا. إذ كنتُ قد وقّعتُ مسبقا اتفاقا مع السجين حول القصّة، وأرسلت اليه المخطوطة قبل النشر، فكتب لي رسالة موافقة يصفه فيها بالرائع، ثم وقّع بدوره عقدا رسميا مع دار النشر. لكنه ما أن قبض الشيك، وبعد ما لا يزيد على خمسة عشر يوما على صدور الكتاب، سارع الى عقد مؤتمر صحافي يزعم فيه أنه لم يوافق يوما على إصداري هذا الكتاب. كان يريد على ما يبدو ان يبرىء نفسه إزاء السلطات المغربية. وهنا استولت الصحافة طبعا على القضية ووقفت ضدي، وحولتني وحشا استغلاليا، رغم كل ما أبرزته من وثائق: ففرصة الإنقضاض عليّ كانت أجمل من أن تضيع هباء. ذلك أحد أمثلة الخيانة. كل يوم نتعلم أشياء جديدة عن النفس الانسانية وعن قدرة الانسان على الطعن. ولقد رددتُ في الواقع على تلك المسألة من خلال قصّتين وردتا في مجموعتي القصصية الأخيرة "قصص حب سحرية" (سوي، 2003)، هما "حمّام"، و"المغتصب"، اتناول فيهما موضوع الغدر والخيانة.
* ثمة قصّة ايضا في المجموعة نفسها التي ذكرتها، مستوحاة من 11 أيلول. أنت الشرقي المقيم في الغرب، كيف ترصد الانقسام المزعوم بين هذين العالمين في حياتك اليومية، وهل تؤيّد ما يُحكى عن أدب ما قبل 11 أيلول وأدب ما بعده؟
لا ، هذه تسمية خاطئة ولن تصحّ يوما. أما في ما يتعلّق بـ 11 ايلول في ذاته، فهو كارثة الحقت الضرر بالعالم العربي اكثر مما أذت الغرب. لقد هشّمتنا وهشّمت صورتنا. تلك الكارثة هي التي أفسحت أمام الاميركيين فرصة اجتياح العراق. وفي رأيي أن 11 ايلول خدم مصالح الأميركيين اكثر من اللازم. لأجل ذلك، يؤلمني اجتياح اللاعقلاني للعالم العربي، الذي لم يزل يرفض الاعتماد على الوقائع والحقائق والمنطق. انه امر متعب للغاية. رغم هذا، من الضروري أن نميز بين أميركا البنتاغون، التي هي فظاعة مطلقة، وأميركا الثقافة التي تعطينا أدبا وموسيقى وفنونا وسينما- لا أعني الهوليودية طبعا- غنية ومثيرة جدا للاهتمام. لا يمكن وضع الجميع في المرتبة نفسها: بوش مجرم وابله، ولكن هناك فنانون ومثقفون اميركيون رائعون يعارضون سياسته بشجاعة. لذلك يجب عدم المزج بين جنسية الانسان أو عرقه أو دينه وبين سياسة بلاده. مثلا، أنا اليوم أفصل في شكل واضح وحاسم بين السياسة الاسرائيلية التي أدينها وأستنكرها واعارضها الى اقصى الحدود ومن دون اي لبس، وبين أن يكون المرء يهوديا، الذي يعادل بالنسبة إلي واقع أن يكون مسلما أو مسيحيا أو بوذيا الى آخره. لا استطيع ان احكم على إنسان بناء على انتمائه الديني او العرقي. وهذا الخلط أمر شائع، خصوصا في عالمنا العربي العزيز.
* "عالمنا العربي العزيز" هذا، لقد كتبتَ عنه الكثير، ومن أجرأ ما كتبت ربما مقالك الأخير في النوفل اوبسرفاتور في عنوان "السجن العربي"، حيث تساءلت: "ما العوامل المشتركة بين هؤلاء الملايين من العرب؟ أتراها ال أنظمة سياسية ال مشكوك في شرعيتها، أم مسلسل ال إخفاقات ال داخلية، أو اله زائم ال متعاقبة، أو نزيف الأدمغة، أ و تلك ال لغة ال كلاسيكية التي يتكلمها المثقفون فحسب، وهم غالبا من عزلون عن الشعب ؟". ما مآخذكَ على هذا العالم؟
هل لديكِ حقا كل ما تتطلبه إجابة كهذه من وقت؟ في الحقيقة، بات من الضروري ان يجري العرب بدورهم فحصا لضمائرهم. إننا نعاني من نقص مهلك وفتّاك في الحرية والخيال، نغذّي الخبث والحقد، لا نقول ما نفكر فيه، وحتى مخيّلتنا هي مخيّلة تحديدية وقمعية، ولذلك نعيش حالا من الانحطاط الرهيب، انحطاط هو عبئنا الأكبر. مثلما سبق أن كتبت، سوف يصبح لل عالم العربي وجود فعلي عندما تقوم وحدته، ليس على اللاعقلانية الدينية أو الميول الظلامية، ولا على الخطابات الرنانة و اللازمات والشعارات المملة كما في أغنيات أم كلثوم الجميلة؛ وإنما على مشروع اقتصادي جد ي ، وعملة موحدة، و إلغاء الحدود والتأشيرات، وعلى حرية ممارسة الديمقراطية بكل ما لها وما عليها. ينبغي علينا أن نتواضع و أن نبدأ بالإعتراف بانقساماتنا وخياناتنا و ان عد ا م كفا ي تنا. لننظف بيوتنا قبل أن نتهم الآخرين، و ل نحاول أن نستحق من جديد إرث أسلافنا، اولئك الذين حملوا اللغة والثقافة العربيتين إلى أوج الحضارات.
* وما موقفك من قضية الحجاب التي أثيرت أخيرا في فرنسا، وفي قرار شيراك منع ارتدائه في المدارس؟
أنا رجل علماني، اذا أنا ضد كل مظاهر اجتياح الدين للمساحة العامة. أؤيد منع ارتداء الحجاب في المدارس او في أحواض السباحة، أؤيد رفض مبدأ أن تكون معالجة النساء حكرا على الطبيبات في المستشفيات العامة، أؤيد الحؤول دون فرض البعض رؤيتهم الخاصة للحياة على الآخرين. هذه ظلامية تريد ان تنخر مجتمعا علمانيا ناضل الكثير ودفع أثمانا باهظة لكي يحقق علمانيته هذه. إنها نوع من الرقابة غير المقبولة. كأنك توشحين جزءا من شاشة السينما بالسواد لأنك ترفضين بعض مشاهد الفيلم، فتفرضين على سواك أيضا هذه العتمة رغما عنهم.
* في الحديث عن السينما، نعرف أنك مفتون بهذا الفن، فأي إسهام قدّمه هذا الإفتتنان بالصورة لكتابتك؟
أعطتني السينما الكثير الكثير. لقد تعلّمتُ أن أروي قصصي من خلال مشاهدتي الأفلام. كنتُ محظوظا بمشاهدة أفلام عظيمة عندما كنتُ فتيا، وكان هذا الفنّ شغفي الأكبر منذ طفولتي. كنّا نرتادها يوميا شقيقي وأنا بعد انتهاء الدروس، من الخامسة الى السابعة مساء، إذ أقنعنـا والدينا بأنها جزء من الواجبات المدرسية. فريتز لانغ، هاورد هوكس، اورسون ويلز، الخ... هؤلاء المخرجون العظماء علموني كيف أجعل قصصي متماسكة، كيف أفرض شخصياتي وأحرّكها. لا بل اني أردت في مرحلة ما ان اقوم بدراسات في السينما، أول وصولي الى باريس، ولا أذكر في المقابل أن كان عندي طموح بأن أصبح كاتبا. أعشق في السينما الشعر ولعبة التلميح وفنّ استثمار الوقت...
* وأنت، ألا تشعر بمرور الوقت؟
افكّر فيه كثيرا. يكفي أن انظر في المرآة وأرى عواقب تساقط شعري. لم يكن تقبّل ذلك بالأمر السهل (يضحك). لكني أشعر في الوقت نفسه بأن أبوّتي تحميني من مرور الوقت، وبأن وجود أبنائي يساعدني في الاستسلام لهذا الوحش القاهر، أو على الأصحّ في التحايل عليه. أحاول كذلك الإعتناء بنفسي. لستُ من هواة الرياضة لكني انتبه الى ما آكله واحرص على الا يزيد وزني. كما انني مارست في مرحلة من المراحل رياضة اليوغا، رغم أنها كانت نوعا من اليوغا الفكرية والتأملية أكثر منها جسدية. لذلك، إذا كان لدي من خوف حقيقي على مستوى مرور الوقت، فهو من دون شك الخوف من المرض ومن الانهيار الجسدي والعقلي، أما الشيخوخة في ذاتها فلا أهابها: شباب أولادي يدرأ خطرها عنّي، مما يشفع الى حدّ بعيد، أعترف، بمساوىء مؤسسة الزواج...
* أجل، أعلم أن لديك رأيا "شجاعا" في هذه المؤسسة...
لنعترف بأن الزواج ليس أمرا طبيعيا، وإن كانت بعض صيغه ناجحة طبعا. نتزوج في الواقع لكي نؤطر أنفسنا داخل المجتمع. إنه محض رضوخ للقوانين. من النادر ان يكون الشريكان متكافئين، لذلك تبرز في الزواج ضرورة من اثنتين: إما القيام بمساومات، أو إتقان لعبة السيطرة. والمرأة هي التي تسيطر غالبا، لكنها تمنح الرجل وهم أنّه هو المسيطر. ثمة حاجة الى الكثير من الذكاء بغية قبول الآخر كما هو. الحب بين إنسانين أمر استثنائي الى حد أنه من غير المقدّر له أن يُحصر في زمان ومكان وشروط وقيود، وذلك ما يفعله الزواج بالضبط. لكن هذا الأخير مثل الديموقراطية: لم يتوصل الناس بعد الى صيغة افضل لإنجاب الاطفال وتربيتهم!
* الطاهر بن جلون، لقد حقّقتَ الكثير ونلتَ شهرة واسعة وتُرجمتَ الى لغات لا تُعدّ وحزتَ جوائز لا تُحصى، ويرد اسمك بين المرشحين المحتملين لجائزة نوبل. إلام تصبو في هذه المرحلة من حياتك؟
إلام أصبو؟ (يبتسم). حسناً، الى الهدوء، الى الصفاء، على ما أعتقد. الى السلام الداخلي. وسيكون من الرائع أيضا أن يتاح لي عيش الشغف من جديد.
* الشغف والسلام الداخلي؟ توقان لا يجتمعان على الاطلاق. أرى أن عليك ان تختار بينهما...
سأختار الشغف إذن. (صمت). الشغف بالتأكيد.
rwayda
08-Aug-2008, 09:52 PM
حوار مع محمد الماغوط
يشكل محمد الماغوط حالة خاصة في سورية، بل في الأدب العربي كله، ففي داخله أكبر من شاعر،طفل ترك مقعد الدراسة ليدخل السجن، وحين غادره أعلن بشجاعة عن الرعب والخراب الذي أصابه، فاكتشف فيه الآخرون شاعراً، هو السجين العائد من غيبته الصغري ليعلن تمرده في مملكة الله وممالك الانسان، ويقرأ علينا قصائد ونصوصاً في الحكمة الأولي وفي لذة الاكتشاف، قبل أن يدخل في غيبته الكبري.
خرج الماغوط من مدينة سلمية التي تقع علي قوس البادية في سورية، ليعيد صياغة أقواس الشعر التي مالت قليلاً مع قصيدة التفعيلة، لكن الأقواس تكسرت بين يديه، وتقطعت الأوتار. فنثر عليناً دهشته فيما سميّ قصيدة النثر التي ما يزال يمضي بها في نصوص أخيرة أين منها الشعر والشعراء.
في شخصية الماغوط نفور الشاعر الذي يهرب الي ظل نخلة علي الأفق الأخير للسراب، يمتلك توجس البدوي وحذر السجين، يأنف الحديث أمام آلة التسجيل، كما يرفض آلية الحوار التي تذكره بالتحقيق، وتذكرنا بالعصيان، هو لا يخاف فيما يعلن أو يكتب، لكن القول يضنيه كصبية لا تعرف أن تبوح بعشقها، فتنثر مواويلها في الفضاءات، أشقاه الصمت وصقيع الجدران، فاكتشف عزاء له في الكتابة.
أصيب الماغوط بالكآبة ونقص التروية والمزيد من الخيبات، فاعتكف في منزله، لم يغادره منذ عامين الا لحفلي تكريم له كان آخرهما في مهرجان دمشق المسرحي،منذ شهرين ونيف وأنا أجلس اليه، نتحدث، اقتنص من هنا عبارة ومن هناك فكرة، لأعود الي مكتبي أسجل ملاحظاتي، وما اقتنصت.
هل اسميه لقاء؟ هو أكثر من لقاء.
هل اسميها دراسة؟ هي دون ذلك.
ربما تكون مكاشفة، أو ربما تكون تجميع لحظات مسروقة من بوح قليل ينز كحبيبات الندي التي تسيل علي الحواف الخارجية لكأس مثلجة.
الشاعر محمد الماغوط ، بيني وبينك قاسم مشترك هو السجن؟
السجن تجربة لا تنسي، قد يكون مضي عليها نصف قرن من الزمان وما زلت اغتسل من أدرانها، فالسجن دمر شيئاً في داخلي، وكل ما قمت به لاحقاً وحتي الآن لا يعدو كونه ترميماُ لذلك الخراب الذي حصل، ومع ذلك كان ارهاباً نبيلاً في تلك الفترة قياساً مع الارهاب الذي انتشر كالطاعون.
ولكنك في السجن كتبت الشعر؟
أنا لم أخطط في حياتي لأن أكون شاعراً، أو كاتباً مشهوراً، في السجن كانت الوحدة وصقيع الجدران قاسيين، فأخذت أدون شيئاً من الملاحظات واليوميات علي ورق السجائر، كانت شيئاًُ ينز من داخلي الذي تحطم علي أعتاب سجن المزة العسكري، وحين خرجت من السجن أدركت حجم الخراب الذي لحق بروحي، لكنني أدركت أيضاً أن ما كتبته في السجن كان شعراً.
وهناك التقيت أول مرة بالشاعر ادونيس؟
صحيح وأنا أحبه، فالسجن يشكل أعظم مناخ للعلاقات الصالحة، لذلك عندما هاجمه الكثيرون، كنت وفياً له، وحين غادرت دمشق الي بيروت التقيت ثانية به، وهناك اكتشفت رحابة العالم، وقد فاجأني وأدهشني كبار شعراء تلك المرحلة (أنسي الحاج، يوسف الخال، أبو شقرا وغيرهم)، كما التقيت في منزله بالشاعرة سنية صالح التي أصبحت زوجتي لاحقاً.أتذكر تلك التفاصيل كما لو كانت بالأمس فقط، كنت نشرت أولي قصائدي في مجلة شعر حينها جاءت الي ادونيس تقول له: ما هذا الشعر العظيم؟ من هو محمد الماغوط؟ . وكنت جالساً في منزله.
عندما قرأت لهم في مجلة شعر بعضاً من أوراقي احتاروا أمام هذه القصائد، ومدحوني كثيراً، حتي ارتبكت وأحسست أن المكان لا يتسع لي.
وعندما أصدرت ديواني الأول حزن في ضوء القمر ، اتهمت وقتها بأنني هدام وسوداوي ومتشرد. لكن هذا الديوان شكل مرحلة استثنائية في مسيرة الشعر العربي، كما كتب عنه جبرا ابراهيم جبرا وأنسي الحاج.
ومع ذلك رفض ادونيس اعطائي الجائزة سنة 1958 التي أعلنتها مجلة شعر لقصيدة النثر وقال: هذه ليست قصيدة نثر ، لكنه بعد خمسين عاماً علي ذلك جاء يقول لي: كانت قصيدة رائعة .
في عام 1961 نلت الجائزة التي نظمتها جريدة النهار اللبنانية لقصيدة النثر، وقد كتب نذير العظمة عن الذهول الذي أحدثته قصيدة الماغوط.
أدونيس:
أيها النسر المتواطئ مع أعتي الرياح والعواصف
أنا معك حتي الموت في مسيرتك المظفرة
تحت وابل من القشع والسعال
والقيح المعمم كالبيانات الرسمية
ولكنني سأخلد قليلا الي الراحة
وأعهد اليك ببعض الزهور الأثيرة لدي
وهي بكماء وقاصرة
ولا تعرف مواسمها
ولا الفرق بين الربيع والخريف!
فأرجوك.. اسقها ولا تناقشها.
rwayda
08-Aug-2008, 09:53 PM
وماذا عن سنية صالح؟
هذه العلاقة أثمرت شعراً وأكداساً من الحزن والألم والذكريات، لقد لعبت سنية دوراً مهماً وكبيراً في حياتي منذ التقيتها أول مرة، اعترف بأنني اقترفت أشياء كثيرة في حياتي، لكنني لم ادع ذلك يؤثر علي شعري أو عائلتي أبداً،لقد رثيتها في سياف الزهور وهو أجمل ما كتبت، هل هو احتجاج علي موت سنية؟ أم علي الحياة التي اغتالت لحظاتنا الجميلة؟ أم أننا نحن الذين اغتلناها؟
لقد توقف قلبي لأول مرة حين غادرتني سنية وحيداً مع حزني وذكرياتي وطفلتين هما شام وقد أصبحت طبيبة، متزوجة وتعيش الآن في أمريكا، و سلافة وهي الآن خريجة فنون جميلة متزوجة أيضاً وتعيش في دمشق.
قلت في سياف الزهور:
كالجندي الجريح
ولم استطع أن أحملك بضع خطوات
الي قبرك
الزوجة والأولاد... تفاصيل تعود بنا الي العائلة والي سلمية التي لم تزرها منذ عقود؟
ولدت في سلمية عام 1934 وكنت الأبن الأكبر في عائلة تضم ستة أخوة، درست في المدرسة الزراعية فيها، ثم غادرتها الي دمشق لمتابعة تحصيلي العلمي في ثانوية خرابو الزراعية، لكنني اكتشفت أنني لا أصلح للعمل في الأرض، وأن الحشرات والمبيدات ليست هوايتي المفضلة، اضافة لتردي وضع الأسرة المادي، حيث باع والدي مضخة المياه طرمبة بـ 12 ليرة سورية، في ذلك الزمن وأرسلها لي لأنفق منها علي دراستي، فتركت الدراسة وعدت الي سلمية. في سلمية يمكن للمرء أن يتعرف علي الفوارق الاجتماعية الهائلة، وأن يحس بالتمرد، حتي أن ماركس كان يفترض به أن يولد في سلمية وليس في ألمانيا.في سلمية انتميت الي الحزب القومي السوري الاجتماعي ليس لمعرفة أو خيار ايديولوجي، بل لأن مقر الحزب هو المكان الوحيد قرب بيتي والذي أستطيع أن أجد فيه مدفأة أجلس بقربها في أيام الشتاء البادرة، وأتدفأ في صقيع سلمية شبه الصحراوي.
وقد كتبت منذ الستينات عن سلمية التي هُدمت عشرات المرات. سلمية معقل القرامطة والمتنبي:
سلمية الدمعة التي زرفها الرومان..
يحدها من الشمال الرعب
ومن الجنوب الخراب
ومن الشرق الغبار
ومن الغرب الأطلال والغربان
لكن سلمية هذه أحبها جداً، رغم أن أغلب أصدقاء الطفولة والذكريات المشتركة فيها قد غادروا. منهم من مات ومنهم من هاجر أو دخل السجن، لكنها المكان الذي لم يغب عن ذاكرتي لحظة واحدة، واذا كنت لم أذهب اليها منذ عشرين سنة فلأسباب كثيرة، ولكنني ارغب حقاً في أن أزورها، وأنا الآن بصدد ترميم البيت القديم الذي خلقت فيه في سلمية.
غادر محمد الماغوط الحزب مبكراً، لكنه ما يزال مسكوناً بهم السياسة في كل ما يكتب؟
الانسان أكبر من الحزب، وأنا في كل ما كتبته كنت معنياً في صياغة معادلة الانسان كقيمة فردية في مواجهة السلطة ـ الدولة، فهي المعادلة المستباحة في واقعنا، منذ استباح العسكر روحي ـ كما قلت لك ـ وأنا أجاهد لالتقاط أنفاسي، لاعادة الاعتبار لانسانية الفرد وكرامته.
فمن يستبيح الانسان... يستبيح الوطن، هذا الوطن الذي يدعوك لمغادرته بكل ما فيه، لكنني لن أتزحزح من مكاني:
كتبت عن السلام فاندلعت الحرب
عن النظام فعمت الفوضي
عن البطولة فتفشت الخيانة
عن الأمل فزادت عمليات الانتحار
عن تنظيم الأسرة فغصت الشوارع بالجانحين والمنحرفين
عن البيئة فدفنت النفايات النووية بين المنازل
عن الصمود فغصت السفارات بطالبي اللجوء السياسي
والاقتصادي والجنسي والديني
يبدو أنني طوال هذه السنين
ألقي مرساتي وأنصب شباكي
في البحر الميت. 30 سنة وأنت تحملينني علي ظهرك
لكن السياسة في مجتمعاتنا تقتل الفرد أو تقتل الابداع، لأنها صنو الخراب؟
لذلك علينا أن نحرر الوطن من الحكام والحكومات، من السياسة والأحزاب، من كل ما يمكن أن يغتال حرية الانسان وكرامته. أنا الذي كتبت ديوان الفرح ليس مهنتي تعبيراً عن هزيمة 1967، وهي التي دفعتني باتجاه البحث عن وسائل تعبير أخري، أشكال من الكتابة قد تكون أوضح أو أكثر حدة، فكانت مسرحياتي مع دريد لحام.
لكنك متهم في هذه المسرحيات بالمحاباة وركوب الموجة التجارية؟
هذا لأنهم لم يفهموا وظيفة المسرح أو وظيفة الأدب، أنا حين لم أتحمل مجلة شعر واتجاهات أصحابها في التجريب ، تركت بيروت وعدت الي دمشق، وحين ألمت بنا الهزائم، رأيت أن ننتقل بالكتابة من النخبة الي العامة، رأيت أن نستبطن وجدان وأحزان الانسان العربي، وهنا بدأت المزاوجة بين العنصرين التجريبي والشعبي في كتابة كوميديات ساخرة مع أنها دامعة أيضاً.
تعرفت بدريد لحام في بداية السبعينيات، وأسسنا فرقة ضيعة تشرين وكان هذا عنوان أول مسرحية نقدمها بعد حرب تشرين، وتتالت مسرحيات غربة، كاسك يا وطن، شقائق النعمان... .
وهذه المسرحيات شكلت نقلة من المسرح التجاري الي المسرح الشعبي الذي حافظ علي أسلوب الكوميديا الساخرة، لسهولة تواصلها مع الجمهور، ولا أدل علي ذلك من كونها ما زالت تعرض علي مختلف الشاشات والفضائيات العربية، أنا في المهرج وفي شقائق النعمان الشاعر نفسه ولم أتغير.
تجربة الماغوط في المسرح أوسع من مسرحياته التي قدمها دريد لحام؟
نعم، كتبت خارج السرب بعد انقطاع، وعدت للمسرح، ولكن هذه المسرحية سرقها مني جهاد سعد وعابد فهد، وقد شكلت نكسة كبيرة في حياتي، اعتكفت من بعدها في المنزل وأدمنت الشراب. هذان الشخصان أساءا اليّ كثيراً.أما مسرحيتي المهرج فقد جاءني مؤخراً وفد من الولايات المتحدة الأميركية، وقابلوني وهم الآن بصدد ترجمتها واخراجها مسرحياً باللغة الانكليزية. وقد اعتبرت من النصوص الخالدة في التاريخ، ولي مسرحية المارسيليز العربي ، كما قدمت مسرحية مستوحاة من كتابي سأخون وطني .
لدي مسرحيتان جديدتان قيام، جلوس، سكوت وقد اشتراها الفنان زهير عبد الكريم، وهو بصدد العمل عليها الآن. كما اشترت مني وزارة الثقافة مسرحية المقص وسيخرجها ماهر صليبي.
ماذا حول آخر أعمالك الدرامية حكايا الليل والنهار ؟
أنا مُقل في الدراما التلفزيونية، كتبت سابقاً ثلاثة أعمال هي حكايا الليل و وين الغلط و وادي المسك والآن أنهيت حكايا الليل والنهار الذي كتبته كأفكار، رغم أنّ الصياغة الدرامية ليست لي، وسيخرجه علاء الدين كوكش.
كذلك كتبت سيناريو فيلمين سينمائيين هما الحدود و التقرير .
لقد تُرجم العديد من أعمالك؟
هناك مختارات مترجمة من أشعاري باللغة الفرنسية وباللغة الأسبانية، وتوجد ترجمات أخري متفرقة، لكنهم مؤخراً أخذوا موافقتي علي ترجمة كل أعمالي الي اللغة الانكليزية.وقد جاءني بروفيسور باحث في أحدي الجامعات الكندية، وقال لي: ظلّ الغرب خمسين عاماً يبحث عن تعريف للشعر، حتي قرؤوا لك:
سئمتك أيها الشعر
أيها الجيفة الخالدة
وقد كتبوا حولها مطولات ودراسات في تعريف الشعر.
قديماً قيل الشعر ديوان العرب لكن العرب الآن لا يقرأون، كيف تري مستقبل الشعر؟
ديوان العرب الحقيقي الآن هو أقبية المخابرات، حيث الاعترافات وصديد الكرامة الانسانية، ديوان العرب هو سياط الحكام منذ بدء الخليقة وحتي الآن. وأنا أكتب كي أنجو من حالة الألم واليأس.
انظروا ماذا يفعل، انعدام الحرية وقسوة الطغيان، حتي تقرأوا أشعاري حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي... نحن لا يلزمنا كثير من الفذلكة حتي نُميّز الأشياء، فأنا بدلاً من أن أري السماء رأيت الحذاء، حذاء عبد الحميد السراج رئيس المباحث/ نعم رأيت مُستقبلي علي نعل الشرطي، لذلك تري:
انّ أي فلاح عجوز
يروي لك في بيتين من العتابا / كل تاريخ الشرق
وهو يدرج لفافته أمام خيمته... .
rwayda
08-Aug-2008, 09:54 PM
الماغوط الذي أسس لقصيد النثر في الشعر العربي بدأ ينثر نصوصاً لم يسمها شعرا، مع أنّ الكثيرين يجدون فيها ما هو أجمل من الشعر؟ ما الفارق بين قصائد نثر الماغوط وبين نصوصه؟
لا أدري، فقط لم أسمها شعراً، في كتاب سأخون وطنــي كانت مقالات ونصوصاً، حتي سياف الزهور اعتبرته نصوصاً. أنا اقترفت كل أنواع الكتابة، لي رواية بعنوان الأرجوحة صدرت عام 1992 عن دار الريس في لندن. كتبت مجموعة من المسرحيات، كتبت دراما تلفزيونية، كتبت الكثير من الشعر والكثير مما أسميته نصوصاً أدبية، البعض قال لي: انّ كتابي الأخير شرق عدن ـ غرب الله.... من أجمل ما كتبت شعراً، مع أنني أسميته نصوصاً.
أعتقد أنّ الكتابة هي اشتغال علي اللغة، كالرسم بالألوان، يجب أن لا تحدها المدارس والتسميات. وكما قلت لك أنني لم أختر أن أكون شاعراً ولم أتعلم نظم القوافي، هناك من يعتبرني شاعراً بالفطرة، والبعض قال عني: ساحر يخبز لنا من اللغة خبزاً شهياً. وبالنسبة لي لا يمكن الفصل بين الشعر والنثر من حيث اللغة والأسلوب والصورة، دعني أقول: أنّه لا يوجد شعر أو نثر، هناك محمد الماغوط.
كتب يوسف الخال يقول: هبط علينا الماغوط كالاله يونان، وجوزيف حرب قال: محمد الماغوط في بيروت مثل فيروز في بيروت، لا أحد يختلف عليهما، أما سعيد عقل فقال: الماغوط ليس شاعراً انه الشعر.
صديقك الراحل ممدوح عدوان ظلّ يُحارب قصيدة النثر مع اعجابه بشعرائها الكبار أمثالك، حتي كتب قبل وفاته أو جمع قصائد نثرية له ما سر هذا التحوّل؟
لا أدري، ولكن ليته لم يفعل ذلك، ممدوح عدوان فيما عرفناه من شعره الأول كان أجمل.
البعض يتحدث عن أزمة الشعر، والبعض يتحدث عن أزمة ثقافة وقيم، لكن الماغوط ندب وطناً بكامله؟
بالنسبة لي الشعر ليس هدفاً، انه وسيلة لسعادة الانسان، كل الفنون كالرسم والغناء والتصوير والنحت.... هي وسائل لسعادة الانسان، وليست هدفاً بذاتها، وفي كل ما كتبت كنت محمد الماغوط ولم أتغيّر. امتهنت الرعب حين ضاع الوطن، وبكيت حين ظنّ العرب أنهم مُنتصرون:
آه كم أود أن أكون عبداً حقيقياً
بلا حب ولا مال ولا وطن ... .
وسبق أن أعلنت أنني مع القضايا الخاسرة باستمرار، نشرت في العدد الثاني، عام 1958 من مجلة شعر قصيدة القتل :
ضع قدمك الحجرية علي قلبي يا سيدي
الجريمة تضرب باب القفص
والخوف يصدح كالكروان .
سبق للماغوط وأن كُرّم أكثر من مرة، ومُنح أكثر من جائزة، مؤخراً زاره محمود درويش و عبد المعطي حجازي وآخرون...، كما مُنحت جائزة شعرية باسمك، ماذا يعني لك هذا التكريم؟
جميل ومفرح، وان جاء متأخراً، فتكريم الشاعر من كرامته، والكرامة لا تكون الا بالحرية، الزمن يمضي سريعاً، ولم يعد هنالك وقت للانتظار.وأعود للقول أن الشعر وسيلة، لكنه لا يوجد حل الا بالحرية.
مع ذلك يكتب الماغوط بغزارة مُلفتة للانتباه؟
حتي أنا يُدهشني ذلك، لا يوجد يوم الا واكتب فيه جديداً، أنا امتلك خيالاً أسطوريا، ومُتمكن من اللغة ومن السخرية، وعندي موروث من الهزائم يلف الكرة الأرضية بكاملها، ولولا الشعر لفقدنا القدرة علي الحياة. كتابي الأخير شرق عدن ـ غرب الله... فاجأ الجميع بأنه 700 صفحة، والآن أعمل علي كتاب جديد سيصدر لي، عنوانه البدوي الأحمر بكل ما للمفردتين من ظلال ودلالات.
تتنافس الدول والحكومات والشركات بامتلاك مخازن احتياطية من النفط، وأنا امتلك احتياطياً من الرعب يكفي لممارسة حق الكتابة.
من شرق عدن .. غرب الله لمحمد الماغوط
كل ما تراه وتسمعه وتلمسه وتتنشقه وتتذوقه
وما تذكره وتنتظره وينتظرك
يدعوك للرحيل والفرار ولو بثيابك الداخلية
الي أقرب سفينة أو قطار:
ألوان الطعام
الشراب
الخدمات العامة
الرشاوي العلنية
أصوات المطربين
أصوات الباعة
مُخالفات المرور
الأمراض المُستعصية
الأدوية المفقودة
والمجارير المكشوفة في كل مكان
نتائج الانتخابات
نتائج المفاوضات
نتائج المباريات
نتائج السحب
الراتب التقاعدي
بدل نهاية الخدمة
والهرولة وراء وسائط النقل
من الصباح الي المساء
ثمّ المصلحة العامة
والذوق العام
والحق العام
والرأي العام
والصمت المطبق في كل مجلس
والوحدة القاتلة في كل سرير
ثمّ المطاولات الصحافية، وآراء المحللين
والاعلام الموجه
والسينما الموجهة
والمسرح الموجه
والقضاء الموجه
والرياضة الموجة
والزواج الموجه
والغش في كل سلعة
والهزيمة
في كل حرب!!
ومع ذلك لن ارحل
ولن ابرح مكاني قيد أنملة
كما يحلم يهود الداخل والخارج
وسأتشبث بالأسلاك الشائكة
والحدود المكهربة
ولو تفحمت عليها!!
rwayda
08-Aug-2008, 09:55 PM
حوار مع بول شاؤول
حين تلتقي بول شاؤول يبدأ الصراع لإثبات الهوية وتعددها، فيَصِل إلى الذات وتدمير الذات، ليرتفع إلى أفق أسمى ويستقر في محطة الحرية بعيدًا عن الأبواق التي تسمعنا ما يريده الآخر، ليكشف لنا رموز البشرية وما يخبئ في غياهب الثقافة. بول شاؤول يسير في رحلة البحث حتى يجد لغة تحاكي كل العقول ليتغلغل داخل المجتمع المديني في أعماق أعماقه.
لغة يخشاها الضعفاء, كلام يحاكي الإبداع, مساحة من الفكر لا تتوقف عند حد, اعتراض على كل من استعمل الثقافة والإبداع عكاكيز يتكئ عليها خوفاً من أن تغدو الثقافة كالمرأة المعوقة التي تشفق عليها، وبالتالي تصير عبئًا علينا يجادل بدلائل مدروسة مقنعة تحارب تعدد المصطلحات والثقافات التي تهدف للقضاء على ملامح المثقف العربي، ليوضح صورة المثقف التي ضاعت ملامحه وسط فوضى الإدعاءات التي امتدت بنا أكثر مما ينبغي، حتى أصبح بنقده الحد القوي. أصبح مصدراً يقلق البعض امتلك فطنة ولغة شكلت رعباً وخوفاً للبعض, لغة تخترق كل جدار معتم أو ضوء زائف.
شخصية يتراءى للبعض فيها نزعة نرجسية لا يحملها سوى أعلام عظام تذكرنا بأعلام الأدب الروسي؛ شخصية صلبة وملامح واثقة. يبدأ بكتابة كلماته بريشة من ذهب بأفكار ثابتة. كالقلب يرشد الدماء إلى الأوردة، «هو ذا بول شاؤول»، الذي فرض بثقافته وإلمامه الشامليْن أن يكون مدرسة للنقد، فشكل محوراً بحد ذاته.. سائر على خطا جلجامش العظيم، دائم البحث عن سرّ الخلود ونبته الحياة.. كاتب.. شاعر.. ناقد.. خلق لغة جديدة لمجتمع تائه يبحث عن الانتماء.
* يُقال إنك أديب إشكالي فمن أين جاءتك هذه الصفة?
شاؤول: "أديب إشكالي؟؟ كل أدب هو أدب إشكالي... وكل جديد هو إشكالي, لأنه يطرح لغة جديدة تصطدم أحياناً بواقع معين متراكم صلب قديم هش, فيولد هذا النص صداماً مع الذوق السائد أحياناً، مع الجمهور والنقاد، الذين يكونون في مواقع ثابتة, وكل ما هو في موقع ثابت يصطدم بكل ما هو جديد، فيحدث هذا الإشكال وهذا الالتباس أو هذا الصدام إذا صح التعبير."
* هل ثمة إشكاليات طرحتها ندوات هذا المهرجان المسرحي?
شاؤول: "لم تكن ثمة إشكاليات كبيرة في هذا المهرجان, لم يكن ثمة صدامات كبيرة مع الصيغ التي وصل إليها المسرح في بداية الستينات والسبعينات والثمانينات. نحن ما نزال نعيش والمسرح مازال يعيش اليوم على خبز الستينات. لم أشاهد ما يشكل إشكالية مع النتاج المسرحي الذي برز بين 1955 و1980 وكل ما رأيناه حتى الآن موجود من حيث الإخراج والرؤية الإخراجية المشهدية أو الرقص أو الحوار أو طريقة إعداد الممثل, كلها موجود في صيغ قدمت في أعمال مسرحية على امتداد ربع القرن الأخير.
"كنت أحب أن يكون هناك التباس وكنت أحب أن اصطدم بشيء جديد قوي, في عروض هذا المهرجان المسرحية؛ تلك الصدمات الكبرى التي تقترح لغة جديدة تحطم وتدمر الموجود وتعطي شكلاً يطغى على أي التباس فيه, ولكن هذا لا يمنع أنه كان هناك أعمال جيدة ضمن هذا الإطار. "
- الأعمال التي أخذت حيزاً في نفسك.
شاؤول: "هناك عدة أعمال منها المسرحية الأردنية "مصابة بالوضوح" لسوسن دروزة, ومسرحية "شوباش" لهاشم كفارنة لا بأس بها جيدة, والمسرحية اللبنانية "نساء سعد الله ونوس" جميلة ويوجد بها كثير من الإتقان، والمسرحية الجزائرية "التمرين" أيضاً جيدة."
* هل استطاع المسرح العربي أن يرتقي إلى مستوى المهام الملقاة على عاتقه?
شاؤول: "في بعض المراحل نعم, ولكن لا يمكن أن نعطي المسرح مهمات العسكر والبرلمان والحكومة والوزارات؛ إنّ مهمته هو كبيرة جداً في المجتمع في المساهمة في تغيير ضائقة المجتمع ورؤيته للأشياء, لكن لا يمكن أن نحمل المسرح وظيفة سياسية حزبية.
"المسرح مهما كان الموضوع أو الحالة أو القضية التي يعالجها ينبغي في النهاية أن يخدم عبر هذه المواضيع لغته المسرحية عبر تطويرها- لا يمكن أن تعطيني المسرحية أفكارها كبيرة جداً ولغتها فقيرة، فهي هنا تقع في اللامسرح؛ ولا يمكن أن تعطي مسرحية تقنيتها كبيرة جداً وفارغة وتقع في الشكلانية. إذاً هذا التوازن بين المضمون أو الحالة وبين اللغة المسرحية.. هذا مطلوب لأنني أنا أعمل مسرحًا ولأنني أصوغ مسرحاً, فينبغي أن أكون على علم ودراية بما هو المسرح."
أنت متهم بالنقد الصعب, لماذا?
شاؤول: "طبعاً. أنا أنتقد، المجتمع كله بحاجة للنقد, والمجتمع العربي بحاجة إلى مراجعة نقدية ذاتية لكل أحوالنا الحزبية والسياسية والأيديولوجية والدينية. نحن في مرحلة يجب أن نمارس فيها نقداً ذاتياً على أنفسنا- هذا قبل كل شيء, لأنه إذا غاب النقد عند الشاعر سقط شعره، يعني أنه وقع في مستنقع ذاته. نبدأ بالنقد الذاتي, الانهيارات التي وصلتنا اليوم (العالم العربي والأمة العربية) آتية لأنّ الأنظمة منعت النقد, منعت الأحزاب والمجتمع المديني وهذا ينطبق على المسرح."
- كيف يكون النص المسرحي تعبيرًا حضاريًا نابعًا من صميم هذا الشعب?
شاؤول: "هذا يعود إلى كل مؤلف. ليست هناك مواصفات للنص؛ كل نص مسرحي تولد مواصفاته بعد كتابته وليس قبلها."
- إذاً لا توجد أية رؤية عن النص إلا بعد كتابته وبعد عرضه.
شاؤول: لا أقصد أن هذا أولاً, لأن هناك مدارس ونظريات تقييد حرية النص, هذا قتل للنص, قتل لحرية الكاتب المسرحي. كل تجربة لها نصها.. ورؤيتها النصية, وأنا بالنسبة إليَّ, النص عموماً ينبغي أن يكون نصاً مسرحياً أولاً وأخيراً - يمسرح الحالة ويمسرح الذات."
- ما هي أسباب التراجع على صعيد المسرح اللبناني ومتى يمكن أن يعود المسرح اللبناني إلى سابق عهده.. زمن الرحابنة?
شاؤول: "المشكلة ليست لبنانية والرحابنة خارج الهامش المسرحي. عندما نتكلم عن المسرح اللبناني لا نقصد الرحباني؛ نتكلم عن تجاربه المسرحية وليس الغنائية مثل: يعقوب الشدراوي, نضال الأشقر, روجيه عساف، ريمون جبارة؛ هؤلاء هم أساس المسرح التجريبي الكبير والسياسي الكبير. منصور الرحباني ينتمي إلى المسرح الآخر الذي هو نصفه مسرحية ونصفه لا مسرح يعني مسرحًا غنائيًا، وفيروز وطرب مع التشديد على أهمية هذا المسرح الغنائي الذي أحياه الرحابنة بعد موت السيد درويش."
- المسرح الغنائي ما علاقة المسرح العربي بالأغنية?
شاؤول: "إذا قلنا إنّ المسرح بدأ مع الغناء، فليس غريباً أن يكون المسرح العربي اعتبر الأغنية عنصراً خاصاً من عناصره وحاول إذابتها في بنية المسرحية. خصوصية تأرجحت بين عمل مسرحي فيه أغان وألحان وبين عمل مسرحي يطغى فيه العامل الغنائي عموماً وبين عمل مسرحي لامس الأوبرا والأوبريت معاً وبين عمل مسرحي توافرت فيه شروط المسرحية."
- الجميع يؤكدون أهمية مسرح أبو الخليل القباني الذي كان يعتمد على العنصر الغنائي فكيف تحدثنا عما قدمه هذا المبدع الكبير باختصار?
شاؤول: "الحدث البارز كان في مجيء أبي الخليل القباني الدمشقي إلى مصر. والمعروف أنّ القباني كان «الممثل المبدع الشامل, فكان شاعراً وموسيقياً وأديباً وممثلاً». لهذا باتت أعماله أكثر وحدة وأعمق نسيجاً وأشمل خصوصية, وتميزت مسرحياته بعنصر الرقص الإيقاعي إلى العنصر الموسيقي والغنائي, وكان يتناوب على الغناء في مسرحياته عبده الحامولي, وسيد درويش، الذي كان يلحن لفرقة جورج أبيض وحجازي مسرحيات منها: فيروز شاه والهواري وهدى والدره اليتيمة والبروكة والعشرة الطيبة. ويقال عن أبو الخليل القباني أنه "كان في المسرحيات منحى جديداً من إيقاعها الراقص والحبكة الموسيقية المسرحية"."
rwayda
08-Aug-2008, 09:58 PM
ما هي الخصائص التي تؤدي إلى نجاح العمل المسرحي الغنائي?
شاؤول: "أن تكون الأغنية جسر المشروع الذي يعتمده المسرح للوصول إلى الجمهور وأن يكون النص المسرحي كاملاً أمُترجماً كان أم موضوعاً، وسواءً أخَضَع للتلحين أم أدخلت عليه الأغنية، ويترافق العمل بوجود الفنان الشامل وأن يكون مؤلفو العمل المسرحي الغنائي "ملحنين أو موسيقيين أو مطربين".
"وأيضاً تنوع الأغنية بين "تطريبية في المسرح وإقحامية ودرامية داخل العرض" وأن يُقدم المطربون إلى المسرح كمطربين وليس كمسرحيين، بالاضافة إلى العنصر الاستعراضي (ديكورات ورقص وبروز الرقص التعبيري). ويجب أن تتوفر النصوص الأدبية. فقد ساهم الكثير من الشعراء والأدباء باعتبار أنّ الكتابة المسرحية كانت على اتصال بالأدب و الكاتب المسرحي. والمخرج الذي عليه أن يكون حامي الخصوصية وحامي المسرحية واحساسات المؤدي وبراعته وربما الجمهور ومشاهدة المسرحية على الخشبة. "الجسد والصوت" يمسرحان النص ويعطيانه بعده المادي الآخر والمسافة المادية التي يقطعها النص إلى للأخر، أي الانتقال من خصوصية إلى خصوصية."
- عندما نتحدث عن المسرح الغنائي فلا بد لنا أن نقف عند مسرح عاصي ومنصور الرحباني. حبذا لو حدثتنا عن بدايات مسرح الرحابنة?
شاؤول: "بدأ الرحبانيان عملهما في المسرح وفي الأغنية والشعر. دخلا في مجالات تكاد تكون مشاركة خصوصاً المسرح، فكانا يبحثان عن شكل يستوعب تدفقهما الموسيقي والشعري خارج إطار الأغنية. وقد جاءت مهرجانات بعلبك الفرصة الذهبية لبداية تحقيق هذه التجارب فكانت هناك إنجازات حققاها في إطار المسرح, كشاعرين يريدان أن يساهما في حركة التجديد الشعرية خصوصاً, وكموسيقين حققا ثورة في مستوى الموسيقى والأغنية العربية وكمسرحيين يريدان أن يؤسسا لشكل مسرحي يكون قادراً على احتواء هذه الإنجازات. فجمعا الشعر والأغنية والفلكلور الشعبي للسعي إلى العرض المسرحي والاسترسال فيما هو استعراض في مستويات الفلكور والرقص بشقيه الفلكوري وغير الفلكلوري.
"الصراع كان بين عناصر التجربة الرحبانية, يخفي في الواقع صراعاً حاداً بين محاولة المسرحة أي التوصل لمسرح غنائي شامل وبين العناصر اللامسرحية التي تهدد هذه المسرحية. هذا الصراع الذي يقدم النجم مطرباً كعنصر أساسي في العمل أمثال وديع الصافي, صباح, نصري شمس الدين, جوزيف عازار, ملحم بركات, وخصوصاً فيروز، نجمة التجربة الرحبانية الكبيرة.."
هل هناك أي سلبيات في أعمال الرحابنة?
شاؤول: "الأغنية الدرامية التي تختلف إلى حد ما في جوهرها عن كتابة الاغنية الجمالية وأن لم تنفصلا، كانت دراميتها لذاتها أحياناً كثيرة, كما الموسيقى التعبيرية, التي تحشد حشراً أحياناً كما في مسرحية «لولو» التي لعبت دور البطولة فيها فيروز. في المسرحية أغنية درامية تشطح لقوتها الخاصة أو تلك التي تأتي من خارج السياق فتقتحم اقتحاماً وتجمد هذا السياق كما في أغنية "راجعين يا هوى راجعين" التي تلي أغنية "الله معك يا هوانا" بعد لقائها الأخير "لقاء البطلة فيروز" مع خطيبها وخيبتها, فكأنّ الأغنية تأتي عكس الجو والموقف "رغم الطابع البحثي عن الشكل والصيغة". وحملت مرحلة التأسيس عند الرحبانيين عمق ملامح المسرحية الرحبانية وقدمت أعمالاً تتسم بحسّ درامي رغم الاهتمام بالشكل والإيقاعات المرهفة، وإن تم ذلك على حساب المضمون.. وتأثر الرحبانيون هنا بميشال طراد وسعيد عقل؛ سعيد عقل الذي لحق أحياناً القصيدة كشاعر ولم يلحق دائماً متطلبات العمل المسرحي ككاتب وشاعر ومسرحي كما في "مسرحية قدموس وبنت يفتاح"."
- كيف ترى المسرح السياسي العربي?
شاؤول: "كأنما لم يبق من المسرح السياسي العربي أثر يذكر. هذا الانطباع تكرس سواء أعبر المهرجانات أم العروض المنفردة في "مهرجان القاهرة التجريبي" و"قرطاج" و"المهرجات الخليجية" و"عمان"، كأنما تراجع المسرح السياسي أدى إلى حد كبير إلى تراجع المسرح ككل، كما لو أنهما توأمان وكأنما الجمهور بابتعاده عن الحالة المسرحية كان يسجل ارتباطاً بالسياسي."
- كيف تعامل المسرح العربي مع المسرح الغربي وثقافات الآخر المتعددة?
شاؤول: "لم تؤدِّ الاستفادة من المسرح الغربي إلى اقتلاع صورة المسرح العربي ولا أحب هنا التكلم عن التأصيل بل إنني أحب الكلمة التي تقترح "الهوية" مفترضة ثابتة وخصوصية تؤدي إلى الانغلاق. التهجين هو وراء ثورة المسرح العربي والتهجين المزدوج هو الذي ساهم في تطوير الآليات الفكرية والوسائل التقنية, حتى نكاد أن نقول إن المسرح العربي ما كان ليكون لا سياسياً ولا أيديولوجياً ولا فنياً لولا الانفتاح الإيجابي على ثقافات الغير. ولأنّ هذه الثقافة قُرئت قراءة إبداعية تأويلية مشروعة مرتبطة بالظروف التاريخية والإرهافات الفنية, فإنها استخدمت البرشتية عند بعضهم بصورة إبداعية؛ فصارت برشتية عربية كمفردات محتملة لصياغة نص جسدي بتقنيات أضافت إليها ضلالات أخرى وهذا ما حدث مع سعد الله ونوس ومحمود دياب ونجيب سرور ومحمد بن قطاف وسعد أردش.
"لكنّ هناك من تعاملوا مع هذا "التهجين" من باب الببغائية أسواءً من رواد المسرح والاتجاهات الغربية أم مع الفلسفات والإيديولوجيات الوافدة."
rwayda
08-Aug-2008, 09:59 PM
حوار مع عزالدين المناصرة
هل هناك مكان للشعر في يوميات الإنسان العربي اليوم؟
- في ظل الجفاف العالمي والشركات العابرة للقارات واحباطات المواطن العربي يبقي مكان للشعر، لأنه مربوط بالإنسان أساسا والإنسان بدون عواطف هو حجر متنقل، لهذا لا أتوقع أن الشعر سينقرض من العالم لكننا نمر بفترة يتحول فيها الشعر إلى نقطة الصقيع بسبب قلة المواهب الشعرية الجديدة كنصوص، فمنذ خمسة عشر عاما لا جديد في الشعر العربي، نجد فقط نمط قصيدة النثر وهي تميل إلى تبريد اللغة الشعرية، ونجد بعض التكرار في قصيدة التفعيلة، بمعني لم يظهر شاعر جديد خارج إطار جيل الستينات الرواد، وأيضا لم تشبع قصيدة التفعيلة بما يكفي، ثم لان الإشكال ليست مقدسة، فالعمودي ليس مقدسا والتفعيلة ليست مقدسة كشكل شعري، وتقاس أهميتها في مدى فعاليتها في القارئ ولا يوجد هذا القارئ لحد الآن، هناك بالفعل عزوف عن الشعر في العالم العربي، يرجع بعض ذلك إلى الصحافة التي تبنت بشكل أيديولوجي قصيدة النثر، فأصبح الناس ينظرون إلى هذه النصوص على أنها نموذج الشعر، ويقولون أنها مجرد صور ولا تعبر عن هموم الإنسان العربي وآماله في زمن العولمة، نلاحظ تحول الجيل الجديد نحو الفردية والانطواء على ألذات لان هذا الجيل بني رؤيته على فراغ، فهو جيل المبادئ المهزومة وليس لديه مثال يقتدي به، ولهذا غرق في العولمة بدون أسلحة، فهو يعتقد إذا قلد المدرسة الفرنسية أن ذلك هو باب العالمية، وإذا اتبع الموضات في أوربا حيث قصائد المقاهي والجنس انه بذلك يبتعد عن الخط السابق له، فأصبحت القصيدة تخص صاحبها، في العام الماضي شاركت في مهرجان الشعر العالمي في هولندا، فوجدت أن الموضة المسيطرة هي الهولكست اليهودي، وقد واجهت جمهورا مختلفا، كنت كنت اعتقد انه سيقف ضدي كوني مخالف للنظرة السائدة، لكني وجدت تقبلا وقالوا لي بأنهم يشعرون بالمختلف من يعبر عن ذاته، فالشعراء العرب يذهبون إلى أوربا لينافقوا الأوربيين في قضايا الجنس وشعر المقاهي، والحقيقة أن تراثنا غنى بنصوص شعر الجنس فماذا يقدم الشاعر العربي من جديد فيها، ولكن تفكيك سيكولوجية الإنسان وهمومه الذاتية هو ما كان مكبوتا في المرحلة السابقة، فانفجر بشكل خاطئ باتجاه فردية منغلقة، وانعدم الجمع بين الهم الجماعي والذاتي، الشعر اليوم أكثر صفاء من الناحية الجمالية لكنه أكثر انعزالية من جهة هموم الناس.
* بعض النقاد يعتبرون النص الشعري العرب يضيع قضيته الأساسية وتاه بين الحداثة والتراثية؟
- نحن لم نفهم معني الحداثة بالشكل الحقيقي، أخذنا المصطلح من الغرب كما هو، وآلا كيف نفسر سلوك طائرات الحداثة الاسرائلية في جنين ورفح ومن؟ يفسر لنا حداثة التكنولوجيا في سجن ابو غريب هذه؟ الحداثة استخدمت في نقيض وظيفتها، كما كان فانون يقول كان الجزائريون ينظرون إلى جهاز الراديو نظرة سلبية، فالفرنسيون يتحدثون إلى فرنسيين، فكل حداثة يمكن أن نستخدمها في عدة أوجه، الشعر في الخمسينات أضاع الكثير في الصراع حول ثنائية العمودي والتفعيلي، والقضية لم تكن عمودي أو تفعيلي، ولكن الشعراء الذين حملوا لواء الحداثة لم يكونوا حداثيين، كان فقط الشكل حداثي، فلو كنت شاعر قصيدة بصيغة حداثية ولكنها تأيد التخلف فأين الحداثة فالشكل؟ لا يحدد الحداثة، لقد ضيعنا الكثير من الوقت، ودمر بعضنا بعضا من اجل هذه الثنائية، وهو ما منع حدوث التطور المطلوب، واليوم يدور الصراع حول البنيوية والسميائية ونهمل جوهر الموضوع، وما زلنا نعبد الأشياء ثم ننقلب ضدها
ماذا يمثل احتلال العراق في النص الشعري العربي؟
- احتلال العراق وسقوط بغداد أنتج مقالات ومواقف للمثقفين العرب، لكنه لم ينتج قصيدة واحدة، واعتقد أن وجود ثنائية لا أمريكا ولا صدام شعار الشعب العراقي هو الخيار والصدى الحقيقي، والشاعر كان ينظر إلى النظام الذي ادعى انه سيواجه أمريكا ثم رآه يسلم العراق في ساعات، فالحدث محبط، ونحن نشعر بالعار لان المقاومة في جنين استمرت عشرة أيام وعاصمة الخلافة تسقط في ساعات ونحن؟ كشعراء عادة أما أن نقف مع الحدث الايجابي والتراجيدي، ولكن الحدث محبط ونحن نخجل من الحديث عنه، ولهذا فهو ليس محفزا على الشعر.
* مازال البعض يثير إشكالية علاقة المثقف مع السلطة بأوجه مختلفة متى يمكن أن نتحرر من هذه الإشكالية؟
- الأنظمة العربية عادتها أن تعلق هزائمها على كاهل المثقفين، مع أن المثقف لا يملك القرار السياسي ولا العسكري في مواجهة الأخطار، فالشاعر يريد أن يكون مع هموم الشعب أو يختار حزبا من الأحزاب المعارضة، وانأ اخترت الحساسية الشعبية لاعتقادي أن السلطة والمعارضة لا تمثلان قطاعا شعبيا واسعا، لكن الحساسية الشعبية غير مؤطرة، وهنا انتقل إلى المثقف اليساري من النضال ضد الإمبريالية إلى السقوط في شرك مؤسسات المجتمع المدني المخترقة والممولة أمريكيا، وفي المشرق العربي أصبح الأمر عاديا، هناك خلط بين دور المثقف بين انتماؤه الوطني وبين الحساسية الشعبية التي اخترتها كوني فلسطينيا.
* نلاحظ في سنوات هجوما العولمة على الوطن العربي تراجعا كبيرا للنخب اليسارية فهل يكفي مثلا رفض الجوائز الحكومية للتعبير عن الموقف؟
- لقد ظهر تيار خطير في سياق التراجعات اليسارية المتمثل في التيار اللبرالي، وهو اخطر على مصالح شعوبنا من أية جهة أخري، وهو تيار ليبرالي تابع ومخترق، ومقولاته تنحصر في التكيف مع الأمركة والطروحات الصهيونية والديكتاتورية كسلوك ضد التيارات الاخري، وكناقد استبشرنا خيرا بالتخلص من البعثيين والقوميين. ومن شعاراتهم من اجل الدخول في عهد الديمقراطية، فإذا بالتيار اللبرالي التابع أكثر خطرا من شعارات السابقين، فهو يمارس الديكتاتورية ضد الآخرين بداية من الصحافة التي يمتلكها وانتهاء بالتعليم، فقد ربط اللبرالية بالتامرك والتصهين، واليسار التقليدي تراجع دوره لأنه ربط نفسه بالاتحاد السوفيتي والاشتراكية فأصبح اليوم يتيما على مأدبة اللئام، وبقي اليساري الفردي وحيدا يرفض كل شئ، ونحن نعيش مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم إلى أن تظهر خطوط جديدة، ولكن الأكيد أننا لن نصبح لا أمريكيين ولا اسرائليين لان هؤلاء يرفضوننا أصلا
ولكن يوجد في الساحة التيار الإسلامي، فلماذا لا يلتقي التيار اليساري والإسلامي مادام الطرفين يلتقيان حول العدالة والتنمية مثلا؟
- للأسف ضيع الطرفان وقتا طويلا، وبالذات في الخمسينات والستينات، عندما كان الإسلاميون مع الأنظمة وضد التيار اليساري والوطنيين، وعندما وقع الإسلاميون في المأزق لم يجدوا من يقف معهم، لأنهم كانوا ضد الآخرين من قبل، ولان يجب أن يلتقي اليساريون والإسلاميون على الأقل في مواجهة التامرك والتصهين، المشتركات بينهم كثيرة، ولكن الإسلاميين المتنورين فحسن حنفي مثلا إسلامي متنور، ولكن لا يمكن الالتقاء مع المتعصبين، فالإسلاميون ليسوا كتلة واحدة، ويمكن التفاهم والالتقاء مع المتنورين منهم الذين يعتقدون أن الإسلام دين التسامح، وان الجهاد ضد محتل الأرض ويعترفون بالتعددية، وان الاختلاف حقيقة اجتماعية، ونحن كبتنا الاختلاف على حساب التوحيد القسري القهري وتوهمنا وهما رمزيا حول وحدة لم تتحقق، وعلى المستوي الشخصي انتمي إلى عائليا إلى نعيم الداري أول من أعلن إسلامه من سكان الخليل أمام الرسول ونحن نقاوم الاحتلال منذ العام التاسع للهجرة، وكمسلم لا اقبل أن تلصق السلبيات كالإرهاب بالإسلام.
* بعض المثقفين أصبحوا أبوقا للترويج للمقولات الأمريكية حول ربط الإرهاب بالإسلام؟
- معروف أن موجة العولمة هي من يروج لذلك، ونموذج أسامة بن لادن وطالبان لا علاقة لهما بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، لقد تم اختراع أسطورة بن لادن من اجل إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام لتحقيق الأهداف الأمريكية، فقد استعمل بن لادن في الحرب ضد الروس واليوم هو وسيلة لسيطرة أمريكا على المنطقة.
* ماهي الحقيقة في سبب خروج من الجزائر وهل للشيخ الغزالى علاقة بذلك؟
- قيل لي لا احد يمكنه أن يحميك، إما 1991حينها ج- أنا خرجت من الجزائر سنة قصة جامعة قسنطينة فانا كنت رئيس اللجان الفلسطينية للوحدة في الجزائر التي لعبت دورا كبيرا في التوحيد بين جناح تونس وجناح دمشق، وقد كان هناك طرفا فلسطينيا متضررا من ذلك التوحيد، وكان هناك أيضا التيار السلفي الذي يعتبر كل من يخالفه هو عدو، وانا خريج دار العلوم بالقاهرة ودرست في جامعة صوفيا وأمنت بالاشتراكية، فكنت ضد البيروقراطية والتخلف، وبعض أرائي لم تعجب المتطرفين في جامعة قسنطينة، وفي لحظة معينة أدركت أن هناك من يريد أن يحل مشاكله على حسابي، وظهر من يطالب بجزاة الجامعة ولم يكن هناك سوى انا وجودت الرحباني، وقيل لي ايضا انك تعاونت مع عبد المجيد حنون في تأسيس الرابطة العربية للأدب المقارن، وأما الشيخ الغزالى فقد خطب في ملتقي الأدب في عالم اليوم بجامعة باتنة واستشهد ببعض إشعاري، وقام بتأويل شخصي لها على أنها شيوعية وملحدة ووثنية، ووجهة نظري تقول أننا كنا وثنيون وأسلمنا وهذه المرحلة الوثنية هي جزء من تاريخنا، وقد كتبت العديد من المقالات ضدي، ولكن اعتقد أن القصة كلها مدبرة، ويقال ولا اعرف ذلك بالتحديد أن المرحوم الشيخ الغزالى اشتكي منى إلى الوزير بوعلام باقي والى رئيس الجمهورية، وقد تعرضت إلى العديد من المضايقات، ثم جاءت حادثة الشهيد ناجي العلى وقد وصلتني تهديدات مزعجة عن طريق الهاتف تقول إذا لم تتوقف عن الكلام حول ناجي العلى فسيكون مصيرك مثله، والصوت كان فلسطينيا كان يتكلم من العاصمة، وهذا الشخص هو العقيد عبد الرحمن صالح قاتل ناجي العلى وهو موجود الان في السلطة الفلسطينية
rwayda
08-Aug-2008, 10:01 PM
مؤخرا حذر الرئيس عرفات من إعادة طبع كتاب أكله الذئب السيرة الفنية لناجي العلى هل لذلك علاقة بما تقول؟
- الرئيس عرافات لا يهتم بمثل ذلك، ولكن من حوله من بعض المثقفين الفاسدين وبعض المتاسرليين الذين لا يريدون فتح هذا الموضوع، وناجي العلى كان يزعج البعض واغتياله اكبر فضيحة في تاريخ الثورة الفلسطينية، لان بعض المثقفين حرضوا على قتله، والمعروف أن لوحتين هما سبب قتله الأولي ضد عرفات والثانية ضد الشاعر محمود درويش، وقد استغلت الموساد ذلك ودخلت على الخط وهم ما كشفه صحفي إسرائيلي في كتاب
* ماهي مكانة المثقف العربي في مشروع الشرق الأوسط الكبير؟
- قرأت هذا المشروع وهو تافه ويشبه توصيات الجامعة العربية، لكن الشرق الأوسط الكبير الحقيقي سري ويطبق سريا وتتكيف معه بعض الأنظمة العربية، ونحن نبقي نطالب بالديمقراطية وحق الاختلاف والتعددية والتنمية التي تبقي مؤجلة إلى أن تأتي الأوامر الأمريكية، كما أن الإصلاح مطلب شعبي قديم والشرق الأوسط الكبير هو جامعة شرق أوسطية بديل عن الجامعة العربية بقيادة إسرائيل وإلغاء اسم فلسطين من الوجود.
* هناك تسارع في تغيير المناهج التعليمية حسب الأوامر الأمريكية في مقابل إصرار الأنظمة الحاكمة على مواصلة صناعة النخب المغشوشة ما هو تأثير ذلك على الثقافة العربية؟
- نحن نعيش مرحلة انتقالية تخلص فيها الأوراق بداية من صناعة النخب المزورة إلى المشاكل الداخلية كقضايا الاثنية الامازيغية في الجزائر والكردية في العراق..، ولا اعتقد أنها مشكلة في الأساس ولكن استعملتها بعض النخب ضد الأهداف العامة للوطن من اجل تنفيذ التامرك، ولكن يمكن حل هذه المشاكل بشرط تنازلات من كافة الأطراف، النخب تستخدم اليوم من طرف أمريكا مثل قضية سعد الدين إبراهيم في مصر، والحقيقة أن الأقباط وطنيون والبابا شنودة رفض زيارة القدس لاحتلال إسرائيل دير السلطان التابع للأقباط، وأما المناهج التعليمية ففيها بعض الخلل ومعالجته تتم بطريقة خاطئة، فلحد الان مازالت قصائد المعارضين ممنوعة في التعليم، ولكن الجمهور لا يعرف سوانا ونحن الشعراء الحقيقيين عند الجماهير، والأكثر من ذلك خطورة هو تحويل التعليم إلى عملية تقنية من اجل قتل الهوية ولن تصبح أمريكيا إذا غيرت المناهج ولكن الذي يعلم هو حرية التفكير والتعبير.
هل هناك حرية أكاديمية في الجامعات العربية؟
- لا وجود للحرية الأكاديمية على الإطلاق، توجد محاولة تزوير الحرية، أي بإظهار أننا متحررون وفي واقع الأمر أن الممنوعات كثيرة، المسموح به فقط أن تتامرك ويوظف المتخرج من أمريكا مهما كان مستواه ويقدم على غيره مهما كانت درجته العلمية.
* أنت أعدت إحياء حيزية في زمن العولمة هل هناك مكان للثقافة الشعبية الان؟
- سوف تبقي الثقافة الشعبية صامدة، وستكون عولمات محلية وستتشكل حالتان التكيف والمقاومة بالتوازي، وستبقي الخصائص الشعبية للشخصية الوطنية والذي سيتغير هو التجدد، لقد قدمت نظرة جديدة عن حيزية لم يسبقني إليها شاعر جزائري، لقد قلت لبن قيطون روايتك غي صحيحة ورويت رواتي المخترعة لأننا لا نتطابق مع التاريخ، فحيزية تبقي في الذاكرة الشعبية وسيزول عنها الفلكلور، لأننا لن نبقي أسرى النظرة الغربية بأننا عالم الأثرياء النفطيون في لندن.
* ما موقع الراهن السياسي في الخطاب الشعري العربي؟
- الشعر لا يتعاطي مع الانيات، ولكنه يتعامل مع استراتيجية الشخصية الوطنية والجمهورية الوراثية طارئة عن التاريخ ومحاولة للتكيف من اجل البقاء ضد الإرادة الشعبية، وقد طرحت فكرة السياسي والثقافي في الخطاب الشعري في الفترة الماضية واليوم يريد الغرب الاتجاه نحو العكس لأنه يطرح عملية السلام في المنطقة ولكن يبقي الشعر يتعاطى مع اتساخات الواقع وجماليات القبح ومع عذابات الإنسان العربي.
* عشت في الجزائر لسنوات كيف تقرا اليوم المشهد الثقافي الجزائري؟
- تعرفت على الثقافة الجزائرية منذ طفولتي، من خلال ترجمات نصوص محمد ديب وكاتب ياسين ومالك حداد،ثم قرأت لجيل السبعينات الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة ورشيد بوجدرة،وكنت اشعر باتجاه وطار كروائي أكثر،اشعر انه يلتقط المشاكل والهموم الجزائرية،ولاحقا جلالي خلاص ومرزاق بقطاش وتابعت الشعر الجزائري منذ مفدي زكريا حتى ادريس بوديبة ومحمد ستيلي وغيرهم،كما تابعت القصة القصيرة،ولكن منذ بداية التسعينات انقطعت وواجبي التواصل مع الثقافة الجزائري لأنها جزء من حياتي واشعر بالفخر بالأصدقاء الذين اعرفهم والطلبة الذين درستهم وعبد الله عيسي لحيلح منهم وللأسف لا أتذكر كل أسماءهم لكنهم اليوم نماذج للنخبة في الجزائر.
rwayda
08-Aug-2008, 10:02 PM
http://www.alimbaratur.com/All_Pages/Waw_A_M_Stuff/Waw_42/layw.jpg
حوار مع الشاعر العالمي المعاصر
أريك بانكي
لا اعتقد اننا نعيش عصراً رديئاً للشعر، بل اننا نعيش عصراً غنياً ومفعماً بالحيوي
ة
* انا اتلقى الموسيقى في جميع الاوقات (...) انها طريقة لصرف نفسي عن الوعي بذاتي باني امارس كتابة قصيدة.
عندما قررت تحديد عنوان كتابك الجديد (النصب) ("القبر الفارغ" في اللغه الأغريقية) هل كنت تفكر تحديدا في النصب التذكاري الذي صممه السير ادوين لوتينز تكريما للجنود الذين فقدوا في الحرب العالمية الأولى، ام انك ببساطه افتتنت بفكرة النصب التذكاري؟
- لقد كنت منجذبا لفكرة القبر الأجوف، الشيء الذي عليه ان يحوي شيئا ما لكنه ليس كذلك، أي انه فارغ. في الديوانين الأول والثاني من هذه السلسلة: (كتابات مشكوك في مؤلفها) و(قصص الحب الأخيرة) هناك تضارب روحي في الأيمان بمعجزة القبر الفارغ ارتباطا بموت السيد المسيح ثم قيامه يحصل لدى المتكلم في (كتابات مشكوك في مؤلفها). فهذا المتكلم لا يرى الآن غير الفراغ. إن فكرة النصب لهذا السبب تفرض نفسها علي بالقوة. عندما كنت اكتب القصيدة الحقيقية (النصب) كان مصير الشاعر هارت كرين (1899 - 1932) مؤلف السلسلة المعروفة بعنوان "الجسر" الذي مات في البحر يشغل بالي. لقد انتحر ولم يسترد جسده ابدا. فعندما كنت اكتب القصيدة الأصلية تملكتني فكرة قصيدة تكون بمثابة "نصبا تذكاريا" لهارت كرين بكل الجوانب التي تم حذفها منها. لقد كانت القصيدة اطول من ذلك. انا دائما اعتقد بأني سوف اقوم بكتابة قصيدة بطول كتاب كامل لكنها تنتهي دائما بأثنى عشر بيتا فقط.
* أشرت إلى إن (النصب) هو الجزء الثالث من سلسلة. هل تتصور نهاية لهذه السلسلة ام إنها مشروع مستمر في التطور؟
- إن “النصب” توشك ان تضع نهاية لهذا المشروع بشكل خاص. لقد أطلقت عليه اسم "لوح ثلاثي" وليس "ثلاثية" لأني لا اريد ان تكون العلاقة بين الكتب ذات طابع تسلسلي بالضرورة، بل اريدها مصممه بطريقه يمكن من خلالها تقديم هموم وقضايا محدده مثلما يقدمه اللوح الثلاثي في الفن المرئي. في اللوح المركزي يسود الوضع النفسي والحكاية بينما يروي اللوحان على الجانبين قصص اخرى تتحدث عن أمور ذات علاقة بما يجري في المركز. وانا ارى حقا إن (قصص الحب الاخيرة) تكون في المركز، فهو افضل ما يمثل الوضع النفسي الراهن لدي، من الجانب الآخر يكون اللوحان الآخران بمثابة النهايتي
ن.
* كما جاء في نموذج المحراب في أوربا القرون الوسطى التي من المحتمل انك رأيت فيها الفردوس على اللوح الأيسر ورأيت الدينونة النهائية او الجحيم على اللوح الأيم ن؟
* اجل، تلك الأنواع من الحدود هي فضاءات بين الفردوس والدنيا، بين الدنيا والجحيم او بين الروح والمادة، إنها قضايا تثار في الكتب الثلاثه
.
* هناك شخصية "بروسبيرو" تظهر في العديد من قصائد (قصص الحب الأخيرة) وبعض قصائد (النصب) المتأخرة. أثناء قراءتي كنت أتساءل أي بروسبيرو يدور في ذهنك. أكثرهم وضوحا هو ذلك القادم من "عاصفة" شكسبير، لكن فيما يبدو وكأنك ترى في ذهنك في نفس الوقت (بوب بينيدكت الرابع عشر) و بروسبيرو لامبرتيني (1675-1758،بوب 1740-175http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_cool.gif المعروف بثقافته الواسعه وشفقته.
* بروسبيرو قصائدي يشبه الى حد بعيد شخصية بروسبيرو شكسبير في "العاصفة". فقد كان في جزيرة، وعاد الآن الى ايطاليا،المكان الذي تدور فيه قصائدي. يمكن ان يكون من رموز النهضة، او قد يكون على قيد الحياة الآن. انه لا يمكث في ميلان لأنها مليئة بفساد المدينة، لذا فهو يسافر الى مكان آخر، يذهب إلى سيناء. انها لحماقة في الواقع أن نتقبل شخصيه مثل بروسبيرو الذي يتكلم بعضا" من اجود الشعر في لغته. فأنا افضّل فكرة أن يكون بروسبيرو قوه خلاقة، انه والشاعر في موقع واحد. أي انهما يستطيعان أن يتحكما بجزائرهما بقوة السحر، لكن ذلك لا يمنحهما سلطه كبيرة على امتداد العالم. انه شديد الوعي بذاته فيما يتعلق بعملية الخلق وبكل براعة اليد والخدع والمهارات المرتبطة بذلك. هناك مسألة الفن والأفتتان والحرفه ودراسة اصل الكلمة مثل "الحرفة" وكل ما ينبغي ان تعمله في عملية خلق القصائد.
* إن غلاف "النصب" هو صورة (لغز الوصول) و(المساء) لجورجيو دي جيريكو، هل جرى ذلك باختيارك الشخصي؟
- أنا اخترت ذلك فعلا. وكان الأمر في غاية التعقيد في الحقيقة، لأن الصورة كائنه في مجموعة شعرية، ونحن حتى في آخر دقيقة كنا نتدافع من أجل الحصول على حق إعادة إنتاجها. وقد واصلت الكفاح من اجل تلك الصورة الاستثنائية، حيث حالفني الحظ مع مجموعة (نوبف). لقد اخترت أغلفة الكتب الثلاثة التي احتوتها وكان ذلك مدهشا. لقد عكست الأغلفة بحق أجواء القصائد داخلها. وإذا قدر لك أن تصدر حكما على الكتاب على ضوء الأغلفة، فلابد أن تتوصل إلى انه كتاب رائع (يضحك). إن العديد من تلك القصائد كانت قد كتبت أثناء قراءتي لكتابات (جيريكو)، وكنت أفكر بالرسم الإيطالي الميتافيزيقي؛ حيث كانت فكرة السحر والغموض والغرابة هي الطاغية. في أعماله يمتلك جيريكو احساسا بالعيش في العالم المتمدن، العالم الذي يعيش فيه الفنان، وفي ذات الوقت ترى هذه الأعمال عتيقة وأثرية. وكنت أتمنى أن القصائد قد استطاعت الإمساك بذلك، إنها تتحرك جيئة وذهابا بصوره فردية مميزه، بين الأسلوب العالي والأداء الشعبي المتصاعد مع الأغاني الحزينة واغاني بوب ديلان
.
* لقد نشرت (الأرق الميتافيزيقي) اولا في جريدة والاس ستيفنس. هل كان ثمة تأثير لستيفنس على فكرك عندما كنت تكتب ذلك؟
- آه، أجل. الغريب ان يثار موضوع
(وولس ستيفنس ) في كل مره جرى تقديم كتابيّ الأخيرين فيها في العديد من الأماكن. لذا قررت الإفصاح عن نواياي واكتب قصيده تتضمن اعترافا مباشرا بقصائده. في (الأرق الميتافيزيقي) ذكرت قصيدته "نجوم تالابوسا" ،فانا اتخيل صورة مشابهة لحال ستيفنس وهو يعيش لياليه الأخيرة دون زواج سعيد. انه الشاعر الذي احتل الموقع المركزي طيلة العقد الأخير على الأقل وبشكل قاطع في مجال موسيقى الشعر التي اسمعها. إنني مأخوذ بشكل خاص بالأسلوب التأملي الذي اتبعه. إحدى عباراته الأثيرة لدي هي تلك التي يصف فيها (البهرجة الجوهرية للشعر). إن أحد الأشياء التي تثير إعجابي بأسلوبه هو إن الشك لا يتسرب إليك مطلقا في انك تعيش أجواء قصيدة. لكن هناك كمّ هائل من الشعر يفعل كل ما يستطيع من اجل إنكار براعته وليس جلب الاهتمام إليه والى الخطاب الواضح البسيط الذي يشبه الصوت.إن محاولة إدخال "لغو الكلام" في القصيدة هي إحدى روافد الحداثة في الماضي. بالنسبة لي ككاتب إن فكرة فرض الحديث – مثلما نفعل الآن - ضمن قصائدي ترعبني وهي آخر شىء يمكن أن أرغبه. لكن لابد من القول ان الشعراء الذين أثاروا إعجابي مثل ستيفنس وهوبكن واليوت في اعماله المتأخرة يميلون إلى خلق مظاهر خارجية مكثفة ومتقنة.
* أشرت إلى (جدول الربيع البارد) في (النصب) هل نستطيع الافتراض إن ذلك مكان حقيقي ؟
- أجل، لقد قضينا أنا وزوجتي الاربعة عشر أو الخمسة عشر صيفا الأخيره في (كونيكتكت) وهو المكان الذي كتبنا فيه معظم قصائدنا. يقع المنزل في ( لونغ اتلاند ساوند)، لذا عندما تنظر عبر النافذة الخلفية ترى على جهة اليسار هناك المضيق والشاطىء، ويوجد على جهة اليمين المستنقع الملحي. وهناك جدول يتأثر بالمد والجزر يجري في المستنقع الملحي، وهذا هو (جدول الربيع البارد). كان شيئا جميلا يستهوي النظر اكثر من الخليج الذي لم يكن اكثر من بحيرة هادئة بحق. أنا في الاصل من الغرب الاوسط الامريكي، لذا فقد قاومت في البدء كلمة "جدول"، فنحن لم نكن لنستعمل تلك المفرده في المكان الذي أتيت منه، حيث أنها قد تعني نهرا أو قد تعني جدولا
.
* من ترى من بين الشعراء الشباب يثير الأعجاب ؟
- هناك شاعر من شعراء الديوان الأول يدعى (جان فايسميلر)، ديوانه الأول (النور المتفرق) يضم قصائد هجينة من كل من ديكنسون ودونالد جستس ان استطعت تصور ذلك. أما شاعر الديوانين الذي أفضله كثيرا فهي الشاعرة بربارة جوردن في ديوانيها (كل هذا الطريق من اجل رحله قصيرة) و(مجرى النهر)، أنا أتكلم عن الشاعرة وليست السيناتور (ضحك).
* وماذا عن الشعراء المعروفين؟
- سيموس هيني وسيزلو ميلوز هم افضل شاعرين من الأحياء، وجارلس رايت هو الأثير الشخصي. ومؤكد أنى احب انتوني هيخت ودونالد جستس، واحب لوسي كلوك كثيرا، واعتقد إنها متفاوتة في عدد من المرات، إلا إنها فيما عدا ذلك تكون في حالاتها الأفضل. وهناك شاعر رائع رغم أني افهم قصائده بشق النفس هو جيوفري هيل. إن قصائده متراصه بكثافة.
* أحد الأبيات المفضلة من بين جميع الأشعار مأخوذة من (انكماش المجد)، الجزء التاسع من (دفاعا عن نهضة العمارة المسيحية في إنكلترا) هي:
"غرف السيدات المهيبة حيث يلمس البلور برفق
في خزانات الجمشيت الأرجواني والزجاج البلوري".
- اجل، أجل. لقد تعلمت الكثير من هذه السلسلة حقا. وتعلمت اشياء حول قدرات البيت الشعري وكم يستطيع البقاء، ومقدار التعقيد.
* وماذا عن "حال" الشعر اليوم؟
- لا أعتقد إننا نعيش عصرا رديئا للشعر، بل إننا نعيش عصرا غنيا ومفعما بالحيوية حقا. بوسعي أن اذكر أسماء لا حصر لها لشعراء غنائيين تأمليين. غير ان هناك آخرين مثل سوزان هاو ومايكل بالمر وجوري غراهام ممن يواصلون توسيع حدود الشعر. إنني أجد جميع هؤلاء شعراء مثيرين. حالة الفزع الوحيدة بالنسبة لي حول قضية الشعر هي إلى أي مدى يتحول الشعر إلى حال يشبه حال الممثل السينمائي الثانوي في بعض الأحيان. إن جانب الشهرة فيه يعكر الأمور كثيرا تماما. فمن العسير التحدث عن قصائد "س" من الشعراء مثلا دون إرهاقها بسيرتها الذاتية.
* غالبا ما تتخذ من الرسومات كمواضيع جزئية، او كلية لقصائدك. وقد لا يتيسر جواب شاف على هذه المسألة، لكن السؤال هو هل هناك عصر ما بعينه يشكل مصدر جذب اليك؟
- لقد أردت ان أكون فنانا متخصصا بالصور المرئية في مطلع حياتي. لكني اكتشفت أنى اكثر قدرة على الشعر،مع ذلك واصلت اشغال نفسي كفنان هاو في الصور المرئية. لقد انجذبت في المقام الأول الى الفنانين الإيطاليين، فهناك يسكن قلبي. ورغم قولي ذاك، سأقول ايضا بأني أحب (اغنز مارتن) الرسام الايطالي المعتدل المعاصر. واحب (السوورث كيلي). اعطني ايقونة دينيه وستجدني سعيدا لساعات. اعتقد اني منجذب لأي شىء باستثناء ذلك الوضوح الذي تقدمه ما نسميها الآن ما بعد الحداثه حيث يكون التظاهر بالجهل هو الأمكانية العاطفية الوحيدة. وحتى في ذلك أنا اعثر على عنصر دعابة اكثر مما يقصد الفنان. إن ابرز فنان انجذب اليه هو جوزيف كورنيل في الوقت الحالي. إن صناديق الصور المنعكسة العائدة له تماثل قصائدي بشكل ما، فأنا أتناول تراكم من الشظايا، مجموعة من الأبيات ثم ابحث عن وعاء أستطيع ان اضعها في داخله.
* هل حدث وان ألهمتك الموسيقى عند الكتابة؟
- أجل، لقد كتبت ديوان (كتابات مشكوك في مؤلفها) بمصاحبة معزوفة باخ "فن موسيقى الفيوكََـ" وكانت "المزمار السحري" تغطي الخلفية عند كتابة (قصص الحب الأخيرة) وربما كان ذلك وراء الطبيعة الأوبرالية للكثير من القصائد. انا أتلقى الموسيقى في جميع الأوقات. إنها تدحرج زوجتي إلى أعلى الجدار. فهي كاتبة ايضا ولا تستطيع الكتابة دون ان تكون هناك موسيقى متواصلة. إنها طريقه لصرف نفسي عن الوعي بذاتي بأني أمارس كتابة قصيدة. كذلك أقوم بمعاينة أشكال فنية أخرى حول الطرق الممكنة لتشكيل القصيدة. ان فكرة (الفيوكَـ) هي فكره مشوقه للغاية. لقد حاولت ايجاد وسائل لمحاكاة حبكة (الفيوكَـ) المعقدة تلك بواسطة الصوت المفرد للقصيدة. أمضيت الوقت الطويل في تنظيم الدواوين لكي تقرأ باعتبارها كتبا نقيضه لقصائد التشكيلة المتنوعة. افترض أشكال سمفونية اكبر. لقد سبق وان ذكرت إن فكرة الألواح الثلاثية هي اكثر أهميه بالنسبة لي من الثلاثية، وآمل في إقناع (نوبف) لنشر الكتب الثلاثة في مجلد واحد وهي (كتابات مشكوك في مؤلفها) و(قصص الحب الأخيرة) و(النصب).
* ماذا لديك هذه الأيام ؟
- أعمل على قصائد جديدة هي بمثابة ابتعاد نغمي عن القصائد المبكرة. فقد كانت أعمالي الأقدم كئيبة ووقورة ورثائية، اما القصائد الجديدة فهي قصائد عابثة واكثر شهوانية، الجانب الحسي فيها يتجه نحو المتعة الجسدية اكثر منه نحو الاتهام المضاد للنفس (يضحكان). أنا اعرف أنى لا زلت أواصل اكتشاف طريقي. فحتى وان توفر لدي عدد من القصائد المكتوبة يغطي نصف ديوان فأني أواصل عندها إيجاد العناوين الفعالة لقصائد جديدة مخصصه لتلك المجموعة. وهذا مؤشر لي يوضح أنى قد أفلحت في وضع القصائد القديمة ورائي.
أجرى الحوار ارني هيلبرت
ترجمة: عبدالعزيز لازم
rwayda
08-Aug-2008, 10:03 PM
محمود درويش في حوار مفتوح مع الدكتور حسن نجمي
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:VGZ9Hq-IM9a0JM:http://www.mor3ben.com/mawso3a/darwich.jpg
أتعرض لتشهير وتكفير وتخوين من أغلب الشعراء الفلسطينيين
أجري الحوار في الرباط: في المغرب، في الرباط تحديدا، التقيت مرة أخري الشاعر العربي الكبير محمود درويش لإجراء حوار حول شعره، ومختبر كتابته، وانشغالاته المعرفية والجمالية، وبعض من همومه. وكان محمود قد زارنا لإحياء أمسية شعرية ضمن البرنامج الشعري الموازي للمعرض الدولي للكتاب والنشر الذي نظمته وزارة الثقافة بالدار البيضاء. وجرت وقائع هذه الأمسية في المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، في ذلك الفضاء الذي أصبح مسكنا رمزيا آخر للشاعر الفلسطيني الكبير. ذلك أنها المرة السابعة التي يلتقي فيها محمود درويش جمهوره المغربي في هذه القاعة الكبري الناعمة.
وكان الشاعر الصديق محمد الأشعري، وزير الثقافة في المغرب، قد شرفني بتقديم الشاعر الكبير. ولعله توسم فيَّ بعضا من خبرة التقديم أو جرأته، فليست هذه هي المرة الأولي التي أتولي فيها تقديم درويش. ولأن الأشعري قبل كل شيء شاعر، فهو يدرك والشعراء مثله جميعهم يدركون أن الخبرة أو الجرأة لا يمكنها أن تنتصر علي ذلك الإحساس الغامض بالارتباك الملازم لقراءة الشعر أو لتقديم الشعراء، خصوصا حين يتعلق الأمر بشاعر كبير، عميق، جميل، ودود، ناعم، صادق كمحمود درويش شاعر العربية الحديثة، وشاعر القضية الفلسطينية وضميرها بالمعني الإنساني، والمعني الرمزي والأخلاقي.
طبعا، الجلوس إلي محمود درويش لإجراء حوار حول الكتابة والحياة يظل بعيدا كليا عن ارتباك اللحظات المحتشدة. دفء الصداقة والتقدير المتبادل يمنحان لحظة الحوار امتيازها. وحين يعثر محمود علي مزاجه الرائق، يمنح الحوارات قيمة نوعية مضافة، فتتألق الأفكار وتكون للكلمات هيبتها الشعرية. ولا يغدو الحوار مجرد تعليق أو صيغة أخري للإخبار، وإنما يرتقي إلي مستوي النص الموازي للقصيدة بالمعني النظري والجمالي العميق الذي يحدده الشِّعْرِيُّون المعاصرون وعلي رأسهم جيرار جونيت للحوار الإعلامي.
إنها المرة الثانية التي أجري فيها حوارا مسجلا مع محمود درويش. وفي كل حوار، مثلما في كل لقاء، أزداد ثقة في الشعر والشاعر، وفي الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة التي يشكل محمود أحد مرتكزاتها الأساسية. ومثلما نحن مدينون بالكثير، شعريا وجماليا، لعدد من كبار شعراء العربية، نعترف بأن لمحمود درويش تحديدا فضلا علينا، علي الكثيرين منا في المغرب وفي الساحة العربية من مائها إلي مائها. فقد تعلمنا منه الكثير من الكلمات التي لا تشبه كلمات القاموس رغم أنها منه. وتعلمنا منه الكثير من الاستعارات التي لم تكن مجرد ظواهر لفظية أو لغوية، أو نحتا تزيينيا، وإنما كانت استعارات إنسانية نكاد نلامس ما فيها من دم ولحم، ونكاد نشم ما به تعبق من روائح الأدخنة أو عطر الزعتر البري والليلك والبرتقال والياسمين.
وفي هذا الحوار، نندس قليلا في المختبر الشعري لمحمود، ونتعرف علي شكل المسودة الأولي لقصيدته. ونقترب أكثر من تلك الجدلية اللامرئية التي يوشج بها بين الشعري والنثري. نسأله عن طبيعة قراءته لزملائه من كبار شعراء القصيدة العربية الحديثة، عن المحيط الشعري الفلسطيني الذي يتاخم قصيدته ووجوده الخاص، عن المعني واللامعني في الشعر، عن تاريخ قصيدته وتاريخ نقدها، عن بنية الاستشهاد والموت السياسي في مرثياته التي تعلي من شأن الحياة بدون أن تمجد الموت أو تقدسه، وعن أشياء أخري أساسية.
- دعني أسألك أولا عن عادتك مع الحوار الصحافي. كيف تعاملت طوال مسارك الشعري والأدبي مع الذين يطلبون منك إجراء لقاءات إعلامية حول شعرك ومواقفك؟ كيف تنظر إلي هذا الحوار باعتباره نصا موازيا لقصيدتك؟ هل يسعفك علي إضاءة جوانب معينة في عملك الشعري؟ هل توفر فيه بعض عناصر الإخبار لقرائك؟ ثم ما هو الحوار الذي تعثر فيه علي نفسك وترتاح فيه؟
- أولا، أحب أن أقول إنني أجد صعوبة وأبذل جهدا كبيرا في الحوار، لأن الحوار في جوهره كتابة شفوية وليس مجرد جلوس وكلام كما يبدو لكثير من الصحافيين المستعجلين. فأنت دائما تجد نفسك أمام من يطلب منك حوارا في عشر دقائق أو في دقيقتين مثلا، ولا يصدقك عندما تقول له إن علي أن أبذل جهدا كبيرا من أجل أن أوفر مناخا مناسبا لإجراء الحوار، وبالأخص حين لا أجد دائما مزاجا ملائما لتبادل الآراء حول موضوع محدد بطريقة شفاهية.
إنني أعتبر أن الحوار يستحق من الجهد ما تستحقه الكتابة، وقد أجد أحيانا أن الكتابة أسهل من الحوار. فأنت في الكتابة تكون رقيب نفسك، ومن حقك أن تمحو، وأن تصحح، وأن تنقح. أما في الحوار الشفاهي، فالكلمة حين تنطلق لا تستطيع أن تستعيدها أو تستدركها أو تعدلها، خصوصا حين تتحدث تحت ضغط عواطف معينة فتغضب بدون سبب وقد تبتهج بدون سبب. ولكن الحوار مختبر لقراءة باطنية للشاعر. والمحاور الذكي يستطيع بهذه الطريقة العفوية التي يجذب بها محاوره أن يكشف طريقة تفكيره أو سرعة بديهته أو كسله الفكري أو نشاطه وحيويته. وأقصد هنا الصحافي الجيد، خصوصا إذا كان شاعرا أو كاتبا يعرف كيف يكون محاورا جيدا وكيف يوفر شرط الندية بينه وبين محاوره، فلا شك أنه سيحقق في الحوار رياضة ذهنية أو منفعة معرفية متبادلة.
لذلك، نادرا ما أرتاح إلي الحوارات السريعة، خاصة تلك التي يجريها صحافيون علي عجلة من أمرهم. وأري أن المسألة تتوقف أيضا علي اللحظة الذهنية التي يتم فيها إجراء الحوار. إن اللحظة التي يرتقي فيها الحوار إلي مستوي البوح، وتنسي فيها أنك في حوار مسجل، تتكلم بشكل أفضل. والعكس، عندما تكون أمام الكاميرا أو يكون الميكروفون مسلطا عليك مثل العصا. أما عندما تنسي الكاميرا والميكروفونات، فأنت تكون في وضع أفضل وتتكلم بطريقة أجمل كما قلت. وعموما، فأنا أتحاشي الحوارات الكثيرة…
- أريد أن أظل عند هذا البعد الشفوي الملاصق لكتابتك الشعرية. فأنت ـ بدون شك، وفي حدود علمي ـ تتكلم عن نصوصك الشعرية، عندما تفرغ من كتابتها، مع بعض أصدقائك وفي فضاءات ضيقة جدا. فكيف يمكنك إذن تقييم هذا الحوار الشفوي، الحميمي إن شئت، حول شعرك أو تجربتك أو حضورك الشعري المتعدد؟
- عندما تجلس إلي أصدقاء أذكياء، تشعر أنك في مختبر. فهنا تتم عملية تبادل الخبرة والتجربة. وعندما أجلس إلي بعض الأصدقاء، أشعر أنني أذكي، وأتعلم منهم الكثير. أتعلم منهم البديهة المثقفة.
إن تبادل الكلام في أسرار العملية الشعرية، في غموض الشعر وفي صعوبة الشعر، يسهل عليك كثيرا فهم الشعر. فالحوار مهم بين الشعراء، إذا كانوا خالين مما يسمي في حياتنا الثقافية بالحسد أو الغيرة أو الأحقاد الصغيرة أو نوايا الاغتيال المعنوي. للأسف، فإن حياتنا الثقافية، وبالذات الشعرية، ليست نظيفة بالمعني الأخلاقي. ولا أعرف لماذا… فالتنافس حول الشعر، يجب أن يدفع الشعراء إلي قدح موهبتهم لتقدم أعمالا شعرية أفضل. التنافس، ينبغي أن ينتج عنه تنافس في الإبداع وليس تنافسا في القتل المعنوي. وللأسف مرة أخري، فإن حياتنا الشعرية لا تتمتع بهذه الرفعة. طبعا، يمكنك دائما أن تجد استثناءات كثيرة، فقد تكون الأقلية كثيرة. وفي هذا المناخ، فإن تبادل الخبرات يعلمني الكثير كما يمكن أن يتعلم مني أصدقائي الكثير. وبالمناسبة، فهناك قد تصدر أهم الآراء النقدية، تلك التي ليست مبرمجة سلفا أو التي ليست مسجلة في النقد الأدبي. أقصد تلك الملاحظات الناتجة عن الخبرة والتي قد تحمل منظورا نقديا أعمق من النظرية نفسها.
- وأنت، محمود، هل تثق في هذه الآراء الانطباعية السريعة والعفوية؟
- ماذا نعني بالآراء هنا؟ عندما تتكلم مجموعة من البشر فإن مجموع كلامها يُكَوِّنُ رأيا، ولا أعني ما قد يقوله هذا أو ذاك. المهم، ما ينتج عن اللحظة في النهاية، خصوصا عندما تطمئن أن لجليسك جهازا نفسيا حساسا وملائما ونظيفا.
- في نفس الأفق، نحن نعرف أنك عندما تهييء مخطوطة مجموعة شعرية جديدة، وقبل أن تدفعها إلي النشر، تحرص علي أن تشرك معك فيها بعض الأصدقاء. فهل تفعل ذلك من باب الاستئناس أو هو نوع من تهيب الشاعر الكبير؟
- هو نوع من مشاركة الآخرين في التقويم الأولي للمسودة. وطبعا، كل شاعر صادق هو الشاعر الذي يشك في نفسه أولا، وليس الشاعر الذي لا يقول إلا الصدق ! الصدق يراد من الأنبياء وحسن الكلام يراد من الشعراء، كما قال أحدهم. والصدق هو أن تكون ممتلئا بموهبة الشك. اليقينية قتل لأي إبداع، أي أن تكون واثقا تماما من عملك وممتلئا باليقين بأنه العمل الكامل !
١٤ أيار (مايو) ٢٠٠٧
rwayda
08-Aug-2008, 10:04 PM
وفي حالتي الشخصية، فكلما كبرت واحتللت مكانا أعلي لدي النقاد أو القراء وشعرت بالخوف أكثر. وهذا الخوف ناتج عن إحساس بالمسؤولية. وأهم شيء يخيفني هو أن أكرر نفسي، أن أقول قولا قد قلته كما حدث مع كثير من الشعراء الذين يكررون ما قالوه عشرات أو مئات المرات. إنني حريص علي أن أقول قولا جديدا حتي ولو كان القول الذي سأقوله أقل مستوي !
إن تجديدا غير ناجح أفضل من تقليد ناجح، لأنني لا أستطيع الحكم النهائي علي المسودة التي أنتجتها. ولدي عدة مستويات من الرقابة الذاتية : أولا، أضع المخطوطة في الدرج ولا أقرؤها إلا بعد شهرين علي الأقل. ثم أطلع عليها من جديد. إذا لاحظت أنها تشبهني كثيرا، أعرف أنني لم أقدم جديدا. فإذا شعرت بأن شخصا آخر هو الذي كتبها وليس أنا، إذا أدهشتني ـ والدهشة لا تأتي مما تفعله أنت، وإنما تأتي مما يفعله الآخر ـ آنذاك أدرك أن فيها شيئا ما يستحق أن ينشر علي الناس.
ولأن هذا لا يكفيني، فإنني أعرض بعضا مما أكتبه علي ثلاثة أنواع من الأصدقاء : علي شاعر، وعلي ناقد، وعلي قارئ عادي. وتستغرب، سي حسن، أنني أستمع بإصغاء شديد للملاحظات السلبية وأجري تنقيحا علي ضوئها. وأحيانا، تكون لدي شكوك وأحتاج إلي من يعمق هذا الشك تجاه هذه الصفحة أو تلك. وعندها أنصاع، فأنا لا أؤمن بأن هذا كلام منزل، كما يعتقد البعض من الذين يتصورون أن القصيدة قد جاءت إلهاما كاملا من الله، ولذا لا يمكن إجراء أي تغيير عليها ! لا، أنا أعتبر أن جزءا من الكتابة هو أن تعرف كيف تحذف، وكيف تمحو، وكيف تعدل، وكيف تنقح. وأعتقد أن من حق الشاعر أن يجري تنقيحات لا نهائية علي نصوصه.
- هل يصل هذا الانصياع لهؤلاء الأصدقاء، في المراحل الأولي لانبثاق القصيدة واستكمال بنائها الأول، إلي حد أنك قد تحذف بعض المقاطع أو الجمل الشعرية، وربما بعض الصفحات؟
- أجل، وأعطيك مثلا من قصيدة جدارية التي أصبحت الأشهر في عملي الشعري، وكنت عرضتها علي أحد الأصدقاء، وهو صبحي حديدي. كانت نهاية القصيدة : هذا البحر لي/هذا الهواء الرطب لي/وإن أخطأت لفظ اسمي علي التابوت ـ لي/إلي آخره/ إلي آخره/ إلي آخره ، فلاحظ أن تكرار(إلي آخره) فيه نزول عن الذروة. وأعدت قراءة الصفحة الأخيرة من القصيدة فأحسست فعلا أن هناك هبوطا أو هروبا من مواجهة ختام القصيدة بسبب ما يبدو أنه تعب الشاعر، فأضفت مقطع : أما أنا ـ وقد امتلأت/بكل أسباب الرحيل ـ / فلست لي/ أنا لست لي/ أنا لست لي… . أما فيما يتعلق ببداية القصيدة، فقد كانت لدي شكوك حول مقطعها الأول ولم أكن مطمئنا إلي سلامة الإقلاع فاستدعيت جارا لي، وهو صديق محام ليس خبيرا بالشعر مع أنه قارئ عادي للشعر، وأخبرته بأنني أريد أن أختبره، وأن نواياي شريرة. وكنت قررت أن أقرأ عليه الصفحات الأربع الأولي من القصيدة لأعرف منه هل ما سيسمعه شبيه بشيء سبق أن قرأه أم أنه سيشعر فيه بشيء جديد؟ وما إن قرأت عليه الصفحات حتي قال بأنه شعر وكأنه يعرف هذا الشعر لدي من قبل. فشطبت هذه الصفحات كاملة من القصيدة. مرة أخري، قرأت قصيدة طويلة من مجموعة كزهر اللوز أو أبعد للشاعر الصديق طاهر رياض، ولم أكن متيقنا مما إذا كانت هذه القصيدة جيدة. حين قرأتها َصَمَت، ثم قال لي ما فهمت منه أنها لم تعجبه، فقلت له : وأنا أيضا، لم تعجبني .
هذه الاستشارات أو الاختبارات، أعتقد أننا كلنا في حاجة إليها. لذلك، نجد أن كل دور النشر الكبري في العالم تتوفر علي ما يسمي بالمحرر. وقد لا يكون رأي هذا المحرر دائما هو الأفضل، لكنه قد يلفت نظر الكاتب إلي مناطق تكرار أو مناطق تناقض. وبتشاور مع المؤلف، يتم حذف صفحات كثيرة من المخطوطات. ولدينا مثال كلاسيكي ساطع : قصيدة الأرض الخراب للشاعر تي. إس.إيليوت، فالذي نقحها واختار ثلثها علي الأكثر هو باوند. فالمؤلف الثاني لهذه القصيدة التي تعتبر أشهر قصيدة في القرن العشرين هو إزرا باوند. وليت الشعراء العرب يتعلمون كيف يتواضعون، وكيف يستفيدون من آراء نقادهم وأصدقائهم.
- محمود، ما من شك في أن قصيدتك أصبح لها تاريخ. ولها سيرورة طويلة ومعقدة وثرية من التراكم والبحث والأداء والتجريب وفتح الآفاق واستدراج الجغرافيات والأمكنة واللحظات الشخصية والعمومية، وكذا استحضار أشخاص ووجوه وملامح عديدة هي جزء من حياتك الشعرية، ومن شجرة حياتك وتجربتك ووجودك الخاص. هذا التاريخ، تاريخ قصيدتك، كيف تقرؤه الآن؟ كيف تنظر إليه عندما تلتفت باتجاهه وتتمثله؟
- هل تريد الصراحة؟
- نعم…
- ليس فقط أنني لا أنظر إلي الوراء برضا أو بغضب. أنا أخاف من النظر إلي الوراء. أخاف كثيرا أن أقرأ فصولا كثيرة من تاريخ قصيدتي، لأنها تغيرت بشكل كبير، وما زلت طامحا إلي أن أكتبها بشكل أفضل. فالنظر إلي الوراء يُصَعِّبُ علي التطور، وبالتالي لو أتيح لي ـ وهذا كلام قلته أكثر من مرة ـ أن أعيد النظر في ما نشرت لحذفت الكثير. وللأسف الشديد، لم أعد قادرا علي أن أستعيد من الذاكرة ومن تاريخ الذاكرة، وليس فقط من المطبعة أو من المكتبة، نصوصا كثيرة لم تعد ملكا لي وإنما صارت ملكا لقرائها. فلم يعد من حقي أن أصدم هذه الذائقة.
إنني أنظر إلي تاريخ قصيدتي كما أنظر إلي تاريخ أي نمو، سواء كان نموا بشريا أو نموا شجريا أو نمو أي شيء. فهكذا تتشكل الأشياء، ولكن يرضيني شيء آخر : كلما نظرت إلي رداءة بداياتي وصلت إلي استنتاج أنني محظوظ، لأن أسوأ شيء هو أن يكون كتابك الأول هو أحسن كتاب لك. فما دام كتابك الأول هو أحسن كتاب لك، فأنت لا تتقدم وإنما تتراجع. وما دامت كتبي الأولي رديئة ـ برأيي ـ وكتبي الحالية هي أقل رداءة فأنا قابل للتطور، وقابل لتحويل التراكم إلي شيء نوعي. لذا فأنا أقترب أكثر من منطقة الشعر. طبعا، لن أبلغ الشعر ولا أحد يستطيع أن يبلغ الشعر أو يعرف ما هو الشعر في آخر الأمر، ولكننا نقترب من منطقة أكثر شعرية وأقرب إلي الشعر الصافي، غير الموجود طبعا، الذي علينا أن نطمح دائما إلي وجوده.
إذن، عندما أنظر إلي هذا التاريخ أتحاشي النظر إليه. ولكن إذا اضطررت إلي النظر إليه، أقول إنني راض عن تطوري الحالي وليس عن بداياتي. كنت أحبو وأصبحت أقفز.
- هناك، بجوار تاريخ قصيدتك تاريخ آخر لنقد قصيدتك. وثمة عدد وافر من كبار النقاد والباحثين الذين رافقوا قصيدتك عبر سيرورتها التاريخية والجمالية، سواء كانوا من داخل الساحة العربية أو من خارجها. وقد قرؤوها، قاربوها، اندسوا بطرائق ومناهج مختلفة في فضاءاتها المختلفة. كما أن بعضهم احتفي بها، وجاملها بعضهم حتي اضطرت لتعلن عن ضجرها، ودافع عنها البعض ممن اقتنع بمشروعها الشعري والجمالي المتقدم في التاريخ الحديث والمعاصر للشعرية العربية…إلخ.
أنت، محمود درويش، كيف قرأت وتقرأ هذا النقد الذي ربط وشائج مع تجربتك الشعرية؟ ما الذي تعلمته من هذا الخطاب النقدي؟ وما هي اللحظات النقدية القوية التي أحسست فعلا أنها خدمت مشروعك، وكانت أكثر قربا إلي نفسك وإلي اختياراتك الجمالية؟
- هذا سؤال صعب جدا. فالكتابات النقدية التي تتحدث عنها متناقضة إلي حد، ومتفاوتة إلي حد، وموزعة منهجيا علي ما هو قراءة بنيوية قد تلغي ما هو اجتماعي وثقافي وسياسي من النص، أو قراءة اجتماعية تاريخية تلغي الذات من النص. وبين هاتين القراءتين، وكلتاهما لا تمسك بالنص (النص بشكل عام وليس نصي الشعري فقط)، أشكو دائما من الإفراط في القراءة السياسية لنصي الشعري حتي أصبح كل ما أكتبه يفكك إلي إشارات سياسية تحيل إلي هذا المعني السياسي أو إلي تلك الحقبة السياسية أو تلك الحادثة السياسية…وهذا أسوأ ما في الأمر. فلم أقرأ قراءة جمالية موازية للقراءة التاريخية الاجتماعية إلا نادرا.
طبعا، بوسعنا أن نقرأ النص قراءة تاريخية أو اجتماعية ـ إذا أردنا ـ وهذا مستوي من مستويات القراءة، ويجب أن نحافظ عليه بدون أن يتم علي حساب القراءة الجمالية وكأن القصيدة وثيقة اجتماعية وليست نصا فنيا. وبالتالي، أصبحنا ـ نحن الشعراء العرب ـ مطالبين بأن نختار أحد المأزقين : إما أن يحول نصنا إلي وثيقة تاريخية أو إلي نشرة أخبار تنقل وقائع الانحطاط العربي الحديث، أو أن نبذل جهدا أكبر لقتل المعني في الشعر، أي البحث عن القيمة الجمالية المطلقة للامعني. وكلا الخيارين لَيْسَا خياري.
ولذا، عندما أتكلم عن شكواي أو ضيقي من الإفراط في القراءة السياسية لشعري وكأنه وثيقة للسردية التاريخية الفلسطينية، وإن كان يحمل بالطبع بعضا من هذا الجانب، فإنني لا أستطيع في المقابل إلا أن أستثني القراءة الأخري. القراءة التي تعرف كيف تنظر إلي طبقات المعني المتعددة في النص الشعري، فتقرأ الفني، وتقرأ الاجتماعي، وتقرأ التاريخي. ولا شك أن حتي هذه القراءات المفرطة في التأويل السياسي علمتني كيف لا أزود هؤلاء النقاد بذرائع تجعلهم يقرؤون هذه القراءة. بمعني أنني أحمل نفسي المسؤولية أحيانا، مما يجعلني أكثر حذرا تجاه التناول السهل، فربما كان نصي الشعري أو بالأحري بدايات نصي الشعري، بداياتي القديمة، هي التي قد تكون مسؤولة عن ذلك. ومن ذلك مثلا الإفراط في الترميز كأن تتم إحالة أي امرأة في القصيدة إلي أرض. قد تحمل المرأة معني الأرض، ولكن ليست المرأة هي الأرض. ومن ثم تجد أنهم يفصلون جسد المرأة التي أكتب عنها في قصائد الحب إلي جغرافيا.
rwayda
08-Aug-2008, 10:05 PM
طبعا، إن شعر الحب يحمل عدة معان وجودية وإنسانية، ولكن ليس بمعني الترجمة الحرفية للمعاني السهلة.
- محمود، من الواضح أن قصيدتك هي أحد مرتكزات خريطة الشعر العربي الحديث. ما في ذلك من شك. فهي جزء من هذه الخريطة وتتجاور فيها مع أنواع أخري من المرتكزات وأنواع من القصائد. ولذا يهمني أن أسألك عن هذا الجوار. كيف تقرأ مثل هذا الجوار؟ كيف تعيشه وتواكبه داخل هذه الخريطة، ودعني أؤكد أساسا علي التجارب الكبري؟
- لا أستطيع أن أقول إننا نتجاور، وإنما نحن نتكامل. وأتحدث عن الخريطة الشعرية الحالية، أما في السابق فكل واحد كان يتعلم ممن سبقه. وبعد ذلك، بعد سن معينة نصير جيلا واحدا. لا تقاس التجربة الشعرية بسنوات العمر، إنما بسنوات الإبداع أو بالملامح الإبداعية لكل تجربة. لذلك، أعتقد أننا لا نتجاور وإنما نحن أجزاء من بعضنا البعض، فليس هناك أحد منا كان سيكون مَنْ هو عليه الآن لولا الآخر. ولا أقول هذا من باب ادعاء التواضع. أكثر من ذلك، أنا أتعلم وأستفيد وأصغي باهتمام لا فقط إلي من هم أكبر مني سنا أو إلي مجايليَّ، وإنما أيضا إلي من هم أصغر مني سنا. ولي هذا الحرص علي أن أصغي دائما إلي الحساسية الجديدة، والذائقة الجديدة، ولا أخجل أبدا من الاعتراف بأنني أتعلم منهم كثيرا. لكنني أفهم أيضا أنه بعد تراكم معين، يبدو وكأن هناك أقطابا شعرية متجاورة أو تطل علي بعضها البعض كما لو أن الخريطة علي شكل أرخبيل. وهذا من حق الناقد أن يراه، وربما من حق القارئ أيضا، ولكن ليس من حق الشاعر أن ينظر إليه كثيرا، بل عليه حتي أن يتجاهل أنه محور أو ضلع من أضلع مثلث…
- لكنك في مراقبتك لهذا الأرخبيل ، إذا جاز التعبير، تظل ممسكا عن الكلام ولا تتحدث عن التمايزات أو الخصائص التي ترصدها من داخل مرصدك الشعري والجمالي. وأري أن خروجاتك قليلة جدا بهذا الخصوص؛ أذكر هنا نصوصك وشهاداتك النثرية الجميلة والمتألقة التي كتبتها عن سعدي يوسف أو المرحومة فدوي طوقان أو المرحوم محمد الماغوط أو المرحوم ممدوح عدوان…
-
بشكل عام، أحذر من الدخول في جدال حول المسائل الشعرية الراهنة. أتحاشي ذلك، أتحاشي النقاش حول الخيارات الشعرية، حول أفضلية الشعر الموزون أو أفضلية قصيدة النثر. وكنت قد ارتكبت حماقات في السنوات الماضية، وأبديت آراء متسرعة أندم عليها. وأعتقد أن ليس من حقنا أن نضع أي موانع أمام أي تجربة شعرية جديدة. ليس من حقي أن أقول، ومن الخطأ أن أقول مثلا إن خيار الوزن أفضل من خيار القصيدة النثرية أو إن الشعر العمودي أفضل أو ليس أفضل من قصيدة التفعيلة (لكم أكره هذا التعبير!).
ما يعنيني شخصيا هو تجلي الشعرية في القصيدة، وما يهمني هو أن أقرأ شعرا سواء في القصيدة العمودية أو الحرة أو النثرية. من ناحية أخري، بسبب حساسية العلاقات بين الشعراء أحذر كثيرا من إبداء الرأي في شعر زملائي وتسمية هذا أو ذاك. إن هناك حزبية شعرية عندنا، وأعتقد أن هذه الروح الحزبية تعكس أزمة ثقة بالذات. ينبغي أن يمر النص بدون كوادر حزبية، أن يعبر ويخترق ويصل بدون ترويج إعلامي. لذلك، فإن علاقاتي العامة سيئة جدا ولا أحرص علي ربطها.
- إذا صدق حدسي، كأنك تلمح إلي ما يلحقك من إيذاء داخل الخريطة الشعرية الفلسطينية…
- أنا أتعرض فعلا لحملة قاسية جدا من أغلبية الشعراء الفلسطينيين. لا أشعر أن لدي مشكلة مع الشعراء العرب، ولكنني أتعرض دائما لتشهير، وتكفير، وتخوين من أغلب شعرائنا الفلسطينيين، وأدعي أنني لم أقرأ ولم أسمع.
- لكنك، وأنت تتابع وتقرأ وتواكب دبيب النمل في القصيدة العربية الحديثة والمعاصرة، لا شك أن هناك ما يدهشك فيها، وبعض ما يعجبك فيها. فما هي هذه الملامح أو الخصائص التي تثير إعجابك في هذه القصيدة؟
- يعجبني كثيرا إعلاء شأن اليومي والعادي، وانتهاء البطولة اللفظية في الشعر العربي. انتهي زمن الفروسية الشعرية وتمجيد البطولة بكل معانيها. ولا أَمَسُّ هنا معاني الوطنية، بل أشير إلي نموذج الشعر ـ البطل أو الشعر ـ النبي…
إن تكسير أو تفكيك هذه الصورة هو الجانب الجميل والثوري من مشروع الشعراء الشباب. وذلك بإعلاء شأن اليومي والهامشي والعادي. ولكنني لا أحب الإسراف في البحث المضني عن اللامعني لدي كثيرين منهم. إن بعض الشعراء الشباب ـ للأسف الشديد ـ يبذلون جهودا طائلة من أجل أن يكونوا غامضين. والغموض قد يكون طبيعة ملازمة للعمل الشعري، والشاعر عندما يكتب إنما يكتب لكي يوضح نفسه لا ليبحث عن غموضها. الغموض يأتي في سياق العملية الشعرية، لكنه ليس هدفا.
قلت لك ما يعجبني، لكن ما لا يعجبني هو الإسراف في قول اللاشيء وتزيين الكلام بمفارقات أصبحت جاهزة. لا يعجبني لدي البعض هذا الإصرار علي أن يكتب قصيدة لا تقول شيئا.
ويعجبني أيضا التخفيف من الادعاء البلاغي والبحث عن بلاغة جديدة، وإشراك القارئ في معرفة كيف تُكْتَبُ القصيدة. طبعا، في ذلك مكر خطِر جدا. هذه ليست لعبة شكلية، بل يجب أن تحمل معني آخر.
هناك نقطة أخري، حول شعرية التفاصيل وهي مقولة سادت كثيرا في الخطاب حول الشعرية العربية الحديثة. لا شك أن التفاصيل قد تشكل أو تكون الظاهرة، لكن تفاصيلنا أحيانا لا يكون هناك رابط بينها. فأنت عندما تقرأ القصيدة لا تجد تفصيلا واحدا يحمل معني أسطوريا ـ كما يمكن أن نجد ذلك مثلا في شعر يانيس ريتسوس ـ أو معني ميتافيزيقيا. لا تجد أن هذا الجزء التفصيلي الصغير يحيل إلي ما هو أكبر منه أو إلي ما هو خارجه. وهذه لعبة شعرية تحتاج إلي ذكاء أكبر مما يتصورون، وإلي معرفة أعمق قد لا يملكها هؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم إنهم شعراء التفاصيل. أية تفاصيل؟
وما هو الضوء الذي يوجد وراء هذه العتمة؟ وما الذي يحمله مثلا ظل الحجر؟ هل يحمل تاريخا ما، أسطورة ما، معني ما ورائيا…أم ليس هناك شيء نهائيا، وأن هناك لقاء مصادفة بين الشباك مع زجاجة الماء مع ورقة الشجرة التي سقطت في الطريق؟ أعرف أن هذه الأشياء وغيرها يمكن أن تجمع، ولكن ينبغي أن يتوفر لها شاعر له رؤية ومعرفة، فيؤلف شكلا وماهية بهذه العناصر التي لا تبدو مشتركة ويمكن أن يربط بينها خيط مشترك إذا تهيأت له رؤية شعرية.
rwayda
08-Aug-2008, 10:06 PM
حوار مع الشاعر
محمد إبراهيم أبو سنة
حوار : ماهر حسن
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:aE8qTZBqC-bYjM:http://www.alriyadh.com/2007/03/29/img/293657.jpg
http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gifhttp://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gifhttp://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gif
نحن بإزاء حداثتين .
لدينا نقاد روجوا لمذاهب نقدية ماتت في بلادها .
ليس لدينا خريطة واضحة لقراءة القصيدة المعاصرة.
التيارات الشعرية الجديدة لا تمتلك ذرائعها الكافية.
لم يعد النقد صالحاً لصناعة النجوم.
أشعر بالتفاؤل إزاء النشاط النقدي المعاصر .
العدد 81 يونيه 1995
قصيدة الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة سره الخاص الذي يستقيه من العام، متضافرا مع تحولات الأمة وتاريخ الشاعر، متزاوجاً بين مشاعره والنبض العام لواقعه، متحركا بمرونة وخبرة مع ما هو آني، مرتكزاً علي النبوءة التي لا تخيب رؤاها، قصيدته هي سره الذي لا يحيط به سواه، لقد ملكته التجربة، فانصهر في أتون القصيدة، التي رفضت أن تتخلي عن فسيفسائها العربية، لقد تشكل في قصيدة.
وعلي الرغم من هدوء صوته، ودفء نبرته إلا أن قصيدته محتدمة العناصر، فكان من أبرز فرسان جيله بسعيه من خلال توليفة شعرية تخصه إلي تأسيس علاقات مغايرة بين تراكيب القصيدة، وموضوعها الرئيس بشكل يدفعنا للاعتقاد، بل واليقين بأن عقيدته قد سعت للاستقلال بانجازاتها عن إنجازات الآخرين. إن مفرداته بسيطة، وحرصه علي معايير الجمال في فن العربية الأول كان شاخصا أمامه، فكان حرصه علي التطوير ملازما لحرصه علي عدم المساس بما يميز القصيدة شأنه في ذلك شأن رفاقه في المشهد الشعري الستيني الذي اختلفت أصواته رغم أن قدح الهم كان واحدا.
نريد في البدء أن نتحدث عن الشاعر والنبوءة فالعديد من الشعراء لمسنا لديهم بعض المضامين التي تحاول استقراء المستقبل، علي ضوء متغيرات عاشوها؟ وهل هذه النبوءة كانت مدعاة لدخول المبدع في جدل بمثابة محك رئيس في تكوين رؤية مستقبلية لدي الشاعر ومفجراً لطاقاته الإبداعية ؟
سؤالك يشي بتلك العلاقة بين المبدع وما هو سلطوي، الأمر الذي يدفعنا للوقوف أولا لدي مفهوم السلطة فهو لا يعني بالضرورة النظم السياسية فقط ، وانما يمتد لما هو أشمل .. فالسلطة تعني تلك القوة الضاغطة علي عصب المجتمع ، والتي تتميز بالتأثير المباشر علي المجموع ، ومن ثم فإن موقف الشاعر والمبدع عموما يتحدد مع طبيعة السلطة..
وبما أن المبدع يشكل قوة مبدعة وخلاقة تقوم في جوهرها علي البحث الدائم، والتطلع المستمر لما هو أفضل، وحيث إن الكاتب قوة تقدمية في الأساس فهو في حالة جدل إبداعي مستمر مع أشكال السلطة سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية موروثة، أو مؤسسات عاملة في المجتمع، أو مؤسسات ثقافية ذات ثقل سياسي فهو يصطدم تلقائيا بهذه السلطات سواء في الإطار الذي أشرت إليه في سؤالك وهو «المبدع والنبوءة» كشكل غير مباشر لهذا الصدام الإبداعي / السلطوي.
أو خارج هذا الإطار بشكل مباشر حيث يتحول المبدع لاعتناق أيديولوجيا سياسية معينة كموقف سياسي مباشر ومعلن - وإذا تخلينا بشكل مؤقت عن جزئية النبوءة - فلقد كان هناك أدباء ملتزمون وغير منعزلين عن واقعهم برز دورهم في اللحظات الاستثنائية والتاريخية.
فنري مثلا (بول إيلوار) و(أراجون) و(سارتر) قد لعبوا دوراً هاما في قيادة المثقفين إبان المقاومة الفرنسية للنازي، كما قام آخرون بالتصدي لحكوماتهم إبان القمع الفرنسي لثورة الجزائر، مثلما رأينا (برتراند راسل) وهو يقود المظاهرات التي تدعو للسلام العالمي... وعلي الخريطة العربية رأينا مبدعين كهؤلاء.
فلقد كان الشاعر العربي عموما ممثلا لضمير الأمة ومترجما لخلجاتها في المنعطفات التاريخية والتحولات الهامة.
ولقد بلغ هذا الدور ذروة نضوجه وتفاعله والتحامه مع الظروف التاريخية مع بداية الخمسينيات وإبان الستينيات فمنهم من داهن السلطة، ومنهم من كان صادقا معها، ومنهم من كان جزءاً من مشروع المؤسسة فلم يكونوا سوي ظلال لها.
ولكن لنفرغ من هذا الرصد، لنعود إلي ما يتعلق بالمبدع الشاعر والنبوءة، ذلك أن قدرة المبدع علي استشراف العديد من ملامح المستقبل هي قدرة إنسانية استثنائية، كما أنها قدرة مرهونة بوعي المبدع ذاته وثقافته وتراكماته الخاصة، وهذا لا يعني بالضرورة أنني أري الشاعر عرافاً، ولكنني أري فيه إنسانا واعيا قادرا علي استشراف الحاضر من خلال الماضي واستشراف المستقبل من خلال الحاضر، حيث يكون قادرا علي توظيف قدراته الإبداعية وحدسه الخاص في التكهن بالمستقبل من خلال قراءته العميقة للواقع؛ لأن المستقبل يخرج من رحم الحاضر والحاضر قد خرج من رحم الماضي، أتفق معك أن ملامح الحاضر والماضي والمستقبل مختلفة وليست مشتركة ولكنهم يتشابهون في العديد من الجزئيات
.
وإذا أردنا الوقوف لدي بعض قصائدك علي آلية هذا التنبؤ، فما أهم القصائد التي حملت بعضا من ملامح المستقبل مرتكزا فيها علي طبيعة علاقتك بالسلطة آنذاك ؟
هناك العديد من القصائد التي كتبتها في هذا السياق يحضرني منها الآن ثلاث قصائد :
الأولي بعنوان «غزاة مدينتنا» وقد نشرت في مجلة «حوار» عام 1966.
والثانية بعنوان «الصرخة والخوف» والتي نشرت في جريدة «الأهرام» في نفس العام (الطبعة الأولي) فقط حيث تم رفعها من الطبعات الأخري.
ولقد كانتا بمثابة تنبؤ لما قد يحدث، وقد حدث بالفعل متجسدا في نكسة 1967.
القصيدة الثالثة : كانت بعنوان «أتري يكون الوطن؟!» وقد كتبتها عام 1972 فلقد جاءت النبوءة فيها متجاوبة تماما مع أحداث 1973.
كما أنك تستطيع بسهولة أن تقف علي طبيعة علاقتي بمفهوم السلطة آنذاك.
rwayda
08-Aug-2008, 10:07 PM
نتوقف معك عند رؤيتك لمفهوم الحداثة فهل نتعامل معه علي نحو يختلف عنه لدي الغرب عن أي حداثة يتحدثون وعن أي حداثة تتحدث أنت.. كيف نتعامل مع هذا المصطلح ؟
نحن بإزاء حداثتين، حداثة مرتبطة بالواقع والتاريخ العربي مستجيبة ومعبرة عن ما يحدث فيه من تطور لرفض الجمود وهذه هي الحداثة التي أقبلها أو أتحدث عنها وهناك ما أسميه بالهامش التجريبي الذي يعني بفتح نوافذ جديدة تطل منها القصيدة المعاصرة علي العالم وتحلم بالتغيير.
ولكن هذا في رأيي يرتكز علي تيارات أدبية لا تتلاءم تماما مع تصور عناصر التجربة الشعرية في المرحلة الراهنة فهذا الهامش متأثر بشكل مباشر بالشعر الأوروبي والنقد الأوروبي، دون أن يكون نابعا من تطور رؤيتنا الشعرية العربية المعاصرة.
أعني بذلك أن هناك تيارين حقيقيين : تيار يعبر عن الحركة الشعرية العربية في سياقها العام الذي يبحث تطوير نفسه باستخدام معطياته الخاصة به وتيار هامشي تجريبي جانبي يبحث عن تطوره في ظل معطيات الآخر.. فلم يمتلك خصوصية الإنجاز، ومن ثم فإنه لم يمتلك مبرراته وذرائعه الخاصة وهذا تيار يقوده أولئك الذين ينسخون ويزعمون أنهم يفجرون اللغة، ويقومون بخلق عالم جديد في الوقت الذي يمزقون فيه اللغة ويجهزون علي وحدة القصيدة ومستقبلها.
وأصبحت القصيدة نوعا من الهلوسة الشعرية التي ترتكز علي التداعي الحر، غير المنطقي في الغالب، الحداثة في تصوري هي الاستجابة العميقة الواعية للتغيير الذي يلحق بسلم القيمة الإنسانية والواقع الإنساني دون أن تنقطع الصلة تماما بالتراث ودون فقدان الصلة مع المستقبل.
لقد ناقشنا تلك العلاقة بين المبدع والسلطة أو المبدع والأيديولوجيا، فلنتحدث إذن عن العلاقة التي تجمع أطراف الإبداع في إطارها (المبدع والمتلقي والناقد) هل يمكننا الوقوف علي طبيعة الدور النقدي الذي يمكن أن يلعبه في تجديد دم القصيدة العربية من خلال اكتشافه ودفعه لأصوات جديدة إلي الساحة،
نود أن نقوم من خلال هذه الإجابة برصد سريع لمسيرة النقد التي لازمت القصيدة المعاصرة؟!
هناك مراحل ووظائف نقدية متعددة، فيمكن مثلا أن يكون الناقد مبشرا بمذهب أدبي جديد، وعلي الرغم من ذلك فإن هناك شكوي دائمة لأي مبدعين جدد من التجاهل النقدي إزاء إبداعاتهم، وهذه قضية يطرحها كل جيل بطريقته الخاصة.
وأود أن أشير إلي أن النقد العربي كان له أثره الكبير في تقديم العون لقضية الشعر الحديث.
فلولا مشاركة نقاد رواد مثل محمد مندور، وشكري عياد، ولويس عوض، ولولا تقديمهم العون للتيار الجديد لما اكتسب شرعيته في زمن قياسي، ولكن هذا النقد في معظمه قد أكد علي الجانب الاحتفالي في مرحلة من المراحل، غير أننا فوجئنا بأن الأجيال التالية :
- وأنا لا أقصد أن أدين أحدا علي الاطلاق - من النقاد الذين احترمهم أمثال د. صبري حافظ / والذي قدم لأعمالي الكاملة للجمهور بشكل رائع / - ود. جابر عصفور ود. غالي شكري، وصلاح حافظ.. لم يقوموا بواجبهم إزاء الأجيال التي تلت مرحلة صلاح عبد الصبور وجيلنا من بعده.
ولا نستطع أن نقول أن الإغفال النقدي كان مطلقا وإنما الدور النقدي ذاته قد اختلف من اللهجة الاحتفالية، ليتحول إلي اللكنة الهادئة النبرة التي تنزع إلي التحليل، ولعل تغير طبيعة العمل النقدي قد أثر في وجدانات مبدعين كانوا يحلمون بأن يقوم النقد لهم بمثل ما قام به للأجيال السابقة أي (صناعة النجوم) في حين أن هذا الدور لم يعد صالحاً لهذه المرحلة.
الملاحظة الثانية أنه في الوقت الذي بدأ فيه جيل جديد من الشعراء عطاءه، وفد إلي الساحة هذا الاتجاه السرطاني المدعو بـ (البنيوية) الذي حول الإبداع إلي جداول رياضية وألغاز علمية، ولقد انتشر هذا الاتجاه تحت تهديد سافر بأن من لا يعتنقه فهو متخلف إبداعيا، والذين روجوا لهذا الاتجاه - (الذي مات في بلاده) - هم أنفسهم الذين يواجهوننا بالنفي والإنكار، وبدا الوسيط النقدي الذي كان لزاما عليه إرساء الشرعية للجيل الجديد ومنجزاته مشغولا بقولبة نفسه مع الآخرين وأشاح بوجهه عن الذين يرسمون ملامح مرحلة جديدة، ولعل هذا كان من دواعي عرقلة الحركة الشعرية السبعينية وما بعدها.. رغم المواهب الحقيقية التي أسفرت عنها هذه المرحلة وما بعدها.
لقد أخفقت الحركة النقدية في أن تلعب دورا مواكبا لهذا الإنتاج، والتيار النقدي الذي احتوي المخاض الإبداعي للحلم القومي انطوي علي نفسه في حالة من الرثاء الشخصي بعد انكسار هذا الحلم.
ولكنني لا أستطيع انكار المجهود النقدي المعاصر.. الذي تمثل في ميلاد جيل جديد من النقاد الواعين والمتيقظين والمتعاطفين مع ما هو جديد.
رغم وجود بعض المجلات المتخصصة التي اتحفظ عليها مثل «فصول» التي غلبت علي طابعها العام الدراسات النظرية والتي زايدت بها علي الجوانب التطبيقية، وقد غلبت الرؤية الغربية علي آرائها النقدية، وهي لم تقدم أي مؤازرة للإبداع بل جعلت من النقد كهنوتا يهاب منه ومنفصلا عن الإبداع، وكأنها تبتكر لغة سرية، لا نقدية.
وهل كان لهذا الغياب المرحلي لدور النقد إزاء تقديم التيارات الجديدة أثره علي انحسار جمهور الشعر، وكأن القصيدة تصرخ في آبار مهجورة فلا يرتد لها سوي أصدائها الخاصة ؟
أعتقد أن جمهور الشعر الحديث ليس وحده هو الذي انحسر، ولكن تضاؤل المهتمين بكل ما هو جاد وبكل ما يمثل قيمة فنية حقيقية، بما في ذلك القراءة عموما ولكننا أصلا ليس لدينا خريطة واضحة تتعلق بقراءة الشعر الحديث أو بأسلوب إعادة طرحه علي مائدة اهتمام القارئ، ليس لدينا خطة سوي من خلال توزيع المجلات الأدبية وأري أن هذا التوزيع يجتاز أزمة حقيقية بالفعل.
كما أن عدم تبني الصحف اليومية لنشر نماذج رفيعة المستوي شعريا قد أدي إلي تراجع اهتمام الجمهور بالشعر.
إن ما ينشر في الصفحات الأدبية في الصحف الرسمية يقترب من مستوي الفضيحة الشعرية، فهي قصائد هزيلة في معظمها، ولا أدري كيف يتم نشرها... علينا أولا أن نشذب تلك الذائقة المتخلفة للقارئ العادي الذي يحرص علي اقتناء الجريدة اليومية كذلك هناك مجلات أدبية لا يصل توزيعها إلي نسبة توزيع كتاب لكاتب مجهول.
أيضا هناك أزمة إعلامية... حيث لا يقوم الإعلام بالتقديم الكافي أو اللائق للقصيدة الحديثة.
وأضيف في النهاية - مما أشرت إليه في إجابة علي سؤال سابق - عدم المواكبة النقدية التي لم تقدم تفسيرا نقدياً للحركة الجديدة من القصائد الحداثية.
كل هذه العوامل دون ذكر غيرها.. كفيلة بتراجع شعبية القصيدة المعاصرة بالتحديد.
rwayda
08-Aug-2008, 10:09 PM
الشاعر و الروائي التونسي " يوسف رزوقة " في حوار خاص للجزيرة توك
آمال العريسي ـ الجزيرة توك ـ تونس
"مكانة الشاعر تفتك ولا تهدى في طبق ذهبي نحن نعلم معدنه الرخيص"
"الجمهور الرّاهن منمّط أفسدته الثقافة"
"مستخدمي فضاءات الدردشة العرب لا يدخلونها إلا من اجل امرأة ما"
" ي | ر" التوقيع للشاعر و الروائي التونسي " يوسف رزوقة " و القصيدة تحمل عنوان "ملحمة الخاتم" و التي تنشر لأول مرة في موقع الجزيرة توك كهدية من هذا الشاعر المتميز قبل أن يقدمها في مهرجان جرش في صائفة 2007.
"يوسف رزوقة" من مواليد 1957 بقصور الساف في ولاية المهدية الواقعة في ساحل الجمهورية التونسية .
صدرت له حديثا خمسة دواوين شعرية باللغة الفرنسية. اختص إلى جانب الشعر والأدب في اللّغات و السياسة و الصحافة و الفنون الجميلة.عن واقع الشاعر العربي و قضايا الشعر كان للجزيرة توك هذا الحوار معه:
صدرت عنك عديد الكتابات بالعربية والفرنسية منها ما يقدم سيرتك الذاتية و منها ما فيه دراسات لدواوينك الشعرية و ما تتطرحه فيها من أفكار و قضايا بعيون عربية و أجنبية فما رأيك في ما يثار حول افتقادنا لفكر عربي نقدي؟
في قصيدة جديدة "ملحمة الخاتم" التي لم تنشر بعد و التي سأقدمها في" مهرجان جرش"القادم أقول فيها في هذا السياق بالذات حول النقاد :
" ما الشّعر؟
فالنقّاد إن وجدوا
فلاسفة
وتلك مصيبة كبرى
ولا قانون للشعراء
يحميهم
من الظّلم العظيم"
ي | ر
حوصلت كل ما نعيشه من أزمة في وجود نقاد عرب أفذاذ و فطاحل بهذه الأبيات التي أعي فيها ما أقول باعتبارها تشخيصا نقديا للواقع النقدي المفتقد الذي نعيشه .و آمل أن يولد ذات يوم نقاد صغار أو كبار حتى ننعم بشيء من التناولات النقدية كي تتغمد ما نكتبه بالحنان النقدي اللازم .
قلت اثر وفاة الشاعرة العراقية "نازك الملائكة" : "لتهنأ نازك الملائكة برحيلها إلى هناك حيث عاصمة الاطمئنان الأعظم بمنأى عن رداءات هذا الزمان و ضجيجه الأجوف ". فهل هذه هي الصورة التي تراها بالفعل في زماننا الآن؟
أوّلا ،لا نملك إزاء رحيل شاعرة كبيرة ك "نازك الملائكة " إلا أ نشعر بأن قامة رمزية رحلت عنا إلى حيث عاصمة الاطمئنان الأعظم كما قلت في البيان الذي تم فيه تأبين الشاعرة الراحلة من قبل حركة شعراء العالم. و فعلا لوحظ في هذا البيان التأبيني شيء من التشاؤم إزاء الراهن على خلفية أن هذا الزمان، زماننا تحديدا ينطوي على الرعب و مشتقاته بمعنى أن فضاءا اتصاليا معولما كالذي نعيشه لا يحمل في شفرته و في أعماقه إلا عوامل " التشيئة " و ما به يكون الإنسان" شيئا ساعيا " في واجهة القيم السائدة .
دون أن نعدم وجود جوانب إيجابية في هذا العصر و هي أكثر من أن تحصى و التي تؤكد بأن الإنسان يبقى إنسانا و أن هناك في الأفق نافذة نطل منها على حديقة ممكنة.
لمّا كانت رؤيتك للواقع كذلك ،فهل هذا ما يفسر اتجاهك إلى تجارب مشتركة مع فرنسا و اسبانيا و غيرها من الدول ؟
لعلّ هاجسي إزاء هذا الواقع يهدف إلى تمكين الكائن من مكانة و البحث عن نقطة ضوء في هذا الليل الطويل و الذي يعلن إزاءه الشاعر حالة الطوارئ حتّى يشخّصه و يبحث عن البدائل الممكنة التي قد تسهم بشكل أو بآخر في تحقيق توازن ما بين الإنسان و بين نقيضه و بين التفاؤل و بين التشاؤم بين الألم و الفرح و بين الحزن الطاغي ...كل هذا أراه رسالة مشفّرة يحملها الشاعر من أجل أن يحقق إنسانية هذا الكائن التي لا تتحمل هشاشته على حد تعبير "كونديرا".
فماهي رسالة يوسف رزوقة التي جعلت روائية مكسيكية تجعل من شاعر عربي مغاربي بطلا لروايتها " إيزابيل سيدة البحر " كلمة و روحا ؟ و ما الذي يعنيه بالنسبة إليك أن يعي أناس يحملون ثقافة مختلفة رسالتك في حين أنه كان من المفترض أن يعي ذلك آخرون أكثر قربا؟
" الجحيم هو الآخرون " قال أحد الفلاسفة ،و بالتأكيد عندما نكون بصدد فك شفرة الرسالة لتصل إلى جمهور مستهدف لا نعني شريحة بعينها بقدر ما نستهدف الوجدان العام في حد ذاته فعندما وجّهنا رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة عند اعتداء إسرائيل الظالم على لبنان ،صرخنا بصوت واحد كشعراء ينتمون إلى حركة شعراء العالم :لا لهذا الاعتداء و أنقذوا وردة لبنان ، قد لا يكون لهذا الكلام ثقل و فاعلية و لكنه على الأقل انخرط فيما يتطلع إليه الوجدان العربي من تعاطف و من تضامن و من رسائل ترمي إلى إدانة الآخر المعتدي و الانتصار للحق و للصوت المستضعف الذي استهدفته إسرائيل . و بطبيعة لحال عندما يثور الشاعر على شيء ما فهذا لا يعني أنه سيركب دبّابة
و يفخّخ نفسه و لكنّه يحمل رسالة أخرى، رسالة الكلمة التي لها فعل السحر و تنطوي على كثير من الوعي الذي يدين الحركة المذنبة و الظلم السائد مقترحة في الآن نفسه ما به يتحقق التوازن على الخارطة.
وردت في إجابتك كلمات عديدة تعني بها التواصل و الوحدة بين الشعراء العرب
فهل تعتبر بأن مثل هذا الأمر ممكن في ظل واقع عربي نحن أدرى بشعابه و صعوبة اتحاده؟
صحيح و لكن لعلّه من حسن المصادفات أن نلتقي نحن الشعراء في حركة شعرية عملاقة هي" حركة شعراء العالم" و مقرها الشيلي في أمريكا اللاتينية تحديدا حيث تضم هذه الحركة 2400 شاعرا من القارّات الست تجمعهم أهداف سامية و توجهات واضحة .
ولكنّ وحدة الأهداف لا تعني أنهم متحّدون فعلا؟
هم متحّدون و إن اختلفوا فالاختلاف ضروري و نحن نلتقي بالأحرى للاختلاف كي نكون، و ليس بشرطه أن نكون كائنات مستنسخة بمبادئ معينة و بسلوكيات متماثلة. لا بدّ أن نلتقي في الاختلاف بشكل أوبآخر. و لعل ّ اختلافنا حول ما حدث مؤخرا بين الأمين العام لهيئة الحركة "لويس أرياس مارثو" و شاعر آخر يهتم بتنظيم مؤتمر" باريس للسلام " الذي ألغي بمقتضاه المؤتمر المفترض أن ينعقد في أكتوبر القادم بباريس على خلفية أن الأمين العام لحركة شعراء العالم كان قد شارك في ملتقى شعري بإيران قابل فيه الرئيس الإيراني و أجّل بذلك المؤتمر لينعقد في سنة 2008 بالبرازيل.
في صائفة 2003 تمّ توقيع بيان "دستور الشعراء" في عمان أثناء انعقاد فعاليات مهرجان "جرش للثقافة و الفنون". فهل أصبح الواقع الشعري بحاجة إلى مثل هذا البيان في زمن ما أسهل أن ينتهك فيه بيان أو يقع تجاوزه؟
ليس بشرطه أن تكون هناك استجابة ما فورية و مكثفة من جمهور الشعراء.فنحن أردنا من وراء دستور الشعراء الذي وقّعنا عليه في مهرجان جرش 2003 أن يكون بمثابة بيان يحسّس الرأي العام أين ما كان بمدى مشروعية أن يكون للشاعر مكانة و مكان تحت الشمس و دعونا في هذا الدستور إلى ترسيخ الدور الوطني للشاعر و العمل على بلورة وجاهته حتى تظلّ للشاعر كلمته الفاعلة التي لا تغمط في بورصة القيم السائدة و المهيمنة.و بذلك لا بد أن تكون هناك إشارة إلى أن الشاعر ليس مجرد كائن يكتب كلمات تذهب هباءا و لكن له دور كبير و مسؤولية عظمى من أجل أن يشير إلى الأدوية إن وجدت و أن يعلن حلة الطوارئ عندما يلجأ الجميع إلى السكوت.
نستشف من كلامك أن الشاعر اليوم لا يمتلك المكانة التي يستحقها، فما الذي يحدث للشعراء فعلا في عالم اليوم من خلال موقعك كأمين عام ل"حركة شعراء العالم"؟
مكانة الشاعر تفتك من براثن الواقع و لا تهدى في طبق ذهبي نحن نعلم معدنه الرخيص و بالتالي على الشاعر أن يمتلك أحقية حضوره من أجل أن يكون حيا حتى و إن أدى به الواقع المر إلى التغريد خارج السّرب .فهو منذور بمسؤولية التاريخ و عليه أن يظلّ في النار و لا يحترق و في الماء و لا يبتل سلاحه الكلمة و رؤيته التي تحلق عاليا و بعيدا .و لا يرجو من ورائها أن يقال له شكرا أو ما شابه ذلك. فلا بدّأن يكون له مشروع شعري كبير و أن يناضل من أجله حتى و لو خالفه كل العالم الرأي راهنا .
إذا ما كان على الشاعر أن يفتك مكانته حتى و إن غرد خارج السّرب، فكيف لشعره أن يصل؟ و ماذا عن الإطار العام للشاعر؟
بخصوص الإطار العام المرجعي و غيره فإن الرأي العام كالصلصال تماما يشكّل وفق ما يريده المبدع لا وفق ما ينتظره الرأي العام نفسه.فالجمهور كذائقة تقبّل تقليدية قد يصدم بما يطرحه المبدع من أفكار و مقاربات و رؤى مختلفة عنه، سيتقبلها مع الأيام لترسخ كقيمة محتملة شيئا فشيئا إلى أن يسهم هذا المبدع في إضافة شيء ما إلى هذا المتقبل الذي كان رافضا لمثل هذه الأطروحات التي بدت له غريبة
rwayda
08-Aug-2008, 10:10 PM
ألا تخشى من تلك الشيخوخة الدّاهمة و العزلة ؟ و هل ترغب أن تكون لك زيارات مماثلة في وقت آخر؟
- يضحك ثم يقول- في الواقع لا أخشى أية شيخوخة لأن الشاعر يعي تخوم العزلة و حدودها و يعمل جاهدا من أجل الحفاظ على التواصل و التعاطف مع الآخر ، ذلك قدرنا حتىّ لا نشعر بهذه العزلة القاتلة ثم من أجل أن نرسّخ أركان العائلة الشعرية الموسعة.
http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/2152/1184168208.jpg
إذا ما اتّفق الكثير من النقاد على أن واقع الشعر في العالم العربي يزدد سوءا، فما هي نظرتك للأجيال القادمة من الشعراء؟
أنا لا أرى ما يرون لأنّ الرّداءات المتفشية ميزة كل عصر منذ ضياع الخاتم في بئر إيريس و منذ بدء الكون كانت الرّداءة و كان الأفق أيضا. و بالتالي نحن نعوّل كثيرا على أريحية أن يكون للشاعر دوما جناح عملاق يحلّق به عاليا و بعيدا و يحاول أن ينتصر للقيم السّامية و أن يبذر في أرض" الياباب" التي قال بها " إيلوط" بذور الكلمة الطيّبة التي ستنمو إن غدا أو آجلا في شكل زهور يانعة.
لو نتحدّث عن بعض الشعراء الذين تخلوا عن كل هذا تحت وطأة الضّغوطات و يواصلون الكتابة رغم خضوعهم لتلك الخيارات؟
يحدث هذا في أشد العائلات وجاهة و تشدّدا، لنرى شاعرا حاد عن الطريق من أجل التكسّب السريع أو من أجل منصب لا يدري أنه سيزول غدا أو من أجل لا شيء أحيانا، يمتدح شخصا لكي لا يحصل إلا على السّراب.كل هذا نعرفه و لكن" لا يبقى في الوادي إلاّ حجره " كما نقول في المثل التونسي.
و لكن لكي "لا يبقى في الوادي إلاّ حجره"، ماذا فعلتم لتحصّنوا عائلتكم الشعرية الموسّعة ضدّ كل هذا؟
تجمعنا في حركة شعراء العالم قيم نضالية واضحة نلتقي كل يوم عبر الانترنات و في المؤتمرات العالمية لنناضل من أجل أن يكون للشاعر موقع على الخارطة و أن تحترم ذاته كشاعر و إنسان و كلمة. و أن نلتقي فذلك في حد ذاته إنجاز عظيم لتحريك السّواد أي هذا يعني أن هنالك دفء و أن هناك عادة حميدة من أجل تأسيس ما به يتجذّر معنى الخير في معياره الحضاري الجديد.
فيما تتمثل علاقة الشعر بالثقافة الرقمية و آثارها على أساليب الكتابة ،هل تهدمه أم تخدمه؟
بخصوص التعاطي مع الشبكة العنكبوتية وفضاء الدردشة تحديدا ليس لنا إلا حد الآن عربيا تقاليد وظيفية للتعاطي مع هذا المنجز التواصلي العظيم .فمن خلال الاحتكام إلى فضاءات الدردشة العربية غالبا ما يزعجني الوعي المفقود لدى مستخدمي هذه الفضاءات المتاحة .
كيف لامست عدم الوعي هذا؟
ألامس ذلك من خلال تفكيك شفرة مستخدمي هذا الفضاء أو ذاك ، تصوّري مثلا أنني لا أريد إضاعة الوقت في دردشة جانبية من اجل كسب ودّ سيدة الأقمار السبعة على نبل ما في هذه العملية من إحساس طيب والتي يخيّل لي أحيانا أن مستخدمي فضاءات الدردشة العرب لا يدخلونها إلا من اجل امرأة ما ...فقط يلتقونها صدفة و يمنّون النفس بنظرة عبر الإيمايل و المنتدى و هو ما لا اطرح نفسي مناهضا له. و لكني أتمنى أن يكون في المقابل وعي بتوظيف هذه الفضاءات لما هو أطروحات فكرية و ثقافية و إبداعية .فأنا أدأب على مراسلة شعراء العالم بمعدل ألف رسالة في الأسبوع و هناك تحدث المفاجآت أو بالأحرى المفاجعات ، ذلك أن شاعرا عربيا صديقا طلب مني أن أسحب عنوانه الالكتروني من قائمتي لا لشيء إلا لأنني لا امثل له و هو يعيش كبتا عربيا عظيما ينبوعا أنثويا بديلا له في غربته .فما كان مني إلا أن أسأله لماذا يدأب على وضع بريده الالكتروني في موقع على الانترنت، هل لتغرر بصديقتي أو بأختي أو بأية امرأة عربية أيّها العربي الفحل الأصيل . ليس هذا إلا مثالا بسيطا يعكس مستوى هذا الشاعر الذي ينطوي في داخله على شيء حيوانيا يجعله لا يفكر إلا بغريزته و هذا الأمر يدلّل و يناقشه الشاعر و لي دواوين في ذلك عن" ارض الصفر" و "جمهورية مايكروفيست" و" واد السيليكوم ". و لكن أنا لا أنفي حق الشاعر في البحث عن نصفه الآخر و لكن برفعة و ليس برداءة.
على ذكر التصادم مع الشعراء كان لك تصادم أثمر تجربة مميزة في أمريكا اللاتينية، صحيح؟
بالفعل قررت في لحظة تصادم مع شاعرة فرنسية لمّا كنا بصدد الإعداد لورشة شعرية حول إيقاع شرق غرب، قررت الاتجاه إلى أمريكا اللاتينية عبر اللّغتين الإسبانية و البرتغالية فأنا أكتب بهما و أحاول أن يكون لي إنجاز نوعي في هذا السياق. و عندما ذهبت إلى هناك و جدت كل ما أتطلّع إليه من حرارة وحب وحلم وحرية وحياة في تلك الأرض المتّقدة حيث الشمس و الخصب و الإنسان الذي لم ينقرض بعد كما في بعض العواصم التي طغى فيها الشيء على القيمة الإنسانية الراهنة .
عندما يجد "رزوقة" ما يبحث عنه في مكان آخر، فهل هذا يعني أنك فاقد لكل هذا في المكان الذي كنت فيه ؟
الشاعر اليوم يفتقد قيما شتّى في واقع بلا قلب كما يقول الشاعر أحمد عبد المعطى حجازي. فكل مدينة هي بالتأكيد مفرغة من نبع الحنان و يعيش فيها الشاعر غربته و غرابته وضياعه و لكن هذا لايمنع أن في العالم بقارّاته الست أماكن أخرى مازالت تنبض بالصدق إلى الحد الذي جعل روائية مكسيكية تكتب رواية ثلاثية عني. فهذا لا يتحقق إلا إذا تحقق شرط التواصل الإنساني والحب الاستثنائي الذي لا يعترف بالحواجز .
هل تشعر بالغربة عندما تكتب بلغة أخرى بعيدة عن العربية؟
لا،لا أجد أية غربة لأنني اخترت منذ البداية أن أكون جسما طائرا مجهولا أعبر الأرض قارة ثم أخرى وأبحث عن صوتي الضائع لأجده هنا أو هناك وأظل أتحسس صدى هذا الصوت حتى أعثر على نفسي في النهاية في شكل صرخة في واد، في شكل وردة في المكسيك، في شكل نهر في الأرجنتين...كل هذا يجعلني في لحظة اكتشاف لجسدي و الايقاع الذي ذهبت به إلى هناك فاختصر المسافات ليكتمل الموقف وأكون به شمسا مشرقة على نفسي .
عهدنا أن نذهب نحن للغرب كمبادرة منا للتقريب بين الثقافات و خلق ما يسمى بالحوار بين الحضارات فهل ترى في الغرب تقبّلا فعليا لذلك بعيدا عن الشعارات و التسميات ؟
الغرب لا يكلف نفسه عناء المجيء إلى هنا فذلك وعي إستثنائي عندما بدأ المبدع في التسويق لنفسه تماما كما يفعل السياسي حتى يمتلك أحقية ظهوره في المشهد السياسي و للشاعر نفس السياسة التي عبرها يحقق التواصل فأن تذهب إلى أمريكيا اللاتينية لا بد أن تبدأ بالمغامرة وان تكون كبيرا إلى حد يجعلك تجري في لغته أشياء و كتابات تحقق الإضافة التي لم يستطع أن يحققها أصحاب اللغة الإسبانية و البرتغالية أنفسهم.
و هذا ما أحدث لك مشكلة إثر صدور مقال مقارنة بينك و بين شاعر إسباني و آخر فرنسي و ما كان من زملائك العرب إلا أن احتجوا على ذلك.فكيف تصف هذا الموقف خاصة و أن هؤلاء ينتمون إلى العائلة الشعرية الموسعة؟
في الواقع أنا أتجنب الإحتكام إلى الأحكام الصادرة عن نظرائي من شعراء المرحلة . فهذا أمر طبيعي لأنه لكل منا الحق في أن يمتلىء بذاته وأن يستكثر على زميل له أن يشعّ ويحلق عاليا .عكسي أنا فأنا أحب لكل الشعراء العرب و غير العرب أن يكونوا عباقرة زمانهم .
كيف لا و أنت أمينهم العام ؟
ليس لهذا الشرط بالذات فالمهم أن تحب الآخر لأن حب الآخر فن في حد ذاته حتى تكون في حلّّ من كل العقد النفسية و ما شابهها لكي تنطلق كبيرا.و ليس بشرطه أيضا أن تحوز على شهادة تقدير من نظرائك فهو حجاب المعاصرة كما يقولون.و لكن يكفيك شرف المغامرة و أن ترتمي في البحرأو في الاقينوس من أجل أن يكون لك مكان أو لا يكون .
rwayda
08-Aug-2008, 10:12 PM
حوار مع الشاعر سركون بولص
حاوره: صلاح عواد*
http://www.jozoor.net/main/images/pics/sarkoon.jpg- جاءني الشعر مبكرا كالضربة التي مازلت أسترجعها حتى هذا الزمن.
- الحداثة مفهوم غامض وصعب التفسير ويعتمد على موقف الشاعر الشخصي من الثقافة والعالم.
- في قصيدة النثر ليس ثمة ما يقيد الشاعر سوى تجربته الخاصة وديمومة الصوت والايقاع.
منذ فترة تزيد على عشرين عاما يقيم الشاعر العراقي سركون بولس في مدينة سان فرانسسكو، هذا الشاعر المنحدر من مدينة كركوك حاول مع أقرانه حين وصلوا إلى بغداد في الستينات تغيير خارطة الشعر العراقي، وفي إحداث ثورة بأساليبه وتقنياته ضمن مشروع يريد تجاوز ما أنتجه جيل الرواد الشعري جيل قصيدة التفعيلة.
ومن بغداد حمل سركون مشروعه الشعري، حيث توقف في بيروت وتعرف على تجربة مجلة شعر اللبنانية وساهم في تحريرها وترجم العديد من النصوص الشعرية من اللغة الإنجليزية، خصوصا لشعراء القارة الأمريكية، الذين عبروا عن روح جديدة تختلف عن الشعر الانجليزي المكتوب في بريطانيا تنسجم وفضاء القارة الجديدة على حد تعبير اكتافيو باز. ربما هذا الاكتشاف للشعر الأمريكي الذي ساهم فيه شعراء عراقيون آخرون مثل جان دمو وفاضل العزاوي دفع سركون للذهاب إلى موطن حركة الحداثة الثانية في الشعر الامريكي، فسان فرانسسكو هي المكان الذي أنعش حركة جيل البيكنس ومن هناك برز الشاعر ألن غينيسبرغ ولويس فرلينفتيني وغيري سنايدر ومايكل ميكلير، إضافة إلى بروز جاك كيرواك والكاتب وليم بروغ صاحب رواية «الغذاء العاري» التي أحدثت ضجة كبيرة في الوسط الأمريكي وأصبحت في الستينات إنجيل ذلك الجيل.
في سان فرانسسكو تعرف سركون على مصادر الشعر الأمريكي، وتعرف على بعض شخصيات جيل البيكنس، وتعرف على شعراء آخرين اختطوا لأنفسهم نزعة جمالية تتسم بالتأمل وبالنزوع الصوفي مثل الشاعر هيروين. وخلال الأعوام التي قضاها في سان فرانسسكو بقي سركون مخلصا للشعر ولترجمة الشعر، وأثناء تلك الإقامة الطويلة التي قرر أن ينهيها بالذهاب إلى أوروبا خصوصا إلى لندن وباريس طور سركون تقنياته الشعرية، وصارت اللغة لديه أكثر حسية. فهو بالرغم من إقامته الطويلة في الولايات المتحدة لم يتخلص من لهجته البغدادية وبقي نفس القروي ذلك القادم من كركوك.
وكان اللقاء الأول به في مقهى يقع في حي أغلب سكانه من المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية بسان فرانسسكو. وقال هذا أول لقاء له مع شخص عراقي من سان فرانسسكو له اهتمام بالكتابة. ومن المقهى ذهبنا مع صديق لي صاحب مكتبة عربية في المدينة إلى حانة شعبية صاحبها من المكسيك ويتحدث أغلب زبائن الحانة بالإسبانية. وكان سركون قد قرر وقف التدخين، فالجو كان غير ملائم في مكان يدخن فيه الجميع بكثافة وبعد ساعتين غادرنا الحانة وتوجهنا إلى مطعم مكسيكي يبيع وجبات مكسيكية بهيئة ساندويش كبير. وقبل أن ألتقي بسركون في اليوم الثاني اشتريت آلة تسجيل صغيرة، واتفقنا على ايجاد محل هادىء لإجراء الحوار، وبعد جوله طويلة شاركنا فيها طالب دراسات عليا من الكويت في هذه المدينة النائمة بوقاحة على لحف المحيط كما وصفها بقصيدة له، وجدنا مكانا هادئا في حانة شعبية لها ساحة ذات فضاء واسع لم يشاركنا فيها أحد في جلسة استمرت أكثر من ثلاث ساعات وكان هذا الحوار.
س: كيف كانت البدايات ولماذا اختار سركون الشعر؟
ج: أنا أعتقد أن الشعر يختار، وأحيانا دون ارادتك وهذا يعني أن الشعر موقع خاص تصل إليه بشروط معينة تدفعك إليها تجربتك الحياتية. وجاءني الشعر مبكرا منذ كنت صغيرا. وكان كالضربة التي مازلت استرجعها حتى في هذا الزمن المتأخر كلما حاولت أن أكتب قصيدة. وفي مفهومي إن الشعر نوع من السحر الذي من الممكن أن يغير حياتك كاملة، كما قصد ذلك ريلكة في قصيدة له عندما قال "عليك الآن أن تغير حياتك".
س: متي تؤرخ لأول قصيدة كتبتها؟
ج: كانت قصيدة عن صياد أذكر أني كتبتها وأنا في الثانية عشرة من عمري، وأنا لم أنس تلك القصيدة لأن فكرة الصيد هي مفهوم الشاعر الحقيقي. أي أن الشاعر يجلس على البحر أو على الشاطىء كل صباح ويدلي بشصه في الماء لعل هناك سمكة عابرة فالشاعر هو صياد.
س: الآن تدرك هذه المعادلة فلماذا اخترت الصياد كمعادل للشاعر؟
ج: اخترت الصياد دون أي وعي وكنت أصغر من أن أكون واعيا بما أفعل آنذاك، ولكنني أرى الآن أن الشعر بحر والشاعر هو الصياد وهناك شبكة ما. ولنقل أن الشبكة هي القصيدة وعليه
(أي الشاعر) أن يخلق تلك الشبكة وهذا عمل يستغرق طيلة الحياة
س: وبعد ذلك..؟
ج: بعد ذلك، البدايات تستمر ولا اعتقد أن ثمة نهاية للشعر، فالشاعر هو دائما بداية. ويؤكد كاتب إيطالي أجله كثيرا اسمه شيزارا بافيسي يقول أنه «ليس لنا سوى أن نبدأ» وفي هذه الحال ليس لنا سوى أن نبدأ وهذا هو قول الشاعر الحقيقي.
س: إنك من مدينة كركوك وانتقلت من كركوك إلى بغداد وفي مجموعتك الثانية "الحياة قرب الاكروبول " ثمة حضور لمدينة كركوك فكيف تصف لنا تجربة كركوك ؟
ج: هناك فرق كبير بين كركوك وبغداد. فكركوك مدينة غريبة التركيب من حيث الأجواء الاجتماعية ومن حيث الأقوام التي تسكن فيها، ذلك الخليط العجيب المتكون من العرب والآشوريين والأكراد والأرمن والصابئة ومن الأجناس العتيقة التاريخية التي وجدت نفسها في الشمال، حيث أن المدينة كانت دائما منبعا إنسانيا متنوع اللون والشكل. وهو منبع لا ينتهي لغرابة اللغات المتبادلة بين تلك الأقوام، بينما بغداد هي بغداد وهي شيء آخر ولها طابع يعرفه كل من عاش في تلك المدينة. وكركرك بالنسبة لي هي بداية الكتابة وكانت المنبع والمكان الذي فتحت فيه عيني على مواقف الشعر. وعندما ذهبت إلى بغداد كان تركيبي الشعري قد ثبت وتصلب تقريبا حتى ولو كانت بغداد هي المنبر الحقيقي والمكان الأوسع روحا والأكثر امتلاء بالحياة عندما وجدت نفسي في
rwayda
08-Aug-2008, 10:14 PM
ما هي ملامح كركوك في تجربة سركون الشعرية ؟
ج: لقد كتبت عن كركوك في كل كتبي وفي شكل خاص في كتابي الأخير «الأول والتالي» وفيه قصيدة اسمها نهار في كركوك. وهي قصيدة تعبر بالضبط عن صورة كركوك التي لا زالت تلازمني، وهي قصيدة كتبت في أمريكا بسان فرانسسكو.
س: إذا أردنا أن نتعرف على ملامح ذلك الشاعر الشاب سركون بولص في كركوك كيف نتعرف عليه؟
طبعا.... هذا الشيء لا يمكن أن أعبر عنه إلا شعريا في قصيدة ولكن سأحاول (يضحك)
س: بعد مرحلة كركوك تأتي تجربة بغداد كيف كانت تلك التجربة ؟
ج: كانت بغداد بالنسبة لي الخروج من الأحلام والسقوط في حلم آخر كبير. فبغداد هي الحلم وكنا نحلم نحن شعراء المدن النائية كمدينة كركوك بتلك الروضة المليئة بالنيون والمليئة بالملذات كما كنا نتخيلها نحن القرويون تقريبا، ذلك لأن الكركوكي بالنسبة للبغدادي في الفترة التي أتحدث عنها وهي فترة الستينات كان نوعا من القروي، وهو يمثل التفكير الريفي بالنسبة للتفكير المديني الذي كان يجسده رجل العاصمة حيث الحانات وحيث الانفتاح من الناحية الاجتماعية في الجنس والنساء والحب. فبغداد أكثر تحررا من مدينة مغلقة اجتماعيا مثل مدينة كركوك، كبقية المدن الأخرى الصغيرة حيث الحب مثلا كان شيئا سريا وخفيا ومازال حتى الآن. وكنا نحلم ببغداد وكأننا إذا وصلنا سنكون قد وصلنا إلى واحة كبيرة بالحياة.
س: في بغداد وجدت نفسك مع جيل شعري جديد كان يفكر بكتابة جديدة تتجاوز ما أنتجه جيل الرواد الشعري في العراق.
ج: في تلك الفترة كانت بغداد مليئة بالشعراء وكان جيل الستينات الذي جاء من جميع أطراف العراق ربما كان مدفوعا بنفس الحلم ومتبعا نفس الخطى معا. وجد ذلك الجيل نفسه في المقاهي حيث النقاش السياسي والثقافي دائر ليل نهار، وكنت تجد نفسك في معركة سحرية جميلة يشارك فيها العشرات من الشباب وكانوا هم من أدرك إن الثقافة ليست مجرد لعبة ايديولوجية كما كانت مثلا عند الرواد، وإنما هي حلم أكبر من ذلك وأكبر من أن تتداول مفاهيم معينة كالثورة والثقافة والشعر، لأن العالم كان كله يلتهب ويغلي بالنسبة لهؤلاء الشباب ويجعلهم يحسون أن طاقتهم جديدة تماما وينبغي أن تكون ثورية ومختلفة بشكل آخر بالنسبة عما سبقهم. ونتيجة لذلك الإحساس وليس التفكير الذي كان يشكل حساسية معينة كان هو الذي ميز شعراء الستينات عن الشعراء الذين سبقوهم وجعل شعرهم وكتاباتهم روضتهم إلى عالم أكثر حداثة وانفتاحا.
س: في تلك الفترة ظهرت مستويات مختلفة من الكتابة التي تدرج ضمن مفهوم الحداثة
ج: الحداثة هي مفهوم غامض وصعب التفسير ويعتمد على موقف الشاعر الشخصي من الثقافة والعالم بشكل عام. أي إن الثقافة تجربة تقف وراء الشاعر والتي تقرر مدى فهم هذا الشاعر أو ذاك وعلى أي مستوى من ما نسميه بالحداثة. وكانت حداثة الرواد تشكيلا جديدا للتفكير الرومانسي الذي هو ثوري أصلا. وكانت متأثرة بتقنيات شعراء الحداثة في أوروبا كإليوت وستويل وعزرا باوند وأودن الذين خلقوا الحداثة الأوروبية والعشرينات والثلاثينات من هذا القرن، في حين أن الشعراء الذين جاؤوا بعدهم - شعراء الستينات - كانوا يقرأون لأجيال أخرى جاءت ما بعد إليوت وباوند وأردن كشعراء البيكنس مكر ألن غينيسبرغ وجاك كيرواك وغيرهم من شعراء الحداثة الثانية في أوروبا وأمريكا. فالتأثيرات التي فعلت فعلها في شعراء الستينات لم يعرف عنها شعراء الريادة الأولى أي شيء، لأن ثقافتهم توقفت عند حدود الحداثة البدائية الأولى، حداثة إليوت وعزرا باوند.
س: هذا يعني حدوث قطيعة مع جيل الرواد؟
ج: إن جيل الستينات كان جيل القطيعة لأنه تبنى أولا قصيدة النثر، وأن قصيدة النثر هي ثورة حقيقية ورفض كامل لأسس معينة استند إليها ويحتمي بها الشعر العربي الكلاسيكي والتي تفرع منها شعر الرواد. فشعر الرواد كسر العمود الشعري وهذا لا يعني أبدا أن الشعر قد تحرر، لأن القيود مازالت كما كانت عند شعراء مكركيتس وووردزروث. فالسياب مثلا كتب بنفس النمط الذي كان يكتب فيه كيتس، فهو أحدث الشعراء على الإطلاق وأعتبره أهم شاعر عربي وقد كتب حسب أنماط موجودة في الشعر الإنجليزي وكانت ثقافته إنجليزية بحتة واتبع نفس التقنيات والقوانين التي كانت عند شعراء الرومانسية الإنجليزية ولم يتبع تقنيات شعر إليوت وعزرا باوند. فهو قد تأثر بإليوت فكريا وتقنيا ولكن ليس بشكل الكتابة الشعرية. وعلي أن أعترف إن المسألة معقدة فإليوت وشعراء الحداثة الأوروبية جاؤوا لكي يثوروا على شعر الرومانسية عند بايرون وكيتس وشيلي وووردزروث وعلى غيرهم من شعراء الرومانسية، وشعراء الرومانسية هؤلاء قد تأثروا في شاعر سبق إليوت وباوند هو توماس هاردي الذي جاء واعتبر في الشعر الإنجليزي أكبر وريث حديث للرومانسية، الذي نقاها وشكلها في قوالب أخرى. أما شعراء العراق الذين سميناهم بالرواد فقد جاؤوا ليكتبوا قصيدة كما كتبها هاردي وليس كما يكتبها إليوت أو باوند وأردن وغيرهم من الشعراء الذين جاؤوا وثاروا على هاردي وريث الرومانسية.
rwayda
08-Aug-2008, 10:14 PM
هل يصح مثل هذا الحديث على الجيل الثاني من الرواد مثل سعدي يوسف؟
ج: هذا جيل أخر يضم كلا من سعدي يوسف ومحمود البريكان ورشدي العامل وشعراء آخرين وقعوا تاريخيا بين الرواد وبين الستينيين ونطلق عليهم شعراء الخمسينات. فسعدي يوسف مثلا هو شاعر ذكي وواع، وكان في بداياته مدركا بشكل جيد لهذه المسائل. والغريب أنه قد قام بوثبات مذهلة بتقنياته في شعره الباكر، لكن سعدي يوسف مازال يحمل ذلك النفس الرومانتيكي الحديث لأن شخصيته الشعرية لازالت تتراوح بين قطبين، قطب الحداثة المطلقة وقطب الحداثة المقيدة. وفي هذا المجال خلق سعدي أنماطا جديدة في الشعر موسومة بطابعه الشخص، لأنك تستطيع أن تتعرف على قصيدة سعدي أينما وجدتها وهو شاعر كبير ولم يخلق قطيعة مع الرواد قطيعة كاملة وأنه بحكم عمره وموقعه التاريخي كان مجددا حقيقيا.
إننا عندما نتحدث عن التجديد المطلق الكامل أو عن القصيدة التي تذهب إلى نهاية القطيعة ينبغي أن نتحدث عن قصيدة النثر إذا أردنا أن نفهم أين مستقبل الشعر العربي. ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطيء لأن قصيدة النثر في الشعر الأوروبي هي شيء آخر. وفي الشعر العربي عندما نقول قصيدة النثر نتحدث عن قصيدة مقطعة وهي مجرد تسمية خاطئة، وأنا أسمي هذا الشعر الذي أكتبه بالشعر الحر كما كان يكتبه إليوت وأودن وكما يكتبه شعراء كثيرون في العالم الآن. وإذا كنت تسميها قصيدة النثر فأنت تبدي جهلك لأن قصيدة النثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه وتعرف بـ (prose poem) أي قصيدة غير مقطعة. وأصبحت هذه المسألة معروفة الآن. واعتقد أن النقاد العرب، يصرون على هذه التسميات كي يشككوا في قيمة قصيدة النثر لذا نحن نحتاج إلى نقاد مستقبليين يتحررون من هذه العقدة أي عقدة الخوف وأن يفهموا بعد دراسة حقيقية للشعر العالمي ماهية قصيدة الشعر الحر. ونأمل أن يأتي جيل جديد من النقاد يتميز بهذا الفهم، بهذا الانفتاح دون خوف وعقد. ويبدو أن الكثير من كتبوا عن قصيدة النثر كتبوا عنها بشكل عدائي، وهناك فهم خاص في أن قصيدة النثر هي قطيعة نهائية وهذا صحيح وهذه القطيعة هي ضد الشعر وهذا أمر غير صحيح
.
س: في الوطن العربي ظهر جيل بعد تجربة الرواد مثل جيل أدونيس ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور وآخرين هل أضاف هذا الجيل إلى تجربة الشعر العربي الحديث ؟
... طبعا دون شك
س: أنت تتحدث عن قطيعة عن قصيدة التفعيلة لكن الاتهام الذي يوجه إلى جيلكم هو التأثر الكبير بتجربة أدونيس الذي لم يتحرر من قصيدة التفعيلة.
ج: بالطبع إن جزءا من شعراء ذلك الجيل كانوا شعراء ايديولوجيين الذين وجدوا عند أدونيس ضالتهم المنشودة. وأن شعراء الايديولوجيا في الستينات والسبعينات في الشعر العربي هم من تأثر بأدونيس لأنه شاعر ايديولوجي وأنا لا أقصد بذلك طعنا بأدونيس وإنما أقصد أن ثمة جانبا كبيرا من التفكير الايديولوجي يسير شعر أدونيس.
س: هل شكت تجربة أدونيس إضافة إلى الشعر العربي الحديث؟
س: دون شك إن أدونيس شكل إضافة وهو شاعر عظيم وأنا لا أحب أي واحد أن يطعن بأدونيس وهو شاعر لا يحتاج إلى شهادات ولا يحتاج إلى إثبات أي شيء لأن نتاجه يقف هناك شامخا.
س: من خلال تجربتك الخاصة كيف تنظر الى أدونيس؟
ج: أنا من خلال تجربتي أختلف شخصيا ونهائيا عن تجربة أدونيس وأعرف شعر أدونيس وأين يتجه وأحترم ذلك الاتجاه، لكن مفهومي الحقيقي للشعر هو: أن كل شاعر ينبغي أن يبني عالما كاملا لأن كل شاعر مختلف في تقاسيمه وإيقاعاته وفي تجربته التي يجترع منها تلك الإيقاعات وتلك التقاسيم وأنا لا أعتقد أن أي شاعر يخرج هكذا ويقلد شاعرا ما، هذا الأمر ليس له أي معنى.
س: في الستينات كتبتم كثيرا ويبدو أنكم مارستم نوعا من الاستعجال في الكتابة ومن خلال الأعمال التي نشرها أبرز ممثلي جيلكم هناك نوع من التخلي عن الكتابات التي يبدو عليها الحماس والاستعجال وأنت واحد منهم حيث نشرت كثيرا في مجلة شعر ومواقف ولم نجد الكثير من تلك النصوص في المجموعات الثلاث التي نشرتها من شعرك.
ج: هذا صحيح وعلي أن أتحدث عن تجربتي الشخصية وأستطيع أن أحكم عن شعراء آخرين وربما قد تكون لي آراء معينة في هذا المجال وأنا لم أتبع الطرق المعتادة التي يتبعها الشعراء الآخرون لأن حياتي كانت مضطربة بشكل مهول وأنا لم أعش الحياة الجيدة اللطيفة الثابتة التي عاشها أغلب الشعراء بعد التخرج من الجامعات وإصدار مجموعات شعرية منظمة والتعامل مع الناشرين. فأنا عشت الشعر وفي رأيي إن الشاعر المبدع هو أن يعيش ذلك الشعر الذي يريد أن يكتبه. فالشاعر بالنسبة لي هو متناحر مع تجربته الحياتية حقا، وتجد الكثير من القصائد إن لم يكن تسعون بالمئة منها لا تعتمد على تجارب حياتية حقيقية رغم أن هذا ليس شرطا ولا يهم القارىء في النهاية. غير أني أجد أن الشعر بالنسبة لي حاجة عظيمة ومخيفة وسحرا أحتاجه لذلك فإن الشعر لا يعني أي شيء عندما يكون مجرد نتاج وملء صفحتي كتاب لذلك لدي ثلاثة كتب فقط، ولدي قصائد منشورة هنا وهناك وفي مجلة أدونيس "مواقف" لدي قصائد منشورة من الممكن أن تكون أكثر من كتاب ولكني لم أجمعها على الإطلاق ولا تلك القصائد التي نشرتها في مجلة شعر والتي تتجاوز الخمسين قصيدة. فأنا لست شاعرا نظاميا، أنا شاعر من نوع آخر.
rwayda
08-Aug-2008, 10:15 PM
س: في المجموعة الأولى "الوصول إلى مدينة أين" يحمى القاريء أن القصائد منتقدة من فترات معينة وليس ثمة تاريخ للقصائد فهل كنت متعمدا في هذا الاختيار؟
- ج: إن قصائد "الوصول إلى مدينة أين" هي قصائد متفجرة وهي قصائد الحيرة بدءا من العنوان وإذا فتحت الكتاب وقرأت الكلمة الأولى وهي «وصلت» وقرأت الكلمة الأخيرة في الكتاب "ذهبت" تجد في الكتاب أن فكرة الوصول إلى مدينة أين محتجزة بين هاتين الكلمتين. ففي البداية تصل ولكنك في النهاية تذهب ولم تصل إلى أي مكان لأن ليس هناك أي مكان والمسألة هذه تلتقي مع قول القديس أوغسطين أنه "ليس هناك مكان نحاول أن نذهب ونجيء إليه ولكن ليس ثمة مكان" التي كانت حاضرة في مجموعة الوصول إلى مدينة أين.
س: هل تنطبق هذه المقولة على اختيار كل القصائد في المجموعة؟
ج: أنا أختار القصائد لتشكل كتابا وليست مجموعة قصائد، وأنا أكتب كتابا له بداية ونهاية وتجد هذا في الكتاب الثاني "الحياة قرب الأكروبول" فالكتاب الثالث "الأول والتالي" يبدأ من الطفولة وينتهي في نيويورك وهو يضم سبعة أجزاء وهذا ينطبق على كتاب "الحياة قرب الاكروبول" فكل البلدان التي عشت فيها والمدن التي تعرفت عليها والنساء التي شكلت تجربتي تقولب نفسها كي تتخذ هذه الأشكال وفي النهاية تصب في نوع نهائي هو الكتابة.
س: في نصوص «الوصول إلى مدينة اين» تقنيات في الكتابة تكاد أن تتشابه.. كيف تصف تلك التقنيات؟
ج: هذا الكتاب حاولت أن أجمع فيه جوهر الأصوات المتعددة التي كنت أكتب فيها منذ بدء الستينات بكتاب جاء في الثمانينات أي بعد نشر الكثير من القصائد في المجلات العربية غير أني لم أجمع منها سوى النزر اليسير وركزت بدل ذلك على ما أسميه بالقصائد التفجيرية، لأني أردت أن يكون الكتاب الأول مركزا على النثر بصورة كاملة دون أي تشبث بقصائد الوزن التقليدية كما كانت تكتب من قبل الرواد وأن تكون قطيعة مطلقة من حيث الصوت ومن حيث الإيقاع النثري الخالص مع الشعر السائد. وأنا حين أنظر إلى كل ذلك من خلال هذه المسافة الزمنية أجد أن الجنون العاطفي والايقاعي الذي يصل أحيانا إلى حد اللاوعي والاستغراق به في هذه القصائد هو دليل على ما كنت أعانيه عندما جئت إلى الولايات المتحدة من بيروت وهو دليل على حيرتي إزاء هذا العالم الشاسع الوحشي الذي وجدت نفسي فيه وكيف يمكن لي أن أعبر عما كنت أعيشه وباي سبل. كانت هناك ضرورة قصوى أن أجد أشكالا أخرى لتقمص التجربة الأمريكية كامتداد لتجربتي في الستينات في كل من بغداد وبيروت وهكذا جاء كتاب "الوصول إلى مدينة أين" وهو يعبر عن اللامكان الذي كنت أقف فيه آنذاك.
س: في المجموعة الأولى نلاحظ أن القصيدة تتكون من مقاطع قصيرة حيث تعتمد التقطيع، في حين نلاحظ في المجموعة الثانية "الحياة قرب الأكروبول" ان القصيدة تتكون من جمل طويلة وأحيانا تكون مقطعا كاملا فكيف وصلت إلى مثل هذه التقنية ؟
ج: هذا سؤال رائع، بالطبع هناك قصيدة الضربة، منها مثلا قصيدة الجلاد في الكتاب الأول التي تتكون من ثلاثة أسطر وهي عن الطاغية الذي مازال شبحه يلاحقنا حتى الآن وهذه قصيدة كاملة
وهناك قصائد أخرى من هذا النوع في الكتاب، إنها القصيدة الشرسة والصوت الذي يواجه الموضوع مباشرة ويطلق سهمه نحو الهدف. ويضاف إلى ذلك القصائد العنيفة أي تجربة قصائد النثر التي يمكن لها أن تدخل اللاوعي بشكل عاصف حيث تدوخ اللغة العربية وتبدو أجنبية. واللغة من الممكن أن تغرب بهذه الطريقة. وفي الشعر الحديث إذا درسنا صناعة الحداثة نجد أن تغريب اللغة هو أول الأفعال لفصلها وقطعها عما سبقها بحيث تقف وحدها بلباس أجنبي لتبدو لغة أخرى، ومن هنا تبدأ هذه الصناعة. لذا فإن لغة كتاب "الوصول الى مدينة أين" هي اللغة التي غربت نفسها قصدا لأن الهدف في كل الكتاب هو أن تقف على حدة من جميع ما هو سائد وهذا هو فعل الثورية الحقيقي العنيف الذي ربما فاق الحدود في رأيي. بينما في الكتاب الثاني وجدت نفسي أكثر هدوءا وأتعمق في التجربة الحياتية حيث أن الصوت شكل نوعا من الجملة المطولة التي لا تقف عند حد في حين كانت الجملة بالكتاب الأول عنيفة وشرسة. بينما أصبحت في "الحياة قرب الأكروبول" أكثر امتدادا لتنال مدى أبعد.
س: هل جاء اختيار الجملة الطويلة ضمن خطة واعية أم أملتها التجربة الخاصة ؟
ج: دون أي شك جاءت ضمن اختيارات واعية جدا وأنا واع جدا لعملية كتابة القصيدة، ففي الكتاب الثالث «الأول والتالي» تخلصت من أشياء كثيرة كانت موجودة في الكتابين الأولين، وجرت فيه - أي الكتاب الثالث - عملية تركيز مكثفة حيث أن الوعي يبرز أكثر في كل كلمة. لذلك جاءت القصائد أقصر والديمومة تنال القصيدة بأكملها. ففي القصائد الأخيرة نجد ديمومة الصوت التي بدأت في الكتاب الأول بشكل عنيف كما قلت ومن ثم تطورت وهدأت ونضجت أكثر في الكتاب الثاني حيث تنفرش على الساحة الأصوات والايقاعات وتعطيك خلفية كاملة ومطلقة وبتفاصيل حقيقية تعتمد مرجعيا على التجربة الحياتية مثل الحياة في اليونان والتي استمرت - تلك التجربة الاغريقية - في الكتاب الثالث وثمة قسم كامل لقصائد اليونان في "الأول والتالي" متطورة تقنيا إلى حد أن تتخذ القصيدة مشاهد العالم الحقيقي والتعابير والأشكال والايقاعات التي يستنبطها الشاعر من ذلك العالم.
س: من أين تستمد الايقاع؟ وأنت تؤكد أن التفعيلة تجعل من القصيدة ذات تركيب أفقي وذات شكل هندسي من الممكن أن تتصوره قبل كتابة القصيدة، فأين تجربة محمود درويش الذي حاول أن يطوع التفعيلة ويمنح القصيدة أفقا مفتوحا من حيث الايقاع؟
ج: إن البحور العربية تفرض على الشاعر العربي - أي قبل أن يكتب قصيدة - أن يمشي عبر الصفحة بشكل معين ودون حرية مطلقة، أي أن الشاعر مهما برع في السيطرة والسيادة على الوزن هناك دائما الايقاع الهندسي الذي تفرضه شكلية البحر المختار لكتابة القصيدة. واذا قررنا أن نكتب على إيقاع بحر الكامل مثلا لوجدنا أنفسنا مجبرين على اختيار كلمات معينة ومطولة تتوافق مع متفاعلن ومستفعلن. أي أن مجزوءات هذين الشكلين اللذين يؤلفان بحر الكامل سيفرضان علينا دائما طوال القصيدة أن نتقيد بالكلمات التي تنبني أو تنصب في هذين الصوتين، فـ(متفاعلن) يقابلها (متفجر) لذلك ستكون كل قصيدة تكتب على بحر الكامل ستكون على الاطلاق مؤلفة من كلمات يكون الجزء الأساسي منها مشددا حيث لا تكون ثلاثية أو رباعية وانما من كلمات خماسية وسداسية وأكثر.
س: يعتبر بحر الكامل من البحور التي تمتاز بالتعقيد فهو يجمع بين بحر الوجز والسريع والمتدارك، وثمة عدد قليل من شعراء التفعيلة الذين لجأوا إلى استخدامه مثل أدونيس ومحمود درويش.
ج: إذا كان الأمر يتعلق بشاعر سيد على وزنه وسيد على قصيدته قد يكون مختلفا، فشعراء مثل أدونيس ومحمود درويش هؤلاء يعرفون كيف يمسكون بالتيار وكيف يسيطرون على الدفق. وأنا أتكلم عن أشياء مسبقة عن السيادة ومطلقة بالنسبة لأي شاعر يكتب بالوزن، أي ما أسميه بالقصيدة الأفقية إذ يكون من الصعب كسر السطوح التعبيرية والايقاعية فيها وأحيانا يكون صعبا بشكل استحالي، وعندما يتعلق الأمر بالنثر وأنا أتحدث عن سيد نثره وسيد الايقاعات وهذا لا ينطبق على جميع الشعراء وانما ينطبق على قلة حيث يمكنك أن تخلق في النثر إيقاعات حقيقية وحرة تضرب في مجالات لا يمكن للقصيدة الموزونة أن تطرقها.
س: كيف يمكن تحديد هذه الإيقاعات؟ وما هي إيقاعات القصيدة التي تكتبها؟
ج: عندما نتحدث عن الإيقاع الموزون والإيقاع النثري فإننا نتحدث عن شيئين مختلفين، ذلك لأن الأذن العربية لفرط تعاملها مع الوزن قد صارت مخدرة وتعترف بإيقاعات خاصة معينة تنتج نوعا من الطرب وهي الإيقاعات التي تحتويها البحور العربية. لذا يبدو أن الأذن العربية تحتاج إلى وقت طويل كي تتعود على إيقاعات النثر، وقصيدة النثر لا تعتمد على الإيقاع فحسب بل هي تعتمد على أشياء كثيرة فالإيقاع هو عنصر واحد. وهو في قصائد معينة يتبع دائما الثيمة والموضوع والشكل والأشكال الشعرية الأخرى التي لا تمتلكها قصيدة الوزن بكل بساطة لذا فإن التعقيد في هذا النوع من الشعر- شعر النثر -هو من أول الشروط الشعرية التي يتبعها الشاعر.
س: نلاحظ أن تجربة جيل البيكنس الأمريكي استفادت من إيقاعات معينة مثل الجاز حتى عندما نقرأ نثر جاك كورياك نجد إيقاعات الجاز حاضرة في نثره.
ج: دون أي شك هناك إيقاعات الجاز والبلوز والإيقاعات التي استقاها والت ويتمن من التوراة، إضافة إلى الإيقاعات التي استوحاها واستنبطها ألن غينيسبرغ من ويتمن نفسه ومن الشعر العبراني. واستنبط جاك كيرواك إيقاعات من موسيقى البلوز ومن ما يسمى بالبيب بوب في الجاز وإيقاع الهايكو الياباني فهي تقنيات وأشكال ساهمت في الخلق الشعري الحديث ما بعد إليوت والتي شكلت ما يسمى بما بعد الحداثة كحركة.
rwayda
08-Aug-2008, 10:16 PM
س: إذا أردنا أن نتحدث عن قصيدة النثر العربية فهل تمكنت من خلق إيقاعات موسيقية أخرى غير مصادر الموسيقى العربية التقليدية المتمثلة ببحور الخليل؟
ج: إن قصيدة النثر العربية الحاضرة هي قصيدة مغامرة انطلقت من عدم الاقتناع بايقاعات القصيدة التقليدية وإيقاعاتها مستمدة من شكل القصيدة ومن التجربة الموجودة فيها. لذلك فإن الإيقاعات غير ثابتة وغير ممكن أن تكون مقننة في قصيدة النثر، فكل قصيدة لها إيقاعها الخاص يضاف إلى ذلك أن كل قصيدة لشاعر معين تمتلك إيقاعه الشخص الذي يدل عليه وهذا الشيء الذي لا يمكن لقصيدة الوزن أن تفعله على الاطلاق. بينما في قصيدة النثر ليس ثمة ما يقيد الشاعر سوى تجربته الخاصة وديمومة الصوت الذي تشتمل عليه القصيدة والتفاصيل الأخرى التي ليس لها أية نهاية والتي تنضاف إلى مسألة الإيقاع. فالإيقاع ليسر منفصلا في هذه الحالة عن التراكيب الأخرى في قصيدة النثر.
س: لنعد مرة ثانية إلى تجربتك في الكتابة، في كتابك الأول «الوصول إلى مدينة أين» نجد أنه يعتمد على الصورة حيث يبدو كل سطر صورة، في حين نلاحظ أنك تحاول أن تتخلص من الصورة في كتابك الثاني «الحياة قرب الأكروبول» وتلجأ إلى السرد.
ج: هذا صحيح ففي الكتاب الأول كان اعتمادي على الصورة بشكل مبالغ فيه، ذلك لأني كنت منذهلا بالصورة في ذلك الوقت، وبصورة مبسطة أكثر كانت الصورة المكثفة بالنسبة لي آنذاك هي جواز المرور إلى عالم اللاوعي وكنت مندهشا وأفكر صوريا إلى أن تجاوزت هذا الموضوع ووجدت نفسي في الكتاب الثاني أتخلص من الصورة قدر الإمكان، وأبسطها حيث أن الصورة تخدم شيئا آخر هو الحالة أو المشهد الشعري الداخلي الذي ينظر إليه كمرجع للخارج أي في الحياة المدرة والمتدفقة. فالصورة كانت في الكتابب الأول سوريالية وحاولت أن أتخلص من آثار التصوير المباشر في الكتاب الثاني والثالث.
س: في الكتاب الأول تلجأ كثيرا إلى أدوات وحروف التشبيه هل كان هذا لضرورة فنية؟
ج: لقصيدة النثر تقنيات وأساليب تعتمد كثيرا على المقابلة وعلى تقابل الأشياء وتصادمها، لذلك فالصدام بين الأشياء والصور هو الذي يخلق الوديان الكلامية في الكتاب الأول.
س: «الأول والتالي» يبدو أنك تحررت كثيرا من أدوات التشبيه
ج: في الكتاب الثالث أكاد لا أشبه إلا بطريقة غير مباشرة. وهذا يعني أن عملية التشبيه تطورت إلى حد أنها نفت نفسها فصار التقديم أو التجسيد هو الذي يحظى باهتمامي وهناك قصيدة في "الأول والتالي" تتكون من أكثر من عشرين مقطعا عنوانها «تجاسيم» وهذه الكلمة اخترعتها وتفهم بمعنى "التجسيد" للحالات، فصار التجسيد بدلا من التقابل الصوري واللجوء إلى أدوات التشبيه.
س: كلمة "العالم" نكاد نجدها تقريبا في كل نصوصك الشعرية فلماذا هذا الاصرار على هذه المفردة؟
ج: منذ وقت طويل وعند بداية مسيرتي تأثرت بفكرة جاء بها فيلسوف ألماني اسمه ليبيتن وهي فكرة عن المونولودجيا أي أن العالم يتكون من وحدات شكلية سماها بالمونادات فكر شيء هو موناد، فالقنينة هي موناد والعين موناد والكأس موناد وكذلك الشعر والقمر والمصباح والنجوم. وهذه الفكرة تطورت الآن في الوقت الحاضر بالفيزياء الحديثة خصوصا في فيزياء اللايقين عند هاينزبورغ حيث أن هذا العالم لا قيمة ولا معنى له على الاطلاق، لم يكن هناك من يسمونه بالرقيب أي المشاهد الذي يقف في مكان ما من الكون ويقول هذا الشيء المعلق في الفضاء اسمه نجمة وذاك اسمه قمر وهذه هي مجرد اسماء ووحدات أو مونادات بالكون وهذه ببساطة فكرة الفيزياء الحديثة وأنا مؤمن بها ومنذ شبابي سيطرت على هذه الفكرة. وأغلب القصائد التي كتبتها مليئة بالعشرات وربما بالمئات من الوحدات الموجودة واقعيا في العالم التي تتركب مع بعضها البعض لتكون عالما كاملا مستقلا بحيث أن هذه الوحدات والمونادات تتصادم مع بعضها في حقل ميدان من الطاقة حيث تكون القصيدة في النهاية ميدانا حيا من الطاقة الفيزيائية وهذه الطاقة تقرر شكل القصيدة.
س: في المجموعات الأول نراك مشغولا بالفكرة كثيرا وربما هذا ما يفسرا للجوء إلى الصورة في حين نشاهد في المجموعتين الثانية والثالثة ميلا نحو الحسية واستفادة من فنون الكتابة الأخرى كالرواية والمقالة.
ج: إن قصيدة النثر هي التي تستغل وتغرف من كل الروافد ومن كل الأنهار ومن طرائق الكتابة المقالية وتغرف من الكتابة الدينية ومن النص الصوفي ومن العلم ومن السينما والباليه والرقص وربما هذا الذي يشكل إيقاع قصيدة النثر. فالشاعر عندما يكتب يكتب بكل حواسه وبكل معرفته ولا يكتب مثل الشاعر التقليدي الذي يحاول أن يطربنا ويهزنا أو يحاول أن يقنعنا بفكرة سياسية أو أيديولوجية، فالشاعر الآن الذي يقف في مركز الكون وفي مركز التجربة الحياتية حينما يكتب تكون السياسة والايديولوجية والموسيقى وكل الفنون مصبوبة في نظرة ورؤيا وفي موقف حسي وهدفه في النهاية أن يدخلك في هذا الحقل من الطاقة الحية وفي هذه العاطفة المطلقة كما قال عزرا باوند أنه "لا شيء غير العاطفة". والعاطفة هنا بمعنى (Passion) الوجد الوجودي والكوني فالشاعر هو كائن يحترق كي تبرز هذه الطاقة ولكي يكون وقودا لهذه العاطفة ولهذا الوجد. وأنا لا أجد أي شيء يمكنه أن يقنعني بأن قصيدة النثر مجرد شكليات أو مجرد تقنيات أو ضرورة تاريخية كما يتحدث عنها النقاد أو كتقليد سخيف لقصيدة الغرب. فهذه القصيدة هي الضرورة وكان الشاعر العربي يتطور نحوها على الإطلاق منذ القرآن الكريم. وتكاد أن تكون كل الكتب الدينية مكتوبة بالنثر وهي الكتب التي مازالت تهز البشر.
س: في كتاب " الأول والتالي " ثمة استفادة من الشعر العربي القديم وحضور لشخصية النابغة الذبياني وللشاعر عمرو ابن أبي ربيعة، فهل تطمح في خلق علائق جديدة مع شخصيات من الشعر العربي القديم؟
ج: أحيانا أجد نفسي أفكر بشروط زمانية معينة وتعطيني حسا ثابتا لتواريخ معينة، وأحيانا ارتبط مع التاريخ والتراث بشكل اعتباطي وليس شرطيا أبدا. وهكذا يحدث أن أجد نفسي أتحدث وأعيش جوا خاصا يربطني بشاعر معين قرأته في فترة ما وبقي جزء من شعره يغذيني في الحاضر. إن بضعة أبيات للنابغة الذبياني قد بقيت في ذهني وهي تتحدث عن الكواكب وعن السهر والأرق في عهد الملك النعمان بن المنذر عندما كان النابغة شاعر البلاط بالحيرة. وجدت نفسي ذات ليلة في سان فرانسسكو أرقا في ليلة مليئة بالنجوم، وكنت قريبا من البحر ومن الحس التاريخي وبصورة غير واعية أحسست بارتباطي بهذا الشاعر.
وحدث أن اكتشفت أن الأزمنة كلها متداخلة، وأن الذبياني الذي عبر عن هذه الحالة موجود في كل الأزمنة، ومن بينها الزمان الذي أعيش، والذي ولدت فيه قصيدة "كواكب الذبياني" وبشكل واع ربطت الذبياني بمدينة سان فرانسسكو وبليلة معينة من أوا خر القرن العشرين وبليلة لا أعرف بأي تاريخ كتب عنها الشاعر الذبياني.
وأما بالنسبة للشاعر عمرو بن أبي ربيعة الذي أعده من أعظم شعراء الغزل في العالم وهو من أندر الشعراء الذين استعملوا السرد الزماني لخلق جو معين فيه حركة وطاقة، وبنوع من التلاعب والضحك وجدت نفسي أشكو له عن حالتي مع الحب والغزل والمرأة حيث كتبت له مرثية. والمرثية هنا فيها من اللعب لأنها ليست بمرثية على الإطلاق، لأنني أرثي لما أقول للموضوع الذي هو جرأة المرأة الحديثة التي تجرك للسرير بحيث تقطع إمكانية الغزل كما كان الأمر في حياة وزمن عمرو بن أبي ربيعة. وأسمي هذه العلاقة مع التراث أحيانا بالعلاقة الشرطية وأحيانا بالعكسية والتي تتميز في بعض الأوقات باللعب وعدم الجدية، وبالترابط الحي الإنساني وليس بتجربة الكتابة فقط.
س: هل تفكر بإعادة مثل هذا اللعب مع شاعر عربي قديم آخر؟
ج: لدي الآن قصيدة عنوانها "إلى امرىء القيس في طريقه إلى الجحيم" وهي قصيدة أجري فيها حوارا مع امرىء القيس، وبالطبع في أمريكا وفي حالة معينة كانت تشبه حالة امرىء القيس عندما كان يهرب من المنذر بن ماء السماء الذي قتل أباه وحدث أن ذلك الزرد المسموم المشهور قد أهدي من قبل ملك الروم آنذاك إلى امرىء القيس الذي كان سبب موته. جعلتني هذه القصة وقراءة معلقته ذات ليلة أحس به حيا ضمن إطار تجاوز الأزمنة وتداخلها، وأتحاور معه ليس كشخص وإنما من خلال كوة الظل الشعري الذي نسميه امرأ القيس الشاعر. وعليك أن لا تنسى أن الشعراء حتى لو عاشوا في نهاية القرن العشرين فهم مسكونون بالأجداد والأشباح والأطياف الشعرية والتاريخية وهذا الأمر يردنا إلى المونادات أو الوحدات الوجودي
rwayda
08-Aug-2008, 10:17 PM
س: قيل عنك أنك كنت تقطع نهر دجلة سباحة من أجل اللقاء مع الكاتب الراحل جبرا ابراهيم جبرا.
"يضحك" إن جبرا كان بالنسبة لي ولشباب آخرين أبا حقيقيا. وكنت أسبح وأعبر جسر الجمهورية كل يومين أو ثلاثة من الأسبوع، كان بالنسبة لنا أيضا مصدر رزق حيث كان ينشر لي ولرهط من الشعراء المفلسين من بينهم جان دمو الذين كانوا يتوافدون يوميا على مكتب جبرا ابراهيم جبرا في مجلة "العاملون بالنفط".
وكان جبرا أبا روحيا بالنسبة لي وكنت أتحدث معه لأنه كان واحدا من العقول النيرة التي أستطيع أن أتحدث معها عن اكتشافاتي في الأدب العالمي التي كنت أقرأه بنهم وكنت مذهولا بالأدب الغربي. وكان جبرا ابراهيم جبرا الكاتب والمترجم والشاعر شخصية فذة، كأنه واحد من شخصيات النهضة الأوروبية العظيمة كدافنشي، التي لها إحاطة بالعلم والأدب والفن والتيارات الفكرية الأخرى، إنه ليس شاعرا أو كاتبا فقط وإنما هو بالنسبة لي كان شخصية عالمية. وأنا عرفته عندما اكتشفت أنه يحرر مجلة «العاملون بالنفط» وكنت آنذاك في كركوك وعرفت أن المجلة تدفع مكافأة مالية كانت متواضعة غير أنها بالنسبة لي آنذاك غير متواضعة، فالدنانير الثلاثة أو الخمسة التي تدفعها كانت كافية لليلتين أو ثلاث في حانة مع عشرة شعراء مفلسين.
س: هل ساهمت تلك العلاقة مع جبرا في ترسيخ عملية الترجمة لديك؟
ج: كان جبرا بالنسبة لي المثال العظيم وهو الذي قام بترجمة شكسبير وآخرين وكنت معجبا بترجماته لشكسبير فهو كان مثالا للمترجم الحق. وأقول لك قصة أنه عندما تركت بغداد للذهاب إلى بيروت والتقيت بجبرا ابراهيم جبرا في مكتبه ببغداد في كرادة مريم أعطاني مخطوطة الملك لير مطبوعة على الآلة الكاتبة كي أوصلها إلى يوسف الخال ببيروت لغرض نشرها في دار النهار. وكان جبرا لا يعرف وأقول هذا للمرة الأولى بأنني كنت ماشيا عبر الصحراء على الأقدام وكان يعتقد بأني ذاهب كأي مسافر بالطائرة أو بالسيارة إلى بيروت، ولم يدر بخاطره هذا الأمر حتى وفاته. ولم أقل له بأني حملت مخطوطة الملك لير معي في حقيبتي عبر الصحراء وفي أحقر الفنادق بحلب وحمص ودمشق وعبر الحدود السورية اللبنانية ومع مهربين مغامرين حتى وصلت بيروت وسلمت مخطوطة الملك لير إلى يوسف الخال ونشرتها دار النهار.
س: أنت تقول انك تكاد تمارس الترجمة يوميا وترجمت العديد من النصوص، ما هو اثر الترجمة على نصك الشعري؟
ج: التأثير كان كبيرا جدا. والترجمة فن قائم بذاته وأنا عندما أترجم -خصوصا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية محاولا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المترجم. وهذا امتحان قاس جدا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الانجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانا عند كبار الشعراء. فمثلا أحيانا أقوم بترجمة أبيات من جحيم دانتي لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة لأمتحن اللغة العربية وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الانجليزية لأحد أعظم شعراء اللغة الايطالية. ويقود هذا التمرين أحيانا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية وكل هذا طبعا يؤثر في النهاية علي كشاعر عندما أكتب.
س: الشاعر الامريكي ميروين مهووس بالترجمة، وقد تلقي نصيحة من الشاعر عزرا باوند في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر ميروين أن لغته قبل القيام بالترجمة كان فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الاكتشاف بعد ممارسة الترجمة؟
ج: عندما ترجم عزرا باوند للشعر الصيني أحدث ثورة كبيرة في اللغة الانجليزية على الاطلاق وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن، وفي كتابه "Cathay" الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معروفة، عن الحرب وظهر في عام 1915 حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية أثر في الشعر الانجليزي بعمق، لأنه قدم التراكيب أو "Ideographs" الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها باوند البديل باللغة الانجليزية أحدث ثورة ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل غيري سنايدر، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن وغيره من الشعراء من بينهم ميروين الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته من الترجمة، وقدم العديد من شعراء الأسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل جميع اللغات والكتابات في النهاية تتشارك وتتداخل وتتلاحم لتخلق شيئا جديدا.
س: هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة ؟
أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز إذا أمكن وأن يحاول الترجمة حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة كتمرين.
rwayda
08-Aug-2008, 10:18 PM
الشاعر الامريكي سام هاميل المتمرد على سياسة بلاده في حوار عن الشعر في زمن الحرب
حاورته: رنا جوهر
الشعر بالنسبة له، موقف، تمرد من اجل السمو الروحي للانسان، والشاعر يملك سلاحاً ينفذ الى القلب كلمته، وهو قادر على تغيير حياة الناس، لكنه يغير كل «انسان على حدة» وفي ظل عالم اغفل اهمية الشعر في حياتنا وقام بتهميش دوره، اثبت ان الشعر ما زال يملك القدوة على المقاومة والوقوف ضد التيار وقاد حملة شعرية ضد الرئيس الامريكي بوش والحرب في العراق فأنشأ مؤسسة شعراء ضد الحرب شارك فيها شعراء من كل انحاء العالم تحت قيادته.. هو سام هاميل الشاعر الامريكي المتمرد على سياسة بلاده والمشارك في المؤتمر الدولي الاول للشعر.. والذي كان لنا هذا الحوار معه:
- ان لك باعا طويلة في النشاطات الاجتماعية والانسانية وفي مجال حقوق الانسان ولك اراء سياسية جريئة ومواقف قوية، كيف ينعكس هذا في شعرك؟
* بالنسبة لي اهمية الشعر تتجلى في قدرته على تغيير حياة البشر، فالشعر يمس وجدان كل انسان يقرأه فيصبح هؤلاء الناس مثل قطرات المطر مكونة الغيث الذي يعيد الحياة الى الارض الميتة. وفي ثقافة مثل ثقافة بلادي التي ارى انها اصبحت مصدر تهديد لاستقرار العالم - لم استطع ان اقف مكتوف اليدين ازاء امور ارفضها فالصمت بالنسبة لي كان بمثابة الموافقة الضمنية بل المشاركة غير المباشرة فيما لا اقبله، لذلك كان الخيار الوحيد امامي هو ان اعلن رفضي وتمردي، واعبر بشعوري، عما يجيش بقلبي واصرخ في وجه ما يحدث من اهدار لكرامة الانسان وادميته.
- قال الشاعر الانجليزي «شيلي» - الذي كان يكتب هو الاخر قصائد سياسية ينتقد فيها السياسة البريطانية في القرن التاسع عشر، فهل يمكن ان نقول ان سام يسير بخطى «شيلي»؟
* نعم يمكن ان اقول انني اسلك الدرب ذاته، لكنني اقل رومانسية من شيلي.
- لمن تمتد جذورك فنيا؟
* انها لا تمتد لمصدر واحد فلي اكثر من معلم وقدوة فانا اترجم الشعر الصيني والياباني وادين بالفضل لكثير من شعرائهم، اما في حياتي فأخترت ان اعيش فقيرا زاهداً في كل الامور المادية من حولي اما في السياسة فان بطلي الحقيقي هو الاديب والفيلسوف الفرنسي الجزائري الاصل «البيركامو»، لقد امتلك البيركاكو من الشجاعة ما جعله يقف في وجه العالم ابان الحرب العالمية الثانية ليعلن احتجاجه على ما يحدث ويطلب بوقف الحرب.
- حدثنا عن مؤسسة شعراء ضد الحرب التي اسستها؟
* ولدت فكرة هذه المؤسسة عندما دعيت الى البيت الابيض بالتحديد في يناير «۲۰۰۳» وكان ذلك قبل الغزو الامريكي على العراق، وكان بوش قد اعلن وقتها عن مخططاته العدوانية في المنطقة، الامر الذي صدمني واستفز انسانيتي وغضبت بشدة من الجريمة الشنعاء التي ترتكبها بلادي بأسمي وبأسم كل امريكي في حق الابرياء في العالم، فلم اجد في نفسي القدرة على تلبية الدعوة للبيت الابيض، فجمعت مجموعة من الشعراء والاصدقاء لنعلن تمردنا على الوضع واحتجاجنا على الجريمة التي سترتكب بأسمنا، فكتبنا مجموعة من القصائد تندد بالحرب وبسياسة بوش وفي غضون خمسة اسابيع وصلنا الى ما يقرب من «۱۳» الف قصيدة من «۱۲» الف شاعر من جميع انحاء الولايات المتحدة، واصبح لدينا الان اكبر مجموعة من القصائد في تاريخ الشعر الحديث يجمعها موضوع واحد فلدينا اكثر من «۲۲» قصيدة من شعراء حول العالم كتبها اصحابها ليشاركوا احتجاجاً ويعلو معنا رفضهم ضد الحرب والدمار.
- ذكرت في مقال لك انه لا يوجد في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية رئيس تعدى على الحقوق المدنية واخل بميزان العدل مثلما فعل جورج بوش ما تعليقكم على ذلك؟
* انا اعتقد ان بوش لم يكن يوما رئيسا منتخباً من قبل الشعب الامريكي ففوزه في الانتخابات الرئاسية شابه الكثير من التساؤلات والشكوك خاصة في ولايتي فلوريدا واوهايو، لكن المؤسف اكثر من ذلك ان الكونغوس الامريكي ليست لديه الجرأة الكافية للوقوف في وجهه، فقد اعطاه السطلة والصلاحيات ليفعل ما يشاء، وقد استخدم بوش احداث «۱۱ سبتمبر» ذريعة ليقنع بها الشعب الامريكي ان العالم اصبح مختلفا وخطرا وعلى الولايات المتحدة ان تؤمن نفسها في مواجهة هذا العالم الجديد، وهذه كلها اكاذيب.. ان العالم لم يتغير وان الشعب العراقي لم يؤذ الشعب الامريكي وصدام كان ذريعة بالرغم من كل جرائمه ومساوئه وظلمه وطغيانه.. واعترف للاسف اننا قمنا بالاعتداء على شعب بريء علانية وامام أعين العالم واقول علانية لاننا للاسف شاركنا في الكثير من المآسي لكن بطرق غير مباشرة وليس بهذه الطريقة السافرة والاعجب من ذلك والمثير للغضب هو ان بوش راح يبرر جريمته الشنعاء بوصفها واجبا وطنيا وعملا بطوليا يستحق الثناء! وهكذا استطاع ان يستولي على كل الصلاحيات الخاصة بالحرب التي هي في الاصل من اختصاص الكونغرس الامريكي طبقا للدستور وارسل ابناءنا ليقتلوا ويقتلوا خارقا بنود الدستور الامريكي في حرب غير قانونية وبالتأكيد مجردة من كل المعاني الانسانية والاخلاقية.
rwayda
08-Aug-2008, 10:19 PM
حوار مع الناقد الأدبي حسين علي الهنداوي
حاوره : الشاعر حتم قاسم
النقد رؤيوية واعدة تسبر أعماق النص الإبداعي و تطير به في أفاق الكون باحثة عن موقع ٍ راسخ لذلك النص و النقاد على الرغم من كونهم السابر لمسودات الأدباء فإنهم يبقون المصابيح المقـمرة فـي ليـل النصوص الأدبية فكم من مبدع ٍ لولا النقد لبقيت كتاباته في غيابات سجون الصمت 0
الناقد و الشاعر حسين الهنداوي في حوار متميز يفتح أفاقه علـى فضاءات جديـدة للـقراءات النقديـة للنصوص الواعدة 0
س1- بين الأدباء و النقاد صراعات عميقة لا يمكن أن تندمل جراحها فما موقف النقد من الأدب ؟
ج1- النقد بمفهومه الدقيق و الصحيح هو كشف و تحليل للأبعاد الإنسانية التي يحياها الفرد و المجتـمع
نفساً واقعة من خلال النصوص المقروءة و لا يمكن لأي نص مهما علت مكانته أن يخـتم بجــواز
مرور النقد فالنقد هو الذي يفـتق روائع النص و يفتح له الأشرعة ليطير إلى عالم كوني يرتسم من
خلاله أعاداً إنسانية ضمن آفاق فنية 0 وإذا كان هناك من الأدباء من يفترض حساسـية بين النقـد
والأدب فذلك إنما يكون بسبب هشاشة تكمن في النص الأدبـي ( أي عند صاحبه ) 0 هـذا إذا كان
الأدب المطروح أدب حقيقي يمتلك عناصر البقاء الفنية و الإنسانية و النقد بعدٌ إنساني و بعـد فني
توحـدا فشكلا لنا لوحة فنية جديدة 0 إن التكاملية بين الأديـب و الناقـد ( إذا كانا مـتوازيين في
البحث عن الحقيقة النقدية و الحقيقة الأدبية هي التي تجعل العلاقة جدلية بين الفنين ) 0
س2- النص الأدبي أفق واسع يحمل أبعاداً إنسانية و فنية 00 ما شروط خلود النص الأدبي ؟؟ و كــيف
للأديب أن يوقع بقلمه في سجـل الـخـالديــن ؟؟؟
ج2 – لا يمكن لأي نص أدبي أن يرتسم بمعالم الخلود و البقاء على مر الزمان إلا إذا كان يلامس جذور
الواقع الحقيقي للمعطيات الإنسانية المتكررة على مر العصور فالإنسان كما يقول اليوت : ليس ولادة
و زواجاً و موتاً إنه لوحة ترسم أفاقها على واقع الحياة و النص الأدبي الحقيقي بدوره ينمنم هـذه
الصورة و يخرجها إلى الوجود صعقة إنسانية و أي صاحب نص إذا أراد لنصه البقاء و الخلود فعليه
أن يرصد القضايا الكونية و النفسية الممتدة في أعماق الإنسان و التي تقض مضجعه لأنها الأفــاق
الحقيقية للبعد الوجودي للإنسان 0
و الأديب الذي لا يمتلك أدوات حقيقية فاعلة في الأدب لا يستطيع أن ينتج نصاً أدبياً حقيقياً ناهيك عن
تفاعل هذا أديب مع الذات و الآخر و اكتشاف الأبعاد الحقيقية للأعمـاق الإنسـانية فالأدب بلا أدوات
كالصياد الذي يطرد صيده بيديه0 فقد يعود خائباً من رحلته غير ممسك بريشة عصفور
0
س3 : الشعر الفن المدلل الذي ربا عمره على الخمسة الآف عام 00 هل يتحول إلى حمل صغير لا يأبه له
القطيع ؟؟؟
ج3- الشعر في الحقيقة بعدٌ إنساني حمل النفس الإنسانية مبدعة ً و متلقية إلى آفاق الخيال عندمـا كانت
الذاكرة هي الرصيد المتبقي للإنسان في حمل تفاعلات الزمـان و رسـمها عـلى خريطـة الموقـع
الإنسـانـي و لكن مواقع الأدب في هذا الزمان الذي فتـح نوافـذ عـدة على الحياة جعـل الرواية
و القصة القصيرة و المقالة و المسرح تزاحم الشعر على مكانته 0 و تحاول إقصائه عن مكانة الريادة
و تجد ُ سبلاً جديدة إلى النفوس الإنسانية التي بدأت أن تستجيب بسبب طبيعة الحيـاة إلى تزاحـمات
الصراعات الإنسانية التي قد تجعل الرواية الفن الأكثر اختلاساً لخبايا النفوس لما تحمله الرواية مـن
توهجات إنسانية تسبر مغاور النفس و تستخرج خبايا ما يختبئ من تفكير في لاوعي و شعور الإنسان
س4 : هل تكونت لدى العرب نظرية في الشعر و النقد على مر العصور ؟؟ ومن برأيك من النقاد يستحـق
الإعزاز و التقدير ؟؟؟؟
ج4 : للشعر العربي على خريطة الألفي عام السابقتين نظرية أسس لها الكثير من الشعراء و أســهم في
برمجة صياغتها النقاد العرب و كانت نظرية الشعر العربي ابتداء ً من ابن سلام و انتهـاء ً بالآمدي
و مروراً بابن طبا طبا و هؤلاء استطاعوا أن يؤسسوا نظرية شعرية عربية تجعل النص الـشـعري
بعداً ( إنساني – فني يستطيع الثبات لمدة طويلة 0 و لكن اختلاطـات الترجمـات الحديـثـة و ما
استورده المتنورون ممن خرجوا إلى البلاد الأوربية من نظريات حديثة أفرزتها طبيعة تفكير اجتماعي
نتج عن واقع يختلف مع الواقع العربي في بعض جوانبه و يلامسه في البعض الآخر حولت الـشعر
من نظرية ثابتة إلى تجارب جديدة يحاول منها المتمرسون و المبتدؤون بالسوية نفـسـها في إبداع
نصوص تجريبية قد تصمد و قد لا تصمد و الغالب أنها لن تصمد على مر العصور فهي زوبعـة في
فنجان لن تشكل إلا أثار بسيطة و الأهم من ذلك أن لا ينفصل الشعراء المعاصـرون الباحثـون عن
الجدة و ذلك حقهم عن واقع الشعر العربي فلا يستطيعون الرجوع إلى النظرية الشعريــة العربيـة
أو التقدم في وهم نظرية جديدة تحت عناوين غير فاعلة و غير واقعية ظاهرها براق و باطنها يبحث
عن فصل اللغة الفصيحة عن الأدب و بالتالي إقصاء العلاقات البلاغية و الثقافية عن لغة العرب التي
فهموا من خلالها لغة القرآن الكريم 0
أما فيما يتعلق نظرية النقد الأدبي في العصر الحديث فالساحة ما تزال فارغة و ما يكتب لا يتعدى أن
يكون إرهاصات ليل لحالم يجدف بيده عباب الماء ، فالنقد نظرية لن يتم له ذلك إلا إذا وجـد أدبــاً
راسخا ً يمثل واقع الأمة بشفافية و صدق و يرسم آفاقها بدقة متناهية و لا يمكن لأمة اختلطت لديها
مقاييس المراوحة مع مقاييس التطور و مقاييس التقـدم مع مقاييس التأخر و إبعــاد صـناعـة
حياة حقيقية تكتب بتاريخ حقيقي أن تتحدث عن نقدها دون أن تتحدث عن أدب يرســم صورتهـا
الحقيقية على واقع الحياة و الكثير مما نقرؤه من نقد نظري هو ترجمات لآفاق نقد أجنبي اختلسـه
المترجمون و نسبوا الكثير منه إلى أنفسهم و ادعوا أن حياتنا الحديثة تتناسب مع واقع هذا النقـد
و الحقيقة هي غير ذلك فهم يعرفون و يهرفون حاملين إلينا ما تنتجه الثقافات الأخرى و هذا ليـس
عيباً و لكن حبذا لو كان المنقول مهذباً بما يتناسب مع واقعنا و منسوباً إلى أصحابه 0
س5 : المنهج و الرؤيا و المصطلح ثلاثية ما موقعها من النقد الأدبي العربي ؟؟؟؟
ج5 : إذا كان بالإمكان في هذا الزمن المتشابك العلاقات و بمقدورنا ذلك أن نتحدث عن نقد روائي و نقد
شعري و نقد مسرحي فإننا لا نستطيع أن نعمم فالمنهج و الرؤيا و المصطلح في نقدنا الشعري كما
قلت تبلور و شكل نظرية انقطع الحبل بها في أيامنا و مضى الذين تـبنوا التـطور بلغة الخطـاب
الشعري إلى مصطلحات جديدة و منهج جديد و رؤيا جديدة مقتبسة من الثقافات الأخرى و الشعر فن
مشاكس لا يقبل بلغة العرب أن يخرج عن إطارهم أما في الرواية و المسرح و القصة و الخاطــرة
فيمكن أن تتلاقح الرؤى النقدية الأجنبية مع الرؤى النقدية العربية الحديثة و لكن ذلك يحتاج إلى كم
هائل و رصيد كبير من النتاج الأدبي القصصي و الروائي و المسـرحي حتى تبـزغ منه شمس نقد
جديدة تطل على آفاق الواقع العربي 0
س6 : ما هي توقعات الخطى الجديدة في خارطة الموقع النقدي للمستقبل القريب ؟؟؟
ج6 : لا شك أن الواقع النقدي و الأدبي يحتاج إلى إعادة فرز جديدة لاكتشاف الأدباء الفعالون من وجهة
النظر الفنية و من وجهة النظر الرؤيوية و إلى إعادة فرز جديدة لاكتشاف نصوص جديدة مبدعـة
تكون منارات مضيئة في واقع الأمة و هذه مهمة صعبة تحتاج إلى نقاد كبار معبئين بثقافة موسوعية
يقرؤون الأدب و النقد و يعيدون إنتاج نقد حقيقي غير محابي و لا مجامـل يسهم في وضع النقـاط
على الحروف 0
rwayda
08-Aug-2008, 10:22 PM
القاهرة: آمال فلاح
(مصر)
«عندما أعدت طباعة «أوراق شاب عاش من 1000 عام»، ظن القراء من الشباب أنها مجموعة قصصية جديدة... اجتاحتني مشاعر متنوعة، احترت لأن هذا الجيل يجهل أدبي، ولا يعرف إلا مقالاتي الصحافية. ودهشت لأن قصصي ما زالت تبهر هؤلاء وتعبر عن واقعهم». وكما لا تزال قصص جمال الغيطاني تدهش الناس في مصر والعالم العربي، فإنها تنتشر في الغرب عبر الترجمة، وتنال جوائز مهمة آخرها جائزة «جرينزاناكافور» الإيطالية عام 2006 عن مجموعته القصصية «شطف النار» بالإضافة إلى جائزة «لوبتايون» عن كتابه «التجليات» الذي جاء على رأس ستمائة رواية ترجمت إلى الفرنسية عام 2005. ماذا يقول جمال الغيطاني في تجربته الروائية، وكيف ينظر إليها اليوم؟
* بعد قرابة أكثر من ثلاثين عاما من دعوتك إلى تأصيل الرواية العربية، ماذا تحقق يا ترى؟
ـ كان طموحي منذ البداية، هو إضافة ما لم يكتب مثله... كنت أريد تحقيق خصوصية في الكتابة على أسس مستوحاة من البنية التراثية، عبر الاتصال مرة أخرى بالأشكال القديمة في الحكي، كأساليب السرد التي هجرت، والتي عرفت لدى المؤرخين والمتصوفة والرحالة وعلماء الفلك وفي المقامات...
عندما بدأت الكتابة كانت مقاييس القصة القصيرة، التي حددها النقد، مستقاة من الغرب، من قصص همنغواي وتشيخوف. ولما صدرت «أوراق شاب عاش من ألف عام» سنة 1967، قيل لي إنني أمشي في طريق مسدود.. وأنا الآن بعد عمر من المجهود الروائي أقول: «لقد طرقت بابا ضخما، فتح قليلا، بفضل جهودي وجهود إميل حبيبي والمسعدي وجهود الأدباء الشباب». كتبت دراسات كثيرة حول هذا المنهج الجديد في الكتابة، وقد أضاءت لي معالم الدرب التلقائي الذي أردت اكتشافه ليقودني إلى شكل روائي عربي، يتيح لي حرية أكبر في التعبير. ذلك ما تحقق في أول قصة كتبتها من هذا المنظور «هداية أهل الورى لبعض ما جرى في المقشرة» التي تضمنتها المجموعة الأولى الصادرة بعد 1967 وأحدثت ردة فعل كبيرة.
* لكن أساليبك الكتابية تنوعت بعد ذلك.
ـ نعم، بعد ذلك لم أكتب بشكل واحد، فاجتهاداتي متنوعة. بعد «الزيني بركات» كتبت «وقائع حارة الزعفراني» وهي مختلفة جدا عن «الزيني». كتبت «كتاب التجليات» وفي نفس الوقت كتبت «رسالة البصائر في المصائر» و«رسالة في الصبابة والوجد». بعدها ظهرت «شطح المدينة»، وهي رواية شكلت نقطة تحول بالنسبة لي في الكتابة. ففي الأشكال الكتابية الأخرى كنت أحاكي نماذج موجودة بالفعل في الأدب العربي القديم. جاءت «رسالة في الصبابة والوجد» على شكل الرسائل الإخوانية، واستلهمت عبر «الزيني بركات» أساليب السرد الخاصة بالمؤرخين المصريين في القرن السادس عشر (ابن إياس والجبرتي والمقريزي)، لكني في «شطح المدينة» خرجت من الاستلهام القديم، به ومعه في نفس الوقت، وحققت عبرها خصوصية كاملة في النظرة وفي الشكل وفي المنظور. أظن أن «شطح المدينة» من أهم ما كتبت، لأنها تشكل منعطفا في مساري الكتابي، لكنها لم تأخذ حقها الوافي من النقد.
* تظل كل عودة إلى الماضي ـ مهما كان نوعها ـ ارتدادية، فكيف يكون التجديد عندك عبر هذه العودة؟
ـ عودتي إلى التراث مرتبطة بتقوية دعائم الهوية القومية في مرحلة نتعرض فيها لغزو بواسطة العقول والأفكار، وليست عودة من منطق سلفي. لما كتبت قصصي بعد يوليو 1967 لم تظهر مشكلة التراث بمستوياته الدينية والسياسية كما هو مطروح في السنوات الأخيرة. أما جهدي، فسابق على القضية المطروحة حاليا في العالم العربي تحت مسميات الأصالة والمعاصرة أو التغريب والتأصيل. عندي الآن علامات كبيرة في الرواية العربية «رسالة البصائر في المصائر» و«شطح المدينة» التي ترجمت إلى الفرنسية، و«دفاتر التدوين» التي استوحيت بعض عناوينها من القرآن الكريم، وهي عبارة عن ترجمة ذاتية ولكن فيها خيال جامح، وعندي أعمال أخرى كثيرة.
* لكن أين تضع تجربتك ضمن المحاولات التي ظهرت في الستينات عن تأصيل الرواية العربية؟
ـ أنا ابن المرحلة... لكن هناك خصوصية ثقافتي وتكويني الشخصي. فلدي هم شديد بالزمن. قد يبدو ذلك منطلقا تجريبيا للقضية ولكنه شديد الاتصال بالمسار الذي اتخذته. كان عندي هم طفولي منذ الصغر، وكنت أتساءل إذا ما كان بإمكاننا أن نسترجع الأمس، وأن نصل إلى اللحظة التي انقضت. وأنا الآن ما زلت شديد التعلق بما يفقد، أبحث عما يمكن أن أتعلق به في ظل واقع متلاش.. وتؤرقني فكرة الزمن، ومن بعدها فكرة الموت. وقد واجهت الموت كثيرا: الموت الذي يأتي من الداخل، والموت الآتي من الخارج... الزمن... البقاء.. الفناء... ومن خلال قراءاتي الفلسفية، اهتديت إلى المفهوم الإسلامي للزمن... كل شيء إلى زوال. هذا ما يعبر عنه القرآن فيما يشبه القانون. لكن هذا القانون يلتقي مع قانون جدلي آخر، أن كل شيء في تغير مستمر. والتغير معناه الفناء والميلاد والبقاء، في نفس الوقت. هذا الإحساس قادني إلى الاهتمام بالتاريخ. فليس هناك تاريخ بعيد وآخر قريب، ما دامت اللحظة التي انقضت من الصعب استعادتها. والتاريخ ما هو إلا محاولة للإمساك بما جرى. لكن هناك عناصر من ذلك الواقع المنصرم ما زالت فاعلة في حياتنا، ذلك هو التراث الفاعل، والمستمر، والتراث يمنح الهوية، ويعطينا الملامح الخاصة بنا.
كنت أقرأ كثيرا، وبشكل تلقائي... وذلك جوهر تجربتي. لقد وصلت إلى نتائج نظرية من خلال تجربة تلقائية، وليس العكس.
نشرت لي خمس قصص وروايتان قبل أن تصدر «الزيني بركات». والقصة لدي إرهاص للرواية، تحمل دائما نواة رواياتي.
* لماذا الإصرار على الهروب.. من الحاضر إلى الماضي إلى التراث.. إلى الذات؟
ـ ليس هو هروبا بقدر ما هو صدق. والصدق مع النفس مهم إلى حد الموت... هل في «التجليات» هروب؟ و«التجليات» كتبت في عهد السادات، وفيها كان الحديث عن عودة عبد الناصر ورؤيته للعلم الإسرائيلي معلقا.
* لكنها شكلت صرخة يائسة منكفئة أكثر منها دعوة للمقاومة؟
ـ نحن جيل شهد إحباطا عظيما، وأحلاما كبرى أجهضت. في الستينات كنا نختلف مع عبد الناصر، من أجل مزيد من الاشتراكية، من أجل تفاصيل في التطبيق. أما في السبعينات فأصبحنا نكافح من أجل المحافظة على الوطنية بمفهومها البدائي. رأيت السادات ينزل في مطار القدس، فقضيت ليلة أبكي فيها بكاء مرا، وتوفي الوالد فجأة وكانت المرحلة الساداتية في أوجها... مشيت وقتها في شوارع القاهرة، فرأيتها في عيني شخصا آخر، سوف يعيش بعدي.. نظرات غريبة لمدينتي، وأنا لا وجود لي. وجاءت معاناتي للهموم العامة كمعاناتي لهمومي الشخصية، ومنه كان كتاب «التجليات».
* هل «التجليات» إذن، محاولة لقهر الموت على كل الصعد؟
ـ هذا إدراك أحييك عليه. فالفن عمل إنساني راقٍ لقهر العدم.
* لكن هذا الكتاب جاء رغبة في تخليد الأب بالدرجة الأولى.
ـ ليس الوالد فحسب، فالوالد رمز لملايين البشر. ليس في مصر وحدها وإنما في العالم أجمع. من سيذكر الوالد.. ومن سيذكر الآلاف الذين ضحوا مثله. من سيفعل ذلك مثل الفن. كان دافعي الأساسي للكتابة رغبتي ألا يضيع جهده هدرا. وقد بدأتها قصة قصيرة وزعتها على الأصدقاء وكتبتها دفعة واحدة، في حين استغرقت مني «الزيني بركات» مثلا عامين من الجهد والتوثيق.
* إذا كانت «التجليات» محاولة لقهر الموت على الصعيدين العام والخاص، فإن بنيتها تقوم على شكل السفر الصوفي. فلماذا جاء تأثير الصوفية عليك بهذه القدر؟
ـ لأنني تشربت الأسلوب الصوفي. علاقتي قديمة بسيدنا الحسين. أنا أساسا عندي استعداد لهذه التجربة، ولدي مشاعر دينية عميقة رغم الأطوار الفكرية التي مررت بها.
لما اكتشفت التجربة الصوفية، خاصة بعد وفاة الوالد، أظن أنني اكتشفت أجمل تجربة عرفها الإنسان لتحقيق التوازن الروحي ولحل مشكلة العلاقة بالكون وبالمصير الإنساني. التجربة الصوفية تلتقي مع مجمل التفاصيل الكونية التي يبحث عنها العلم الحديث.
التجربة الصوفية حققت نوعا من التوازن لقلقي الروحي. وكتبت رواية أعتقد أنها من أهم ما كتبت: «سفر البنيان» ورواية «متون الأهرام» وهي عبارة عن أربعة عشر نصا، تستوحي شكل الأهرام في البناء. والنص الرابع عشر عبارة عن كلمة واحدة تشبه قمة الهرم.
أنا باستمرار في حوار مع الأشكال الفنية المختلفة للاستفادة منها في النثر والسرد.
rwayda
08-Aug-2008, 10:23 PM
* وهل جاء الانكفاء على الذات، عبر التأمل، ملازما للإحباط الذي كثيرا ما عشته؟
ـ كانت خيبة الأمل في القوى السياسية التي أنتمي إليها كبيرة، بالإضافة إلى انحسار حركات التحرر الوطني. وبقيت قضية كفاحي مع اللغة، لكي أوجد أفضل وعاء لما بداخلي، ولإيجاد متعة، ولإبهار القارئ، وإطلاق العنان للخيال، في إطار التعبير عن الواقع. فأنا إذن أفتح بابا جديدا للواقعية، ولا أعمل ضدها.
أنا باستمرار في حوار مع الأشكال المختلفة من أجل الوصول إلى كتابة متفردة، حتى مع فن العمارة أو الزخرفة أو فن السجاد الذي أتقنه.
هدفي إيجاد لغة تستوعب ما أقول
* لكن تجلياتك محاكاة لتجليات ابن عربي وإن كان فيها تصفيات حسابات مع جمال عبد الناصر؟
ـ استوحيت الفكرة من ابن عربي. وما زلت مصرا على أن هذا الابن لا يشبه أباه في شيء.. و«التجليات» لم تكن إدانة لعبد الناصر بقدر ما كانت عتابا.. لقد كان عبد الناصر أحد الأسباب في الهزيمة.
لقد كان أبا.. لكن أبا قاسيا لم أحبه أبدا في حياته ولم يطلني منه سوى السجن...
* وقدسته عندما مات. وذلك دليل على ألا وجود للحاضر عندك ما دام مجرد تكرار للماضي.. أما المستقبل فصورة لهما معا..
ـ عبد الناصر أصبح مرتبطا بتاريخ شعب بأكمله. في «الزيني بركات» لم أقصد أبدا كتابة رواية ضد عبد الناصر، ولا في «التجليات». فـأصل «الزيني بركات» قصة إنسان انتهازي، نتجت عنها بعد ذلك رواية ضد القهر. أما عن «التجليات» فإن كل من قرأها أعاد اكتشاف علاقته بوالده.
* وهل هذا هو الخطاب الذي قصدت إيصاله من خلال الأجزاء الثلاثة للرواية/الكتاب؟
ـ أحد عناصره...
* كان الهم السياسي واضحا في الرواية لكن ما وصل منه إلى القارئ كان غير ذلك. فأين الخلل؟
ـ العناصر الأخرى وصلت ومنها الموقف الحاد ضد إسرائيل. في الرواية مستويات عدة للقراءة.
* يرتقي إليها القارئ درجة فدرجة..
ـ أنا أكتب لمن يفهمني. هذا هو شعاري في السنوات الأخيرة. كان التفكير في القارئ عندما كنا نريد أن نصل إلى الجماهير. كلما فكرت في القارئ سقطت في التبسيط، والتبسيط مخل. أما أنا، فهدفي هو إيجاد شكل ولغة تستوعب ما أود قوله.
* في أعمالك الأدبية مشكلة تحديد هوية الجنس الأدبي، باستثناء «الزيني» و«وقائع حارة الزعفراني» التي أرفقت باسم رواية. أما ماعداهما فحمل اسم كتب أم دفاتر؟
ـ ذلك أمر غير مقصود. لكنني كنت دائما أطمح إلى خلق عوالم رحبة. والرواية تعد من هذه العوالم، لكنني عند لحظة الكتابة أفترض أن ما أكتبه رواية. رواية كثيرا ما تصبح تأملا أو تتحول إلى ما يشبه مناظرة أو مقالة. وهذا تقليد موجود في التراث العربي. أنا لم آت بجديد إنما طوعته للأساليب الروائية مع العلم أن اللغة عندي ما زالت وسيلة وليست غاية.
الرواية صنو الديمقراطية
* ما هي الآفاق التي منحتها لك ترجمة العديد من كتبك إلى مختلف لغات العالم؟
ـ كانت تجربة ترجمة «الزيني بركات» عام 1975 إلى الفرنسية مدهشة، والذي تبنى هذا المشروع هو جمال بن شيخ وفاروق مردم بيك الذي خدم الأدب العربي، بما لم تستطعه وزارات الثقافة العربية مجتمعة. هذا الكتاب يقرأ الآن في 24 لغة.
لم يترجم مرة واحدة من لغة وسيطة. وقد لاحظت أن تلقي هذا العمل يمكن أن يأتي بنتائج لا تخطر على بال المؤلف نفسه. اكتشفت أن النص له حياته الخاصة، وسرعان ما يستقل عن كاتبه، ليصبح جزءا من الأدب الذي انتقل إلى لغته. وانتبهت أيضا إلى أبعاد جديدة في النص الأدبي لم أتفطن لها من قبل، وعمقتها فيما بعد في رواياتي، خاصة في «شطح المدينة».
فلا أحد يعلم بعد مائة عام، لو قرئت هذه الرواية أو غيرها، ماذا سيخرج به أهل ذلك الزمن.
* ما هي في نظرك أهم إشكاليات الرواية العربية الحديثة ونحن في قلب الألفية الثالثة؟
ـ ضيق الانتشار وتراجع نسبة القراءة. أظن من ناحية أخرى أن الرواية العربية الآن في أفضل حالاتها. لقد وصلت حركة الشعر الحديث ـ في تقديري ـ إلى طريق مسدود. والشعر كما تعرفين كان وظل ديوان العرب. مع هذا الانسداد، أصبحت الرواية هي الفن البديل. وهي أكثر الأشكال جماهيرية في العالم العربي، لكن التحدي المطروح أمامها هو الاستقرار في ترسيخ خصوصياتها، وذلك يتطلب مزيدا من الاجتهاد.
* وما هو أفق هذه الرواية العربية؟
ـ ما لم تحل مشكلة الديمقراطية في بلادنا العربية لن توجد هناك رواية عربية.
rwayda
08-Aug-2008, 10:24 PM
حوار مع ابراهيم أصلان الروائي المصري
يكتب عن السماء وعن العلاقة بين الرصيف والشجرة، يخلق حالة وجدانية كاملة، ينقلها بتفاصيلها إلى القارئ من دون اللجوء إلى الحلول الأدبية المعتادة من وصف وتشبيه. هو إبراهيم أصلان، صاحب <<مالك الحزين>> و<<عصافير النيل>> و<<بحيرة المساء>>، تثير كتاباته جملة من التساؤلات المهمة، لأنها تزخم ببساطة مذهلة، وتفرض التساؤل عن الشكل الروائي والقصصي وأساليب السرد السلسة، التي تُعَد سمة من سمات نصوصه. وأصلان الذي يمتلك رؤية دقيقة للعالم وعينا لاقطة تمكّنه من تحويل المشهد البصري إلى كيان متحرك عبر الأوراق، يبث حميمية علاقته مع الناس والأمكنة، كما نجد في <<حكايات فضل الله عثمان>> و<<خلوة الغلبان>> و<<يوسف والدراء>>. إنها كتابة مكثفة محمّلة بمشاهد أشبه ببورتريهات متناسقة، تمكن الكاتب من اختيارها والبناء عليها ببصمة مميزه لا تخطئها عين القارئ. التقينا به وكان معه هذا الحوار.
في أعمالك يبدو انشغالك بالمكان... فماذا يمثل لك؟
هذا صحيح، فمسألة المكان تشغلني جدا، هذا لأنني عند كتابتي لا اهتم بالكتابة عن المكان من الخارج. لدي إحساس قوي يكاد يكون عضوياً بالمكان كباطن، أحاول أن ألملم كل المشاعر وكل ما في الذاكرة من إحساس يسعى لاكتساب تشكيل معين أسعى لبلورته وفق رؤيتي للحكاية التي أريد إيصالها للقارئ. فعندما لا تكون هناك حكاية لا أستطيع أن اكتب. لا أكتب إلا عبر حدود جغرافية واضحة جداً بالنسبة لي، فالحكاية عمود فقري للسرد. من هنا ربما يكون إحساسي بالمكان مهما جداً حتى وإن لم اكتبه، فجغرافية المكان أساسية جدا بالنسبة لي لأستطيع التحرك والكتابة.
هذا الكلام ينطبق على أي مكان له تأثير بداخلك، أم أنه ينطبق على الشارع الذي اطلقت عليه أسم أحد رواياتك؟
المكان يتعلق بالضرورة الفنية بالنسبة لي حتى ولو كان المكان مخترعا، وهو كثيراً ما يكون كذلك. ليس بالضرروة أن يكون له تفاصيل واقعية. من الممكن أن أتصور مظلة أتوبيس أو شجرة أو رصيف شارع، فليس من الضروري أن يكون هذا موجودا في الواقع.
المكان عادة يكتسب قيمته من خلال الذاكرة المشتركة بينه وبينك. وما دام هناك ذاكرة مع المكان وروابط وخصوصية فهذا يدل على انه يعني شيئا حميما. الناس يحبون أماكن ليست هي الأماكن الأفضل ولكن لأنها تمثل بالنسبة لهم ذاكره معينة.
(موت الأدب) مقولة أصبحت تردد كثيرا، فما تعليقك على هذه العبا ره؟ وكيف ترى دور المثقف لنفيها؟
علاقتي بالمقولات الشائعة والمصطلحات علاقه قارئ فقط، لكن علاقتي ككاتب بالواقع الحي الموجود أنا فيه. فأنا لا أستطيع أن أكون أكثر وفاءً للمصطلحات عن وفائي للدنيا التي أعيش فيها. عندما أكتب لا يشغلني أي مصطلح أو أي مقوله على الأطلاق رغم أنني قارئ جيد لكن علاقتي ككاتب هي علاقة بتفاصيل وحاله يومية. أي أفكار كبيرة استمتع بقراءتها فقط، لكن ضمن المنظور الواقعي أيضا أرى فعلا أن العالم يسير نحو شيخوخته.
ألا ترى أن السبب في هذه المقولة هو ابتعاد بعض المبدعين عن هموم الناس؟
عن نفسي أنا مغرم بالكتابة والقرب من الناس. والواقع هو الذي أدى إلى هذا، فأنا عشت طوال حياتي في حي شعبي وعشوائي وما زلت متمسكا بهذه الحياة، فلم أنفصل كما تقصدين.
إذاً تتفق معي على أن هناك أزمة بين القارئ والمبدع؟
نعم هذه ألازمة نجدها موجودة أكبر في العالم العربي. نحن نعاني من الجهل والأمية، الأمية الأدبية بنسبه كبيرة، والأمية الثقافية بنسبة أكبر. فأنا أتصور أن هناك خللا في الأنظمة الدراسية والاجتماعية التي لم تفلح في أن تجعل القراءة جزءا أساسيا من الممارسة الحياتية للمواطن، بل بالعكس. فمناهجنا كلها تلقين، والكتب الدراسية قبيحة، لذا أصبحت هناك علاقة في غاية السوء ما بين الطالب والكتاب. وهناك أيضاً وسائل الإعلام وما تفعله، فالبلاد كبيرة وتحكمها أنظمة محدودة، بالإضافة طبعا إلى المأزق الاقتصادي الذي نعيش فيه، فنحن نحتاج إلى ثمن الجنيه قبل ثمن الكتاب، رغم أننا شعوب حكاءة بطبيعتها، ولدينا نماذج مكتوبة كثيرة لا تقل عن أي مستويات عالمية أخرى. فنحن نترجم لكن كتبنا توزع في أماكن ضيقة. نادراً ما نجد كتابا مترجما يصل إلى القارئ العادي رغم أنهم يقولون إن هذه النماذج لا تقل كفاءة عن النماذج والكتابات العالمية الأخرى.
لكل مبدع أدوات للإبداع، فما هي أدواتك؟
أنا من الكتّاب، بطبيعة تكوني، الذين ذاكرتهم ذاكرة بصرية. فأنا اعتمدت على عيني أكثر من أي شيء آخر. أقف أمام
ما يشبه الكادر السينمائي فالذاكرة البصرية أكثر الذاكرات قوة، والظاهرة الإبداعية هي ظاهرة واحدة وكل من الفنون له وسيط فني وله إمكانياته التعبيرية التي يتميز بها. والتعرف إلى هذه الإمكانيات هو السبيل لإلغاء الوسيط الذي تعملين به، فأنا عندما أكتب أسعى لتحقيق حالة أو مشهد، وهذا يعني أنه محاوله إعادة فعل القراءة نفسه، وهذه المشكلة التغلب عليها يأخذ وقتا طويلا ومدى، ويحتاج أيضاً إلى تطوير الأدوات التي تعمل بها.
عقب فوزك مؤخراً بجائزة الدولة التقديرية قلت <<أظن أنه يجب أن آخذ الكتابة بجد أكثر من هذا>>. ما الذي تعنيه بهذه العبارة؟
أنا أعتبر نفسي في البداية، وما زلت، هاويا ولم احترف الكتابة. فعلى حد تعبير الراحل يحيي حقي <<أنا عضو منتسب ولست أحد الأعضاء العاملين. >>
rwayda
08-Aug-2008, 10:25 PM
وهل فوزك بالجائزة أعاد تقييم هذه الرؤية؟
لا ليس تقييما، فلم يكن في حسباني أن أفوز بهذه الجائزة خاصة أن المجموعة قد صدرت منذ عام 71، فالتقدير الزائد الذي استُقبلت به المجموعة الأولى كان من ضمن الأسباب التي أخافتني أكثر من عملية الكتابة، لأن علاقتي بالكتابة علاقة قاسية جداً، بالرغم من انشغالي طوال الوقت بالكتابة، فأنا شغوف بمعالجة مشكلات التعبير سواء في النصوص المكتوبة أو الشفوية وحتى مشكلات التعبير التي يعيشها السينمائيون أيضا. هناك بعض الكتاب أو المبدعين ليسوا الأكثر انتشارا، لكنهم أكثر ميلاً للحصول على حلول لمشكلات التعبير، لذا أنا مشغول بهذه القضية.
<<خلوة الغلبان>> التي أعيد نشرها في مكتبة الأسرة، كُتب على غلافها <<سيرة ذاتية>>، هل هي جزء من سيرتك؟
نعم، يمكن أن تعتبر هكذا بالإضافة إلى أن أي عمل فني نوع من السيرة بشكل من الأشكال، فالقضية هي على حسب نوع المادة التي أتناولها، هل هي قصة أم رواية أم سيرة، أم هي وليدة المخيلة. ولكن القضية في الفنون هي كيفية التعامل مع المادة لأن المخيلة يمكن أن تكون بنائية أكثر، أي تعتمد على مادة واقعية. فهناك بعض الأشياء التي تكون عالقة بالذهن كلقاء بشخص ما، أو ملاحظة صغيرة، ولأن النظرة إلى الرموز تكون عبر منظور معين، فالقضية ليست حقائق معينة نتناولها ولكن القضية هي كيفية تناول هذه المادة، وأنا استعنت بكل ما توافر لدي من إمكانيات للتعامل معها والبحث عن طاقة شعرية وإنسانية موجودة في هذا الواقع الذي نعيشه، واعتبرت هذا اقتراحا لفتح أفق أوسع بالنسبة لي. وفي نفس الوقت هذه التجارب الإنسانية لم تكتب على هيئة قصص إلى جانب أن هناك بعض المبادئ التي تحجب جزءا من التجربة الفنية، فأنا كما ذكرت افتح أفقا بالنسبة لي وأقدم مقترحاً.
رغم تأكيد البعض أننا نعيش زمن الرواية، في رأيك أن الرواية استطاعت أن تتغلب على أهم مشاكلها؟
لا أعتقد لأن الرواية ما زالت تعاني من عدد من المعوقات ولعل من أهمها عدم توافر النسبة المعقولة من القراء.
في كتابتك تحاول أن تجعل القارئ يفكر ويقرر ويختار، ألا تجد في هذا الفعل تواطؤا ضمنياً يساعد القارئ على استيعاب سرد المؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية التي تهيمن على أفكاره. بمعنى هل أنت تتعمد هذا التنازل عن دورك بنشر أفكارك للتحول إلى كاتب ديموقراطي مهمته الكشف فقط؟
أنا أرى أن السرد بشكل عام ليس سردا قصصيا أو روائيا فقط، فهناك سرد اجتماعي وسياسي وثقافي وديني وجنسي واقتصادي، فهي مجموعة سرودات تقوم بها مؤسسات عريقة جداً، بمعنى أنها في نهاية الأمر تحقق النظام الاقتصادي أو السياسي، فهي تفكر بدلاً منك وتتخيل أيضاً، فهي في نهاية الأمر تقوم بتقرير مصائر الناس وتوعيتهم. نحن نواجه أزمة. الفنون الحقيقية والآداب الحقيقية نسبتها قليلة جداً وهذا ما يرتب مهام أساسية على قراءة رواية، تعني أن أعيشها وأحلم بها ثم أتمنى تحقيقها، لا مجرد البحث عن دوالَّ أخرى للكلمة داخل الجملة، والجملة داخل سياق مغاير...
تحولت روايتك <<مالك الحزين>> إلى فيلم الكيت
كات.. فما هو تقييمك للعلاقة بين السينما والأدب؟
علاقتي بالسينما علاقة قديمة جداً، وكما قلت فإنني معني بدراسة كل الفنون المرئية ومشكلاتها التعبيرية، وهذه العلاقة هي التي تجعلني أتفهم طبيعة التغيرات التي يمكن أن تتم بين عمل روائي وعمل سينمائي. شاهدت الفيلم كأي متفرج وشاهدته في أكثر من مكان، وكمشاهد أعجبت بالفيلم كثيراً وخاصة أنه ترك صدى جيدا، لذا أنا سعيد بأنني اشتركت في عمل قدم للجمهور وكنت أحد الأشخاص الذين ساهموا فيه. خلاص البشر
المتتبع لأعمالك يلمح فيها صيحة من أجل الإنسان المصري البسيط والوقوف إلى جانب طبقات الشعب الفقيرة؟
نعم، هناك رواية <<عصافير النيل>> التي تترجم ذلك الإحساس وتستشعر معاناة هذه الطبقات من فرط الاحباطات المتوالية على مقدراتها وحياتها ووجودها الإنساني... والرواية تطرح هذه الدرجة من الإيمان بالإنسان وتصوغ موقفها من خلال التغلغل داخل الإنسان نفسه وداخل واقعه في شفافية حساسة تحتوي على كل هذا القدر من الرومانسية والشوق لخلاص البشر... هذه رواية قديمة جديدة تعزو الظروف الواقعة وتستخدم التقنيات التقليدية لكنها ترتفع نحو رؤية تجديدية تسعى للكشف عن الجذور الاجتماعية والتضامنية للبشر وتبحث عن مشاعرهم وعواطفهم المشتركة والعلاقات الدائرة في محيطهم الواقعي. وطرحت الرواية أيضا نبض الحياة الحزينة للبشر المقهورين في دوامة الواقع الذي لا يرحم وسعت لتحديد علاقة الفرد بالجماعة، كذلك الأمر يحدث في بعض الروايات والقصص الأخرى الخاصة بي فلم يغب هذا البعد الاجتماعي عن معالجتي الأدبية خاصة أنني أنتمي إلى هذه الطبقة الكادحة.
ما زال البعض متمسكا بوجود صراع ما بين الأجيال... فهل أنت مع هذه التقسيمات؟
مسألة الأجيال هذه مسألة غير منطقية، فهناك مجتمعات تعيش قرونا بحثا عن إيقاعها الخاص وعن ملامح هويتها ولم تكن هناك معارك بين جيلنا والجيل السابق لنا.. حاولنا أن ننشأ ونترعرع في أحضانه.. وكانت هذه المعارك تنحصر فقط في قضايا الأدب ولم تتعدها، والذي كان وما يزال غير جيلنا هو الاتفاق على الدفاع عن القيم وليس الدفاع عن بعضنا البعض لأننا جيل عاش مجموعة ضخمة من الأحلام والطموحات ثم انهارت هذه الأحلام وتلك الطموحات، ولأننا نعيش الواقع فصار هناك تقارب فكري بيننا.
السفير- 9 ابريل 2005
rwayda
08-Aug-2008, 10:27 PM
حوار مع الناقد الادبى السورى عبدالله ابو هيف http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gif
القصـــــــــة فــــــــــن يجانـــــــــب التاريـــــــــخ علــــــــى طــــــريقــتـــــــه الرواية فن تاريخي يرصد ويحوي تحولات اجتماعية وسياسية
حوار : محمود البعلاو
الاثنين 5-6-2006
بدأ مبدعاً في مجال القص فكان علامة فارقة في القصة السورية لكنه تحول ناقداًَ فاصبح علماً من اعلام النقد العربي ، فخسره الابداع وربحه النقد فكان مؤسسة ثقافية وفكرية تجسدت في رجل واحد ملأ الدنيا وشغل الناس ذلك هو عبدالله أبو هيف القاص والناقد والباحث والمفكر ولد في الرقة - سورية 1949 شغل العديد من المناصب الادبية والسياسية وترأس تحرير مجلة الموقف الادبي والاسبوع الادبي
في كتابك ( القصة العربية الحديثة والغرب ) محاولة في بحث سيرورة التقاليد الادبية حبذا لو أضأت لنا بعض المرتكزات الاساسية لهذه الدراسة ؟
يقوم الكتاب على فكرة متواترة وشائعة بين النقاد بتأثير الهيمنة الغربية وعن استمرار التبعية أو فكرة التبعية في مسألة المثاقفة على ان الادب العربية الحديث كله تقليد للغرب فقمت بهذه الدراسةلأبرهن ان على ان الادب العربي الحديث ولا سيما الفنون السردية كالقصة والرواية إنما هي متأثرة بالغرب ولكنها تتشكل اساساً من فعل التقاليد الادبية العربية في ادبنا الحديث .
- كيف السبيل الى اختيار المناهج النقدية الملائمة بعبارة اخرى كيف يمكننا تجنب الفهم الخاضع للمثاقفة عند معظم النقاد العرب الذين يعتمدون على اختيار مناهجهم ورؤاهم وادواتهم التحليلية من مخزون المناهج الاجنبية على عواهنها ؟
إنها مشكلة الهوية العربية بالنسبة للثقافة بشكل عام والنقد بخاصة على انه خلاصة فكرية لموقف المثقف العربي مما هو حديث وسميتها ( اكراهات ) فهناك ظروف كبيرة وللأسف ان حوار الدول بما انه موضوع سياسي أو اشكالية سياسية يدخل الآن الى حوار الثقافات والطرح الآخر في موضوع حوار الحضارات هو ناتج عن اطروحات مثقفين يعملون عملياً في البنتاغون مثل ( صومائيل هنتنغتون ) و( فرانسيس فوكوياما ) وهؤلاء يثيرون مسألة حوار الحضارات المهم هو أن المثاقفة تأخذ الآن وجهين :
- وجه المثاقفة السلبية التي تعبر عن غزو ثقافي وتأثير ثقافة غازية على ثقافة مقهورة ومغزوة وضعيفة وهذا الشكل هو الذي ارتبط بالاستعمار وظهر باشكال من الهيمنة والتبعي ة والاستقطاب وآخرها كان العولمة التي تنمحي فيها اشكال الخصوصية الثقافية .
- الوجه الثاني : المثاقفة الايجابية وهي التي يكون فيها حوار الثقافات حوار انداد بمعنى ان الثقافات تتلاقح وتتبادل التأثير وان التراث الانساني في النتيجة هو مشترك لكل الامم ولكل الشعوب الانسانية في مراحل وفي فترات وتسهم شعوب اخرى وامم اخرى وبلدان اخرى في فترات لاحقة وان التأثير المتبادل إنما يصبح ملكاً للانسان أينما كان وهذه هي المثاقفة المعكوسة بمعنى ان الثقافات الاعلى بفعل قوى سياسية تتحكم في العلاقات الدولية هي التي تلقي هذا الاعتراف بتأثير ثقافات - برأيهم - ادنى من غيرها من ينكر الآن ان الثقافات العربية اسهمت في الحضارة الانسانية .
الكتابة للطفل مرهونة باعتبارات فنية اولها انها لا تخاطب راشداً وانما هو في سبيله الى الرشد والبلوغ بتعبير فيزيولوجي لكن هذا الخطاب يستدعي اعتبارات تمس اللغة لان الطفل لا يقبل منا إلا لغة تشترطها هذه الاعتبارات خاصة ( المجاز ، المصطلح ، الخ ) إذا اخذنا ابسط اشكال المواجهة مع الطفل « المجاز المرسل » نجد ان الطفل لا يستطيع التعامل في القرآن الكريم « واسالوا القرية » ، « واسالوا اهل القرية » هذا الطفل لا يعرف من اللغة مستوياتها المتعددة الاصطلاحية والمجازية وإنما يستعمل معنى حقيقياً واحداً ولكن مع الزمن يتدرب الطفل وتلحقه مزايا المران والدربة في التعامل مع اللغة وهذا يتطلب ان يراعي الكاتب - اللغة وهناك اعتبارات تربوية كثيرة تتصل بالخيال والادراك وتتصل بالبعد الانتربولوجي الخاص بالثقافات والبيئات والمجتمعات .
فمخاطبة الطفل في بيئة شعبية غير مخاطبة طفل في صحراء أو مخاطبة طفل في حي مديني قديم مثل كل هذه الاعتبارات ينبغي ان يراعيها الكاتب والآن دخلت اعتبارات اخطر على مخاطبة الطفل مثل النشر الالكتروني للثقافة عبر قنوات الاقمار الصناعية الخ ..
3- في كتابك ( فكرة القصة - نقد القصة القصيرة في سورية ) اشارات واضحة الى الذاكرة الشعبية وتراث الحكاية .. مادور الخيال وحقيقة المجاز في هذه الجوانب
التراث الشعبي بالاساس يقوم على غنى وثراء الاغراء وإذا اخذنا جوانب مهمة في التراث الشعبي فإنها تثري الابداعات المعاصرة وهي سبب من الاسباب الرئيسة في إغراء التراث الشعبي العربي ولنتوقف عند الغريب والعجيب والسحري وكل هذه الاشكال هي التي تكون نوعاً من « الفنتازيا » الاخيولة التي هي اختراق للخيال الى فضاءات غير محددة هذا الموروث التراثي الذي اعتمد عليه الكاتب العربي كثيراً ولايزال هذا يوضع قيد الاستعمال أو الاشتغال الزمني كثيراً
.
لك اهتمام كبير بأدب الاطفال .. فهل ثمة أسس تربوية ترى توفرها في القصص الموجهة للطفل ؟
لكتابة للطفل مرهونة باعتبارات فنية اولها انها لا تخاطب راشداً وانما هو في سبيله الى الرشد والبلوغ بتعبير فيزيولوجي لكن هذا الخطاب يستدعي اعتبارات تمس اللغة لان الطفل لا يقبل منا إلا لغة تشترطها هذه الاعتبارات خاصة ( المجاز ، المصطلح ، الخ ) إذا اخذنا ابسط اشكال المواجهة مع الطفل « المجاز المرسل » نجد ان الطفل لا يستطيع التعامل في القرآن الكريم « واسالوا القرية » ، « واسالوا اهل القرية » هذا الطفل لا يعرف من اللغة مستوياتها المتعددة الاصطلاحية والمجازية وإنما يستعمل معنى حقيقياً واحداً ولكن مع الزمن يتدرب الطفل وتلحقه مزايا المران والدربة في التعامل مع اللغة وهذا يتطلب ان يراعي الكاتب - اللغة وهناك اعتبارات تربوية كثيرة تتصل بالخيال والادراك وتتصل بالبعد الانتربولوجي الخاص بالثقافات والبيئات والمجتمعات . فمخاطبة الطفل في بيئة شعبية غير مخاطبة طفل في صحراء أو مخاطبة طفل في حي مديني قديم مثل كل هذه الاعتبارات ينبغي ان يراعيها الكاتب والآن دخلت اعتبارات اخطر على مخاطبة الطفل مثل النشر الالكتروني للثقافة عبر قنوات الاقمار الصناعية الخ ..
- توجهت في مرحلة من بحوثك النقدية للكتابة عن المسرح وأثمر ذلك ثلاثة كتب ( التأسيس والانجاز والمعاناة - حاضر المسرح السوري - والمسرح العربي المعاصر - قضايا ورؤى وتجارب ) مارأيك الآن بحاضر المسرح السوري بعد المرحلة التي كتبت عنها ؟ وهل حقيقة القول إن المسرح العربي حلقات منفصلة ؟
المسرح العربي يتطور منذ اكثر من مئة عام ولكن هو ليس في سيرورة لانه في قطيعة مع تراثه وأشكال المسرح من الفرجة الى اللقاء بالناس وهذا يعني الظهور على الحلبة وارتباط المسرح بالظاهرة الدينية والاجتماعية إذ يتأثر كثيراً بمسألة في جوهر التقليد الثقافي وهي مسألة العرض ومسألة الصورة وهي مسألة يجري تجاوزها بصعوبة وايضاً القيود التي تواجه عملية التواصل مع الثقافة العربي بتقاليدها لهذا يحتاج العرض المسرحي الى فرصة اوسع من الحرية يعني ان تعالج امام ناظريك مشكلات الانسان العربي بأدق تفاصيلها حساسية فيما يتصل بالأخلاق والقيم وما شابه ذلك ، ناهيك عن المشكلات السياسية التي تحتاج الى رهان على ضوابطها الكثيرة من الرقابة وسواها ايضاً الرقابة الآن لا تخضع لحدود الدولة لأن السلطان الاجتماعي والسلطان الديني هو اقوى في بعض الاقطار العربي وفي بعض الحالات من سلطان الرقابة الرسمية التي تمارسها الدولة ، هذا كله جعل المسرح فعلاً ذا نتاج حلقات منفصلة تأتى فترة وتنتعش وتأتي فترة اخرى وتخبو .
rwayda
08-Aug-2008, 10:29 PM
كتبت عن الأدب والتغيير الاجتماعي في سورية ..ترى هل استطاعت القصة السورية تحديد مسائل الوجود العربي تاريخياً وواقعياً ؟
- القصة فن يجانب التاريخ على طريقته ،أو يلتفت الى التاريخ على طريقته ،أما الرواية فهي فن تاريخي يرصد ويحوي تحولات اجتماعية وسياسية أكثر من القصة ، لأن القصة فن صغير وبسيط ،ولكنه معقد في بنيته المجازية والاشكالية كثيراً - ويكتسب بالمأثور بما نسميه (الأمثولة) من عرضه على مقاطع الحياة اليومية - لذلك القصة في سورية تختلف عن كثير من أشكال القص في العالم ،لأنها سبحت في بحر السياسة في المجتمع ،ويغلب عليها الموضوع قليلاً لتصوغ موضوعها ومجتمعها الخاص بنفسها ،ولذلك هيمنة الموضوع بدأت تنسحب لصالح اتجاهات قصصية حداثية ،ومابعد حداثية تعطي أخلاقها وقيمها وتصوراتها للإنسان في بني شديدة الاستعارة وشديدة المجاز.
- ثمة علاقة كبيرة بين الأدب والنقد (الطبيعة - اللغة - الأدوات - التقنيات ) برأيك ماهي أسس تكامل النقد بالأدب ؟
- هناك نقاش طويل عن النقد والأدب - هل هو فاعلية ضالعة في الفكر - النقد متصل بالأدب أو مرهون بالأدب حتى النقد الأدبي ليس محكوماً الآن ،لأنه قد يكون رائدا يعني مستشهداً - النقد لاأدبي الذي يمارس التطبيق يجب أن يكتب النصوص ،ولكن بتقديري النقد بالاساس ..هو فاعلية مستقلة لأنه يتلاقى مع الأدب ،ولكنه ليس تابعاً له لأنه جنس أدبي خاص بذاته .
- في أبحاثك النقدية الكثيرة أشرت الى الكثير من هموم النقد العربي الحديث ..ماجدوى المناهج النقدية في كشف هذه الهموم؟
- هموم الناقد العربي الحديث هي هموم هوية ،فإلى أي حد يشكل تقليداً نقدياً عناصر تكوين الناقد الأدبي،ويوجد ثراء ومخزون هائل من التجارب النقدية العربية الكثيرة ،لكن للأسف يهمشها لأنه صدم بالغرب وصدم بالجماهير العربية ،والان النزوع السائد هو ماجدوى التكييف والتوظيف ،ولكن أيضاً ماقيمة أن يتلقى من الغرب المناهج ،وهي حالة قطعية معرفية مع موروثها ،وهذه المشكلة ماتزال قائمة وتحتاج الى جهد من الناقد العربي الحديث في أن يخرج بترتيب أو بترتيبات تتيح له استقلالية ،وتوفر له احساساً بالهوية يكون فيها معاصراً ،وفي الوقت نفسه يكون فيها أصيلاً .
- في جانب اللغة تتعرض العربية الفصحى الى محاولات تهميش من قبل المحافظين على اللهجات العامية ،مادور الاعلام في التطور اللغوي العربي ؟
- اعتقد أن القنوات الاعلامية الكثيرة - قنوات التلفزة - بدأت تدرك أنها إذا أرادت أن تخاطب أوسع قطاع من الجماهير العربية ،فعليها أن تتكلم بالفصحى ،لأن الفصحى ملجأ وملاذ ليس للكتاب فحسب وإنما للإعلاميين ماداموا يريدون التأثير على المتلقي .
- الرواية العربية تحتل مكانة بارزة بين الأجناس الأدبية ..مامستقبل هذه الرواية ؟.. وهل وصلت الى مرحلة الشمولية ؟
- يكاد يكون الاتفاق قائماً على أن الرواية ديوان العرب ،لأنها السبيل الى تحولات اجتماعية - ونجحت الرواية العربية في العقدين الأخيرين في انجاز تجارب روائية متطورة في التعبير عن هذه المحاولات التي تبدوا سجلاً حقيقياً للبيت العربي ،واكتفى بمثال : لامرا ء ولاجدال بأهمية أدب نجيب محفوظ ،فنحن نقرأ في رواياته تاريخ مصر وتحولاتها الكبرى أكثر من كتب التاريخ ونجيب محفوظ رصد دواخل النفس ،وتغيراتها خلال أكثر من ثمانين عاما ،وهذا الرصد ليس ابن لحظة فقط أو اقتناص لحظة تاريخية فحسب ،وإنما هو بالمعنى الشمولي ،ووعي لذات الانسان العربي منذ أكثر من ثمانين عاماً.
المسكوت عنه مصطلح نقدي يطرقه النقاد على أبواب الرواية بعضهم وجده والآخر يحاول إيجاده ..وبرأي الناقد محمد برادة ان الرواية العربية مجال للمسكوت عنه ،فمارأيك ؟
- المسكوت عنه موجود في كل الاجناس الأدبية ،مثلاً في الشعر محاولات اختراق للمحرم ،وذلك بالولولج كثيراً في البذاءة ،يعني اختراق للمقدس ،ويوجد محاولات كثيرة جريئة للتعبير عن أخلاق مضادة ،طبعاً المسكوت عنه ليس مرفوضاً دائماً ،فالمسكوت عنه في مرحلة قد يكون مرضياً عنه في مرحلة أخرى مثل روايتي (أنا أحيا) و(الآلهة الممسوخة ) أو قصص (سفينة حنان الى القمر ) لليلى بعلبكي تتناول العلاقة الحرة بين الرجل والمرأة ،تبدو الآن كتبا عادية أو مختلفة بالنسبة الى الكتابة الجنسية ،فمثلاً كتاب (د. لورانس - عشيقة الليدي تشارلز ) طبع في مطلع القرن ،ومنع في بريطانية نفسها لأربعة عقود من الزمن .الآن يعتبر نصاً عادياً بالنسبة لتناقل العلاقة بين الطبقات ،هذا كله يطرح أن المسكوت عنه أحياناً يصبح مرضياً عنه أحياناً أخرى ،أن تطبع رواية ،الدولة توافق عليها ،ولكن جماعة الكاتب ترفضها (جماعته الدينية ،العائلية )
- شهد عقدي السبعينات والثمانينات اتجاه عدد من القصاصين السوريين الى كتابة الرواية أمثال (حيدر حيدر - عبد الاله الرحيل - ابراهيم الخليل - ناديا خوست - الفة الادلبي - هيفاء بيطار - فيصل خرتش ..) الى ماتغزو ذلك ؟
- الرواية هي فن أوسع في التعبير وفي التأليف ، وطموح الكاتب القصصي أن يصير روائياً - لأنه يقدم سجلاً للتحولات التاريخية ،والاجتماعية والسياسية والفكرية والرواية هي المسعى الاكبر للقاصين الذين سرعان مايتحولون عن كتابة القصة الى هذا الفن الاشمل .
- برزت القصة القصيرة جداً ،وانتشرت كتابتها مع النزوعات التحديثية عند وليد اخلاصي وزكريا تامر في الستينيات ،ثم استمرت الى الآن ،مارأيك كناقد وكاتب قصة بهذا الشكل الجديد للقصة القصيرة ؟
- القصة القصيرة السورية تطورت كثيراً في البناء،ووصلت الى مراتب مابعد الحداثة ،واليوم تتراجع الاتجاهات الكتابية التقليدية لتسود اتجاهات حداثية ومابعد حداثية كثيرة جدا بالاضافة الى الكتابة التعبيرية والاتباعية - الآن القصة السورية في حالة ثراء .
- «الحداثة » مصطلح نقدي تتفرع عنه مصطلحات أخرى كالفنتازيا ،والترميز ،واستعادة الموروث الشعبي ..ترى ماهي طبيعة العلاقة بين القصة القصيرة والحداثة ؟
- القصة رافقت الانسان منذ قديم الزمان ،الانسان يروي ويقص ،ومع الزمن تتغير أغراض وأشكال القص الانساني - بدأت بالحكاية ثم تطورت الى السيرة - ثم تطورت الى أشكال كثيرة - وفي العصر الحديث أخذت أشكال القص تتنوع وتزداد مع تنوع أشكال التقانات - قصة تأخذ شكل لوحات تشكيلية ،وقصة تأخذ شكل مونولوج درامي ،وقصة تأخذ شكل المسرح - مثلاً - بتغليب الحوار والمشهدية ،وقصة تأخذ شكل سينما ،ومشاهد مجتزأة من الصورة ومن الفعل وتنامي الفعل في الحياة اليومية ،وفي القص نفسه وهذه الاشكال الكثيرة هي التي أفرزتها الحداثة - ولأن أشكال الاتصال الجماهيري كالاذاعة والصحافة - هي أشكال حديثة - الآن الكمبيوتر والانترنيت يشكلان وسيلة اتصال أكثر وأقوى ،فعدد وسائل الاتصال هو نوع من الحداثة -كأن تقرأ وتسمع موسيقا في الانترنيت بنفس الوقت ،وتستطيع أن تفتح هاتفاً لصديقك وتنقل له شيئاً مماتقرأ ،أو تسمع بنفس الجهاز ،وقد تكتب رسالة .
rwayda
08-Aug-2008, 10:31 PM
- «الحداثة » مصطلح نقدي تتفرع عنه مصطلحات أخرى كالفنتازيا ،والترميز ،واستعادة الموروث الشعبي ..ترى ماهي طبيعة العلاقة بين القصة القصيرة والحداثة ؟
- القصة رافقت الانسان منذ قديم الزمان ،الانسان يروي ويقص ،ومع الزمن تتغير أغراض وأشكال القص الانساني - بدأت بالحكاية ثم تطورت الى السيرة - ثم تطورت الى أشكال كثيرة - وفي العصر الحديث أخذت أشكال القص تتنوع وتزداد مع تنوع أشكال التقانات - قصة تأخذ شكل لوحات تشكيلية ،وقصة تأخذ شكل مونولوج درامي ،وقصة تأخذ شكل المسرح - مثلاً - بتغليب الحوار والمشهدية ،وقصة تأخذ شكل سينما ،ومشاهد مجتزأة من الصورة ومن الفعل وتنامي الفعل في الحياة اليومية ،وفي القص نفسه وهذه الاشكال الكثيرة هي التي أفرزتها الحداثة - ولأن أشكال الاتصال الجماهيري كالاذاعة والصحافة - هي أشكال حديثة - الآن الكمبيوتر والانترنيت يشكلان وسيلة اتصال أكثر وأقوى ،فعدد وسائل الاتصال هو نوع من الحداثة -كأن تقرأ وتسمع موسيقا في الانترنيت بنفس الوقت ،وتستطيع أن تفتح هاتفاً لصديقك وتنقل له شيئاً مماتقرأ ،أو تسمع بنفس الجهاز ،وقد تكتب رسالة .
نظرت في كتابك ( الجنس الحائر - أزمة الذات في الرواية العربية ) في رؤى الواقع والتاريخ والآخر إزاء العرب المعاصرين إلى أي حد تضيء الرواية العربية هذا التأزم الذاتي ؟
- أحاطت الرواية العربية بالموضوعات السياسية والاجتماعية المتصلة بجنس العرب الحائر في هذا العصر نشدانا للتحقق الذاتي في معوقاته ومعضلاته الكثيرة مثل التنمية والمرأة والسلطان بأنواعه والمجتمع المدني ..الخ وعالجت حدثين ضاغطين على الذات القومية هما الانتفاضة التي تشخص مظاهر هذا التأزم من وجوده مختلفة ،كما هو الحال مع التحديات التي تواجه حركة حماس اثر فوزها بالانتخابات ،والحدث الثاني هو الحرب اللبنانية أنموذجاً للحروب العربية - ومستمر للأزم الذاتي العربي وذيوله الممتدة الى دواعي الهيمنة الغربية ،والتسلط الامريكي على الشرعية الدولية من خلال حق التدخل في الشؤون العربية الداخلية ،وهو ماتفصح عنه الروايات العربية عن الحرب اللبنانية أيضاً .
خصصت كتاباً نقدياً عن قناع المتنبي في الشعر العربي الحديث إلام تشير هذه التقنية بتقديرك ؟
ج61 - افصح بحث قناع المتنبي ونقده الي المدى الواسع والعميق لجوهر التحديث الشعري المندغم بوعي الذات في خضم معضلات التاريخ والوجود وقد تلازم هذا التحديث مع تطورر الفكر البشري وأشكال التعبير عن التجربة الانسانية في مجالاتها الفلسفية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية المختلفة التي ينظمها مفهوم التقليد الأدبي والفني بتمثلاته الثقافة المتباينة والمتعددة وهذا جلي في التراث الانساني الذي لاينقطع التراث العربي عنه وكان اختيار قناع المتنبي في البحث السبيل الامثل لتحقيق سعي الشاعر العربي الحديث لانجاز مأثرته الابداعية لما تحمله هذه الشخصية من مكانة فكرية وابداعية في رؤيا الوجود العربي ،ولاسيما تراسل صوت الذات المأساوي بالوجود القومي والانساني الفاجع تحت وطأة ضغوط رؤية العالم الغارق في اشتراطاته القاسية .
- عالجت في كتابك الأخير (الثقافة العربية وتحديات العصر) ولاسيما العولمة ،كيف تنظر الى مستقبل الثقافة العربية ؟
- وضعت التطورات المتسارعة والداهمة خلال العقد الأخير ،العرب في مواجهة أشد المخاطر الراهنة على الذات القومية ،ولايخفى أن طابعها الرئيس ثقافي ،ويعلل الصراع الحضاري في الوقت نفسه ،وفق دعاوى الامريكيين الذين أطلقوه ،بتهميش العد الثقافي بالنظر الى جوهره العربي الاسلامي المضلل بالمزيد من استمراء الباطل والمظالم بحق الشعوب عند امتلاك قوى الهيمنة الجديدة ،ولايخفى أن حال العرب المعاصرين من صنع أيديهم في غياب مطلق للوظيفة السياسية التي تصون مصالحهم ،وتحفظ وجودهم ،وتضمن فعاليتهم في هذا العالم المتصارع ضدهم علانية وجهاراً من أجل دوام نهب ثرواتهم واستثماراتهم وتبديد عناصر قوتهم التي لايختلف اثنان في حقيقتها وتأثيرها المتصاعد على الرغم من الشجن العربي في أكثر من اتجاه ،وبات مستقبل الثقافة العربية مرهوناً بالاسهام في انتاج العولمة نفسها عن تعضيد الهوية وخلق ثقافة عربية متكاملة ومشتركة لاتنفصم عن جهود الدمقرطة وقيم المجتمع المدني الفاعلة في هذا التعضيد .
rwayda
08-Aug-2008, 10:33 PM
جيل لوروا
حوار مع الروائي الفرنسي جيل لوروا، صاحب جائزة غونكور الأدبية لعام
2007
إذا لم نطرح تحديات فنية لحظة الكتابة، سنسقط في الضجر
أجرت الحوار: صوني لوبوف/ترجمة :س·خ
يؤكد الروائي الفرنسي جيل لوروا في مدخل روايته / نشيد ألاباما/ الصادرة عن منشورات ماركير، الحائزة على جائزة غونكور الأدبية، /يجب مطالعة الكتاب كرواية و ليس كسيرة ذاتية للبطلة زيلدا/ رواية تظهر حدودا جد هشة بين الواقع و المتخيل· سمحت لصاحبها باعتلاء عرش غونكور و خلافة الأمريكي جوناتان ليتل في نيل أهم حظوة أدبية بفرنسا· بعد تجربة تمخض عنها نشر كثيرا من الأعمال الروائية و القصصية الهامة، شرع جيل لوروا أخيرا في الانفتاح على الإعلام و إجراء الحوارات للكشف عن بعض الجوانب الخفية المتعلقة بمراحل كتابة الرواية·
ذكرت في مدخل رواية /نشيد ألاباما/ بأنك لست بصدد التطرق لسيرة ذاتية· ما هو إذا الحد الفاصل مابين الحقيقة و الخيال؟
ليس هنالك حد فاصل· يستند مخيالي على مساري الحياتين الواقعيتين لكل من زيلدا فيزجيرالد و زوجها سكوت· استلهم الأحداث من مساري حياتهما كما نستلهم أحداث روايات أخرى من وقائع متنوعة او شخصيات حقيقية· تكمن خصوصية هذه الرواية في تعلقها بشخصيات مشهورة· لكن التقنية المعتمدة تظل نفسها· نفس الانتقال من الحقيقة إلى الخيال· بما أنني، شخصيا، محدود الخيال(يضحك)، فانا اعتمد على وقائع عشتها، لقاءات مع أشخاص اعرفهم و أحيانا تجارب خضتها· بعد كل هذا، يبقى لكل كاتب طريقته في نقل الحقيقة إلى خيال·
لماذا اخترت توظيف ضمير المتكلم؟
حقيقة، أتذكر بأنني ترددت عشر دقائق!(يضحك) أردت سرد حياة زيلدا· عاشت حياة جد ثرية· غير عادية· تخرج عن المألوف· لهذا فكرت بأنه من غير الممكن أن اكتب مبتعدا عن الشخصية البطلة، ببرودة· كانت مخلوقا انتهج نمط حياة خاص إلى نهاية المطاف، حتى نمط موتها كان خاصا: احترقت حية بلهيب المستشفى العقلي· عاشت حياة تراجيدية بعدما انطلقت بملحمة مشرقة· كانت حياة زيلدا، في البداية، حكاية خارقة قبل أن تتحول، بضع سنوات لاحقة، إلى ما يشبه نزولا نحو الجحيم· ليس بإمكاني سرد تلك الحياة بضمير الغائب· بالتالي، كنت مخيرا: سواء تقمص شخصية سكوت أو شخصية زيلدا· في الأخيرة اخترت زيلدا لأنها بدت لي أكثر أهمية من الناحية الأدبية·
ألم تواجهك صعوبة في تقمص شخصية تلك المرأة؟
في كل كتاب، أحاول طرح تحد شكلاني· لأننا إذا لم نطرح تحديات فنية لحظة الكتابة سنسقط في الضجر· لم يواجهني إشكال كبير في تقمص شخصية زيلدا، بل واجهتني صعوبة التعبير عن بسيكولوجيا المرأة· أصعب تحد هو القدرة على إثارة القارئ في وصف لحظات جنونها· لحظات انزلاقها·
حقا، ما هي طبيعة مرضها؟
لا ادري تماما···كل المختصين النفسانيين الذين عاينوها آنذاك، اقروا بحالة شيزوفرينيا(فصام) لكن يبدو لي بان الأخصائيين الأمريكيين الذين أعادوا معاينة حالتها ما بين سنتي 1980 و 1990 أكدوا بأنها كانت مصابة بانهيار عصبي أو ثنائية القطبية· لو كان هذا صحيح، لكانت ستعالج من منطلق أصابتها بالشيزوفرينيا التي لم تكن واضحة الأعراض· ما يحيرني أكثر هو كونها استطاعت كتابة رواية / لنرقص الفالس/ بعد إدخالها المستشفى بداية .1930 كتبتها في ظرف ثلاثة أسابيع· و هنا أتحدى أي كان أن يتخيل بان مختلا عقليا بإمكانه كتابة مثل ذلك النص، أو شخصا مصابا بالشيزوفرينيا التي لا تحفزنا كثيرا على كتابة الرواية· يمكننا، في حالة الشيزوفرينيا، خربشة مقاطع شعرية· لكن الرواية تشترط ذاتا جد سوية·
اتعتقد بان سكوت كان سببا في جنونها؟
لا اعتقد بان أحدا قادر على دفع الآخر نحو هاوية الجنون· اعتقد بأننا نحمل ذلك بداخلنا· منذ الطفولة أو المراهقة ،لكن هذا يشترط نسبيا بعض الوقت للانفجار و التجلي· يدعي بعض رفاق سكوت الذين لا يحبون زيلدا بأنها كانت سببا في دفعه لاعتناق العربدة· أمر سخيف···حين التقت سكوت، كان في حالة سكر تامة· بدأ الشرب مبكرا· باعتقادي أنها لم تكن سببا في تحفيز سكوت على أن يكون سكيرا، و لا هو سبب في جنونها· كان كل طرف يحتفظ بنقائصه الخاصة· حتى قبل التقائهما·
أتعتقد بان سكوت كان سيصبح كاتبا معروفا من دون زيلدا؟
يصعب أن نقر بذلك· أول انطباع يمتلكنا بعد قراءة روايات و قصص سكوت، هو أن كل الشخصيات الأنثوية عبارة عن إسقاطات لشخصية زيلدا· في البداية، كان يصور فتيات جميلات و جذابات، أما لاحقا، في /الليل الدافئ/ صرن صورة امرأة جدلية· ماذا كان بوسعه كتابته من دونها؟ لا ادري حقا ربما شيء آخر· أو ربما اختار زيلدا كي تحتكر بطولة كتاباته·
إذا كانوا زوجا تربطه علاقة مصالح و ليس مشاعر حب؟
من الممكن أنها كانت تشعر بداخلها أنها امرأة غريبة· لكنها جد موهوبة· أكيد بأنها كانت جد موهوبة· لم تكن زيلدا ذات ثقافة واسعة، لكنها تمتلك حسا عميقا· تدرك المفاضلة بين المواصفات الأدبية لسكوت و لرفاقه· كانت تحاصره بغوايتها· طرحت سؤالا في الكتاب و لا زلت أتسأل أيضا في الحياة : ما الذي يشدنا نحو الآخر؟ سؤال معلق·
ألا تملك رأس خيط الإجابة من خلال متابعة حالة الزوج فيزجيرالد؟
تمارس زيلدا إغراءا شديدا على سكوت و العكس صحيح· لكن زيلدا لا تبحث حقيقة عن الحب من خلال سكوت و بقية الذكور· إنما هي لعبة نسائية تسعى للتخلص من وسط جد ضيق· فهي تنتمي للطبقة الارستقراطية لألاباما· ظاهريا يبدو شيء جميل لكنه، في الحقيقة، يخبا كثيرا من السأم، كثيرا من التزمت· تتجاوز أحلامها قبة السماء· تنوي تحقيقها مع سكوت في غضون بضع سنوات على الأقل· تنوي التحليق عاليا· كل طرف منجذب نحو الآخر· لكن ليس لأسباب عادية· باعتقادي أن القدر جمع بينهما· انه توافق بين سكوت و زيلدا في السراء و الضراء· جميل مبدأ الانجذاب نحو الآخر لأسباب فيزيائية و رومانسية، لكن خلف كل هذا، كل طرف يستغل مصلحته من الآخر· لو ذلك لم تكن العلاقة ستستمر مطولا·
كيف بدا عندك الشغف تجاه زيلدا و الزوج فيزجيرالد؟
من خلال سكوت طبعا! في سن العشرين، لم أكن اعرف الكثير عن الآداب الأجنبية· شرعت في مطالعة الأدب الأمريكي، خصوصا سكوت الذي سحرني كثيرا· هنالك جانب حياة أحلام في بداياته مع روايته الأولى التي حققت نجاحا· صار مشهور في العالم بأسره في سن العشرين· فرض سكوت حضوره كأيقونة في الوسط الأدبي· بمرور السنوات، أدركت فعلا بأنه سكوت: فاقد للأمل كلية· يخفي نقائص شخصية رهيبة خلف انجذابه: عاش حياة بوهيمي و مترف في آن واحد· تتصل علاقتي بالزوج فيزجيرالد بتطوري الخاص· كانت في البداية كما يشبه الوهم· لاحقا أدركت بان سكوت لم يكن غاتسبي، هذا الذي لم يدركه كثيرون! انه شخصية روائية جد معقدة···من لحم، مشاعر و أحيانا أشياء أخرى غير وراثية مثل بقية البشر· انتقلت من نظرة غزلية إلى نظرة حقيقية أحاول وصفها في الرواية·
كيف نشأت فكرة عنوان الرواية /نشيد ألاباما/ ؟
إنها قصة جميلة· أدرجت كلمة /ألاباما/ في العنوان لأنها كانت زاوية انعزال زيلدا· كان المكان الذي رسى عليه الكتاب و قصصها أيضا· ثم أنها في روايتها السيرتية الوحيدة، سمت زيلدا نفسها الاباما· نلاحظ كثيرا بالولايات المتحدة الأمريكية أسماء أشخاص مطابقة لأسماء الولايات، مثل تيناس ويليامس· ثم أنني تذكرت أغنية /نشيد الاباما/ التي أدتها فرقة دورس ثم دافيد بوي· أغنية صدرت لأول مرة عن أوبيرا بيرتو بريخت سنوات الثلاثينيات· تاريخيا، الأغنية تساير أحداث الكتاب بامتياز· لاسيما انه يتضمن مواضيع الكحول و الضياع····إذا فرضت الفكرة نفسها· طلبنا ترخيصا من طرف ابنة بريخت لإعادة توظيف العنوان· طلبت مطالعة الرواية ثم وافقت بسرعة· فرحت كثيرا و اندهشت لأنه قليل جدا من الورثة من يرضى بإعادة توظيف عنوان، أحييها جدا على تفهمها·
عن الجزائر نيوز
rwayda
08-Aug-2008, 10:34 PM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:ZVWBw0o6aILHLM:http://www.imezran.org/mountada/files/milan_kundera.jpg
حوار مع الروائي ميلان كونديرا
أجرى المحرر الثقافي لمجلة �سنتر فور بوك كالتشر �
حواراً مع الروائي ميلان كونديرا، هنا ننشر مقتطفات منه
وصلت الى ما يمكن أن اسميه المقابلة الأولى من بين عدد من المقابلات مع ميلان كونديرا وانا في اشد اللهفة للإعتراف بأن الشهرة الواسعة التى وصل اليها واحد من أهم روائيي القارة الأوروبية تعود في الواقع الى شيء أقل منطقية وأقل وعيا بالذات يختلف عما كان يتصور البعض ان له علاقة تحكمية بإبداعه الموجه بالفكر. لقد كنت اسعى الى الكشف عن تلك القوى الخارقة التى أضفت طابعا لغويا رمزيا استثنائيا على تلك المباديء الأساسية، الأكثر رهافة. وعلى الرغم من تبجيله لخصوصيته إلا أن كونديرا كان مستعدا للحوار حول موضوعات مختلفة.
ـ اود أن اجرى معك هذا اللقاء للتأكد من بعض المسائل الجوهرية. وبداية، في كتابك �فن الرواية � ادنت بوضوح المقابلات على النحو التقليدى الذى تمارس به ورسميا تكرر لديك القول بأنك لن تعترف بأى مقابلة غير مسجلة لديك في دائرة حق النشر. اعرف مدى شعورك بالإضطهاد من قبل الصحفيين الذين يهمهم أن يتركوا بصمتهم على هذه المقابلات. إلا أننى أتساءل عما إذا كان في ذلك حرمان لجمهورك؟
ـ اللقاءات الصحفية بشكلها الحالى لاتحمل في الواقع إلا وجهة نظر الذين يقومون بإجرائها. وهو بالطبع ما يؤثر على فهمها من قبل الآخرين حتى من قبل الأكاديميين والنقاد، وفى احدى المرات اضطرنى هذا للقيام بعملية توضيح لعدم الدقة التى كتبت بها المقابلة أو الأفكار التى لم تكن لى أية علاقة بها. يومها قلت �بان الصحفى يحتفظ بحق الإقتباس �. ما أعرفه هو شيء واحد أن الصحفى متى ما احتفظ لنفسه بحق الإقتباس سقط حقه في التحدث باسم المؤلف �إلا أن هذا بطبيعة الحال يبدو امراً غير مقبول. الحل كما ترى غاية في البساطة، لقد تحدثنا طويلا واتفقنا على الموضوعات التى نريدها، وانت قمت بصياغة الأسئلة وأنا قمت بصياغة الأجوبة وأضفت اليها حق النشر الخاص بى في النهاية بهذا الشكل تصبح الأمور على خير مايرام.
ـ يبدو ذلك معقولاً بالنسبة لى.
لكنك في هذا الكتاب أثرت جدلاً قويا حول وسط أوروبا. كما ان كل اعمالك الروائية ايضا تقع احداثها في تشيكوسلوفاكيا، حتى اعمالك النقدية الأخرى ومنها هذا الكتاب، وسط اوروبا تبدو مهمة بالنسبة لك هلا أوضحت لنا ما ترمز اليه هذه الفكرة؟
ـ دعنا نبسط الأمور ونتحدث فقط عن الرواية لدى الكتاب الكبار من أمثال كافكا وبروس وموسيل وجمبرويكس، الذين اسميهم كتاب وسط اوروبا الكبار. وبعد بروست لايوجد في تاريخ الرواية من يمكنك أن تطلق عليه هذه التسمية وبدون معرفتهم لايمكن معرفة الرواية المعاصرة. باختصار هؤلاء الكتاب حداثيون يبحثون عن اشكال جديدة. وفى الوقت ذاته هؤلاء كتاب مجردون من آيديولوجيا الطليعة، ان ما يسعون الى تحقيقه هو التغيير الجذرى والتوسع في افق الرواية. ومن هنا ومن هناك ظهرت العلاقة بماضي الرواية. لقد فتن هؤلاء برواية القرن التاسع عشر وانا اطلق على هذه المرحلة اسم الشطرالأول من تاريخ الرواية. ان عدم التواصل مع القيم الجمالية التى تحتوى عليها هذه الرواية قاد الى تجرد الرواية المعاصرة من جوهرها كما قاد الى ما اسميه فقد الحس التأملى الروائى، الواقع اننى لاأفكر في ما يسمى بالرواية الفلسفية ما جاء في اعمال ستيرن وكامو، هذه الرواية الوعظية لاأحبها ايضا. هناك مشكلات ميتا فيزيقية مشكلات تخص الوجود الإنسانى لاتستطيع الفلسفة الإمساك بها وما يمكنه أن يسلط عليها الضوء هو الرواية. لقد تحولت الرواية على ايدى كتاب منهم موسيل وبروس الى بناء شعرى وفكرى غاية في السمو. هؤلاء الكتاب معروفون على نطاق ضيق في امريكا وهو ما اعتبره باستمرارخيانة فكرية.، ان أمريكا لم تعش النصف الأول من تاريخ الرواية بل نصفه الثانى المرحلة التى كان يكتب فيها هؤلاء. من جهة اخرى فان امريكا على الرغم من أنها لديها كتابها الكبارمن امثال همنجواى وفوكنر إلا أنها ترفض رفضا قاطعا القيم الجمالية لكتاب وسط اوروبا! لقد نشرت نيويوركر الأجزاء الثلاثة الأولى من روايتى كائن لاتحتمل خفته مع التحفظ على المقاطع التى تتضمن وصفا لعودة نيتشه ! على الرغم من أنها لاتتضمن شيئا يتعلق بالخطاب الفلسفى. كانت مجرد استمرار للمفارقات الروائية لاأكثر. ـ هل تعنى تأثرك الحقيقى بهؤلاء الكتاب؟
ـ تأثرى بهم؟ لا. انما شيء آخر، اننى اعيش في نطاق القيم الجمالية التى اوجدوها لا تحت مظلة بروست أو جويس أو همنجواى. وبالمناسبة فان هؤلاء الكتاب الذين اتحدث عنهم لم يتأثر بعضهم ببعض وحتى لم يعجب بعضهم الآخر. بروس كان يكره موسيل وجمبروسك كان يكره كافكا فقط ربما اخترعت هذه المنظومة لكى ارى سقفا فوق رأسى.
ـ ماهى العلاقة بين المفهوم الذى تطرحه المتعلق بوسط اوروبا وبين مفهومك الذى يتعلق بالثقافة السلوفاكية؟ ـ
هناك بالطبع وحدة لغوية بين اللغات السلوفاكية. إلا أنه ليست هناك وحدة ثقافية. الأدب السلوفاكى غير موجود ولو أن اعمالى تم تصنيفها على هذا الأساس لما عرفت نفسى.هذا سياق خاطيء ومصطنع و مصطلح وسط اوروبا هو الأكثر دقة وحتى هذا السياق لن يكون صحيحا، اننى اكرر واعيد ان السياق الوحيد الذى يمكنه ان يحافظ على المعنى والقيم الروائية هو السياق التاريخى الأوروبى.
ـ انت تشير الى الرواية الأوربية باستمرار. هل يعنى ذلك ان الرواية الأميركية تبدو بوجه عام أقل أهمية بالنسبة لك؟
ـ انت محق في هذا. ما يضايقني هو عدم القدرة على اكتشاف مصطلح دقيق. فلو استخدمت تعبير �الرواية الغربية � لقيل باننى قد استثنيت الرواية الروسية �الرواية العالمية � في الواقع ما اتحدث عنه هو الرواية المرتبطة تاريخيا بأوروبا ولهذا أقول �الرواية الأوروبية � انه تعبير روحانى أكثر منه جغرافى.
ـ يبدو لى أن هناك اسماء نسائية معروفة ومرتبطة بتطور الرواية وعلاقتها بالثقافة هناك نساء.. ألست مصيبا لكنك لم تأت على ذكر هذه الأسماء لا في مقالاتك ولا في مقابلاتك، هلا اوضحت لنا ذلك؟ ـ ما استمتع بالحديث عنه هو جنس الرواية، ليس جنس مؤلفها. كل الإعمال الروائية مختلطة الجنس بمعنى انها تعبر عن وجهة نظر كاتبها في العالم على نحو مؤنث ومذكر ان جنس المؤلف يعنيه هو.
ـ اعمالك كلها توثيق حى للتجربة التشيكية، اتساءل عما اذا كنت قد نسيت كتابة رواية في اطار سياق اجتماعى تاريخى آخر،، كهذه التجربة الفرنسية التى تعيشها في باريس.؟ ـ
حسنا في الوقت الراهن اقول لك باننى عشت في تشيكوسلوفاكيا 45 عاما إذ ان سمعتى ككاتب بدأت في سن الثلاثين وعلى الرغم من ان تجربتى الإبداعية ترتبط في جزء كبير من عمرها بفرنسا إلا اننى لست مرتبطا بباريس على نحو ما يتصوره الآخرون.
rwayda
08-Aug-2008, 10:35 PM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:Sk69WDO6wqAHDM:http://www.khayma.com/salehzayadneh/poets/rami.jpg
ــ حوار مع الشاعر المصري أحمد رامي (1965):
أقدم مخطوط للخيام منسوخ بعد 350 سنة من موته
* استاذ رامي.. نبدأ بتعريف قرّاء الأفق الجديد بنشأتك وتطورك أي مسار الحياة: البيئة ــ الثقافة ــ تجارب الحياة فما
الذي حدث معك؟
ــ ولدت في القاهرة سنة 1892م. وتخرجت بعد دراستي الثانوية في مدرسة المعلمين العليا بالقاهرة. وعملت ستة أعوام في التعليم، ثم ذهبت في بعثة الى باريس ودرست بمدرسة اللغات الشرقية وتخصصت في اللغة الفارسية ثم درست في جامعة السوربون ونلت شهادة دبلوم في فن المكتبات. ثم عدت لأعمل وكيلا لدار الكتب المصرية بالقاهرة عام 1924 وبقيت موظفاً حتى إحالتي علي التقاعد سنة 1954. ومنذ ذلك الوقت حتى الآن (1965)، اعمل بدار الإذاعة (صوت العرب) مستشاراً، اشرف علي الفنون الأدبية.
* ومتي بدأت رحلتك مع الشعر؟
ــ كتبت الشعر في السنة الاولى الثانوية (15 سنة). وكانت اول قصيدة نظمتها بعنوان (يا مصر) ومطلعها: (يا مصر انت كنانة الرحمن / في أرضه من سالف الأزمان).
* وماذا كانت حصيلة الرحلة مع الحياة أدبياً؟
ــ أصدرت دواوين شعرية تحت عنوان (ديوان رامي) في السنوات (1918 ــ1920 ــ 1925 ــ 1932 ــ 1947ــ 1952ــ 1964ــ 1965). وأصدرت رواية شعرية اسمها (غرام الشعراء) عن ولادة ابن زيدون. ثم كتبت للسينما روايات الأفلام: (وداد ــ دنانير) للسيدة أم كلثوم. وقمت بتعريب رباعيات الخيام بعد عودتي من باريس. كما قمت بترجمة خمس عشرة رواية ومسرحية لكتاب أوروبيين منها أربع مسرحيات لشكسبير. واشتركت في تأليف أغان وحوارات لخمسة وثلاثين فيلماً، أهمها من وجهة نظري (الأمل ــ عابدة ــ فاطمة) للسيدة أم كلثوم و(الوردة البيضاء ــ دموع الحب ــ يحيا الحب ــ رصاصة في القلب) لمحمد عبد الوهاب. وقمت بتأليف مائتي أغنية منها (150 أغنية لام كلثوم) والباقي اشترك فيها عبد الوهاب وأسمهان وليلي مراد، تلك هي حصيلة الرحلة.
* والآن (1965).. ماذا تعد أدبياً؟
ــ اعمل علي إعداد مسرحية روميو وجوليت للمسرح العالمي بالقاهرة.
* لمن قرأت في مطلع حياتك من الشعراء وبمَن تأثرت في تجربتك الشعرية؟ ما مصادرك الثقافية؟
ــ قرأت الكتب الجامعة للمختارات الشعرية لشعراء كثيرين. ثم انقطعت لقراءة احمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران من المعاصرين. كذلك قرأت من القدامى: الشريف الرضي ــ أبا نواس ــ المتنبي ــ أبا تمام.
* أنت أقرب الى الشريف الرضي.. هل هو المؤثر الأقوى؟
ــ لا أظن ان هناك أثراً خاصاً من احد لأنني اعتدت منذ بدايات اشتغالي بالشعر، ان اقرأ كثيراً واحفظ قليلاً، فأصبحت شخصيتي الشعرية مستقلة في نتاجاتي. أما التأثير الأهم فهو قادم من تجارب الحياة. فقد قضيت طفولتي في إحدي جزر الأرخبيل اليوناني بصحبة والدي الطبيب الذي أوفدته الحكومة المصرية ليكون طبيباً خاصاً في جزيرة (طاش يوز) وكانت هذه الجزيرة من أملاك مصر في ذلك العهد.
* يقول النقاد انك في ترجمتك لرباعيات الخيام، حذفت الكثير منها، وحاولت ان تظهر الخيام بصورة المؤمن التقي الصوفي. ويقولون انك اختصرت رباعيات الخيام الى (175 رباعية) مع ان المراجع تقول أنها تتجاوز الـ(450 رباعية) وقد تصل عند البعض الى (800 رباعية). ما تعليقك؟
ــ كانت ترجمتي لرباعيات الخيام بعد دراسة لها، فقد رجعت الى كل المخطوطات المنسوبة للخيام لاختيار الصادق والصالح منها. وكان اعتمادي الأساسي علي مجموعة صغيرة نشرت عن حياة الخيام، وعلي ضوء هذه المجموعة الصغيرة، اخترت 175 رباعية من حوالي ألف رباعية نسبت الى الخيام أو دست عليه ولا يمكن القطع بصحة نسبتها للخيام، لان أقدم مخطوط له كان منسوخاً بعد 350 سنة من موته، ولذلك احتار الدارسون في معرفة الرباعيات الصحيحة.
* بدأت تكتب شعرك فصيحاً ثم تحولت الى الشعر اللهجي.. لماذا؟
ــ نشرت ثلاثة دواوين وترجمت رباعيات الخيام عن الفارسية ولم أكن قد نظمت بيتاً واحداً من الزجل، وإنما دفعني الى النظم باللغة الدارجة رغبتي في النهضة بالأغاني الشائعة علي يد سيدة الغناء أم كلثوم، علي أني أراوح في نظم هذه ألاغاني بين عربية فصيحة ودارجة، ولي قصائد بالفصحى أطبعها في دواويني من وقت لآخر واشترك بها في المهرجانات وإنما كثرة الإنتاج العلمي ناتجة عن انه يأتي عفو الخاطر.
* ان للموسيقي قدراً كبيراً عندك فالموسيقي هي قصائدك..
ــ الأصل في الشعر ان يكون موسيقياً لأبعد الحدود فإذا كان هذا الشعر منظوماً لقصد الغناء كان ادعي الى تلمس الموسيقية في ألفاظه وأبحره وقوافيه وان حبي للموسيقي يدفعني دائماً الى وضع الأغاني التي يرتاح لها قلب الملحن والمغني وأذن السامع.
* الشعر العاطفي له النصيب الأوفر من شعرك؟
ــ الشعر عاطفة في كل نواحيه لان الدافع إليه هو العاطفة وقد اشتهرت بين الأدباء بأنني انقطعت لكتابة الغزليات وهذا غير صحيح لأني انظم وأذيع في شتي الإغراض الشعرية وقد يكون مبعث تلك الشهرة ما يذيعه المغنون والراديو والتلفزيون والسينما وكل هذا أوسع من الشعر المطبوع في كتاب يضم شتي الإغراض.
* ما هو الطقس الذي تكتب فيه أشعارك؟
ــ انظم شعري في كل زمان ومكان ويساعدني علي ذلك اني لا اكتب ما انظم وإنما أتغنى به خالياً وفي وسط الناس حتى إذا تم سجلته علي الورق معتمدا في كل ذلك علي الخاطر والدافع الى النظم وهذا وحي لا يمكن تحديد الوقت الذي يهبط عليّ فيه. علي ان أحب الأوقات إليّ هو وقت الغسق حين يختلط النور بالظلام وأثناء الليل تحت نور منعكس.
* هل يمكن أن يصل الأدب العربي لمستوي العالمية؟
ــ يصبح الأدب العربي عالمياً إذا توفر غير العرب علي دراسة لغتنا الى الدرجة التي يستطيعون فيها ان يقرأوا أدبنا بلغته الأصلية إما ان يترجم الشعر الى لغات اخرى ويستطيع ان يحافظ علي ما فيه من إبداع في النظم والخيال والإجادة في الأسلوب، فهذا أمر عسير علي أدبنا في الشعر إما ترجمة الروايات والقصص التمثيلية والأبحاث فهي الآن في طريقها الى القارئ الغربي.
* هل يمكن للأديب العربي ان يعيش من أدبه؟
ــ الأدب هواية قبل ان يكون وسيلة ارتزاق، وعلي الأديب ان يبدع فينبه الناس إليه ويقبل الناشرون علي إذاعة ما يكتب وعندها يكسب رزقه من الأدب ويقبل الناشرون علي إذاعة ما يكتب إما إذا كتب الأديب للرزق كغاية فانه يحار بعد ذلك بين الفن والمال وهذه الحيرة تؤذيه في ما ينتج.
rwayda
08-Aug-2008, 10:35 PM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:dGefEXOyzv5XOM:http://a7mad-zakaria.maktoobblog.com/userFiles/a/7/a7mad-zakaria/images/1188732823.jpg
ــ حوار مع الروائي نجيب محفوظ (1970):
اجرى الحوار : عزالدين المناصرة
الشكل لا يأتي نتيجة التفكير النظري المجرد
تعرفت الى نجيب محفوظ في خريف 1964 بالقاهرة وأصبحت عضوا دائماً في (جماعة مقهى ريش) بالقاهرة، حيث كنا نلتقي مع نجيب محفوظ أسبوعيا وتحديداً يوم الجمعة من الساعة السادسة مساء حتى الثامنة أو التاسعة. يجلس نجيب ونلتف حوله نتناقش معه في أمور الأدب والسياسة. ثم يستمع لآراء الأدباء الشباب آنذاك أتذكر منهم (إبراهيم منصور ــ إبراهيم فتحي ــ جميل عطية إبراهيم ــ إبراهيم أصلان ــ جمال ألغيطاني ــ غالب هلسا ــ مصطفي أبو النصر ــ أمل نقل ــ يحيي الطاهر عبد الله ــ خليل كلفت ــ محمد مهران السيد ــ احمد هاشم الشريف ــ محمد إبراهيم أبو سنة ــ حسن توفيق ــ صبري حافظ ــ صنع الله إبراهيم)، وكان محمد الفيتو ري وعبد الوهاب البياتي وعبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور من زوار المقهى لكنهم لم يكونوا من الأعضاء الدائمين باستثناء الفيتو ري الذي كان يداوم فترة ويغيب أخري.
وبقيت عضواً في جماعة مقهى ريش من خريف 1964 حتى شباط (فبراير) 1970. كان نجيب محفوظ يتعامل معنا كأصدقاء يوميين. رجل بسيط متواضع تواضع المتعلم، لا تواضع الأستاذ.
أولاً: ذات صباح باكر شاهدت العم نجيب في الرصيف المقابل في باب اللوق، وحتى لا أزعجه تظاهرت بأنني لم أره، لكنني فوجئت به يقطع الشارع ويفاجئني مازحاً: (هل تفكر بكتابة قصيدة أم تتجاهلني؟!). قلت له: بالعكس لم أرغب في قطع حبل أفكارك مع نفسك. فأصر علي ان نتناول الإفطار معاً في مطعم شعبي. وسألني عن آخر قصائدي فقرأتها له، فشجعني وامتدح القصيدة لاحقاً أمام جماعة ريش في المساء، وطلب مني قراءتها مرة ثانية.
ثانياً: كنت ومهران السيد وحسن توفيق قد نسينا إهداء نسخة للعم نجيب من مجموعتنا الشعرية المشتركة (الدم في الحدائق) التي صدرت في كانون الاول (ديسمبر) 1968، فقال مازحاً في مقهى ريش: (مهران وعز الدين وحسن.. ما عندكوش دم؟!). قالها بصيغة السؤال في إشارة ملغومة لعنوان الدم في الحدائق. فأخرجنا نسخة وقمنا نحن الثلاثة بالتوقيع عليها بناء علي طلبه.
ثالثاً: زرت مقهى ريش بعد غياب، فقال لي (نجيب بيه) كما كنا نخاطبه: (ما هي آخر أخبار السياسة يا عز؟) فقلت له: (الرئيس العربي الفلاني أصدر قراراً بقطع يد السارق). فضحك ضحكة مجلجلة وعلق علي الفور (أمّال الوزرا عندنا.. حيمضوا ازاي؟!).
وفي ما يلي النص الحرفي للحوار الذي أجريته معه عام 1970، كما نشر في مجلة الشباب الأردنية (العدد الثالث
والعشرون ــ شهر تموز (يوليو):
... مساء كل جمعة منذ عام 1964.. وأنا ألتقي نجيب محفوظ في ــ مقهى ريش ــ بالقاهرة يتجمع حوله الأدباء الشباب يناقشونه في أمور الأدب وظروفنا السياسية والاقتصادية.. وكما يحب نجيب الشباب فان الشباب يبادلونه نفس الشعور بعكس ذلك العداء الشديد الذي يظهرونه ليوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وأمين يوسف غراب وثروت أباظة.. الخ.. في مبني وزارة الثقافة حيث يعمل نجيب محفوظ مستشارا ثقافيا للوزارة التقيت به.. ضحك ورحب بي وسألني في البداية عن أحد الأدباء الشبان إذا كنت قد رأيته في ذلك اليوم أم لا؟ وكأنه صديقه الحميم..
هل نبدأ قلت له... قال: تفضل!
* كان آخر ما كتبته تحت المظلة هل من جديد؟
ــ آخر ما كتبته. بعد تحت المظلة قطع نشرت في الأهرام. لم أفكر في جمعها، أما الرواية الجديدة فلم اكتبها بعد، وأنا انتظر مع القراء ــ قالها وهو يضحك ضحكته الطويلة المجلجلة الصافية.
* هل تقرأ للأدباء الشباب ما رأيك فيهم؟
ــ الحقيقة أن الأدباء الشباب من الكثرة، بحيث لا نستطيع ان نتحدث عنهم في كلمة. وهم علي اختلاف أشكالهم
الأدبية، يشكلون أكثر من تيار وأكثر من مدرسة. ولكن يمكن تصنيفهم الى اتجاهين:
1ــ بعضهم يعطي صورة جديدة لفن النظرية الاشتراكية.
2ــ والبعض الآخر يقدم تجارب فنية من دون هوية فكرية محددة.
* هل ذلك يعني أن لديهم وعياً واضحاً بالأدب التجريبي؟
ــ لا. هناك تجريب لأساليب أصبحت قديمة ومستهلكة في اوروبا، مثل المدرسة السريالية وهناك تأثر بمدرسة
اللارواية.
* كيف تفسر إجماعهم علي احترامك وعلي مشاعر الود العميق نحوك، من دون أبناء جيلك؟
ــ علاقتي بهم عواطف متبادلة لأنني اعترف بمجهودهم، من حيث أصالته ومن حيث ان غالبية نتاجهم أكثر تعبيراً عن الواقع، من الأجيال التي سبقتهم بما فيها أنا شخصيا. وقليلاً ما يعثرون علي مَن يعترف بهم، بسبب التعصب أو ضيق النظر.
* ماذا تري في التجارب الأدبية الجديدة عموماً في الوطن العربي؟
ــ التجارب الجديدة، أوضح في الشعر والمسرح والقصة القصيرة بالذات. أما الرواية فلم تخرج عن الخطوط العريضة في الرواية العربية وإن لم يمنع هذا من وجود بعض الروايات الجيدة.
*هل قرأت الرواية العربية خارج مصر؟
ــ نعم. قرأت صهيل إدريس والطيب صالح وغسان كنفاني وحنا مينة وفاضل السباعي.. والحقيقة ان هذا المجهود الروائي يمثل أعلي مستويات الرواية العربية وإن يكن الشعر في الأقطار العربية ابرز من الفنون النثرية.
* لماذا لم تكتب عن قضية فلسطين؟ رواية ــ مقالات.. الخ؟
ــ آثار قضية فلسطين تجلت في كتاباتي، بالقدر الذي يمكن ان تتجلي به لدي كاتب مقيم في القاهرة.
* هل التجربة الحياتية ضرورية لكل عمل أدبي؟
ــ نعم ــ يجب أن يعيشها الكاتب معايشة واقعية
.
* ما هي مهمة المثقف العربي في هذه المرحلة؟
ــ من الممكن ان يكون له دور فعال. إذا كان مجندا أو أمكنه التطوع مع الفدائيين الفلسطينيين أو ــ وهذا أضعف الإيمان ــ ان يشارك بوعيه وقلمه في ما يختص بتوعية الجماهير، وبلورة قضاياها الحقيقية الحية.
* تعني أن يترك الكاتب الكتابة ويذهب للجبهة؟ أم يكتب كتابة ثورية فقط؟
ــ أن يترك الكاتب الكتابة ويذهب للجبهة.. أفضل
.
rwayda
08-Aug-2008, 10:37 PM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:YmVzGIRWKDi8EM:http://thawra.alwehda.gov.sy/images/541%255C2.jpg
ــ حوار مع الروائي حنا مينة (1976):
الأدب لا يولد من التعقيدات الشكلية
اجرى الحوار: عز الدين المناصرة
في كانون الاول (ديسمبر) 1975، قررت كمحرر ثقافي لمجلة فلسطين الثورة في بيروت، تغذية القسم الثقافي بحوارات مع مثقفي سوريا، فأجريت سلسلة من الحوارات كان من بينها حوار مع الروائي حنا مينة والآخر مع أحد رواد القصة القصيرة في سوريا سعيد حورانية. وكان الهدف هو إبراز تعاطف مثقفي سوريا مع الثورة الفلسطينية، أكثر من الحوار مع الكاتب حول تجربته الإبداعية الخاصة التي أفردت لها دوارات نشرت آنذاك في صحف لبنانية. ولهذا انصبت الأسئلة حول علاقة الكاتب بالفكر الثوري آنذاك.
كنت التقيت الأستاذ حنا مينة سابقاً بصفتي شاعراً من شعراء الثورة وامتدح الرجل خصوصيتي الشعرية، ملاحظاً أنني مستقل عن الزميلين درويش والقاسم في أساليبي الشعرية وخصوصاً اتجاهي نحو (القصيدة الحضارية). لكن زيارتي له في منزله بدمشق كانت زيارة صحافية فما ان اتصلت به هاتفياً حتى أصر علي الحضور الفوري. واستقبلني الرجل ببشاشته المعهودة وسألني عن آخر مجموعاتي الشعرية. لكنني فاجأته بالقول (جئتك صحافياً) فضحك وقال: (اللهم اجعله خيرا!). واستمر الحديث عن حياته الشخصية وعن عائلته وأولاده بناء علي تحريك لذاكرته مني. ولم أسجل لكي يكون مدخلاً طبيعياً للحوار. ثم تناقشت معه حول شخوص رواياته التي كنت قد قرأتها جميعاً. ثم قال: هات ما عندك.
وفي ما يلي النص الكامل للحوار كما نشرته مجلة فلسطين الثورة في العدد السنوي الخاص (1/1/1976):
حنا مينة، روائي عربي معروف، من أعماله الروائية والقصصية: المصابيح الزرق ــ الشراع والعاصفة ــ الثلج يأتي من النافذة ــ الياطر ــ بقايا صور ــ (مَن يذكر تلك الأيام ــ بالاشتراك مع الدكتورة نجاح العطار)، وسيصدر له قريباً بالاشتراك أيضاً مع نجاح العطار كتاب بعنوان أدب الحرب.
التقيته في منزله بدمشق ووجهت له هذه الأسئلة. وقد أجاب عليها مشكوراً بما يلي:
* برز الأدب المقاوم أثناء معارك الشعوب في سبيل حريتها: فرنسا، الاتحاد السوفييتي مثلاً، كيف لعب هذا الأدب دوره أثناء المعارك؟ وهل تعتقد ان لهذا الأدب صفة الشمولية والديمومة؟ هل يمكن تعداد بعض النماذج؟
ــ عندما تنشب المعارك، بين الشعوب وأعدائها من المحتلين، يصبح الإنسان في قلبها تصبح هي أيضا في قلبه. تصبر رؤياه الأساسية، لأنها أساس الواقع الذي يعيشه. وفي هذه الحال، ليس من كاتب أو فنان أو إنسان بقادر علي ان يكون خارج الإطار، وان تمر به معارك الحرية وهو في محترفه أو مكتبه أو برجه العاجي.
وقد لعب الأدب دوره الكبير خلال الحرب العالمية الثانية، في المقاومة التي شنتها شعوب العالم ضد النازية الهتلرية. ويسمي الناقد غالي شكري أدب الحرب بأنه العتاد الروحي الثقيل الذي يملك وحده صياغة وجدان المقاتل وهذا العتاد الثقيل كان له شأن كبير في المقاومة وفي النصر الذي تحقق علي النازية، حتى أن تاريخ الحرب العالمية الثانية لا يمكن، بأية حال، فصله عن تاريخ الأدب الذي كتب خلالها.
وقد منح أدب المقاومة في الحرب، من خلال إيليا اهرنبورغ، الكاتب السوفييتي، ارفع الأوسمة واكبر التقدير. ففي 21 آب (أغسطس) 1942، وجه قائد احدي الفرق السوفييتية المدرعة الأمر اليومي التالي الى فرقته: نظراً للشعبية الواسعة التي يتمتع بها الكاتب إيليا اهرنبورغ في أوساط الجنود، وللأهمية السياسية الكبرى التي تمثلها مقالاته المتألقة بالصمود والشجاعة وحب الوطن والاستهانة بالموت، واستجابة لرغبة منظمة الشبيبة في الفرقة، فإن الأوامر قد صدرت بتسجيل اسم الكاتب في لائحة الشرف في الفرقة، في الفوج الاول المدرع.
وهذا التكريم لأدب المقاومة في الحرب، وباختصار لأدب الحرب، كتابه، سنجد تعبيراً آخر له للشاعر السوفييتي سوركوف ان اخلص شهادة يحصل عليها الكتاب من قرائهم في زمن المعركة، هي هذه القصاصات التي توجد في جيب إنسان الحرب. فإذا ما كتب ان زميله في المعركة سقط صريعاً وكان في جيب سترته قصاصة مكتوبة بالدم، وإن هذه تحمل قصيدة لأحد الشعراء، هذا الواقع هو أروع شهادة بالنسبة لإنسان يكتب من أجل وطنه.
الأدب له صفة الشمولية تماماً، وقد ناقشت الدكتورة نجاح العطار في مقالها (تشرين والأدب) هذه النقطة مناقشة جيدة، خلال الأيام الأولي، عن دور الأدباء في المقاومة وعما إذا كان ثمة تعارض بين القول والفعل، وذلك علي الكلمة اثر التي وجهها توفيق الحكيم الى وزير الثقافة وطلب فيها أي عمل يفيد المعركة أكثر، وقد نفت الدكتورة العطار أي تعارض بين الكلمة والفعل، واستشهدت بذلك الصدد بقول شاعر المقاومة بول ايلوار: ينبغي ان تكون القصيدة متخذة معني قيما، فمن الضروري ان تتوافق المناسبة مع أكثر رغبات الشاعر، مع قلبه وفكره، ومع عقله.. علي المناسبة أن تتطابق والمناسبة الداخلية، كما لو ان الشاعر نفسه هو الذي أوجدها، فتصبح بهذا حقيقة كالزهرة التي يفتقها الربيع، كفرح الحياة ضد الموت. ان الشاعر يتبع فكرته، ولكن هذه الفكرة تقود الى ان يكتب نفسه علي الخط البياني للتقدم الإنساني.
ثمة نماذج كثيرة ومعروفة للأدباء الفرنسيين والسوفييت والأدباء من مختلف الشعوب، عن أدب المقاومة، يمكن لمن
يشاء ان يرجع إليها فيتأكد من شمولية وديمومة هذا الأدب.
* أثناء المعارك الوطنية ينبثق فن يتسم بطابع النضال. هل تعتقدون أن هذا الفن يحقق المعادلة بين التأثير الجماهيري والنضج الفني؟
ــ نعم، وبكل تأكيد، واحسب ان الجواب الأول قد اعطى الرد أيضاً علي السؤال الثاني، ان روايات مثل وداع للسلاح لهمنغواي و الدون الهادئ لشولوخوف و أفول القمر شتاينبك، وقصائد ايلوار واراغون وفابتساروف وتفاردوفسكي وكروسمان وسيمونوف وعشرات غيرهم، تقدم الدليل علي ان عطاءاتهم الأدبية حققت معادلة التأثير في الجماهير والنضج الفني.
* ما هو الأثر الذي أحدثته الثورة الفلسطينية في إنتاج الكتاب العرب؟ ما هي ايجابيات تجربتهم وسلبياتها. وما هي الوسيلة التي تكون أكثر فعالية في العلاقة الجدلية بين الثورة والأثر الفني ؟
ــ كان للثورة الفلسطينية أدبها الثوري الفلسطيني، وهذا الأدب أثر علي مجمل الأدب العربي منذ أواسط الستينيات وما يزال. ان أدب المقاومة في الأرض المحتلة وخارجها هو أدب الثورة الفلسطينية، ولكن قبل أن تقوم هذه الثورة وتتجسد المقاومة فعلاً، ما كان يمكن أن يكون ثمة أدب مقاوم. ولقد ارتفعت نبرة هذا الأدب حتى غطت كل النبرات الاخري في الأدب العربي، وكانت كمية أدب المقاومة، وخاصة الشعر، ومن قبل الشعراء الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وفيرة، باهرة، فاضت عن أوعيتها لتغدو زيتا ملتهبا في أوعية الكتاب والشعراء العرب، وصار التعبير عن المقاومة في الأدب هماً أدبياً بالنسبة للجميع، وإن ظل، من حيث النوع، أدب الكتاب الفلسطينيين في الأرض المحتلة هو الأرفع، وصاحب التأثير الأنفذ، والخميرة التي ستشيع النسغ الخميري في العجين كله، ليكون منه هذا الخبز المقدس لأدب المقاومة العربي كله.
أما الحديث عن ايجابيات وسلبيات أدب المقاومة الفلسطيني فلا يمكن الكلام عنه في سطرين، لذلك لن أجيب علي هذا الشطر من السؤال، غير أنني أقول ان إيجابياته أكثر من سلبياته، خاصة عندما يلتصق بالجماهير ويعبر عن همومها وكفاحها وبطولاتها بلغة شعرية تنبع من عفوية ونضالية الأديب، وليس انطلاقاً من التعقيدات والإشكال الشعرية المقصودة لذاتها، ولإبهار القارئ.
العلاقة بين الثورة والأثر الفني علاقة جدلية من الطراز الأول، هي تمده بالمادة الخام، وهو يمدها بالمعاناة والإلهام أي ان الثورة تكبر وتنفجر بالأدب المعبر عنها، والأدب يكبر ويتفجر بالثورة التي هي مادته.
* كيف يمكننا خلق جبهة ثقافية عربية عريضة مشاركة للثورة الفلسطينية؟ وما هو مفهوم المشاركة؟
ــ مفهوم المشاركة في الثورة أن تكون في قلبها أو علي صلة ما بها، لأنه بدون معاناة الثورة نضالاً وهماً لا يمكن التعبير الأصيل عنها.
ويمكن أن تأخذ منظمة التحرير الفلسطينية المبادرة في الدعوة الى ندوة للبحث في إنشاء جبهة ثقافية عريضة مشاركة للثورة.
* أين تقع مكانة الأدب الفلسطيني في الأدب العربي المعاصر؟
ــ إذا كان المقصود بذلك أدب المقاومة الفلسطيني، فإن مكانه هو الصدارة في الأدب العربي في وقتنا الراهن، وقد كان له الفضل في شق الطريق لهذا النوع من الأدب الذي يحمل جوهر القضية العربية، علي اعتبار ان القضية الفلسطينية هي جوهر القضية العربية أيضاً.
rwayda
08-Aug-2008, 10:38 PM
ــhttp://tbn0.google.com/images?q=tbn:vmYZQq__CEIBmM:http://www.syrianstory.com/images/horani.jpg
حوار مع القاص السوري سعيد حورانية (1976)
برع أعداؤنا في إفساد المثقفين الأوروبيين
اجرى الحوار: عز الدين المناصرة
كانت بيني وبينه صداقة فكرية بدأت عام 1970 حين زرت دمشق لأول مرة قادماً من القاهرة حيث كنت أعيش. يومها لم أنسجم معه بسبب وثوقيته في طرح بعض آرائه، إضافة لبعض الإحباط الذي كان يبدو في لغته الحوارية. لكني تراجعت في لقائي الثاني عن موقفي منه حين كنا وحيدين فقد تدفق بصدق ينتقد الأوضاع العربية العامة آنذاك. وانتقدنا معاً (فساد المثقفين العرب)، فأدركت أن الرجل مجروح في داخله. أما في لقائي الصحافي معه عام 1976 فقد استقبلني شاعراً وصديقاً. وتناولت معه طعام الغداء في مطعم علي بابا، وكان يتملص من الحوار الصحافي مازحاً (أنا مشتاق للحديث معك بعيدا عن الحوار الصحافي). وكان بالفعل مقلاً في حوارياته الصحافية. كان من رواد القصة القصيرة في سوريا منذ أوائل الخمسينيات. وكان ينتمي للمدرسة الواقعية. وفي ما يلي نص الحوار الكامل كما نشرته مجلة فلسطين الثورة، في 1/1/1976:
* برز الأدب المقاوم أثناء معارك الشعوب في سبيل حريتها: فرنسا، الاتحاد السوفييتي مثلاً، كيف لعب هذا الأدب دوره أثناء المعارك؟ وهل تعتقدون أن لهذا الأدب صفة الشمول والديمومة؟ وهل يمكن تعداد نماذج من ذلك؟
ــ الأدب الحقيقي ثوري في طبيعته فهو كشف وتجاوز وتعرية، وهو نوع من عدم الرضا عن السكون والنمطية ومظاهر القسوة والبلادة والشر التي تشوه روح الإنسان. فهو ينطلق كالسهم الى الجوهر، وهو بهذا المعني كلمة احتجاج دائمة، وسلاح فعال لأهم درجات الثورة وهي الوعي.
ويتحد هذا الصوت الخاص في الأزمات الكبرى للشعوب، حيث تفقد الأشياء توازنها الظاهري الرزين، وتكتسب معني جديداً، وتتعري حتى العظام كل المفاهيم السكونية.. يتحد بالأنا الجماعية فيكتسب قوة عظيمة تعبر عن روح الشعب الذي لا يستكين روح الصمود والصلابة، ويصبح فائق التأثير مثله مثل المقاتل والسلاح في معركة الموت أو الحياة.
مَن منا لا يذكر قصص غايدار التي كانت تقرأ في الخنادق في الاستراحة بين معركة وأخري فتشد أعصاب المقاتلين؟
ومَن منا لا يذكر الجنود المندفعين الى الموت وهم ينشدون قصيدة سيمونوف الشهيرة: انتظريني فسأعود ؟ ومَن منا لا يذكر قصائد ايلوار واراغون و(الشعراء المجهولين) وأثرها في تشديد المقاومة الفرنسية الباسلة في وجه النازيين؟
إن الأمثلة علي ذلك كثيرة في تاريخ أي شعب يكافح في سبيل حريته، وهي أمثلة تتعدي محليتها الى أفق الإنسانية الواسع لتصبح نشيداً للإنسان المقاتل في كل زمان ومكان، فمعارك الحرية تهم الإنسانية كلها، والأدب الذي يعبر عنها بصدق هو أدب الإنسانية كلها.
* أثناء المعارك ينبثق فن يتسم بطابع النضال، هل تعتقدون أن هذا الفن يحقق المعادلة بين التأثير الجماهيري والنضج الفني؟
ــ ولماذا نضع دوماً هذا مقابل ذاك حتى كأنهما متناقضان؟ هناك أدب رديء يمكن أن يؤثر كالطرب لحظة سماعه ثم ينطفئ كفقاعة، وهناك الأدب الصادق الحقيقي الذي ينبت الأجنحة ويهز الروح ويعمق الوعي، ويفجر الينابيع المحبوسة في أعماق النفس، وهو الذي بقي، وبالتالي فهو الأكثر جماهيرية.. أما إذا قصدت الأثر الجماهيري الآني فهو أدب استهلاكي قد يفيد أحيانا ولكنه ضار في أكثر الأحيان لأنه لا يستهدف إقلاق الروح، وزلزلة المفاهيم والدفع الى معاناة إنسانية أرفع، وإنما يستهوي إرضاء عواطف سطحية قد تدفع الى الانفعال وليس الى الفعل.
لا اعتقد ان هناك أكثر جماهيرية من سمفونية شوستاكوفيش حصار ليننغراد التي عزفت وسط هدير المدافع في المدينة البطلة، أو من لوحة بيكاسو الخالدة غرينكا أو أشعار ماياكوفسكي وبابلونيرودا وايلوار واراغون وكلها لحنت أو رسمت أو قيلت في لهب المعارك أو مستهدفة تحريضا ثورياً أو موقفاً سياسياً واضحاً، فهل أثرت جماهيريتها في قيمتها الفنية الرفيعة؟ لا أظن ان السؤال يحتاج الى جواب.
* ما هو الأثر الذي أحدثته الثورة الفلسطينية في إنتاج الكتاب العرب وما هي ايجابيات تجربتهم وسلبياتها ؟ وما هي الوسيلة التي تكون أكثر فاعلية في العلاقة الجدلية بين الثورة والأثر الفني؟
ــ لا أظن أنني مؤهل للرد علي مثل هذا السؤال الشامل فتلك مهمة النقاد المتابعين، ولكن لابد من بعض الملاحظات: لقد كان لانبثاق الثورة الفلسطينية ثم لحربي حزيران (يونيو) وتشرين الاول (أكتوبر) أثر فعال في (تسييس) الأدب ودفعه الى ان يقترب أكثر من معاناة الجماهير وتطلعاتها.. وهذا بالطبع شيء ايجابي، ولكن الروح البرجوازية الصغيرة بأفقها المحدود وذبذبتها الفكرية المتأصلة أفقدت هذا الاتجاه الصحيح كثيراً من فاعليته، فبدلاً من ان تعمق وعي الإنسان العربي، زادت من نشر الضباب الفكري، والحس الرومانتيكي المريض، والأحكام المتعسفة لعدم انطلاقها من أرضية فكرية صلبة، ثم ان قضية فلسطين أخذت في أكثر نتاج أدبائنا كقضية عاطفية مجردة عائمة في الفراغ من دون التعمق في النواحي الاجتماعية الاخري المتصلة بها والمتفرعة عنها مما نتج عنه حركة تزوير كبري تتقزز لها النفس.
*ما أقل الجيد الذي كتب عن فلسطين إذا أخذنا في الاعتبار هذا السيل العارم الهائل من النتاج شعراً ونثراً، وليس في قصصنا عن فلسطين ما يفوق قصة يائيل دايان (رماد) إلا كتاب محمود درويش النثري الرائع (يوميات الحزن العادي) وقد تقترب من اصالتها رواية لغسان الكنفاني وقصة لأديب نحوي فعلي ماذا يدل ذلك؟
غلبة العاطفة، وهزال المعاناة ورفض المنطق العلمي، وروح البداوة ذات الحساسية المريضة.
إن الوسيلة الحقيقية ذات الفاعلية في العلاقة الجدلية بين الثورة والأثر الفني هي الالتحام الفعلي لا الصوري بقوي الثورة النشطة المقاتلة التي تعرف عن فلسطين أنها أكثر من البرتقال والشذي والعطر والبحر الأزرق والجبال المزهرة... تعرف عنها أنها ارض الموت وأرض البعث معاً.
* كيف يمكننا خلق جبهة ثقافية عريضة مشاركة للثورة الفلسطينية، ما هو مفهوم المشاركة؟
ــ ليست قضية فلسطين تخص الفلسطينيين وحدهم، وإنما هي قضية عربية تخص كل فرد عربي، ولذلك يبدو لي السؤال عن خلق جبهة ثقافية عريضة للمشاركة غير مفهوم! فما معني المشاركة؟ أهو تجمع آخر (ونحن أكثر أهل الأرض غراما بالتجمعات؟) أم مشاركة بالأجهزة الثقافية الفلسطينية ودعم لها علي غرار مركز الأبحاث؟ وهو اتجاه ادعمه بكل تأكيد، فيجب ان تنفتح الأجهزة الثقافية الفلسطينية علي المثقفين العرب الذين يبدون حماساً حقيقياً لنصرة القضية، ولا أعني بهذا ذوبان الشخصية الفلسطينية في هذه الأجهزة، بل اعني اغناءها بمزيد من القدرات والمواهب والأفكار الجديدة.
الجبهة الثقافية العريضة للمشاركة في الثورة يجب ان تأخذ اتجاها أكثر سعة وله صفة الشمول.. يجب خلق جبهة عالمية في كل بقاع الأرض من المثقفين ذوي التأثير.. لقد برع أعداؤنا في إفساد المثقفين الأوروبيين مثلاً وتضليل معظمهم، ومن هنا يجب ان نتحرك، والظروف العالمية الآن أكثر مواتاة لشراعنا الهامد لأن يبحر في المد، ولننزع من أفكارنا ان الأوروبي بطبيعته معاد لنا.
* الأدب الفلسطيني: السمات العامة: الايجابيات والسلبيات ومكانه في الأدب العربي المعاصر.
ــ هذا سؤال تتطلب الإجابة عنه كتابا بكامله، ومرة اخرى أحس أنني غير مؤهل للرد ولكني سأورد بعض الملاحظات: هناك أدب فلسطيني ما في ذلك شك، وهو إن كان يصب في بحر الأدب العربي العام فان لهذا الجدول خصائصه المتميزة. وهو رغم صغر سنه قد ترك انطباعاً عميقاً علي مجمل الأدب العربي المعاصر، وهو ليس تراكماً كمياً وإنما هو قفزة نوعية، والشعب مليء بالمواهب، لقد اقتحم دنيا الشعر والقصة وأثبت في فترة قصيرة ان مزماره انقي المزامير في الأدب العربي المعاصر.. ان الآلام والنكبات الهائلة التي عاناها هذا الشعب العظيم قد فجرت في نفسه أعظم الطاقات، ولكنها طاقات يجب ان تعرف مسربها، إنها تتقدم ببطء ولكنها تتقدم أسرع من غيرها.. وان قدرتها علي التوقف أحيانا وإعادة النظر والفحص تبعث في النفس أقوي الآمال... لقد أخذت الموجة العاطفية الغنائية بالانحسار رغم أن آثارها لا تزال ملموسة في كثير من الشعر والنثر الذي يكتب الآن، واقتربت مرحلة تعميق الحس الدرامي والبعد عن الخطابة والشعارات، والعاطفية المريضة، والتمسح بالكلمات الكبيرة لإخفاء ضحالة المعاناة.
rwayda
08-Aug-2008, 10:39 PM
حوار مع عبد العزيز المقالح
الشاعر الكبير د.عبد العزيز المقالح : لست من أعداء قصيدة النثر
حاوره في صنعاء : محمد الحمامصي
بوابة اليمن الشعرية والثقافية الشاعر اليمني الكبير د.عبد العزيز المقالح أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية التي شكلت التجربة الشعرية العربية الحديثة ، ورائد ومؤسس الشعرية اليمنية الحديثة ، ولد في أواخر الثلاثينات من هذا القرن العشرين ، ونشأ في منطقة "الشعر" بالقرب من "وادي بنا" المشهور ، وادي المياه والأشعار والحقول الخضراء ، من أعماله الشعرية ( لابد من صنعاء مأرب يتكلم ) ، ( رسالة إلى سيف بن ذي يزن ) ، ( هوامش يمانية على تغريبة ابن زريق البغدادي )، ( عودة وضاح اليمن ) ، ( الكتابة بسيف علي بن أبي الفضل ) ، ( الخروج من دوائر الساعة السليمانية ) ، ومن أعماله النقدية (الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن)، ( شعر العامية في اليمن) ، ( قراءة في أدب اليمن المعاصر )، (أصوات من الزمن الجديد) ، (يوميات يمانية في الأدب والفن)، (أزمة القصيدة الجديدة) ، (شعراء من اليمن ) شغل منصب رئيس جامعة صنعاء ، ويشغل الآن منصب مستشار رئيس الجمهورية للشئون الثقافية ، وإلى جانب مؤلفاته الأدبية فإن له الكثير من الكتابات في الصحف اليومية والأسبوعية اليمنية والمجلات العربية .
** عايشت الثقافة والإبداع العربيين في مراحل مختلفة وأقطار مختلفة ، كيف تراهما الآن مقارنة بما سبق وعايشته ؟
** كما كان من قبل ، صحيح أن أشياء كثيرة جدت علي الصورة ، وأن أجيالا جديدة دخلت إلي الساحة مزودة برؤى جديدة ، وبقدر غير قليل من التمرد إلا أن الواقع من وجهة نظري لم يختلف كثيرا عما كان عليه في هاتين الساحتين ولم يحدث دخول دماء جديدة متمردة ما كان منتظرا أو متوقعا ربما لأن هذه الدماء الجديدة المتمردة لم تتسلح بالقدر الكافي من المعرفة الفنية والموضوعية ، ولهذا ظلت إضافاتها شبه محدودة وظل صوتها أكبر من حجم إنجازها ، ومع ذلك فإن المتابع لحركة الواقع الأدبي العربي يشهد حراكا متنوعا ومثيرا للانتباه سيما ما يتعلق بالجيل الجديد وطموحاته التي تعكس أملا كبيرا في واقع أدبي جديد ومغاير لما هو سائد .
** علي من تلقي باللائمة في قولك (كما كان عليه من قبل) ؟ **
علي الواقع السياسي والاجتماعي وبعبارة أوضح علي المسئولين عن الوضع السياسي في الوطن العربي الذين تجمدوا وتجمدت مشاريعهم عند نقطة ظلوا يراوحون حولها في ثبات يثير الحزن ، وفي الوقت ذاته لا يمكن أن يعفي المبدعون ورجال الثقافة عموما مما حدث من تجمد وركود ، والثقافة وحدها تعتبر مسئول أولى عن تحريك الواقع والقضاء علي حالة الركود العام ، وبخاصة وقد ظهرت في الواقع وسائل توصيل جيدة تمكن المبدع خاصة والمثقف عامة من القيام بدورهما علي خير ما يرام .. ** تتهم الأجيال الجديدة بأنها لم تتسلح بالقدر الكافي من المعرفة الفنية ، في حين أن هذه المعرفة يتم اكتسابها بالتراكم عبر الزمن ،
ألا تعتقد أن التجارب تحتاج إلي الفطرة الشعرية أكثر ما تحتاج إلي الخبرة المعرفية ؟ **
لا يمكن الاعتماد علي الفطرة أو الموهبة وحدها ما لم يصاحبها تحصيل معرفي شامل يقترب من روح العصر ومنجزاته وإضافاته إلي كل الحقول ، لقد انتهي زمن الشاعر البدوي الذي ينطلق من موهبته الفطرية معتمدا علي ما اكتسبه من معايشته لأصوات من سبقوه المصحوبة بأصوات الطبيعة وما ينتج عن المعايشة المباشرة من أفكار وصور ، المبدع المعاصر أو الجديد أو الحداثي مطالب بأن يستوعب كل الأصوات والمؤثرات المحيطة به من قريب أو بعيد حتى يتمكن من القدرة علي التعبير بطريقته الخاصة عن هذا الواقع الجديد ، لا أريد أن يكون معبرا عن هذا الواقع كما ينعكس في عينيه ، وإنما أن يكون مصورا للواقع المباشر كما ينعكس علي وجدانه ولغته ورؤيته للأحداث حتى لا يظل منعزلا وهامشيا وفاقد التأثير . أحمد شوقي الشاعر الإحيائي (التقليدي) كان في زمنه مؤثرا علي الواقع العربي كله وكان صوته الشعري يتردد في صنعاء كما يتردد في بغداد وتونس ومراكش ، أين جيل محمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي وغيرهم من الأصوات الرومانسية الجميلة ، وصلوا بأصواتهم إلي أقاصي الوطن العربي ، صلاح عبد الصبور وحجازي والسياب والبياتي ونزار وأدونيس وأمل دنقل ومحمود درويش وغيرهم خلقوا حالات من التقبل والتساؤل ما تزال قائمة ومؤثرة حتى الآن ، أين جيل الحداثة الجديد من هذا . ** كانت قصيدة شوقي تتصدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام بل كان الشعر يتصدر كل أنواع الفنون حتى أواخر الستينيات ، الأمر اختلف الآن وتم تهميش الشاعر والمثقف أيضا ؟
** ما سر هذا التهميش وكيف سقطت القصيدة من الصفحة الأولى في الأهرام إلي صفحات داخلية في بعض الجرائد التي ما تزال تحترم الكلمة الشعرية وترى لها مكانا في هذا الوجود الرديء ؟
هل سأل الشعراء بمختلف انتماءاتهم الأسلوبية عن هذا المصير الذي وصلت إليه القصيدة أو وصل إليه الشعر ؟ هل السياسة التي طغت أو كادت علي كل شيء ومعها الإعلام بكل إمكاناته المخيفة وراء كل ما حدث أم أن هناك قصورا ما في الشعر والشعراء أنفسهم أتاح الفرصة لكل من السياسة والإعلام أن يستأثر بحقل الاتصال الشامل ؟ سؤال أتنمي أن أجد من يرد عليه أو يشاركني في طرحه والإجابة عليه .
rwayda
08-Aug-2008, 10:39 PM
** بعد ستين عاما أو يزيد من ثورة التجربة الشعرية العربية ، لماذا انطفأت الثورة ؟ لماذا تراجعت قوتها ؟ كيف نرد الاعتبار للتجربة الشعرية الحداثية ؟ أم أنك ترى الأمر غير ذلك ؟
** أولا لا تنسي أن هذه الثورة الشعرية كما وصفتها في سؤالك رافقتها ثورة سياسية وفكرية نقلت الوطن العربي من حال إلي حال ، وليس هناك من يستطيع أن ينكر دور الثورة السياسية في مقدمتها ثورة 23 يوليو وما تركته في الواقع من آثار لا تمحى ولا تستطيع بعض الأقلام هنا وهناك أن تقلل من الزلزال الفكري والمعرفي والمادي الذي صنعته الثورة السياسية العربية ، وإذا ما وعينا ذلك فإننا نستطيع أن نقول أن الانحسار التدريجي لهذه الثورة قد رافقه انحسار مماثل في الحياة الثقافية وفي وضع الشعر بخاصة ، وهنا يستطيع أي متابع لوضع المسرح العربي في الخمسينيات والستينيات وبعض السبعينيات أن يدرك الفارق الكبير بين الأمس واليوم مع هذا الفن وحده ، وان يقيس عليه ما حدث لبقية فنون الإبداع الأدبي ..
يضاف إلي ذلك أن الصراع الذي دار داخل الكيانات السياسية أدى إلي تشرذمها وانحسارها وكذلك الشعر في الصراعات التي قامت وتقوم داخل الكيانات الإبداعية والشعرية فيها بخاصة من عموديين وتفعيليين ونثريين ، لقد تركت هذه الصراعات أو الخلافات ـ في رأيي ـ علي جسد القصيدة العربية ما تركته الخلافات السياسية والفكرية علي جسد الثورة العربية ، هناك تزامن وتكامل بين مناحي الحياة المختلفة في صنع التطور ، مهما كانت الآراء المعارضة لما أقول .
** لكن الإبداع ازدهر وتجلي في أكثر الفترات قسوة في تاريخ الإنسانية ؟
** قد أكون معك إلي حد ما فيما تطرحه وعندي وعندك أمثلة كثيرة علي ازدهار الآداب والفنون في ظل أوضاع قاسية لكن ما نعانيه نحن الآن لا يشبه بحال من الأحوال ما سبق من أوضاع أنتجت الرواية المتميزة في روسيا والفلسفة العظيمة والموسيقي في ألمانيا ، نحن نعيش في حالة خوف غير منتج وقمع غير منظور ، نحن أحرار وغير أحرار ، نحن نعيش في أقطار ديمقراطية أو هكذا تقول دساتيرها ولكن في أعماقنا يعيش خوف السنين ورعب القرون لهذا لا يقاس بنا أحد ولا نقاس بأحد
.
** برأيك كيف لنا أن نتجاوز هذا الخوف هل من سبيل ؟
** هناك سبل عديدة إلي تجاوز هذا الرعب التاريخي أهمها أن يعي كل واحد منا دوره وأن يجيد امتلاك الآليات التي تجعله يقوم بدور علي أحسن حال . الفنان الموسيقي عليه أن يركز طاقته كلها ليمتك هذا الفن في كل أبعاده وكذلك الفنان التشكيلي والشاعر ولا أريد للأخير أن يدخل عالمه الإبداعي غير مكتمل الآليات والأدوات اللغوية والفنية التي تساعد موهبته علي التحليق في فضاءات واسعة تدفعه إلي الطيران بعيدا بدلا من الاكتفاء بالتحليق في مساء الحي أو القرية أو المدينة التي يعيش فيها ، إذا أخلصنا في امتلاك القدرات التي تؤهلنا لأداء دورنا بإتقان حينئذ سوف نتحرر من الخوف ومن الخلافات والاختلافات الصغيرة والكبيرة التي تجعلنا نتطاحن ونتحارب في غير ميدان ودون مبرر .
** لا تزال قصيدة النثر موضع رفض الكثير من النقاد والشعراء الكبار عربيا ، هل تنضم إليهم أم أن لك موقف مختلف ؟ يبدو أنك انضممت إليهم ؟
** لا أريد أن أذكي نفسي وأقول انني عندما بدأت محاولتي الشعرية الأولى في أواخر الخمسينات كانت نثرية وكنت في البداية أكتب قصائد عمودية أهاجم فيها شعر الأوزان والقوافي ، وهناك دليل علي ذلك قصيدة كتبتها عام 1960 ومنشورة في ديواني الأول أو الثاني كانت تدعو إلي التحرر من سيطرة الوزن والقافية وإلي كتابة الشعر الحر (قصيدة النثر) وأتذكر من تلك القصيدة بيتا يقول :
وخرجنا نسيل شعرا مقفي رقصت روعة عليه الحمير
فهذه المقدمة تؤكد أنني علي الأقل إن لم أكن من أنصار قصيدة النثر فلست من أعدائها ، مع أن كتاباتب الكثيرة جدا والمناصرة لهذا الشكل من الشعر والذي تبنيت له مصطلحا صار معروفا في بعض الأوساط النقدية وهو (القصيدة الأجد) مقارنة بالقصيدة الجديدة التي هي قصيدة التفعيلية ، وفي كتابي (أزمة القصيدة العربية .. مشروع للتساؤل) ما يعطي إجابة شاملة في موقفي تجاه قصيدة النثر ، ولكن بعد أن اختلط الحابل بالنابل وتعالت أصوات قتل الآباء والأمهات ، فقد تراجعت موضوعيا وصرت أرى كل الأشكال الشعرية الناضجة جديرة بالبقاء والتعايش ، وأن من حق كل الزهور أن تتفتح في حديقة الإبداع الشعري عمودية كانت الزهرة أو نثرية ، المهم أن تكون زهرة وأن تحمل قدرا من ضوع الشعر ورائحة الإبداع ..
** المشهد الشعري اليمني حتما شهد ويشهد الكثير من المتغيرات مثله مثل المشهد الشعري في غيره من البلدان العربية ، هل تتابع هذا المشهد وما أهم ملامحه وكيف ترى لمستقبله
؟
** أولا ينبغي أن نعترف جميعا بأننا نعيش مناخا عربيا متشابها في الواقع السياسي والاجتماعي وما ينعكس عنهما من حالات تجاوز إبداعية وفنية ، والمشهد الشعري في اليمن ما هو إلا صورة مصغرة ربما لما يجري في القاهرة ودمشق وبغداد والمنامة والرياض سواء من حيث وجود بعض الملامح اللافتة والتي تشد إليها الأنظار أو تلك التي في طور التكوين ، ومشكلة الشاعر الشاب في اليمن هي مشكلة أخيه الشاعر في بقية العواصم العربية مع فارق لصالح الشاعر الشاب في اليمن الذي توفرت له أخيرا إمكانية النشر من أوسع الأبواب . هذه باختصار صورة المشهد الشعري في اليمن الذي يتطور أحيانا ببطء وأحيانا بسرعة غير متوقعة ، حين يلمع شاعر أو آخر فجأة وعلي غير انتظار ليقدم تجربة مثيرة ومبدعة .
إن الحركة الشعرية اليمنية حظيت باهتمام كل المهتمين بالأدب ولم يدخل شعراؤها علي اختلاف انتماءاتهم الفنية في صراعات تتشكل عنها ثأرات انتقامية ، كان هناك ولا يزال تصالح إبداعي بين كل المدارس والأشكال وكل موهبة تطرح ما لديها بالشكل أو الأسلوب الذي تؤهلها له إمكانياتها .
.
** لا تزال تجربتك مع تجربة عبد الله البردوني تمثل التجربة الشعرية اليمنية عربيا ، هل يعني ذلك أنه لم تشهد اليمن تجربة أخرى بحجم تجربتكما تستطيع الحضور عربيا ؟
** هناك تجارب شعرية لا تقل أهمية في اليمن عن هاتين التجربتين اللتين أشرت إليهما سوء بين شباب الشعراء أو من كانوا شبابا إلي وقت قريب أمثال محمد حسين هيثم وشوقي شفيق ، تستحق تجاربهم الاهتمام ، ولعل للزمن والانعاطافات التاريخية دورهما في إبراز التجربة وإهمال الأخرى ، في مصر شعراء عديدون ولكن برزت أسماء تختصر هذا الكم الكبير من الشعراء لأسباب تاريخية وفنية أيضا ليست مجانية ، من التجني القاسي والموضوعي القول بأن صلاح عبد الصبور وحجازي ودنقل وعفيفي مطر لا تعتبر تجاربهم قيمة شعرية حقيقية استحقوا عليها هذه المكانة التي يتبؤونها في حركة الشعر الحديث في مصر ، ومازال الزمن مفتوحا أمام التجارب الجديدة التي سوف تشكل بدورها قيمة ذات أهمية مستقبلية ، من هنا فاليمن الراهن واعد بأسماء وتجارب شعرية سيكون لها شأنها ومكانتها في الرصد الشعري العربي المعاصر .
** معذرة عما يمثله هذا السؤال من تقصير هل لا تزال تواصل الكتابة الشعرية وفي أي مرحلة تقف تجربتك ، حيث أن الكثير من التجارب الشعرية التي تمثل الريادة تكرر نفسها الآن ولا تضيف جديدا
؟
** أشعر الآن أنني مسكون بالشعر أكثر من أي وقت مضي ، والقصيدة التي أكتبها اليوم أفضل بكثير عما كانت عليه قصيدة المس ، وإذا كانت أجساد الشعراء تشيخ فغن مواهبهم لا تشيخ أبدا ، والذين يعتزلون كتابة الشعر هم أولئك الذين يعتزلون المتابعة الشعرية أو يركنون إلي ما قدموه من اعمال شعرية ، سأعطيك واحدا من النصوص التي كتبتها في بداية هذا العام (أنظر القصيدة صـ ) .
وأود هنا أن أنبه إلي أن عملي كرئيس لجامعة صنعاء لفترة تقترب من عشرين عاما قد أبعدني كثيرا عن كتابة الشعر ، وعندما تركت هذا العمل المرهق وتحللت من المسئوليات المباشرة عدت إلي الشعر وكتبت في أ{بعة أعوام أربعة أعمال شعرية نالت الكثير من اهتمام النقاد والشعراء ، ومن ضمنهم أدونيس وعز الدين إسماعيل وكمال أبو ديب ومحمد عبد المطلب ويمني العيد وغيرهم .
** يري البعض أن الحركة النقدية العربية فقدت الكثير من قدرتها علي مواكبة الإبداع الجديد أو أن أدواتها لم تعد صالحة ، وأيضا فقدت الكثير من الثقة ، ما هو تقييمك لأداء هذه الحركة الآن ؟
** هذه وجهة نظر تقابلها أو تعارضها وجهات نظر أخرى ، قد تكون مشكلة النقد الأدبي عربيا قائمة علي ناحيتين أولهما التركيز علي التنظير سيما في مرحلة ظهور المناهج النقدية الحديثة كالبنيوية والأسلوبية ، وثانيهما اتساع دائرة المبدعين واتساع دائرة الإبداع حيث لم يعد الشعر سوى فن واحد من مجموعة فنون تستدعي المتابعة والنقد كالرواية والقصة القصيرة والمسرح ، وهنا تشتت دور النقد التطبيقي وظهر عند المبدعين كما لو كان النقد غير موجود مع أنه يملأ الساحة ويغطي كثيرا من الأعمال الجديدة والقديمة ، كما لا يجب أن ننسي دور النقد الأكاديمي أقصد النقد داخل الجامعات والمتمثل في رسائل الماجستير والدكتوراه وفي الأبحاث البالغة الأهمية التي يكتبها أساتذة الجامعة في كليات الآداب
.
** أيضا شهدت الفترة الأخيرة تراجعا ملموسا لدور ومكانة المثقف العربي وكثيرا ما شارك المثقفون أنفسهم في ذلك ، ما هو تقييمك لهذا الدور الآن وما موقفك مما يرتكبه المثقفون من تزييف لإرادة جماهيرهم
؟
** تبدأ المشكلة وهي قديمة من سيطرة السياسي علي الثقافي ومحاولة جر المثقف إلي العمل السياسي ليقوم بدور المبرر وهو في الوقت ذاته يظهر أو يتوهم أنه يقوم بدور المصلح والمؤثر في الحياة الاجتماعية والثقافية ، وتتجسد المشكلة كأسوأ ما تكون في قصور الأحزاب السياسية وهامشيتها وتراجع دورها التنويري والاجتماعي ، وحين تفشل تعود فتلقي اللوم علي المثقف الذي لا حول له ولا قوة لا علي المناخ السياسي الذي أثبت عجزه وفشله . لماذا أنتقد تراجع دور المثقف ولا أنتقد تراجع دور الأحزاب وهي من هي في الساحة ، إن المشكلة كما أراها أكبر من أن نحمل تبعتها للمثقف وحده بعيدا عن السياسي سواء كان هذا السياسي في السلطة أو المعارضة فكلاهما يتحمل الوز الأكبر فيما وصلت إليه أحوال الأمة وما وصل إلي المثقف من انكسار وضياع دور
ه .
** لابد من انتقاد تراجع المثقف فتاريخيا يحتل دوره الصدارة ومن ثم كان رئيسيا فاعلا يتبعه أي شيء آخر ، أما الأحزاب أو ما شابه من مستحدثات فهي تالية له في الدور والمكانة ؟
** أكرر السياسي سرق دور المثقف وأبعده عن أماكن التأثير ، وقد يكون تم ذلك بإرادة المثقف نفسه ، وهنا الخطأ الكبير الذي يستحق عليه اللوم ، حيث أنه عندما لم يحاول استراجاع مكانته في الحياة وفي المجتمع بوصفه صانع تكوين الفكر النقدي وأسئلة التغيير والدفاع عن الحرية ومصلحة الإنسان
. *** نشر بمجلة الشعر (مجلة فصلية يصدرها اتحاد الاذاعة والتليفزيون المصري) العدد 122 صيف 2006
rwayda
08-Aug-2008, 10:40 PM
حوار مع الشاعر: إيف بونفوا
الحقيقة الوحيدة هي
الكائن الإنساني المنخرط في تناهي
ه
* خلال السنوات الأخيرة أجريت الكثير من الحوارات حول الشعر, هل يعتبر ذلك تنازلا لكسلنا أم ضرورة للتفسير?
**إنه ضرورة : لأن أفهم نفسي خاصة, إنني أتم ل ص من اقتراحات الحوارات السريعة, ذات المواضيع الشفوية غالبا, وغير المهيأة جيدا والمختصرة, لأن هذه الفرص لا تؤدي إلا إلى تكرار الأفكار, بل وإفقارها لكونها تأخذ الأشكال البسيطة, لكن عندما يتاح لي أن أعبر عن طريق الكتابة, كما أفعل الآن, أهتم كثيرا بالأسئلة التي تحتاج الإجابة عنها للسرعة, ودون الاهتمام باستنفاذها, لأنه من المؤسف بالتأكيد أن لا نجعل مسعانا هو الذهاب, بقدر المستطاع, إلى عمق مشكل ما, وليكن ذلك المتعلق بالشعر مثلا, لكن ذلك يتيح بالمقابل أن نخاطر في أصعدة لم يكتمل فيها التفكير, أو هو مؤجل إلى وقت آخر. ويكون السؤال حينئذ شيئا محفزا, ويدعو إلى الذهاب إلى مكان آخر غير ذلك الذي نقف فيه عادة.
* مكان آخر : أنحو فكرة الحدث مثلا? في شعرك لا يشف الحدث إلا من بعيد. ومع ذلك فقد عشت مثلنا الراهن المرعب لزمننا.
** ها هو واحد من تلك الأسئلة التي تأخذ, في الواقع, ما نمثله عبر ما لم نتح له الفرصة ليقال, وهو سؤال أرحب به لأنه يتصل بانشغال يومي لي, بالإضافة إلى كونه مصدرا, أو تقريبا واحدا من مصدرين لمشروعي ككاتب. إنني لا أفسح مجالا للحدث, وللواقعة التاريخية, في أشعاري, لكن رفضي الإثارة المباشرة لا يعني إطلاقا, أنني غير معني بالقدر الذي يعنى به إنسان آخر بالوضعية الحالية للعالم: في الواقع يثير هذا الأخير قلقي, وحتى استنفاري, واستنكاري. وكما أنني مقتنع أن لهذا الخراب علاقة مباشرة مع وضعية الشعر, فأنا لا أجد نفسي إلا شاعرا بالإحساس بمسؤولية خاصة, ولو كانت محدودة, إن لم يكن اتجاه الأحداث, فعلى الأقل اتجاه التفسير الذي يمكن أن يعطى لها, وإعادة النظام المحتملة. لكن يتعلق الأمر إذا بأن نفهم سواء هذه العلاقة بالشعر, أو الطريقة التي يستطيع بها الشعر الوقوف في وجه الخراب. أجد نفسي مأخوذا أكثر بهذا النوع من التفكير لا بمجرد رد الفعل على الأحداث المرعبة المحيطة بنا, يوما بيوم. بناءا على ذلك أعتقد أن الشعر إذا كان طريقا للتخفيف من هذا الشقاء, فلن يكون ذلك إلا بإحياء نبعه الخاص ثانية, وإذن بأن نذهب هناك وأن نبقى في عمق العبارة العادية التي من مهامها أن تفك تشابكها مع غرائزها الشريرة واستياهاماتها.
* لنبقى مع ذلك في الحدث كما عشت ه, ما هي الذكرى التي تحتفظ بها من تحرير باريس مثلا, ومن راهن ما بعد الحرب?
** أي ذكرى? تلك الدهشة اللجية, التي أتت بعد الفرح الساذج عندما اكتشفنا في 1945 ما وقع في معتقلات الإبادة. ولكن, ولكن أيضا, ذلك الإحساس اللاواقعي الذي أعطته, في ساعة الحقيقة تلك الأفكار التي هيمنت على المجتمع الغربي ومازالت تريد الاستمرار في ذلك, مقابل بعض التبديلات: بعد أوزفيتش لم يكن الشعر هو الذي أصبح مستحيلا, كما زعم ذلك أحد الفلاسفة! ولكن بالأحرى الفلسفة! <<الأكاذيب الضافرة>>, واقتراحات الميتافيزيقا واللاهوت التي فضحها مالارميه لزعمها تأسيس الكائن, في حين أنها لم تؤسس إلا أساطير, وعدم أهليتها في الفهم أو بالأحرى الرغبة في الفهم, كانت تبدو على الصعيد (المسند) للواقع الأكثر يومية, وفي عمق العلاقة الأكثر حميمية بين الأشخاص, وذلك لانغلاقها على نفسها في الأحكام المسبقة ذات الطبيعة الاجتماعية أو الدينية, وبسبب عجز الفكر المفهومي بدون شك عن التفكير في لا معكوسية الزمان, والاستعجال في الخسارات, وواقعية الصدفة, وباختصار التناهي الملازم مع ذلك للحياة. لم يستطيع الخطاب الغربي, بالتأكيد, التنبؤ بشيء, ووقف شيء. لم يحسن الاعتراف بالقيم, والقضايا التي يحتاجها التبادل الإنساني. لقد ترك على مر العصور عقولا عظيمة تتخبط في تناقضات لا تحل, أو تنهار تحت ضربات الإيديولوجيا التي كانت أقل انهماما بالحقيقي من انشغالها بالاستيلاء على السلطة. الأنقاض كانت هنا أمام أعيننا, مدن م دمرة, إبادات جماعية, اغتصابات, وبعد الحرب, الأمل الذي لا ي قهر عبر التجارة الرأسمالية أو الستالينية, ولكن سبب هذه الآلام كان لا يزال ي حلق فوقهم, ظاهرا بشكل جيد, غمامة سوداء, وهذا أيضا كان يثير الدهشة, وهو ما كان يتطلب أن يكون إلى الأبد, ذكرانا
.
أما فيما يخص فكرة الشعر, فلم يكن أمامها إلا أن تتقوى بشكل طبيعي, في هذه الوضعية التي كان يندمج فيها التفكير مع الاكتشاف, يوما بعد يوم, لما سبب آلام المجتمع. لأن الشعر هو البحث من جديد عن التماس مع ما هو آني في الحياة, وفي العلاقات مع كائنات أخرى ستصبح مطلقة, وهذه التجربة لا يمكن أن تحدث إلا بتخليص الكلمة من الأنظمة المفهومية التي تستبدل هذا الامتلاء الممكن بتمثيلاتها المجردة, وهي لهذا السبب جزئية, أي بمعنى, متناقضة, وتضادية بالقوة, كنتائج للحرب. الشعر ليس عدو الفكر, إنه بالعكس ينتظر من العقل المدهش الذي يملكه الفكر أن ينظم هذا العالم- الذي يمكن أن يكون أجمل إذا رح بنا ولو قليلا باقتراحات الامتلاء الحقيقي. وهو ليس حتى عدو أحلام اليقظة الأكثر طوباوية, لأنه يدرك قيمة الأحلام, عندما لا تخفي طبيعتها. لكنه يمتلك وجهة نظر تتيح له نقد الفكر بطريقة جذرية, لتجرم روح النظام. إن رد فعلي على وضعية ما بعد الحرب, هو تقديري أن الشعر كان هو الواجب الأعظم, الذي كان علي إعطاءه الأولوية, ذكرى, هو أيضا, لا أريد إطلاقا الابتعاد عن
ها.
* وسارتر في هذه الظروف? عندما غادرت السوريالية سجل سارتر تخليك عنها. كيف كان إدراكك للوجودية أو موقفك من التعريف الذي أعطاه سارتر للأدب
?
** طبعا, فكرتي عن الشعر, هي ما يعطي الأفضلية, في الفلسفة, للفكر المسمى وجوديا, أي ذلك الذي يعتبر, مثل الحدس الشعري, أن الحقيقة الوحيدة, هي الكائن الإنساني المنخرط في تناهيه, أي في الصدفة والزمن. وكنت أشعر بانجذاب كبير لمطالبات شاستون التي كانت تنشطني حقا, لم أكن أشعر إلا بالإعجاب بالتناقضات المؤلمة التي عاشها كيرارد, والتي اكتشفتها من خلال الكتاب الكبير لجون وال. لكن هذا هو السبب الذي جعلني لا أحب تماما خطاب سارتر الذي كان ينغلق فيه على نفسه الاختصار المفهومي مع متعة العقل التي لا مثيل لفحشها, خاصة في مثل تلك السنوات.
لا شيء وجودي في مثل هذا الفكر الذي بلا أي قلق, والمتصف بشقاق كلي مع الشعر, وحتى بتوجس ما وضغينة انتشرت طويلا, بتأثير من سارتر في الأوساط المثقفة الأدبية بفرنسا. مع سارتر انبعثت الإيديولوجيا من جديد, الأمر الذي كان يبدو لي بقدر أكبر مضرا لأنه كان يتعلق بالكيان في العالم, من خلال كتابات روائية وفلسفية
.
لكنني لم أكن مستعدا من أجل هذا الالتحاق بم ودة هايدجر, تلك التي ارتبطت بالمرحلة الثانية للفيلسوف. سواء كنت محقا أو مخطئا فقد شعرت أن فينومينولوجيا الشعر هذه كانت تنحو أن تدعم اللغة التي تحملها بعلاقة حميمة مع حقيقة متعالية, يفترض أنها جوهر الشعري. في حين أن الشعر, الذي هو بالتأكيد لغة, لا يأخذ قيمته إلا بجعل الإمكانيات التي تمنحها له اللغة موضع تساؤل. الشعر لا يمكن تمثيله بحقيقة قابلة للصياغة, إنه ليس إلا سكة المحراث التي ت قلب الأرض التي يزرع فيها الفكر بذوره, من أجل حقائق ستبقى متناسبة مع حالات الحياة الاجتماع
rwayda
08-Aug-2008, 10:41 PM
* لقد اكتشفت السوريالية أثناء الحرب, ثم ابتعدت عن أندري بروتون, مع الإبقاء على إعجابك به <<لم أكرهه>> قلت عنه في كتيب حديث. وفي اللحظة التي تشت تت فيها لوحاته وأشياؤه وكتبه التي جمعها في شارع فونتان, كنت من الذين ثاروا. ما هي أهمية السوريالية بالنسبة إليك اليوم?
** بالفعل ارتدت السوريالية خلال بعض السنوات, ثم تركتها لانكرانا... وللإجابة عن سؤالك هناك عدة طرق, إحداها بالتموقع, إذا جاز القول, داخل الكتابة والبحث عن إيجاد طريقها وصوتها أيضا, من خلال الكلمة العادية: وسيتعلق الأمر حينئذ بالتفكير في طاقات ما كان يسميه بروتون الصورة, هذه القطيعة في شبكة ما تدعوه البلاغة: الأشكال (Figures) وهي وسائل الإدراك العقلي (التفهم). أصل إلى القول, أن طاقات الصورة هذه, وهي واقعية- بالإضافة إلى تلك التي حلمت بها السوريالية- أهملت اليوم كثيرا, للأسف الشديد, من إصغاء اللاشعور مثلا, الذي يعتبر ضروريا جدا للشعر.
لكنني أفضل البقاء في المستوى الذي التزمت به, الخاص بعلاقة الشعر بالمجتمع والتاريخ. أشعر شيئا فشيئا أن الديمقراطية مهددة في العالم. وشوهت في القرن العشرين بطرق عديدة وكارثية أيضا, في مجتمعات بعينها, وهذا الشقاء يتواصل, بطرق أجمل لكن هذه المسلمات مهددة اليوم في العلاقات بين الأمم أيضا, وفي اللحظة ذاتها التي يفترض أن تتيح العولمة فيها الحق لمختلف البلدان في أخذ الكلمة, لا من أجل إعطاء قيمة لثقافات متميزة- فهذا النوع من التبادل هو قضية أخرى- ولكن من أجل الآراء التي تملكها حول المشاكل الكبرى والمطالبات التي من حقها أن تؤخذ بعين الاعتبار. والحال أن الشعر, من أجل أن يرتقي إلى امتلاء تجربته, هو المكان الذي تتجلى فيه فكرة الديمقراطية للفكر ( العقل), وتضاء وتصبح إلزامية, لماذا?
لأن عمل الشعر, وقد قلت هذا سابقا, هو أن يجعل أنظمة القراءة التي يضعها الفكر المفهومي نسبية: هذه الأنظمة كما هي تمثل نسيانا للمتفرد, وللتناهي. وفي تمزق الشراع هذا يظهر الحضور الكامل للكائنات الأخرى, وإن يكن في غير مستطاعنا أن نختصرها إلى التمثيلات المجردة السابقة: يجب الاعتراف أن الغير-كما نقول بتشويه- له الحق في الوجود كما هو, وهو كما لو أنه واقف في كرامة وجوده. الشعر يمنحه الحق في وجهه, وفكره, ورغبته الخاصة. وهنا بالذات يكمن أساس النظام الديمقراطي. الشعر هو مباشرة هذا التحديد, وهذا التذكير, وهو على الفور سياسي, لكن فقط بالتجاوز السريع للفضاء البسيط للمدينة, لأن هذا الاعتراف بالآخر, هو بالقدر نفسه اعتراف بالآخر الموجود فينا, في خفايا الأنا الذي ليس هو نفسه إلا تمثيلا مفهوميا. وهكذا تنفتح الطريق أمام <<أنا>> كوني, يشكل العالم الطبيعي وحتى الفضائي أفقه.
الشعر هو تغيير الحياة,و بالقدر نفسه تجديد العلاقات الاجتماعية, يمكن أن لا يستطيع معرفة ذلك, ولكن حتى في الكلمات نفسها التي يستعملها, كلمات اللغة العادية, فهو يواصل على الأقل تكثيف التبادل الإنساني. لهذا السبب, أبديت بعد الحرب, وإن كان بطريقة مازالت غامضة, اهتماما كبيرا بالمشروع السوريالي, وفيما بعد أيضا. بروتون أيضا اعتقد أن الشعر هو الموضع الذي على العلاقة الاجتماعية أن تجدد حيويتها فيه, لتصل ليس فقط إلى عدالة أكبر ولكن إلى قوى الحياة التي توجد حاليا تحت الصاع, لقد عرف كيف يحافظ على موقفه كشاعر في تحليلاته للحدث التاريخي, وقد سبق لي أن كتب ذلك, ولكنني لا أتعب من التذكير به, والدليل على أنه كان محقا هو أنه كان الوحيد من بين من كنا نسمع لهم في هذه الفترة المليئة بالفخاخ, من ندد , في آن واحد, بكل صرامة وبدون أي رغبة في الاستسلام لليأس, بالنظامين التوتاليتاريين الكبيرين لتلك الفترة: وهو فعل شجاع كذلك لأن أخطاء وجرائم الاشتراكية الحاكمة كان مسكوتا عنها لضرورة محاربة النازي
ة.
* سؤال آخر أيضا, عن هذه السنوات, وعن فاليري. في تلك الفترة التي كنت قريبا فيها من أندري بروتون, كنت تتابع أيضا دروس بول فاليري في الكوليج دو فرانس. أكان ذلك من أجل نوع من قوة موازنة للنشاطات السوريالية?
** أقول نعم, وهذه الرغبة لم يكن لها أي علاقة بالاهتمام الذي كان يمكن أن أبديه تجاه قصائد فاليري. بالتأكيد كنت أحب الكثير منها, والتي كانت تستجيب في لانشغالات لم يستطيع الشعر السوريالي أن يخفف من حدتها. حتى وإن كانت بعض أبيات <<المقبرة البحرية>> منظورا إليها عن قرب, لا تملك صرامة الكتابة التي كان مؤلفها يستند إليها, إن هذه القصيدة في مجملها, هي تجل مقدس بليغ الأثر للعالم الطبيعي في واحدة من لحظاته ذات الراهنية الفيزيائية العظيمة, حتى يتحول الفكر إلى شهادة خالصة كما هو موجود. والالتقاء هكذا بالوضوح, هذه الوصية المتروكة من اليونان القديمة والتي احتقرها لاهوتيو الخطيئة والسقوط, كان ذلك مفيدا بالنسبة إلي, على هوامش كتابة سوريالية ح لمية ومشحونة بإفراط بالاستيهامات. من جهة أخرى, إذا كانت شعرية فاليري لا تعجبني قبل هذا بنبرتها التي تؤكد على الفعل, وعلى الموضوع الذي كانت تريد أن تراه في القصيدة, وبتقنية الكتابة, كان هناك أيضا المجذف الرائع ليندهش أكثر مني بهذا الشاعري الذي كان يفسح العنان لحزنه الملغز.
لكن القرابة الكبيرة مع فاليري شعرت بها على صعيد آخر, فإذا كانت السوريالية تصر على التأكيد على الكتابة الآلية, وتدفع من جانب آخر, وهي غالبا على صواب, إلى ردود فعل مباشرة وجماعية بالقدر نفسه على الأحداث التي كانت تقع, فإن ذلك كان في نظري, تجاهلا خطيرا للدور الذي على الكاتب النهوض به. ألم يبق هذا الأخير بالفعل, الشخص المتميز, الذي وهو يعمل ويفكر بهذا الشكل, في مكانه وبكل وسائل تفكيره, قادرا إذا أن ي جمع في وحدة رؤيته تنوع المشاكل التي يطرحها زمنه على الفكر: مما يتيح له أن يضيف إلى ممارسة الكتابة, المفتوحة في الشعر على أعماق يجهلها, عقلا قادرا على أن يرى يمينا ويسارا, بالإحساس بمسؤوليته في هذه المنطقة الزلزالية والمدهشة الخصوبة في الآن نفسه, حيث تنهض المفاهيم, المخصبة بواسطة حركات القصيدة? هذا الكاتب لم يكن بروتون إلا ليكونه, وهو قد أعجب كذلك بفاليري, ولكن فاليري كان كاتبا بطريقة أكثر اختلافا, ولا تشكلا. وإذا كان يبدو أقل شاعرية, غالبا, فإن هذا الحال لم يكن إلا ليذكر بأن التطلع الشعري يلزمه أن ينتصر تقريبا دائما على المقاومات, ولكن هذا الفعل لا يؤتي ثماره إلا إذا كان الحاجز الذي يعترضه واقعيا, وإلا فإنه لن يكون قد انتصر إلا في الحلم. يحتاج شاعر المستقبل أن يجد في ذاته شيئا من فاليري ليبلغ الشعر فعلا. ومع ذلك, فقد جاء اليوم الذي طالبتني فيه إرادتي الخاصة, وهي تنسحب من المواسم الأولى المبهمة, أن أحتج بشدة ضد الاختيارات الوجودية لفاليري
. * لقد جاء اليوم الذي درست فيه أيضا في الكوليج دو فرانس, ولم يكن الكرسي الذي شغلته فقط وببساطة كرسي <<الشعرية>> ولكن <<الدراسات المقارنة للوظيفة الشعرية>>. وتناولت دروسك: بودلير مالارميه, شكسبير, التراجيديا الإغريقية, وحتى دولاكروا أوجياكوميتي, وقد قبلت قبل هذا مهام التدريس مرات عديدة في فرنسا, وخاصة في الخارج, ومما أثار دهشتنا ونحن نرحل في عملك, الأهمية التي يحتلها النقد من حيث الحجم, والذي ينصب على شعراء أو رسامين أو نحاتين أو مهندسين, ما هي الروابط الموجودة عندك بين [الشعر والتدريس أو البحث]?
** إن هذا السؤال يتيح لي العودة إلى نقطة انطلاقنا, نهاية الحرب, إن هذه الفترة كانت حقلا من الأنقاض, أنقاض أيضا في الروح, لكن شيئا ما بقي واقفا, داخل هذا الهباء, وكان مرئيا كذلك, على الأقل لعيني, وتمثل في أعمال بعض الباحثين, وخاصة أولئك الذين لم يكن للإيديولوجيا نفوذ كبير عليهم, بسبب شغفهم بالبحث عن المعنى الأصلي لهذه الشذرة أو تلك من ماضي الإنسانية, وكانوا كثيرين منذ بداية القرن العشرين. أفكر هنا بعلماء إثنولوجيا, وألسنيين, ومؤرخي الأفكار, أو الإبداع الفني, هؤلاء المتبحرون والعلماء كانوا يشتغلون على مادة كانت في الغالب وهم فترة أخرى, وحتى لأشكال من هذه الأكاذيب, ولكن عملهم كان رغبة في الحقيقة, لكن أي حقيقة
ة?
إن تفكيك قراءات سابقة, ع رفت مثقلة بالفرضيات الميتافيزيقية وأحلام يقظة ذات طبيعة روحانية واستخراج الدلالات المنسية أو المرفوضة, أيا كانت هذه الأخيرة. ولاتمام هذا المسعى العقل, العقل البسيط. لقد بقيت هذه الأعمال محترمة بالكامل, عندما استبعدت أنواع أخرى من التفكير في 1944, ومن جانبي رأيتها ومازلت أراها دائما, كما لو أنها قريبة في العمق من الشعر. ألا يتعلق الأمر في الحالتين, بتخليص حضور ما, وحياة ما, من التمثيلات غير الملائمة التي تغلفها.
تبع ذلك وبسرعة أنني رأيت في بعض المؤرخين, والفيلولوجيين, الضفة التي يجب الالتحاق بها. منذ 1945 أدخلني رجل رائع هو لوسيان بيتون إلى مكتبته العظيمة, وأوضح لي جون وال, في كتبه, أن تاريخ الفلسفة يستطيع تأمل الانحرافات, وفي 1950 رحب بي أندري شاستل في حلقته الدراسية التي فتحها في المدرسة العليا. ولم أملك إلا أن أتورط في فخ عدد من أحلام اليقظة, بدأت في قراءة بعض المؤلفين الذين در س بعضهم في هذه المدرسة التطبيقية, أو في الكوليج دو فرانس. هكذا استعدت إيماني (ثقتي) إذا أمكن قول ذلك.
لكن لم أعتبر نفسي أبدا باحثا, ولحساب الشعر كان بحثي عن هذه الضفة. في البداية, ومثل الكثير, أحسست أن فهم ما هو الشعر, وتقرير ما يريده, وكيف يكتشف ذلك, هو المطلب الضروري لحداثة لا يكون فيها مكان للإيمانات والعقائد, لربط الشعر بتصوراتها للتعالي: ذلك على الأقل بالنسبة للبعض, الذين كنت واحد منهم, لكن فهم كيفية البحث عن القيام بذلك? ألا يجب الاحتراز من ميلنا للنظرية, التي يمكن للحلم أن يغزوها, ولإمكانياتنا المحدودة في الفهم أن تهدد بكل بساطة الشعر, وأن تبقيه مورطا في نزوات المرحلة? نعم, ولكن من دواعي السرور أن الشعر ينتمي لكل الأزمنة. وكإصلاح للمفهوم, ولد الشعر مثله من نفس واحد, أي في فجر اللغة, وولدت معه في الحال وظيفته الراهنة, وإن كان في سياق آخر, والحل, بالنسبة لمن يريد أن يسائل بطريقة سليمة هو كما يلي: لكي نتعمق أو بكل بساطة نتحقق من الفكرة التي نخاطر بطرحها: فلنطلب من شعراء ومفكري الأحقاب السابقة ما أدركوه وعاشوه من الشعر, واستطاعوا قوله, وفي هذه النقطة بالتأكيد تتجلى أهمية المساءلة العالمة لقضية الشعر. فمن يريد الخوض في فرحيل أودانتي أو شكسبير, ليجد فيهم ما يدل على معنى ما, يلزمه, وهذا ضروري أن يفهم قبل أي شيء كيف أن ما أرادوا قوله تمنع, وتخفى, وحرف في لغة بلدانهم ومرجعيات لحظتهم التاريخية, يجب بمعنى آخر اللجوء إلى أعمال مختلف الباحثين: مؤرخي الكلمات, مؤرخي الأفكار والديانات, مؤرخي الفن, وبدون توسط هذه المعرفة لا يمكن تحقيق شيء جاد. وإذا افتقد هذا, فإن كل ما ليس إلا سرابنا, سيبدو بديهة. بإيجاز, لكي نفكر في الشعر, وفيما يمكن أن يكون له من راهنية وفظاظة وحتى وحشية يجب الإنصات جيدا لما يقوله الناشر الحذر والمتواضع لنص <<الرعويات>> يجب استشارة القواميس العويصة للغة الإليزابيتية
.
أي كارثة هو الموضع المشترك, الذي نشأ عند شعراء مزيفين على هامش الرومانسية, ووفقا له فإن ارتياد المدرسة أو التعمق في المعرفة ي ضر بالشعر, الذي يلزمه أن يحافظ على تلقائيته, وقوته الانبثاقية, هذه الحرية المزعومة ليست إلا استسلاما بأيد وأرجل مقيدة, لأفكار تبسيطية لم نعد نعرف كيف نطردها من حكمنا القبلي, واستسلاما لشائعات لم نعد نعرف كيف ننقدها, إنه فراغ في الرأس ينذر الثورة الأساسية العظيمة لأن لا تكون إلا سلسلة من ثورات فلاحين, من أجل السعادة الكبيرة لأعداء الشعر, الموجودين بكثرة وفي كل مكان. الشعراء الكبار هم في الوقت نفسه كل العنف الداخلي وكل الصبر من أجل الفهم, يعرفون فخ الأمية, وأنه لا يكتسح فقط الضواح
rwayda
08-Aug-2008, 10:42 PM
جاك دريدا في حوار أخير: إنني في حرب على نفسي
ترجمة: محمد ميلاد
توقفت رحلة جاك دريدا التي بدأها بالقرب من الجزائر العاصمة سنة 1930، يوم السبت صباحا ٩ أكتوبر 2004 في باريس على إثر مرض عضال. وبموته لم تفقد الثقافة الفرنسية الفيلسوف المقروء أكثر منه في العالم والمثير للجدل فحسب بل أحد آخر شهود جيل كامل أثر بصورة عميقة في المشهد الثقافي الذي يضمّ أسماء كبرى مثل فوكو ودولوز وبورديو.
درّس دريدا بصورة اساسية في السوربون وفي دار المعلمين العليا وفي معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS)، باريس. وقد نشر على وجه الخصوص في الغراماتولوجيا (علم الكتابة) مينوي، 1967، (Schibboleth) ، من اجل بول سيلان (غاليليه، 1986)، أطياف ماركس (غاليليه، 1993). يمكن وصف كل مساره الفكري بأنه حوار بلا نهاية وبلا تنازل مع الميتافيزيقا الغربية، وبأنه »تفسير« لا يعرف الملل في تعاطيه مع ذلك التقليد الفلسفي الذي ما انفك يسائل تصوّراته. جنّد الطاقة التدميرية للأدب والفنون التشكيلية والتحليل النفساني فظل اسمه مرتبطا بثورة فكرية تسمّى »التفكيك«. صدرت اعماله الحديثة عن منشورات غاليليه: دراستان تتأملان في ما بعد الحادي عشر من سبتمبر: المارقون (voyous) و»مفهوم« الحادي عشر من سبتمبر (مع ي. هابرماس) ومجموعته الرشيقة التي تضم نصوصا توديعية للأصدقاء الراحلين (لفيناس، بلا نشو...)، وعنوانها: »فريدة هي في كل مرة، نهاية العالم«، وكذلك الجزء الذي يشكّل مقدمة كتابه »الحُملان- حوار لا ينقطع: بين لا نهايتين- القصيد«: Beliers. Le Dialogue initerrompu: entre deux infinis le poeme
وهو مخصص لموت أشخاص محبوبين ولما يسميه دريدا بـ» كوجيتو الوداع، تلك التحية التي لا رجعة بعدها«.
rwayda
08-Aug-2008, 10:43 PM
- لم يسبق أن كان حضورك بمثل هذا الوضوح منذ صائفة العام 2003. فأنت لم تصدر العديد من الأعمال الجديدة فحسب بل إنك جُلت عبر العالم كي تشارك في الندوات العالمية المنظَّمة حول أعمالك- من لندن الى كوامبرا Coimbra مرورا بباريس كما انك تسافر هذه الأيام الى ريو دي جانيرو. كما خُصص لك فيلم ثانٍ (دريدا، من اخراج آمي كوفمان وكيربي ديك، بعد الفيلم الأول الرائع: مع العلم أن دريدا D`ailleurs Derrida الذي أنجزته صفا فتحي سنة 2000). وخُصصت لك الكثير من الأعداد من بعض المجلات مثل ماغزين ليترير وأوروبا على وجه الخصوص كما أفردت لك كراسات هيرن Cahiers de l`Herne جزءا من أجزائها وكان غنيا بوجه خاص من حيث النصوص غير المنشورة التي ستصدر في الخريف. النشاط غزير في سنة واحدة، ومع ذلك فلا سرّ لديك، إنك...
٭ لتبُح بالأمر، إنني مصاب بمرض على جانب من الخطورة، تلك حقيقة وإنني أخضع لوسائل علاجية رهيبة. لكن لنترك ذلك جانبا، إذا شئت، فلسنا هنا من أجل تقرير صحي- عامّ او سرّي...
- فليَكُنْ. لكن لنعد في مدخل هذا الحوار الى أطياف ماركس Spectres de Marx (غاليليه، 1993). وهو عمل حاسم وكتابٌ يوقع مرحلة معينة، مخصص بأكمله لمسألة تتعلق بالعدالة في المستقبل ويُسْتسهَلّ بهذه الفاتحة المُلْغَزة:
»أحدُهُم أي أنت أو أنا يتقدم ليقول: اريد أن أتعلم فن العيش أخيرا«. بعد أكثر من عشر سنوات أين وصلت اليوم بشأن هذه الرغبة في »فن العيش«؟
٭ الأمر يتعلق على وجه الخصوص بـ»أممية جديدة« وهو عنوان فرعي وفكرة محورية للكتاب. ومن وراء »المواطنية العالمية« cosmopolitisme ومن وراء »مواطن العالم« والدولة القومية العالمية الجديدة، يستبق هذا الكتاب كل الضرورات العاجلة »ذات النزعة العالمية المغايرة« قد يفرض علينا كما كنت أقول سنة 1993 عددا كبيرا من التحولات في القانون الدولي وفي المنظمات التي تسيّر نظام العالم (صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة الثماني، إلخ. ومنظمة الامم المتحدة بالخصوص التي لابد من تغيير ميثاقها في الأقل وتكوينها ومكان اقامتها أولا- أي أبعد ما يكون هذا المكان عن نيويورك...)
أما بخصوص القاعدة التي ذكرتها »تعلّم فنّ العيش في الأخير« فقد خطرتْ لي بعد أن أنهيت الكتاب. وهي تلعب أولا، لكن بجدّ بمعناها المشترك. فتعلُمُ فن العيش يعني النضج والتربية أيضا. ومخاطبةُ أحد الناس لتقول له: »سأعلّمك فن العيش« أحيانا بلهجة متوعّدة يعني انك تقول له سأكوّنك، بل أروّضك، ثم إن اللُّبس في هذا اللعب يهمني أكثر، هذا التأوه ينفتح أيضا على مساءلة أكثر صعوبة وهي: هل ان العيش من الأشياء التي يمكن تعلمها؟ وتدريسها؟ هل من الممكن أن نتعلم بواسطة الاختصاص discipline أم عن طريق التدرّب، عن طريق التجربة أم التجريب، كيف نَقْبل بالحياة بل كيف نؤكدها؟ ينعكس عبر الكتاب بأسره صدى هذا الانشغال بالموروث وبالموت. وهو انشغال يؤرق كذلك الأولياء وأطفالهم: متى ستصبح مسؤولا؟ كيف ستجيب في النهاية عن أمر يهم حياتك ويهم اسمك؟
وفيما يخصني- للاجابة دون مواربات على سؤالك- فإنني لم أتعلم أبدا فن العيش.؟ الأمر غير مطروح البتة! فتعلُّم فن العيش يفترض ضمنيا تعلّم الموت وأن يُدمج المرء في حسابه لقبول ذلك، حالة الموت المطلق (دون نجاة ودون بعث ودون خلاص [على يد المسيح]- ولا يصح الأمر بالنسبة الى الذات بل بالنسبة الى الآخر كذلك. ومنذ افلاطون لا يزال الأمر الفلسفي القديم قائما: حقيقة التفلسف تعني أن نتعلم كيف نموت.
إنني أعتقد بهذه الحقيقة دون الخضوع لها، وبصورة متناقضة. لم اتعلم القبول بالموت، كلنا أحياء مع تأجيل الموت (وينطبق التأكيد من وجهة النظر الجيوسياسية لكتاب أطياف ماركس- في عالم لا متكافئ أكثر من أي وقت مضى- على مليارات الأحياء، سواء أكانوا من البشر أم لم يكونوا، وقد مُنع عنهم- بالإضافة الى »حقوق الانسان« الأساسية التي ترجع الى قرنين من الزمن والتي تغتني بلا انقطاع - حقّهُم أولا في حياة جديرة بأن تُعاش). لكنني أظل غير قابل للتربية بالنسبة الى الحكمة المتعلقة بتعلم الموت. لم أتعلّم بعد ولم أكتسب أي شيء بهذا الصدد. وزمن وقت التنفيذ يضيق بشكل متسارع. ولا يعود ذلك الى مجرد كوني وريثا مع آخرين لعديد الأشياء الحسنة أو الرهيبة: ففي كثير من الاحيان، بحكم ان معظم المفكرين الذين أجد نفسي مُلحقا بهم قد ماتوا، يتم التعاطي معي بوصفي الباقي على قيد الحياة survivant : أي الممثل الأخير لـ»جيل« هو جيل الستينيات اجمالا؛ وهو أمر وإن لم يكن صحيحا تماما، فهو لا يوحي إليّ باعتراضات فقط بل بمشاعر تمرّد ممزوج بشيء من الكآبة. وبما ان بعض المشاكل الصحية علاوة على ذلك اصبحت ملحة، فإن مسألة البقاء او التأجيل التي سكنتني تماما على الدوام، في كل لحظة من لحظات حياتي، بصورة ملموسة ودون كلل، تتلوّن اليوم بلون آخر.
لقد اهتممت دائما بهذه المبحثية thematique الخاصة بالبقاء الذي لا ينضاف معناه لفعل العيش او فعل الموت. فالبقاء شيء أصلي: والحياة تعني البقاء. إن البقاء بالمعنى الشائع يعني مواصلة الحياة لكن كذلك الحياة بعد الموت. وبصدد الترجمة يشدّد فولتر بنجامين على التمييز بين البقاء بعد الموت من جهة uberleben مثلما يمكن لكتاب ان يعيش بعد موت مؤلفه او طفل ان يواصل الحياة بعد موت الوالدين وبين مواصلة الحياة من جهة أخرى fortleben living on . كل التصورات التي ساعدتني على العمل ولا سيما تصور الأثر او تصور الطيفي spectral كانت مرتبطة بـ»البقاء« بوصفه بعدا بنائيا. فهذا البعد لا ينحدر من فعل العيش أو فعل الموت. وهو لا يعدو أن يكون »المأتم الأصلي« وهذا الأخير لا ينتظر الموت الذي يعتبر »فعليا«.
- قد استعملت كلمة »جيل« وهو مفهوم دقيق الاستخدام، يتكرر في كتاباتك فكيف يتم تحديد ما ينتقل من جيل الى جيل بالنسبة إليك؟
٭ انني استخدم هنا هذه الكلمة بصورة فضفاضة تقريبا. يستطيع المرء ان يكون معاصرا و»خارج التاريخ« بالنسبة الى جيل سابق او جيل قادم. وحقيقة ان يكون المرء وفيّا للذين ينتسبون الى »جيلي« وأن أنصّب نفسي حارسا لتراث متمايز لكنه مشترك ذلك يعني شيئين: أولا التمسك بوجه الاحتمال- ازاء كل شيء وازاء الجميع- بمقتضيات متفق عليها بدءاً بلاكان الى ألتوسير ومرورا بلفيناس وفوكو وبارط وديلوز وبلانشو وليوتار وسارا كوفمان... الخ.!
دون ذكر العديد من المفكرين الكتّاب والشعراء والفلاسفة أو المحللين النفسيين الاحياء لحسن الحظ الذين كنت و ريثهم ايضا، وآخرين بلا ريب من الخارج وهم أكثر عدداً وأحياناً أكثر قرابة.
إنني أشير هنا من خلال الكناية metonymie الى جبلّة ethos للكتابة والتفكير، عنيدة بل غير قابلة للفساد incorruptible (تلقبنا هيلين سيكسو Helene Sixous بـ»غير القابلين للفساد«)، ودون تنازل بالنسبة الى الفلسفة، وهي لا تستسلم لعملية التخويف مما قد يفرضه علينا الرأي العام ووسائل الاتصال أو الاستيهام الخاص بجمهور القراء ذي التأثير المُرهب، من تبسيط وكبت. وذلك ممّا يفسّر الميل الصارم للتجويد raffinement والمفارقة والصعوبة المنطقية [للجمع بين رأيين متعارضين aporie ].
هذا التفضيل يبقى كذلك ضرورة. وهو لا يجمع فقط الاسماء التي ذكرتها بصورة اعتباطية تقريبا أي بصورة غير عادلة بل كذلك الوسط الذي كان يدعمهم. كان الامر يتعلق بنوع من العهد الذي قد انقضى وقتياً وليس بهذا الشخص او ذاك وحسب. فلابد من انقاذ ذلك او احيائه من جديد بأي ثمن. وهذه المسؤولية اليوم مسؤولية عاجلة وهي تستدعي حربا لا تلين على الرأي الجامد Doxa وعلى الذين اصبحنا نسميهم بالـ»مثقفين الاعلاميين« وعلى الخطاب العام الذي تحدد شكله السلطات الاعلامية المحتكرة بدورها بين أيدي مجموعات اللوبي السياسي- الاقصادي التي تهيمن في الغالب على قطاع النشر وعلى المجال الاكاديمي كذلك؛ في الاوساط الاوروبية والعالمية دائما بطبيعة الحال. المقاومة لا تعني وجوب تحاشي وسائل الاعلام. بل يجب، عندما تتوفر الامكانية، تطوير هذه الوسائل ومساعدتها على التنوع وتوظيفها من اجل تلك المسؤولية.
وفي الوقت نفسه، لا يجب أن ننسى أن في ذلك العهد »السعيد« لا شيء حقا قد كان يخدم المصالحة. كانت الاختلافات والخلافات على اشدها في ذلك الوسط الذي يمكن نعته بأي شيء ما عدا أن يكون متجانسا مثل ما قد يمكن جمعه على سبيل المثال تحت تسمية بلهاء من نوع »فكر٨٦« الذي غالبا ما يهيمن اليوم الشعار mot d`odre الخاص به وعنصر التهمة chef d`accusation على الصحافة وعلى الجامعة. غير ان هذا الوفاء- وان اتخذ احيانا شكل الخيانة والانزياح، لابد من الوفاء لتلك الاختلافات، أي مواصلة المناقشة. إنني فيما يخصني أواصل المناقشة- على سبيل المثال مع بورديو، لا كان، ديلوز، فوكو الذين يهمونني دائما اكثر بكثير من أولئك الذين تتهافت الصحافة عليهم اليوم (مع بعض الاستثناءات بطبيعة الحال)،. إنني أحافظ على هذا السجال حيا لكي لا يصبح مسطحا او ينحدر الى الاساليب التحقيرية.
ما قلته عن جيلي صالح بطبيعة الحال بالنسبة الى الماضي من التوراة الى افلاطون وكنط وماركس وفرويد وهيدغر، إلخ. لا أريد أن اتخلى عن أي شيء، لا يمكنني ذلك. أنتَ تعلم ان تعلّم فن العيش مسألة نرجسية دائما: نريد أن نعيش ما استطعنا سبيلا، نريد أن ننجو وأن نثابر وأن ننميّ كل تلك الأشياء التي- وان اصبحت في غاية الضخامة والقوة بالنسبة الى الذات- فهي تنتمي مع ذلك الى هذه »الأنا« الصغيرة، وهي أشياء تطغى على هذه الاخيرة من كل جانب.
عندما يًطلب مني التخلي عما ساهم في تكويني وعما أحببت الى حدّ بعيد فكأنما يُطلب مني أن أموت، في ذلك الوفاء ثمة نوع من غريزة الحفاظ على الوجود instint de conservation . إن التخلي مثلا عن صعوبة في الصياغة ، عن طيّة، عن مفارقة، عن تناقض اضافي لأن ذلك لم يُفهم بل لأن هذا الصحفي الذي لا يحسن قراءة هذا التناقض- بل انه لا يحسن قراءة عنوان الكتاب نفسه- يعتقد بأن القارئ أو المستمع لن يفهم أكثر وبأن النسبة المتابعة [في وسائل الاعلام] او مورد رزقه سيتأثران- كل ذلك يمثل بالنسبة لي بذاءة غير مقبولة. كأنما يُطلب مني أن أنحني وأن أخضع للاستعباد- او ان أموت لفرط البلاهة.
rwayda
08-Aug-2008, 10:44 PM
قد ابتكرت شكلا وكتابة من أجل البقاء survivance تطابق ذلك التلهف على الوفاء. وهي كتابة الوعد الموروث والأثر الباقي trace sauvegardee والمسؤولية المفوّضة للآخر.
٭ لو كنت ابتكر كتابتي لجعلت من ذلك ثورة دائمة. في كل وضعية، يجب خلق صيغة عرض ملائمة واكتشاف الحدَث المتفرد واقامة وزن للمتلقي المتوقَّع او المرغوب فيه؛ كما يجب الادعاء في نفس الوقت بأن هذه الكتابة ستحدّد القارئ الذي سيتعلم قراءة ذلك (وبالتالي سيتعلم »العيش«)، وهي كتابة لا عهد له بها من جهة أخرى. ويُؤمل أن يولد القارئ مجدداً وفق تحديد مغاير: وكمثال على ذلك، تلك التطعيمات التي لا لبس فيها للشعري poetique على الفلسفي أو بعض الأساليب لاستخدام الجناس homonymies وما لا يُبثُ في أمره وحيل اللغة- أي تلك التطعيمات التي يقرأها معظم الناس ملتبسة لكي يتبيّنوا الضرورة المنطقية بمعناها الدقيق.
كل كتاب هو تربية [بيداغوجيا] موجهّة لتكوين القارئ. فالنتاجات الجماهيرية التي تجتاح الصحافة والنشر لا تكوّن القراء بل هي تفترض بصورة استيهامية قارئا مبرمجا مسبّقا، حتى انتهى بها الأمر الى تشكيل هذا المتلقي المتواضع الذي طرحته مسبّقا كمسلّمة. والحال ان انشغالي بالوفاء، مثلما تقول، في وقت يستلزم مني أن اترك أثرا ما، يجعلني لا أستطيع إلا أن أهيئ هذا الأثر لأي كان؛ بل انني لا أستطيع أن أوجهّه الى أحد ما بشكل خاص.
في كل مرة مهما بلغت درجة وفائنا، نكون بصدد خيانة خصوصية الآخر الذي نتوجه اليه. وبالأحرى، عندما نؤلف كتبا ذات طابع عمومي جدا: لأننا لا نعرف القارئ الذي نتوجه اليه فإننا نبتكر ونختلق أطيافا، لكن ذلك ليس من ممتلكاتنا. تبتعد عنا كل تلك الاشارات سواءٌ أكانت شفهية أو مكتوبة وتشرع في التحرك بصورة مستقلة عنّا، مثلما هو شأن المَكَنات، وفي أحسن الحالات مثل الّدمى- إني أبيّن ذلك بشكل افضل في كتابي ورق المكنة Papier machine (غاليليه، 2001)، عندما أسمح (بنشر) كتابـ»ي« (ولا أحد يجبرني على ذلك) فانني أصبح (الظاهر والمختفي) مثل ذلك الطيف المتعذر تأديبه الذي لم يكن قد تعلّم فن العيش مُطلقا. إن الأثر الذي أتركه يعني بالنسبة لي موتي الذي سيأتي أو موتي الذي قد حدث وأملي في أن يبقى بعدي. وليس الأمر توقا للخلود بل ان المسألة بنائية. أترك في مكان ما قصاصة ورق ثم أمضي وأموت: من المستحيل أن اغادر هذه البنية فهي شكل حياتي الدائم. كلما تركت شيئا ما يمضي، فانني أعيش موتي في الكتابة. المحنة القصوى: هي أن نخسر ما نمتلك دون أن نعرف بدقة الشخص الذي يُعهد إليه بالشيء الذي نتركه. من سيرث وكيف؟ هل سيكون ثمة ورثة؟ هذا سؤال يمكن أن نطرحه اليوم على أنفسنا أكثر من أي وقت مضى. وهو يشغلني باستمرار.
زمن ثقافتنا القائمة على التقنية techno-culture قد تغيّر جذريا في هذا الصدد. قد تعوّد المنتسبون الى »جيلي« وبالاحرى الى الاجيال السابقة على ايقاع تاريخي معيّن: فكان يسود اعتقاد بأن هذا العمل او ذاك يمكن أن يبقى او ألاّ يبقى حيّا، تبعا لمزاياه مدة سنة او سنتين بل مثل أفلاطون مدة خمسة وعشرين قرنا. غير أن تسارع ضروب الأرشفة اليوم بل تسارع التلف والإبادة كذلك أشياء تغيّر بنية الموروث وزمنيته. أما بالنسبة الى الفكر فإن مسألة البقاء ستتخذ أشكالا غير متوقعة بالمرة.
في عمري هذا، أنا مستعد لأكثر الفرضيات تناقضا بهذا الشأن: وإني أحس في نفس الوقت، وأرجو أن تصد\قني، بشعوريْن، فمن جهة سأقول معبرا عن ذلك مبتسما وبلا احتشام، إن الناس في الواقع لم يشرعوا في قراءتي وإن الأمر سيحظى بالظهور فيما بعد، عندما يتوفر حقاً الكثير من القراء الممتازين (ربما بضعة عشرات من العالم)؛ ومن جهة أخرى فلا شيء سيبقى على الاطلاق بعد خمسة عشر يوما أو بعد شهر على موتي، سوى ما يحفظه الايداع القانوني في المكتبة. أؤكد لك انني أؤمن بصدق وفي الوقت نفسه بهاتين الفرضيتين.
- في صلب ما تؤمله، توجد اللغة واللغة الفرنسية أولا. وعندما نقرؤك ، نحس في كل سطر بشدة شغفك بها. وفي كتابك أحادية لغة الآخر Le Monolinguisme de l`autre (غاليليه، 1996)، ستذهب الى حدّ تقديم نفسك بتهكم بوصفك »آخر المدافعين عن اللغة الفرنسية والمعبّرين عنها«..
٭ وهي ليست ملكي رغم انها الوحيدة التي »أجدها« تحت تصرفي (ومع التحفظ أيضا!). تجربة اللغة ترتبط بالحياة بطبيعة الحال، وهي ترتبط بالموت إذن. ولا طرافة في ذلك. وقد جعلتْ مني الطوارئ يهوديا من يهود فرنسا في الجزائر المنتسبين الى الجيل المولود قبل »حرب التحرير«: وهذه كلها خصوصيات، ضمن اليهود بالذات وضمن يهود الجزائر أنفسهم. كما ساهمتُ في تحوّل عجيب لليهودية الفرنسية في الجزائر: فقد ظلّ والدو أجدادي قريبين جدا من العرب بواسطة اللغة والعادات... إلخ.
بعد صدور مرسوم كريميو decret Cremieux (1879) في نهاية القرن التاسع عشر، تَبَرجَز الجيل الموالي: فقد ربّتْ جدتي بناتها كما كانت تُربي البرجوازيات الباريسيات (حسب أفضل الاساليب المتبعة في الدائرة السادسة عشرة، وبتلقي دروس في البيانو...) رغم انها تزوجت سرا تقريبا في الساحة الخلفية لعُمديّة في الجزائر العاصمة بسبب حركة استئصال اليهود pogroms (في غمرة قضية دريفوس). ثم أتى جيل والديّ: وهو يتكون من القليل من المثقفين، ومن التجار بالأخص، سواء أكانوا من المتواضعين أم لم يكونوا، من بينهم أولئك الذين كانوا يستغلّون الوضعية الاستعمارية ليقوموا بالتمثيل الحصري للعلامات التجارية الكبرى في العاصمة: فبتهيئة مكتب صغير ذي عشرة امتار مربّعة، دون سكرتير، يمكن تمثيل كل »صابون مرسيليا« في افريقيا الشمالية- وإني هنا أبسّط الأمر قليلا.
ثم أتى جيلي (ومعظمه يتكوّن من المثقفين المنتسبين الى المهن الحرة والتعليم والطب والقانون... إلخ). وتحوّل كل هؤلاء تقريبا الى فرنسا سنة 1962. أما أنا فقد انتقلت إليها قبل ذلك أي سنة (1949). وفي عهدي أنا كانت قد بدأتْ- وفي كلامي شيء من المبالغة- الزيجات »المختلطة«، بصورة شبه مأساوية وثورية ونادرة وغير معلومة العواقب. ومثلما أحب الحياة وأحب حياتي فإني أحب ما قد شكّلني والذي تمثل اللغة مجاله الحيوي نفسه، تلك اللغة الوحيدة التي علّموني كيف أُعنى بها وهي أيضا الوحيدة التي يمكنني أن أقول إنني مسؤول عنها تقريبا.
لهذا توجد في كتابتي طريقة في تناول هذه اللغة لن أقول إنها شاذة بل هي عنيفة شيئا ما. فالحب عموما يمر عبر حب اللغة وهو ليس قوميَّ النزعة ولا محافظا، لكنه يقتضي البراهين، ويقتضي التجارب. لا نصنع أي شيء باللغة فهي موجودة قبلنا وتبقى بعدنا. إذا ألحقنا باللغة شيئا، علينا أن نفعل ذلك بطريقة مُرهفة محترمين في اللااحترام قانونها الخفيّ. ذلك هو الوفاء غير الوفيّ: فعندما أغصبُ اللغة الفرنسية على شيء إنما اصنع ذلك باحترام، مُرهفٍ لما أعتقد أنه من أوامر هذه اللغة في حياتها وفي تطورها. إنني لا أقرأ دون أن أبتسم وأحيانا باحتقار أولئك الذين يعتقدون بأنهم يغتصبون دون حب في الحقيقة رسم الكلمات او النحو »الكلاسيكييْن« لفرنسية معينة، بهيئة صبيان لا يتجاوزون القذف السريع puceaxa ejaculation precoce ، بينما تشاهدهم اللغة الفرنسية العظيمة يفعلون ذلك وهي بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى، ثم تنتظر من سيأتيها. إنني أصف هذا المشهد المثير للسخرية بصورة قاسية نوعا ما في كتابي البطاقة البريدية La Carte postale (فلامريون، 198http://www.midouza.net/vb/images/smilies/icon_cool.gif.
إن ترك آثار في تاريخ اللغة الفرنسية هو الذي يهمني. فأنا أحيا بهذا الشغف، إن لم يكن من أجل فرنسا فهو على الأقل من أجل شيء ما قد انصهر فيها منذ قرون. وأرى أنني اذا كنت أحب هذه اللغة مثلما أحب حياتي وأحيانا أكثر مما يحبها هذا الشخص أو ذاك من اصل فرنسي، فإنني أحبها كأجنبي قد تمت استضافته وقد تَمَلَّك هذه اللغة بوصفها اللغة الوحيدة الممكنة بالنسبة إليه. فهي شغف ومجال للتنافس الدائم.
كل فرنسيي الجزائر يقاسمونني ذلك، سواءٌ أكانوا يهودا أم لم يكونوا. وكان القادمون من عاصمة الدولة الاستعمارية غرباء مع ذلك: بوصفهم مضطهدين ومعياريين ومناصرين للتسوية ودعاة للأخلاق. كان ذلك يشكل ثوبا خارجيا ومظهرا للتطبع habitus وكان يجب الخضوع. عندما كان يحل أستاذ من عاصمة الدولة الاستعمارية بنبرته الفرنسية، كان يُعتبر مدعاة للسخرية! من هنا تأتي روح التنافس الدائم: فليس لي سوى لغة واحدة، وفي نفس الوقت فإنني لا أمتلك هذه اللغة. وقد هيَّجتْ حكاية متفردة هذا القانون الكوني في داخلي: فاللغة لا تُمتلك، بصورة طبيعية وجوهرية. ويفسّر ذلك استيهامات الملكية ونزعة التملّك والفرض الاستعماري.
- غالبا ما تجد صعوبة في أن تقول »نحن«- »نحن الفلاسفة«، أو »نحن اليهود« على سبيل المثال. لكن بقدر ما تنتشر الفوضى العالمية الجديدة، يقلّ تحفّظك شيئا فشيئا للقول: »نحن الأوروبيون«. وقد سبق وأن قدّمت نفسك في كتابك الرأس الآخر L`Autre Cap (غاليليه، 1991) الذي ألفته في أثناء حرب الخليج الأولى بوصفك »أوروبيا، قديما« أو »صنفا من الخلاسيين الاوروبيين«.
٭ سأذكّر بشيئين: أولا إنني أجد صعوبة بالفعل في أن أقول »نحن«، لكن يعرضُ لي قولُ ذلك. ورغم كل المسائل التي تعذّبني في هذا الشأن بدءاً بالسياسة الكارثية التي تمارسها اسرائيل- وتمارسها صهيونية معينة (ذلك أن اسرائيل لا تمثل في نظري الديانة اليهودية بقدر ما تمثل الشتات اليهودي diaspora وهي لا تمثل الصهيونية العالمية أو الاصلية التي كانت متعددة ومتناقضة، فثمة من جهة أخرى كذلك سلفيون مسيحيون يزعمون أنهم صهاينة أصليون في الولايات المتحدة الأمريكية. وقوة مجموعاتهم اللوبية مؤثرة أكثر من التجمع communaute اليهودي الأمريكي دون الحديث عن التجمع السعودي حسب التوجه المشترك للسياسة الأمريكية- الاسرائيلية)- واذن رغم ذلك كله ورغم العديد من المشكلات الأخرى التي لديّ مع »يهوديتي« فإنني لن أنكرها مطلقا.
rwayda
08-Aug-2008, 10:44 PM
سأقول دائما، في وضعيات معينة »نحن اليهود«. هذه الـ»نحن« المؤرقة الى حدّ بعيد موجودة في صميم ما يشغلني أكثر من سواه في فكري أي فكر من سميته بشبه ابتسامة »آخر اليهود«. وقد تكون الصفة اليهودية في فكري ما يقوله ارسطو بعمق عن الصلاة (eukhe): إنها ليست بالصحيحة ولا الزائفة، وهي من جهة أخرى صلاة بالتمام. فلن أتردد إذن في وضعيات معينة في قول »نحن اليهود« وكذلك »نحن الفرنسيون«.
ثم إنني منذ بداية عملي، أي عملي المتعلق بـ»التفكيك« بالأخص ظللت محافظا الى أبعد حد على حسّي النقدي بالنسبة الى المركزية الأوروبية، من حيث حداثة صياغاتها عند فاليري وهوسرل او هيدغر على سبيل المثال. فالتفكيك عموما هو مشروع اعتبره الكثير- عن صواب- بمثابة ريبة بخصوص كل شكل من اشكال المركزية الاوروبية. وعندما يحدث اليوم أن أقول »نحن الأوروبيون«، يكون الأمر ظرفيا ومختلفا جدا. فكل ما هو قابل للتفكيك في التقليد الاوروبي لا يمنع في الحقيقة بسبب ما حدث في أوروبا وبسبب الأنوار وبسبب انحسار تلك القارة الصغيرة وجسامة مسؤوليتها التي سترعد ثقافتها (الكليانية والنازية والمجازر الجماعية وإبادة اليهود والاستعمار وإزالة الاستعمار... إلخ)، [لا يمنع] اليوم أوروبا وهي أوروبا جديدة لكن بنفس الذاكرة- في الوضعية الجيوسياسية التي هي وضعيتنا- من امكانية ان تتوحد (وتلك رغبتي على اية حال) في آن واحد ضد سياسة الهيمنة الامريكية (تقرير فولفويتز، تشيني، رامسفيلد... الخ). وضد ثيوقراطية عربية- اسلامية دون (أنوار) ودون مستقبل سياسي (لكن علينا ألاّ نهمل التناقضات والتباينات بين هاتين المجموعتين ولنتحالفْ مع أولئك الذين يقاومون في الداخل هاتين الكتلتين). تجد أوروبا نفسها خاضعة لأمر الاضطلاع بمسؤولية جديدة. إنني لا أتحدث عن المجموعة الأوروبية مثلما هي موجودة أو تتشكل ملامحها من خلال أغلبيتها الحالية (ليبرالية جديدة) وتتهددها افتراضيا الكثير من الحروب الداخلية، بل إنني أتحدث عن أوروبا مستقبلية وهي بصدد البحث عن نفسها؛ في أوروبا (»الجغرافية«) وخارجها. وما يُسمى - جبريا - algebriquement بـ»أوروبا« كيانٌ لديه مسؤوليات عليه أن يضطلع بها من أجل مستقبل الانسانية ومن أجل مستقبل القانون الدولي- هذا هو إيماني وهذا هو اعتقادي. وهنا لن اتردد في القول »نحن الاوروبيون«. لا يتعلق الأمر بأن نتمنى لأوروبا أن تتشكل كقوة عسكرية عظمى - أخرى وأن توازن الكتل الأخرى بل نريد لها أن تأتي لتبذر بذرة سياسة عالمية أخرى. وهي بالنسبة لي الخلاص الوحيد الممكن.
إن هذه القوة على الطريق. وإن كانت دوافعها لا تزال ملتبسة. وأعتقد أن لا شيء سيوقفها اطلاقا. عندما أقول: اوروبا، فإني أعني ما يلي: أوروبا ذات نزعة عالمية مغايرة altermendialiste تغيّر مفهوم السيادة والقانون الدولي والتطبيقات الخاصة بهما. وتكون مجهّزة بقوة عسكرية حقيقية، مستقلة عن منظمة حلف شمال الاطلسي وعن الولايات المتحدة الامريكية أي بقوة عسكرية لا هجومية ولا دفاعية ولا استباقية تتدخل دون تأخير لتطبيق قرارات تصبح محترمة في النهاية من قبل منظمة جديدة للامم المتحدة (تتدخل على سبيل المثال على وجه السرعة في اسرائيل وفي أماكن أخرى كذلك). وأوروبا هي أيضا المكان الذي يمكن انطلاقا منه أن نتأمل بصورة أفضل في شأن بعض أوجه اللائيكية مثلا، او العدالة الاجتماعية والكثير من الموروثات الاوروبية.
ما أسميه »تفكيكا«، وإن كان موجّها عكس شيء معيّن ينتمي الى أوروبا، فهو اوروبي وهو حصيلة وعلاقة بالذات بالنسبة الى أوروبا كتجربة للغيرية الجذرية. منذ عهد الأنوار، تمارس اوروبا النقد الذاتي باستمرار، وفي هذا الموروث القابل للتحسين يوجد وعد بالمستقبل. وإنني اريد على الاقل أن أطمح لذلك، وهو ما يغذي سخطي إزاء خطابات تدين أوروبا نهائيا كما لو انها لم تكن سوى المكان الذي تدور فيه جرائمها.
- بخصوص أوروبا، ألست في حرب على نفسك، فمن جهة أنت تسجّل ان اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر تدمر القواعد الجغرافية القديمة للقوى المطلقة موقّعة بذلك أزمة تصوّر معيّن للسياسة تعتبره أنت خاصا بأوروبا؛ ومن جهة أخرى تصرّ على الارتباط بتلك الروح الاوروبية وبالمَثَل الأعلى الكوزموبولياني أولا بالنسبة الى قانون دولي تصف في واقع الأمر مدى تدهوره، أم هل أن الأمر يتعلق بمسألة البقاء؟..
.
٭ يجب »استنهاض« (Aufheben) الشأن الكوسموبوليتيكي (أنظروا أيها المواطنون العالميون في كل البلدان، لابد من المزيد من الجهد!
Cosmopolites de tous les pays encore un effert!، غاليليه، 1997).
عندما نقول (بوليتيك) فإننا نستخدم كلمة يونانية وتصورا اوروبيا قد افترض الدولة دائما، وشرط (المدينة) polis المرتبط بالأرض القومية وبالانتساب للموطن الاصلي. ومهما كانت الوقائع داخل هذا التاريخ يظل هذا التصوّر للشأن السياسي مسيطرا في نفس اللحظة التي تقوم فيها الكثير من القوى بتمزيقه: فسيادة الدولة لم تعد مرتبطة بالاقليم ولا بتكنولوجيات التواصل والاستراتيجيا العسكرية، وهذا التمزيق يدفع بالفعل بالتصور الاوروبي القديم للشأن السياسي الى الازمة، وكذلك يفعل بتصوّر الحرب وتصور التمييز بين المجال المدني والمجال العسكري وتصوّر الارهاب القومي او العالمي.
لكنني لا أعتقد بأن علينا أن نحتدّ ضد الشأن السياسي. وكذلك هو الأمر بالنسبة للسيادة التي أعتقد انها نافعة في بعض الوضعيات، لمقاومة بعض القوى العالمية للسوق على سبيل المثال. ويتعلق الأمر هنا أيضا بموروث اوروبي لابد من الحفاظ عليه وتغييره في آن واحد. وهو ما صرحت به كذلك في كتابي المارقون Vouous (غاليليه، 2003)، عن الديمقراطية باعتبارها فكرة أوروبية لم يسبق لها ابدا في نفس الوقت وأن تحققت بصورة مرضية، وتظل من الأشياء المأمولة في المستقبل. وستجد عندي بالفعل هذا السلوك على الدوام والذي لا أجد له تعليلا نهائيا سوى انني أنا نفسي وليس غيري، أقف في نفس المنطقة.
إنني في حرب على نفسي بالفعل ولا تستطيع أن تدرك الى أي مدى- وأبعد مما تخمّن - عندما أقول أشياء متناقضة تكون بصراحة متوترة بصورة فعلية، تبنيني هذه الأشياء وتجعلني أعيش وستجعلني أموت. أنظرُ الى هذه الحرب احيانا بوصفها حربا مرعبة وقاسية لكنني ادرك في الوقت نفسه انها الحياة. ولن تقرّ عيني إلا في راحتي الأبدية. إذن لا أستطيع القول بأني أتحمّل هذا التناقض لكنني أيضا أعلم جيدا أن ذلك هو ما يبقيني حيا ويجعلني أطرح السؤال الذي كنت أنت قد طرحته: »كيف يتعلم المرء فنّ العيش؟«.
- في كتابيْك الصادريْن حديثا (فريدة هي في كل مرة نهاية العالم Chaque fois unique la fin du monde وحُملان Beliers ، غاليليه، 2003)، عدت الى مسألة الخلاص الهامة والحداد المستحيل وبكلمة واحدة مسألة البقاء. فإذا كان من الممكن تحديد الفلسفة بوصفها »الاستباق المنشغل بالموت« (أنظر rne الموت Donner la mort ، غاليليه، 1999)، فهل نستطيع ان نتصور »التفكيك« بمثابة إتيكا [فن لممارسة الذات] للباقي على قيد الحياة.
مثلما سبق وأن ذكرّت بذلك منذ البداية وقبل التجارب الخاصة بمواصلة البقاء survivance بكثيرٍ، أي تلك التي اصبحت الآن تجاربي، أشرت الى أن البقاء تصوّر مبتكر يشكّل نفس البنية لما نسميه الوجود، الدزاين Da-sein ، إذا شئت، إننا من الباقين- على الصعيد البنائي- الموسومين بتلك البنية الخاصة بالأثر trace والوصية. ولكنني لا أريد- بعد قولي هذا- أن يُطلقَ العنان للتأويل الذي تُعتبر بحسبه مواصلةُ البقاء أقرب الى جهة الموت والماضي، منها الى جهة الحياة والمستقبل. كلاّ ، فالتفكيك موجود دائما الى جانب الـ نعم، وتأكيد الحياة.
كل ما أقوله- انطلاقا من خطوات Pas على الأقل (ضمن أنحاء Parages ، غاليليه، 1986)- عن البقاء بوصفه تعقيدا للتعارض (حياة- موت) ينبع لديّ من تأكيد غير مشروط للحياة. فما يتبقى حيّا survivance هو الحياة فيما وراء الحياة وهو الحياة أكثر من الحياة، ولا علاقة للخطاب الذي أقيمه بجلب الموت، بل على العكس هو تأكيد الحيّ الذي يفضّل العيش والبقاء على الموت، لأن البقاء ليس فقط ما يمكُث بل هو الحياة الأكثر كثافة ممكنة. وإنني لا أكون ابدا مسكونا بضرورة الموت الى هذا الحدّ إلاّ في لحظات السعادة والاستمتاع. إن الاستمتاع وبكاء الموت الذي يترصّدنا أمر واحد. وعندما أتذكر حياتي، أميل الى الاعتقاد بأنني حظيت بحب اللحظات الشقية نفسها من حياتي وبمباركتها. أي بحب كل تلك اللحظات تقريبا باستثناء شيء بسيط. وعندما أتذكر اللحظات السعيدة، أباركها أيضا بطبيعة الحال وهي في نفس الوقت تدفع بي إلى التفكير في الموت والى الموت لأن الأمر قد انقضى وانتهى.
عن مجلة نزوى
العدد 42 أبريل 2005
rwayda
08-Aug-2008, 10:46 PM
مهمة المبدع الأساسية خدمة الحقيقة ومقاومة الاضطهاد
حوار : جان الكسان
ثلاثة عقود.. وأكثر من ثلاثين كتاباً ... وسيرة حافلة لاديبة استثنائية تمثل عالماً يمكن أن يسمى اقتحامه مغامرة مفعمة بالاثارة على الرغم من أنه لم يسبق ان كتب عن أديبة معاصرة, بالحجم والنوع اللذين كتب بهما عن غادة السمان بعد ان ترجم ادبها الى أكثر اللغات الحية في العالم, وتم تدريسه في عدد من الجامعات كأدب مقارن وكان السؤال الذي يؤرقني دائماً بعد هذه الزمالة الطويلة مع أديبتنا المتميزة, وبعد مئات الرسائل المتبادلة بيننا على مدى ثلاثين سنة: ماذا يمكن أن أضع أمامها من اسئلة لحوار صحفي بعد مئات الحوارات التي عقدت معها حتى الآن وبعد خمسة مهمة عن أدبها وضعها كبار النقاد العرب؟
النمو داخل الكتابة
*بعد تجربتي الفنية في معايشة مؤلفاتك ورسائلك والزوايا التي تكتبينها في الدوريات والحوارات المتنوعة معك, أشعر ان التعامل مع نصك يثير في الذهن جدلية مسبقة تنتهي الى مقولة تؤكد انك (تجريبية) ولكن ليس بالمعنى المتداول للكلمة, فنحن نتوقع دائما ان لديك اضافات لا نتوقعها الى الابجدية العربية .. وكأننا على موعد متجدد معك ..
*كيف تفسرين هذا؟!
ـ الحياة قصيرة والفن شاسع .. هذا ما يقوله جوته .. وما من كتاب في العالم يقول كل شيء, ويتسع لكل شيء .. وأحب أن استدرك لأقول ان القرآن الكريم مستثنى من هذه المداخلة. هذا هو احساسي دائماً عندما أكتب, وعلى الرغم من ذعري وشجاعتي في آن واحد, وعملي الطويل المسبق على الرواية, تأتي لحظة الاكتشاف جديدة ومشحونة, ومشحونة بحب الاكتشاف. أنا تجريبية حتى لحظتي الأخيرة, وهاوية لا محترفة, لأنني انمو داخل الكتابة لا خارجها.
* على الرغم من التماهي البادي بينك وبين شخصيات, عدد من رواياتك, فهناك سؤال مطروح بالحاح: لماذا لا ـ تكتبين ما يسمى (السيرة الشخصية) وهل نعتبر (الاعمال الروائية غير الكاملة) بداية مثل هذا المشروع؟
ـ سبق أن نشرت (الأعمال غير الكاملة) التي سبق واصدرتها بعد نشرها في الصحافة في أربعة عشر جزءاً, وهي بالطبع غير (الأعمال الروائية غير الكاملة), وقد انجزت واصدرت الجزء الأول من السلسلة الروائية الذي ضم (الرواية المستحيلة) وما أرغب قوله ليس بالضرورة ان يأخذ القالب التقليدي للسيرة الذاتية لانني أجدني معه بحاجة الى قالب الرواية, ولعل كل كتابة روائية هي بمعنى ما محاولة اختراع صياغة روائية جديدة فيها يتسع لعالم موضوعي معادل لهواجس الروح وجموحها وانكساراتها وتساؤلاتها واحلامها المستحيلة والممكنة في آن واحاحد.
*نرى أنك تتهربين من الرد على سؤالنا حول عدم كتابة سيرتك الذاتية حتى الآن, على الرغم من ان كثيرين ألحوا عليك من أجل ذلك؟
ـ سأقول لك باختصار: الذين يطالبونني بكتابة ونشر مذكراتي سيكونون أول المحتجين على ما فيها من حقائق .. ومع ذلك قد يأتي يوم واكتبها .. وعندما يحدث ذلك لن أجامل نفسي ولن أجامل سواي, وذلك بسبب ما سيكون فيها من صدق ومن رفض لتقديس البشر.
طفل في غابات الدهشة
* لماذا هذا التنويع في أساليب تعبيرك الأدبي؟ ... أي لماذا الكتابة بأساليب متعددة؟
ـ لأنني هاوية كتابة كما قلت لك ولست محترفة, لايهمني لقب (الوجاهة الأدبية) كألقاب (روائية) أو (شاعرة) فأنا أكتب ما يحلو لي حين يحلو لي, دونما خوف على (سمعتي) الأدبية, والفنية .. الكتابة قدري وحريتي, وهي رصانتي وعبثي في آن .. أريد أن أذهب إليها كطفل يسير الى غابات الدهشة, لا كعضو في المجمع الأدبي.
*هل تعتبرين ان ملف غسان كنفاني قد أغلق بعد كل ما نشر عنه؟
ـ ملف غسان كنفاني مفتوح للحقيقة وللتاريخ ... فقد شكل كتاب (الرسائل) وما جاء بعده, أقوى ضوء سلط على غسان كنفاني, وكانت له اصداء أكثر من مهرجانات التأبين التي أقيمت له على مدى عقدين من الزمن .. لقد أعاده هذا الكتاب حيا بكامل بهائه الانساني لانني وجدت حقيقته أجمل من تمثاله, ولم يسئ أحد إلى غسان كنفاني بقدر ما أساء إليه الذين اتهموني بتشويه صورته, فأنا لم أزور الرسائل ولم أستتر عليها لأنني لم أر فيها ما ينتقص من عظمة غسان, بل ما يضيف اليها.
* هل تعتبرين أدبك متمرداً؟
ـ لا أحب التعريفات الجاهزة والمسبقة الصنع .. فأنا اعتبر حرفي (تظاهرة) احتجاج دائمة, وعلى شرفات قلبي رفعت أعلام رفض الازدواجية والرياء والجبن .. لدي نفور فطري من الصغائر والمكائد والدسائس, ولا أرتاح للعيون المؤثثة بالفخاخ والخبث الحسود, الواقع هو الزلزال الذي يحرك صوان اللغة بين الانهيارات والجنون, ويطلق شررها, أما الخيال فيخترع لها موقداً أو شمعة أو نهراً بركانياً .. لا تحضر المخيلة ولا نتقد الا عبر شرارات الواقع.
* قلت انك أديبة تجريبية .. فماذا عن الحداثة, وهل (اقتران) الحداثة في الروايات, ومنها رواياتك, أمر مفتعل واستعراض كما يقول البعض؟
ـ انا أمرأة عربية حتى قاعي .. وجوعي الى التجديد لا صلة له بمقتضيات العصر, بل بأصولي البدوية .. أنا بدوية رحالة في صحارى الكلمة, أريد أن أرى, وأن أجرب, وأذوق القمح والسراب .. عشت طويلاً في الغرب بما يكفي لتحصيني ضد الانبهارية, ولتطعيم أدواتي بما هو انساني وجوهري ــ في نظري ــ مع نبذ العقد النفسية لمرض التجديد الأعمى .. التجديد ينبع من داخلي من حيرة داخلية ممتزجة بمشاعر بالنقص أمام العصر, فأنا كعربية جزء من شهية صياغة العصر, ولست ضيفة على مائدته, لقد كان أسلافنا ومنهم المتنبي, امراء الحداثة في عصرهم, وأحب أن أستلهمهم في خطابي.
جبانة أمام الحب
* نصل إلى الحب .. ماذا عنه؟
ـ للحب مساحة كبيرة من حياة كل منا .. لعلي أحب الحب وأكره الحبيب, ثم انني عاشقة مزمنة للحرية, ولعل الكاتب يحب في النهاية انساناً واحداً ليس بوسعه ان يلتقيه ابداً .. ثمة حكايات تدفعنا, ومشاعر لا تنسى مفعمة بالحب أو الكراهية أو المرارة, أو كلها مجتمعة, فالحب ثنائية, وكل اقتراب يحمل في طياته نفوراً, كما ان كل ولادة مشروع وفاة .. أنا جبانة أمام الحب الحقيقي الكبير, ارتبك وأعود أمية, وارتكب الاخطاء الاملائية العاطفية كلها, واشبه بذلك أصحاب القلوب الهشة, الكتابة هي حبي الكبير .. وانها وحدها التي لا تخذلني, ويمكن القول انني في الحب عمياء, والكتابة عكازي, ولكن ممحاة النسيان حقيقة كبيرة كالحب نفسه.
* على الرغم من طغيان الفضائيات وبرامجها على حياة الانسان العصري, والادعاء بأنها أبعدته عن القراءة نفاجأ كل يوم بصدور صحيفة أو دورية جديدة أو مجلة (نسائية) بصورة خاصة, بماذا تعلقين على هذا الطوفان الجديد؟ ـ أطلق علي هذا السؤال بصيغة قريبة من صيغة سؤالك, وأجيب باختصار وأقول: أنا مع الحرية .. مع حرية الاصدارات, وحرية اختيار الشعارات المعلنة (أو المضمرة) .. واعتقد أن التوهج ينمو في ظل المنافسة, والعاصفة تزكي شعلة الجمرة .. كما المجلات النسائية وليست دائماً بعيدة عن العقل, والتسميات غير مهمة بقدر أهمية الأفعال, وفي النهاية ينفقىء الزبد ويبقى ما ينفع.
من حيث المبدأ, من حق الجميع اصدار ما يحلو لهم من ابداع, أو هراء, واطلاق ما يحلو لهم من أسماء .. ومن حيث المحصلة فإن اسم الوردة لا يهم, المهم هو عطرها الذي سيفوح.
النص التخريبي * يقول أحد النقاد: لا جدوى من أي نص أدبي, في الزمن العربي الراهن, شعرياً كان أم نثرياً, ما لم يكن نصاً تخريبياً في الدرجة الأولى .. بماذا تعلقين على هذا القول؟ ـ كل نص ابداعي هو نص تخريبي بمعنى ما : انه نص مكرس لتخريب الخراب, ذلك الخراب الذي لا يلحظه بعض الناس عادة, ويتوهمونه نعيماً موروثاً مكرساً, ويصفونه قانعين بأنه (ليس بالامكان أفضل مما كان) .. هذا الجحيم الداجن يرفضه الفنان .. فالمبدع ليس أداة تخريب لكنه قد يبدو هكذا من الخارج لمن لا يفهمه جيداً .. كل ما يرغب الفنان في تدميره هو تلك الهياكل والمؤسسات, هائلة الحجم, والتي فرغت تماماً من مضمونها بعدما تجاواوزها الزمن, أو أثبت العصر سقوطها, لكن (مافيا المكرسات) تجد في الفنان خصماً خطراً, لانه يحول بينها وبين استمرار تحذيرها المجتمعات الماجنة من أجل استمرار استغلاله لها .. الفنان هو الذئب النبيل الذي لا يريد التهام ليلى (كما في قصة ليلى والذئب للأطفال).
الفنان عدو التدجين .. عدو التكرار والخنوع الفنان لا يخرب حقاً .. وكل ما يفعله هو أنه يهز القصور الكرتونية كي تسقط, ويتأكد الناس هل أنها كانت طوال الوقت مزيفة وخاوية من الحنان والمحبة والعطاء, الفنان يخرب الخراب كخطوة في درب تذكير الناس بضرورة البناء باستمرار.
* كيف تتحدد العلاقة لديك بين الخاص (الكاتب) والعام (العالم)؟ ـ هناك خطأ نقدي شائع يفصل بشكل قاطع واعتباطي بين ما يسميه (الخاص والعام) و(الكاتب والموضوع) و(المرحلة الذاتية والمرحلة الواعية). أنا أعتقد أن الكاتب والعالم يمتزجان منذ البداية في داخله وتلك الشبكة من العلاقة الجدلية بين الخاص والموضوع هي متداخلة الخيوط ومتلاحمة بحيث يستحيل التمييز بينها واجراء (قسمة) على الخيوط.
* ما الحدود التي تفصل أو توحد اتجاهاتك الابداعية في التوثيق والفانتازيا واعتماد الواقعية المفتوحة؟
ـ جميع المدارس الفنية تحاول حصر الواقع في خطها, علما انه ليس هناك واقع واحد عند الانسان, فلكل انسان أكثر من حقيقة واحدة, وهو يتفاعل على المستويات كلها من سياسية وغيبية ونفسية واقتصادية داخل شبكة عنكبوتية شاسعة لا متناهية من الفعل ورد الفعل واللا فعل, وحتى الواقع (الفانتازي) ليس في جوهره (فانتازيا) مجردة بل هو جزء من الواقع المعاش, فالحلم, الكابوس, الموت, الجنون, الماورائيات, المرض, الوحدة, هذه كلها وجوه يومية معاشة من وجوه الحقيقة اللامتناهية, وهكذا فالأساليب ا الروائية هي عندي, وسيلة لاغاية, انها شبكة صيد الحقائق من بحر الأزلية, لكنها ليست الطريدة, ومن هنا فإن الموضوع عندي هو الذي يختار أسلوبه ليس هناك واقع موضوعي ساكن أبدي, ولهذا فإن الفنان بحاجة الى المزيد من الادوات بدلاً من حرمان نفسه مما تقدم منها وما تأخر .. أما الحدود؟ فلا حدود .. كل شيء مباح ما دام الابداع موجوداً بما في ذلك حقه بالخطأ.
rwayda
08-Aug-2008, 10:47 PM
آخر همومي * في أي موقع تضعين نفسك بين كتاب القصة والرواية العربية؟ ـ هذا آخر همومي أتمنى للطليعة المثقفة ان تعمل كفريق لا أن ينظر كل فرد فيها الى نفسه على انه والياً لا قطاعية ادبية لها حدودها وراياتها وجنودها ومعاركها الفردية.
مشدودة .. كوتر عود عباسي * ما هي الحالة التي تكونين عليها عندما تقررين الكتابة؟
ـ أشعر بأنني مكهربة, مثل بطارية مشحونة ستنفجر اذا لم تطلق شاراتها .. أحس انني مشدودة كوتر عود عباسي, وممتلئة بإحساس سديمي يبحث عن كلمات .. أحس بما يشبه العذاب حينما تكون الفجوة عميقة بين الفكر واللغة .. ومن الصعب جدا الجزم فيما كان العمل الفني عندي يبدأ كفكرة عادية, أو يطرح نفسه مباشرة كشخصيات ووقائع, انني اكتسب بعض قصصي فيما يشبه النوبات العاصفة التي لا تستغرق أكثر من جلسة واحدة محمومة, لكني اعرف جيداً ان الأمر ليس بهذه البساطة, وان العاصفة الهوجاء السريعة كانت تعد لنفسها, ربما طيلة أعوام.
* ما رأيك في التناول الفكري الثقافي للاحداث في أعمال الروائيين الكبار؟
ـ للفنان حق اختيار مادته وابطاله, شرط أن يكتب رواية مبدعة تكون فعل محبة على الصعيد الكوني, وهي بالتالي تنصف القيم الاجتماعية, وأنا لا أصنف الروايات من حيث مهنة ابطالها: مثقف, فلاح عامل, بحار, ثري, فقير, لكنني أصنفها من حيث هي مبدعة أو غير مبدعة.
حرية المرأة.. والحب * كيف تنظرين إلى حرية المرأة؟
ـ حرية المرأة كالحب, لا مفر من ان تطهى على نار هادئة. والخطوة الأولى تكون بتأدية الواجبات قبل المطالبة بالحقوق, وبدون تضحية جيل من النساء, لن تنال المرأة العربية لقمة من رغيف المشاركة في الحرية والمسئولية معا. واعتقد ان اختي العربية في بعض تجمعاتها (التحريرية) مشغولة بالمثالي أكثر من الواقعي, انها تريد حريتها لتصنع بها انسانيتها وقدرها, ولتشارك في بناء وطن عربي هو بحاجة إلى طاقاتها.
ولكنها تنسى أحيانا سطوة الاعراف غير المكتوبة في المجتمعات كلها, وتنسى معركتها الأخرى مع رؤيا اجتماعية لها جذور عمرها مئات السنين, وتتصرف مع الرجل العربي بمماحكة, وهكذا وحتى لو فرضنا جدلا ان المرأة العربية استطاعت تبديل القوانين لصالحها فإن أشياء كثيرة جوهرية لن تتغير فالقضية ليست بندا يشطب وآخر يدون على ورقة بل هي أيضا قضية التعامل مع حالة ذهنية قائمة ومتماسكة ومتحجرة وليست ــ غالبا ــ لصالح حريتها. بهذا المعنى أجد كل كتابة نسائية (استفزازية) خطوة بريئة ولكن إلى الوراء, لأنها تثير لدى المجتمع المزيد من المخاوف الالغامضة.
* وقفت في كتاباتك عند تجربة المطربة فيروز.. دون التطرق إلى تجارب أخرى غنائية في عصرنا.. لماذا؟
تمس فيروز دائما وترا حساسا لدى سامعها, ربما لأن كل ما تقوله يشع بالمحبة والغفران حتى نحو الذين يخططون لايذائها عمدا أو حماقة أو مصلحة أو حسن نية. فيروز واحدة من الذين غرسوا عشق الوطن في النفوس بأغانيها وسلوكها والتصاقها بأرض الوطن. ولا تكتمل زيارتي إلى بيروت بدون زيارة فيروز.
انهم يقصون رقبة الحرف * في النصف الأول من التسعينيات اثارت الصحافة موضوع منع كتبك في بعض البلاد العربية, ماذا تقولين حول هذا الموضوع؟ ـ على الرغم من زوال أكثر حالات المنع إلا انني اذكر في بداية عام 1994 انني توجعت كثيرا, بدل الفرح, حيث شاهدت روايتي (بيروت 75) تصدر بالفرنسية وكلمتني مترجمتي الأمريكية لتعلمني باتجاهها للترجمة الانجليزية, والأخرى الايطالية كذلك. هذا كله حدث عندما كان الكتاب ممنوعا في معظم الأقطار العربية, وكان في طبعته الثانية الألمانية كما (كوابيس بيروت) الممنوعة انذاك في أكثر من قطر عربي بينما صدرت طبعتها الثالثة في ألمانيا وهذا مجرد مثال صغير من عشرات الأمثلة الالتي لا يتسع المجال لتفصيلها.
*هل هو على الهامش؟
ـ هناك من يقول ان موقع الأديب ومعه الأدب مهمش في هذه المرحلة. مهمة المبدع الأساسية هي خدمة الحقيقة والحرية ومقاومة الاضطهاد ورفض الكذب والتعبير عن الحاجات الحقيقية للجماهير واستشفاف المستقبل.
وفي المرحلة الحرجة التي يمر بها وطننا العربي, وضمن مسيرة الجماهير في حقل الألغام التي يزرعها أعداء الشعب, والقنابل الأمريكية المحرقة التي قد تمطر على رؤوسنا في أي لحظة, حين يضغط طيار اسرائيلي زر الدمار نجد موقع الأديب العربي المعاصر هو نفسه موقع الجماهير وهو الملتصق بها حنجرة ونبضا وثورة ونزفا, وهو يعايشها في خندق التعبئة والقلق المصيري.
لابد للأديب في هذه المرحلة ان يحفظ توازن رأسه, ان يحفظ التوازن بين اخلاصه للجماهير واخلاصه لفنه, وان يصل إلى الصيغة الصعبة التي لا يتضارب فيها الاخلاصان وانما يتكاملان ويتوحدان لينتجا أبدا ثوريا عالميا تستفيد منه كل الشعوب المناضلة في كل العصور.
* هل أنت سعيدة؟
ـ لست غبية بما في الكفاية لأكون سعيدة.. كيف تستطيع ان تكون سعيدا بينما الدم يغسل وجه العالم, والجوع والمرض والعذاب؟
* ما الفرق بين غادة السمان ابنة الثامنة عشرة وبين غادة السمان اليوم؟
ـ في الثامنة عشرة كانت تعيش مع أوهامها الجميلة تحاول السباحة داخل مجرة, وتريد ولا تريد داخل لحظة واحدة, وهذه حال غادة السمان اليوم.
* يقول البعض ومنهم الشاعر محمود درويش انه يكتب عن الحب عندما لا يراه ولا يحسه, هل تكتبين عن المفقودات في هذه الحياة؟
حين نعيش الأشياء قلما نكتبها.. قد نفعل بعد ان نخسرها ونحلم بها, فنحن غالبا نكتب ما ينقصنا.. الامتلاء اكتفاء .. نعم.. والخواء حضور جائع إلى الخبز, ولهذا فأنا اتفق إلى حد بعيد مع محمود درويش, والجوع إلى الحب قد يمنحنا قصائد أجمل من تلك التي نسطرها في لحظات السعادة, أنا شخصيا لم أسمع بشاعر كتب ديواناً في الغزل, خلال شهر العسل.
بين الأدب والعلم *خلال القرن العشرين المنصرم ظهرت طفرات متتالية ومهمة في ميادين العلم (جيل جديد من الحاسوب مثلا كل بضعة أشهر) وفي الفضاء والطيران وعلم الجينات والاستنساخ والكيمياء ومليون مجال آخر, في حين لم يشهد الأدب في القرن العشرين أعمالا ضخمة متميزة مثل الكلاسيكيات التي قرأناها في القرن التاسع عشر, أو حتى ما قبله بماذا تفسيرين هذا؟
ـ لا أوافقك على هذا. ولا أظن ان القرن العشرين لم يشهد أعمالا أدبية متميزة, ولكن من شميتنا كبشر ان نحتفي بالماضي ونرفض الحاضر, وهذا أمر ليس رديئا كله لأنه مهماز للمستقبل.
وبوسعي ان أحصي لك عشرات الأعمال الأدبية الرائعة التي خلفها القرن العشرين لقرننا الجديد وما بعده. لقد أودع الخالق العظيم في الانسان بذرة تجاوز الذات على كل صعيد, في العلم والأدب معا, وغير ذلك من المجالات, والمهم ان يختار المرء توظيف ذلك لخير البشر, بدءاً بالاستنساخ العلمي ومروراً بالقراءة ولكل زمان اعماله الابداعية المتميزة على كل صعيد وهي بالتأكيد تغاير ما سلف لكنها لا تقل عنه اشعاعاً.
* كيف تقابلين النقد, أو التهجم على أدبك أو شخصك؟
ـ احترم النقد الموضوعي, وقد ألفت الهجوم والتهجم علي منذ بداياتي الأدبية ولو صدقت بعض ما كتب عني لتوقفت من زمان عن الكتابة ولكن الهجوم لم يخلخل عالمي الداخلي يوما.
* نحن نعلم انك مداومة على ممارسة الرياضة, ما هي الرياضة المفضلة لديك؟ ـ أمارس رياضة الصبر لكل النساء العربيات, ومنذ عام 1967 أمارس رياضة التنهد بوتيرة متصاعدة, هذا إلى جانب الرياضات التقليدية كالسباحة والمشي وركوب الدراجة والتمارين السويدية في البيت.
* أنت بالأصل كاتبة سورية, وحصلت على الجنسية اللبنانية, وأيضا الفرنسية كما نعلم, ماذا أنت بعد هذا: سورية أم لبنانية أم فرنسية؟
ـ أنا كاتبة عربي
rwayda
08-Aug-2008, 10:56 PM
حوار مع الاديبة السورية الحلبية ليلى مقدسي
لمحة عن ليلى مقدسي
مواليد 1946صافيتا
ـ سوريا،عملت في التدريس مدة 28 عاما
صدر لها العديد من المجموعات الشعرية
ثالوث الحب.. غمامة ورد..عرس قانا..وردةأخيرة للعشق لغة الجمر..نص القلب
و كذلك روايتي؛ لأننا لم نفترق ..ذاكرة البحر تقرأ وهناك القصة و منها؛ قطوف و أوراق ،عنود،رسائل وصلت لديها الكثير من المخطوطات ما بين شعر و قصة و دراسة
rwayda
08-Aug-2008, 10:58 PM
حوار مع الاديبة السورية الحلبية ليلى مقدسي
الحب هو الخير المطلق وهو جسد الانسانية
الأديبة السورية ليلى مقدسي مثل شائع ينتشر في بلاد العرب يقول من لم يتزوج سورية فهو أعزب ، لكن في سوريا يقولون ان لم تقرأ لليلى مقدسي ـ الكاتبة السورية المعروفة ـ فانت امي أما في حلب حيث تقيم الأديبة الرائعة فيقول الحلبيون ان كنت عاشقا فلا بد انك قرأت رسائل ليلى مقدسي عن الحب في كتابها " رسائل وصلت " .
واذا كنا منذ مدة نحلم ان نجري لقاء مع الاديبة السورية ليلى مقدسي التي ولدت في صافيتا في سوريا وتعيش الان في حلب بعد ان عملت في التدريس مدة 28 عاما قدمت فيها ايضا العديد من دواوين الشعر والقصص ورسائل الحب الرائعة .
واليوم اذ يتحول حلمنا الى حقيقة بعد ان هبت الشاعرة السورية ليليى اورفه لي لاجراء حوار شيق مع ليلى مقدسي فنحن ننشره كما وصل دون زيادة او نقصان .
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif هل الكتابة لديك تعبير عن الذات ، أم هي نتاج الواقع والمجتمع والتجارب ؟
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif أنا مؤمنة بقول جبران : " إني أكره كتاباً لا ينطبق على حياة مؤلفه " ، فالصدق شرط أساسي في العمل الابداعي . والتعبير عن الذات لا يقتصر على ما يعتمل داخل النفس الانسانية ، إنما كل ما نخلع عليه من أحاسيسنا ومشاعرنا وخيالنا وأحلامنا وتجاربنا . وإذا لم يكن منبع الذات سيبدو وكأنه صنعة . والمبدع يبتدع في الزمن المطلق ، وكتابته تمتد الى ابعد مما هو متحقق في الواقع ، وكل عمل فني يبنى على قيم جوهرية وهذه القيم هي التي تحدد أهميته واستمراره . والقارئ إحساسه عفوي وصادق وهو يبحث عن الكاتب داخل العمل الابداعي – رواية – شعر – نثر – فالكاتب يكون داخل المخيلة ، وداخل الآخر . فالكتابة تصدر عن ذات تعاني ، وهي طاقة حلم ، وطاقة حب ، وهي قوة تحول …
- هناك من يفصل بين الأدب النسائي والأدب الذكوري ، هل هناك ضرورة لهذا الفصل ؟
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif الكاتب المبدع انسان سواء كان رجلا أم امرأة ، وهو يعيش مع القارئ تجربة حية من المعاني والكلمة واللغة والانفعال ، فالمبدع يحول التجربة الكبيرة الى تجربة صغيرة على الورق وبما أن المبدع انسان ، فالمعاناة هي المعاناة ، والاضهاد هو الاضطهاد ، فالنسيج الانساني واحد ، ولكن المرأة محكومة بالعادات والتقاليد وسلطة الذكورة ( أب ، أخ ، زوج ) ولا تتحرر المرأة إلا إذا تحرر المجتمع ككل ، وهذا القمع على مر العصور حرمها من العلم والثقافة والاطلاع والمعرفة وكأنها في زنزانة معتمة ، كما أن وظيفة المرأة التي مارستها مرغمة ( البيت ومتطلبات الأسرة والإنجاب ) نمّت لديها موهبة القلب وشغلتها عن حصاد العقل ، لأن طاقتها سُجنت أو سُخّرت فقط للرجل والأولاد والأسرة ، ومنعتها من الانطلاق في حقول المعرفة والابداع ، وسلبت منها حقوقها ومنعت حرية روحها وأفكارها واختيارها ، ورزحت تحت ظلم الجهل والتخلف . وحين بدأت تتحرر بالعلم ، وهو سلاحها للعمل وليس للإبداع ، فالشهادة لا تعني الثقافة والوعي والمعرفة ، لذلك انعكست معاناتها على كتابتها وفتحت جروح ذاتها ، فكيف تستطيع أن تكتب وحريتها مكبلة ؟ من هنا كانت انطلاقة الرجل أوسع لأنه أكثر حرية وأكثر انطلاقا ، ولا استطيع اتهام الرجل وحده بهذا الظلم ، إنما هناك عوامل بيئية واجتماعية وتقاليد وأصولية ساهمت في عذاب المرأة . ولا تبدأ حرية المرأة إلا بعدالة الرجل مع ذاته ، مع الآخرين ، ومع المرأة …
هل يستطيع المبدع أن يتفهم المرأة وينصفها ؟؟
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif المبدع الحقيقي يتجاوز برؤيته الثاقبة مفهوم الرجل والمرأة ، ويعبر عن الانسان … ألم يستطع الشاعر نزار قباني أن يتغلغل إلى أحاسيس المرأة ويعبر عنها ويشجعها على حريتها وحقوقها كإنسانة ؟؟؟ ألم يقل لها :
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif " ثوري أحبك أن تثوري / ثوري على شرق السبايا والتكايا والبخور /ثوري على التاريخ / ثوري على الوهم الكبير / ثوري على شرق يراك / وليمة فوق السرير "
ألم يقل " توفيق عواد ": " الحرية التي أطلبها للمرأة هي حرية الحب ، حرية أن تقول هي للرجل أحبك دون أن تخشى شيئاً ، وأريد أن نرد جسد الأنثى إليها ، فهو حتى الآن ملك الأعراف والتاريخ ، والمؤسسات الدينية والدنوية ، لأن الرجل الشرقي يربط كل أخلاقياته بجسد المرأة لا بأخلاقياته هو ، فهو مباح له كل شيء ويبقى أطهر من ماء السماء حتى يعثر في درج أخته على رسالة حب فيشدها من ضفائرها كالدجاجة ، ويلقي قصيدة شعر أمام قاضي التحقيق " .
وقد عبر عن اضطهاد المرأة أيضاً ، الأديب طه حسين في " دعاء الكروان" ، وإحسان عبد القدوس في " لا أنام " محمد عبد الحليم عبدالله في " الطريق المسدود " ، ومن الآداب العالمية التي تناولت موضوع اضهاد المرأة أيضاً جوتيه " الآم فارتر " ، تولستوي " آنا كارنينا " ، دوستوفيسكي " فدلون مهانون " ، والأمثلة كثيرة فالمبدع الانساني يحس بالذات المعذبة ويعبر عنها .
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif يقال أن الثرثرة مرضاً يصيب المرأة لذلك تكتب الرواية أو القصة ، فما رأيك ؟
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif هذا القول بعيد عن الواقع، الثرثرة في مجتمعنا مرض اجتماعي يصيب الرجل والمرأة حين يكون الفكر محدوداً ، ومساحة الوعي والثقافة مغلقة ، وهذا ينبع من التربية الخاطئة من البيئة ، والانسان العربي يحب الفضول والتطفل على حياة الآخر والتدخل في أموره الخاصة والعامة . وهذه المشكلة تنبع من المجتمع العشائري ، ومن الفراغ الذهني لأن الانسان لم يتعود أن ينشغل بأمور هامة ولا نكتفي بالثرثرة بل بالتأويل الخاطئ ، والتفسير السيء والملون بالخداع والكذب والنميمة والافتراء لأننا لم نتعود على احترام حرية الآخر وحرية أفكاره ومعتقداته وهذا ينعكس على المجتمع ككل ولا يساهم في تطوره وما اقتراب المرأة من الرواية الا لأنها أسهل تعبيراً عما تقاسيه وما كان يمارس عليها من المسكنات الاجتماعية والتقاليد والممارسات الخاطئة لذلك وجدت في الرواية حصناً للدفاع عن حقوقها وتوصيل معاناتها وهمومها الى العالم .
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif كيف تنظرين الى الشعر … ولماذا قلّ عدد الشاعرات ؟
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif الشعر ينفلت من كل تحديد ، لأنه حركة مستمرة للابداع .. الشعر أعلى مراتب الفكر وهو رؤيا الحياة والانسان والطبيعة ولكل مبدع فرادة ابداعه لأن الشعر لحظة صدق خارقة لحظة صلاة ولغة للوجدان ، ولا يصنع الفن سوى الشعر أما القلب هو وحده الشاعر .. وكما قال جبران: "ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب .." الشعر حرية ونقطة تماس بين الانسان والمجهول ولولا الخيال لعز علينا الشعر، والشعر يصدر عن ذات تعاني ، هو طاقة حلم ، وطاقة حب وقوة تحوّل ، عالم الشعر هو عالم الانسان والطبيعة والحب حيث يتلاقى الحس والفطرة والثقافة في وحدة وانسجام واطمئنان … وجوهر الشعر هو رعشتنا الروحية الصادقة .
إن عدد الشاعرات مرتبط بواقع المرأة في مجتمعنا الذي يقيد فيها حرية التعبير والبوح ، وهذا ينطبق على صنوف الابداع كافة .
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif هل الشرط العروضي يقع في أساس الشعر ؟
http://www.diwanalarab.com/local/cache-vignettes/L8xH11/puce_rtl-470e9.gif الشعر طائر مهاجر أبدا .. يحمل كل عظمة المعاناة الانسانية ، وقد قال مور " الشعر هو ما أبدعه الشاعر معبراً فيه عن شخصيته " . وأبو العتاهية القائل " لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراَ لفعلت " وهو أحد مؤسسي التجدد الشعري ، أطلق نفسه من القيد بالمعاني والألفاظ ، ونظم على أوزان لا تدخل في العروض ولما قيل له في ذلك أجاب : أنا أكبر من العروض . ويقول الناقد الأديب فخري صالح : " الشرط العروضي لا يقع في أساس الشعر وتعريفه ، بل هو شرط زائد يقوم الشعر به وبدونه " .
ويقول ابن سينا : " إن كل كلام غير مخيّل ليس شعراً ، وإن كان موزونا مقفّى وإن الشعر يراد به التخيّل لا إفادة الآراء " .
ويقول عبد الرحمن شكري :" الشعر تعبير عن الذات ، والمعاني الشعرية خواطر المرء وتجاربه ، وإذا لم يكن تعبيراً عن الذات كان صناعة " .
فالشعر فيض الطبع ، وهو تعميق للحياة يجعل اللفظة الواحدة تولد لحظات … والتعبير لا يتقيد بشكل ولا ينحصر في قالب لأن الحدود تقسم الكتابة وتضيق المساحة ، فالتراث ليس ما يصنعني بل ما أصنعه أنا ، والشعر يرفض كل أشكال القمع وهو تحويل للعالم والواقع والانسان . والشعر ليس نمطاً وظيفياً مسخراً لموضوع معين في قالب معين بل هو الكلام الانساني الوحيد الذي يبقى حراً .
لماذا نمارس الحداثة في وسائل الحياة اليومية ونرفضها في تحسين وتطوير الفكر والعقل ، وهل الانسان العربي متحرراً داخل ذاته ؟ جوهر الثقافة في الابداع المفيد والمتغير . وبعض والكتابات النقدية حول قصيدة النثر تعدها خارج الكتابة الشعرية العربية وتنطلق من مفهوم تقليدي للشعر ، فإذا انتفى عمود العروض واستبدل بنسق إيقاعي مختلفهل انتفى كون الشعر شعراً ؟ هذا المفهوم يتمسك بموسيقى العروض ويلغي ما يحقق من شعرية الشعر فالشرط العروضي شرط ثانوي لأنه من حقل الموسيقى فقط ، يقول الناقد الروسي لوتمان " الشعر يخرق مبدأ مراعاة القواعد التي تمنع ضم عناصر معينة في نص أدبي " وهو ينشئ أنساقاً جديدة من الألفاظ وبهذا المعنى يثري اللغة وينحو إلى انشاء فضاءات مجازية خاصة به" . أما الجرجاني فيقول : " إن الشعر يجمع أعناق المتنافرات المتباينات في ربقة ويوجد الائتلاف في المختلفات " .
أليس القراء يقرأون بقلوب بريئة ، بينما النقاد يطبقون نظرياتهم وفي رؤسهم أحكام مسبقة وجاهزة . أو يعزلون النص ويرسمون خطوطاً ودوائر ويسقطون المفردات باسم البنيوية والألسنية … الناقد يبدع من نص المبدع نصاً آخر حين يقرأ بأبجدية الصفاء ويتغلغل الى قلب التجربة والمشاعر واللغة وقد علمني الشعر أن الحب هو الخير المطلق وهو جسد الانسانية
rwayda
08-Aug-2008, 11:00 PM
حوار مع الأديب عدنان كنفاني
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:y1be8ESiFxZHEM:http://www.adnankanafany.jeeran.com/adnan.jpg
أديب من بلاد عاشت تراتيل الحزن والقهر والظلم بكل صنوفه، ما كسرت الرزايا ريشات جناحيه، وما غادر يوماً شواطئ الأمل، فكان معجوناً في ذاكرة، والمشعل في يده.
عاشقاً لتراب فلسطين، فكتب عن التائهين في غياهب الشتات، وعن الغرباء الذين يموتون بلا قبور، وعن الأحياء المغيبين في مطاوي الظلم.
أعلن صارخاً أن.. "ثمة من يرحل.. ولا يرحل أبداً" وأن"على أدب المقاومة أن يرقى إلى قامة الدم"، فلامس بحروفه الملتهبة شغاف الأرواح، ونسج من خيوط سطوره رداءً لثورة أدبية خطّها بذاكرة ما زالت طازجة تحمل روائح البحر،الزيتون والتين.
عدنان كنفاني.. أديب فلسطيني ملتزم، أبحر في أجناس الأدب فكتب القصة والرواية والبحث والدراسة والشعر وله إصدارات عديدة.
مثّل مستقلاً فلسطين في عدة محافل أدبية وندوات ثقافية، وما زالت ذاكرته تعانق "أرض البرتقال الحزين.. وأم سعد..
ورجال في الشمس.."
س ـ الأستاذ عدنان كنفاني، لقد تمثّلت تجربتك الإبداعية من خلال مجموعاتك القصصية.. ثم الروائية.. أرجو أن تحدّثنا عن هذه التجربة.؟ واسمح لي أن أسألك بداية على أن هناك مقولة تقول بأن "الرموز لا تموت" فكيف ترجمت هذه الرموز في أدبياتك. ؟
ج ـ من هنا أتصوّر وهذا ما كان شاغلي دائماً في أن الكتابة الإبداعية على وجه الخصوص هي التزام ومعرفة وموهبة ضعيها متسلسلة كما يحلو لك لكنها مجتمعة تخلق أفق المبدع.. وهذا يقود إلى أن الكاتب قد يمضي عمراً وهو يكتب ويمزّق ويلقي في سلة المهملات إلى أن يصل إلى درجة من الرضا عن نفسه.. والرضا يأتي من خلال الاطّلاع على إبداعات الآخرين.. ومقارنة السويّة الشخصية مع سويّة المشهد الثقافي، ومن أول المبدئيات - وهذا حسب ما أرى - أن يتعامل المبدع مع قضاياه التي هي قضايا مجتمعه سواء منها الوطنية أو الحياتية.. وأن يكون في كل الحالات وجهاً ممثلاً لضمير الناس.. هذا بالعام، أما عني أنا فأنا أكتب منذ أكثر من أربعين سنة لكنني لم أنشر وأنتشر إلا متأخراً وهذا يعود إلى أسباب عديدة لا أعتقد أنها تهم القارئ كثيراً، وقد بدأت بكتابة القصة القصيرة وأصدرت ثلاث مجموعات قبل أن أنشر روايتي الأولى (بدّو).. باختصار وتواضع أنا راض عن تجربتي حتى الآن وأعمل بجهد على تطوير أدواتي وزيادة معرفتي..
أما عن الرموز، فأعتقد أنهم بتضحياتهم يمثّلون لنا في كل وقت منارة التوجّه، وقيم التمثّل، ومشاعل الإلهام، ولا أعتقد أن أي أمّة على وجه الأرض يمكن أن تنفصل عن رموزها البانين أمجادها.
س ـ يقولون إن القصّة أو الرواية أو المسرحية أو قصيدة الشعر لا تموت إذا استجابت لحاجات ضرورية جوهرية لدى الإنسان، وهذه الحاجات مزيج من ذاكرة وواقع واستحضار لأشياء متأصلة في روح الكائن البشريّ..الشيء البارز في قصصك وفي مجمل نتاجك الأدبي هو حرارة التفاصيل التي تتكئ بالعام إلى ذاكرة وطنية متجليّة في مآثر الذين قاتلوا في سبيل وطنهم من أجل الحرية، ومن أجل حمايته من أشكال العدوان.. ماذا تقول في ذلك؟
ج ـ علينا أولاً أن نفصل فصلاً تامّاً وحقيقياً "في المرحلة الحاليّة على الأقل" بين الرسالة المرتجاة من الأدب بالعام وأعني أدب العالم المترف الذي لا يعاني من مشاكل حقيقية في حياته اليومية وبين الأدب الذي يخص حياتنا وواقعنا كأمّة مستلبة، مستباحة تتعرض للإبادة في كل لحظة، جزء من شعبها مشرّد يعاني ما يعاني من فقر وقهر وغربة، وجزء تحت الاحتلال، وجزء ما يزال لاجئاً رغم أنه يقيم على جزء من أرضه الجغرافية والتاريخية.. هذه الخصوصية تفرض على نتاجات مثقفينا وعلى جوهر نتاجاتنا الأدبية الإبداعية بأجناسها المختلفة أن تحمل طابعاً خاصّاً أيضاً.. وأنا بطبيعة الحال خيط في هذا النسيج لا أرى غير الوطن على واجهة الأولويات.. وعندما أقول الوطن أعني المكان في كل تجلّياته والناس في كل حركاتهم والذاكرة وما تحمله من نبض ساخن..
س ـ تردد دائما بأن السياسة تدخل في خبزنا اليومي، وقلت: حتى لو كتب الكاتب الفلسطيني عن الحب مثلاً يجب أن يصب هذا الحب في قلب الوطن.. إلى أي مدى تجد نفسك ملتزماً ككاتب بهذا القول؟
ج ـ نعم وأقولها.. نحن يا سيدتي شعب مظلوم ومقهور نعيش أقسى ما يمكن أن يتصوّره كائن، ويجب أن يفعل هذا شيئاً في دواخلنا، وعواطفنا وممارساتنا.. ويجب أن تكون لنا خصوصيتنا، ما من بيت إلا وقدم الشهداء تباعاً، ما من أسرة إلا ومشرّدة في أصقاع الدنيا.. كيف إذن نخرج من معاناتنا إلى ترف ليس لنا.؟ نعم قلت وأقول حتى لو نكتب عن الحب عن أي شيء يجب أن تكون اللمسة فلسطينية.. ونحن أيضاً كسائر البشر نحب ونكره ونفرح ونحزن ونستطيع تصوير ذلك كله أعني إبداعياً ولكن بلمسة تصب في مسألة الالتزام، والالتزام بحد ذاته قيمة تحسب على الوطن.. أليس كذلك.؟ والكاتب في كل الأحوال موقف.
.
س ـ من هي الشخصية التي تعتبرها مصدر لإلهامك في الكتابة؟
ج ـ أعتقد ربما من إحساسي الخاص بأن الشعور بالظلم هو أقسى ما يمكن أن يسبب للإنسان الألم والقهر، ولا أعتقد بأن هناك شخصية بعينها تحرضني على الكتابة ولكن ما يحرضني حقاً هي حالة الشخصية، وغالباً ما أسعى ليكون ملهمي ذلك الإنسان المسحوق المظلوم، وأحياناً دمعة على تغاضين وجه رجل، وبكاء طفل، وزغرودة وداع أم لولدها الشهيد.
س ـ ما هو المقياس في تقييم عمل فكري بأنه مميز أو أنه لا يصلح للنشر؟
ج ـ متى لامس العمل الإبداعي أحاسيس الناس فقد حقق التميّز، وأعتقد أن الرضا الشخصي المؤسس على معرفة ملتزمة وصادقة هي معيار هام وضروري، أما مسألة النشر فهذه تخضع لظروف أكثر من أن تحصى وأنت أدرى ماذا أعني بذلك.
rwayda
08-Aug-2008, 11:01 PM
س ـ هل هناك تقسيمان ما في نسيج الأدب العربي بين أقلام ذكورية وأخرى نسوية.؟ولماذا.؟
ج ـ الأدب والإبداع نتاج لغة ومفردات ومشاعر، ومن ملك ناصية اللغة فقد تجاوز كثير عقبات وهذا ينطبق على الجنسين دون تفريق، هناك أدب واحد ولغة واحدة تكتبها المرأة ويكتبها الرجل، ولكنني أعتقد بأن المرأة هي خير من يكتب عن المرأة والرجل خير من يكتب عن الرجل ولكن كلا الجنسين يعيشان في بوتقة مجتمع واحد ويتشاركان في الهموم والأماني ولا يمكن الفصل من حيث الإبداع بين ما يكتبه الجنسان وليس هناك أدب ذكوري وأدب نسائي.
س- تفضلت بأن من يملك ناصية اللغة، العامل الذي يحدد مدى تفاعل الكاتب مع الحدث. ثم فصلت"بأن خير من يكتب عن المرأة أو الرجل هو الجنس بعينه. فهل تعتبر مثلا هناك قضايا تخص المرأة وأخرى تخص الرجل؟ وأن التعبير عن ما يختلج النفس البشرية يجب أن تخضع لتلك المعطيات؟
ج ـ إن ما أعنيه هو ما يختص بالمشاعر الحميمة، ولا أعني الأحاسيس العامة، هناك أمور تتعلق بالمرأة خاصة وشفيفة ووجدانية قد لا يتقن فهمها الرجل كما تفهمها المرأة، وكذلك الأمر بالنسبة للرجل وهذا ما عنيته بالضبط. وأعيد بأن الأدب هو أدب ولكن التعبير عن الخصوصية فقط هي التي تميّز بين الجنسين. أما عن امتلاك ناصية اللغة فلا شك بأنها المعوّل الأساسي عليه في المقدرة على التعبير من خلال كافة الأجناس الأدبية.
س- أين يجد عدنان كنفاني نفسه أقدر بالتعبير عما يجول بخاطره، بالسرد النثري أكثر، أم بالقصائد؟
ج ـ أنا لم أدعِ يوماً بأنني شاعر، أكتب الشعر عندما توقعني الجملة والمفردة في دائرة الرتم والموسيقى فأطرب لها وأكتب ليس أكثر، لكنني أعتبر الشعر أرقى مراتب الإبداع، وهو الذي سيبقى ديوان العرب، وهو الأقدر على التعبير عن اللحظة والتجاوب الأسرع مع الحدث، ونحن كمجتمع عربي تعودنا على سماع الشعر والإصغاء ثم إطلاق الاستحسان من خلال الوقع الموسيقي وروعة الكلمة وجمالية الصور، وهذا ما نفتقده الآن كثيراً وسط الكمّ الكبير من الشعراء المدّعين وهم بالحقيقة أشباه شعراء والشعر منهم بريء، وهم المسببين لغياب أو تغييب الشعراء الحقيقيون، وهذا موضوع آخر لا أرغب الدخول في تفاصيله. أما عن النثر الحكائي فهو ما يهمني ويشدني أكثر بالتأكيد.
س ـ في ظل عزوف الكثيرين عن القراءة، فما أسباب الابتعاد عنها.؟ وما مهمتنا أمام الجيل الصاعد لحثه للعودة إلى الكتاب.؟
ج ـ الحضارة والحداثة تفرض التغيير، وثورة الاتصالات والإنجازات المتسارعة بتطوير وسائل الاتصال والإعلام والمعرفة أصبحت أوسع وأشمل من الكتاب وأسهل وصولاً وتحقيقاً، وسياسات التجهيل والتسطّح أصبحت سمة العصر، وهذه كلها مشكلات تشكل أعباءً ثقالاً على الكتاب، ولا يحضرني الآن كيف يمكن أن ننقذ موت الكتاب لكنني أقول بأن الغث يذهب جفاء والسمين يبقى ما بقي الدهر.
س ـ النكبة الفلسطينية استجلبت أدب المقاومة، والنكبات المتتالية جعلت الأدباء الفلسطينيين يصبون حبر أقلامهم فوق جراح الشتات. فهل وصل هذا الأدب لمستوى الحدث.؟ وهل نفذ إلى أعماق الشعب العربي ليحقق وعياً بجوهر القضية .؟
ج ـ وهل تعتقدين أن أي فعل مهما ارتقى وسما يمكن أن يصل إلى قيمة الدم.؟
لقد حقق أدب المقاومة حضوره الباهر على الساحة، وحقق تواصلاً فاعلاً بين الأجيال، واستطاع أن يستولد من ذلك الأدب مفردات جديدة وثقافات جديدة، كثقافة الصمود والرفض والتصدي والاستشهاد والأسر...، واستطاع أن يحقق حضوراً في ضمير العالم وليس فقط في ضمير الشعب العربي في أقطاره المترامية.
س- المرحلة الانتقالية في مسيرة تاريخ القضية الفلسطينية، هل سينعكس على أقلام الأدباء في الوطن العربي عامة والفلسطينيين خاصة؟
ج ـ أعتقد أنك تعنين ما يستجد الآن على مسار القضية.؟ أنا شخصياً عندي إيمان مطلق بأن شعبنا الفلسطيني قد تجاوز منذ زمن التبعية والخنوع والرضوخ لغير مبادئه الثابتة، وقدم من أجل ذلك التضحيات بلا حدود، وهذا يعني باختصار بأن القضية ستبقى على المرجل ما لم تتحقق الأمور الثابتة والمطالب العادلة للشعب التي تتلخص بتحرير فلسطين الجغرافية كاملة وعودة أهلها إليها، ولا أقول هذا شعاراً بل عندي إيمان كامل بأن مسيرة التاريخ والأمثولة التي نتابع مشاهدها في كل يوم، وارتقاء الأجيال تباعاً إلى مستوى الفهم الأكثر وابتداع وسائل المقاومة ستحقق أمانينا ومهما طال الزمن.. نحن الآن في موقع المراقب والمنتظر، سمعنا وعوداً، ونفهم ضرورة الحراك السياسي، والغد قريب.
س- في مقالك "اتحاد الكتاب، مسؤولية وليست وجاهة" ذكرت أنه لا يجب علينا أن ننظر في تركيبة الاتحاد والأعضاء ومركزه، إنما على أساس جدارة الانتقاء. وأن الفصل بين السياسي والمثقف مسؤولية المثقف، فكيف يكون الفصل العدل، للنهوض بفكر عربي حر يتجدد بمعطيات المرحلة، ومناهضة المتقاعسين أو المطبعين مثلا؟
ج ـ المثقف هو الممثل الرسمي لضمير الناس، أعني المثقف النظيف، والحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية مسؤولية عامّة، لكنني في الوقت نفسه أفهم تماماً معاناة المثقفين في ظل سطوة السياسي والظروف العالمية ولكن هذا لا يستدعي أن ننفض كل ما نؤمن به، وأن لا نسخّر أقلامنا خدمة لما يتعارض مع مفاهيمنا ومبادئنا، وعلى المثقف أن يبقى هو الحامل للمشعل. واتحاد الكتاب تقع على كاهله المسؤولية الكبيرة في تحقيق هذه المعادلة لو استطاع النجاة من سطوة المؤسساتية التابعة للسلطات.
س- هناك دعوة لفتح الحوار مع الغرب وحتى "الإسرائيليين" فهل برأيك حوار الحضارات هو مشروع عولمي، أو فتح قنوات اتصال مع الغير؟
ج ـ نحن في كل يوم نسمع بجديد، كله مسعى لإقامة أواصر التطبيع مع العدو الصهيوني، ونسمع عن دعوات غريبة وعجيبة والأعجب أن نسمع من يطبل لها وكأنها ستأتينا بقطوف النصر، وكأننا لم نعتبر من مئات التجارب والوعود الكاذبة، حوار الحضارات قائم منذ الأزل ويتسارع اليوم بسبب ثورة الاتصالات الهائلة، وهو أمر طبيعي وفطري "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" ولكن من يصدق بأن ذلك سيثمر لنا سلاماً وتحقيقاً لشروطنا من أجل السلام وهي شروط حق.؟ أعتقد بأن ذلك غريب حقاً.
س- رغم أن ترجمة النصوص الأدبية تعتبر فقيرة نسبيا من اللغة العربية وإليها، فهل تجد بالترجمة وسيلة إيجابية للتعريف عن قضايانا؟
ج ـ نعم وهذا أمر حيوي وضروري وهام جداً.
س- ما هو السؤال الذي كنت تتوقع أن أسألك؟ هل عن النورس الذي رحل عنا وبقيت سطوره تزرع ثورة من لحم ودم في ضمائرنا، أم عن ما آل إليه حال شعب النورس؟
ج ـ صدقيني كنت أتوقع أن تسأليني لماذا يطلقون علي اسم "النورس" وهو اسم صفة كانت تطلق على الشهيد غسان كنفاني رحمه الله، وكنت سأقول لك لأن النوارس لا تغادر شواطئها.
س- كصديق لمست نرجستيك العالية وشفافيتك تجاهها، فهل هذه السمة نتيجة تربية الرجل الشرقي عموماً، أم نتيجة محاكتك على مدى السنين، جعلتك واثقا مما تقدم؟
ج ـ أنت تسميها نرجسية ربما.؟ ولكنني أعتبرها بعض ثقة بالنفس، وصدقيني إذا قلت لك بأنني أعتبر نفسي من قبيلة المتواضعين.
س- وكأستاذ احترم وأقدر عطاءاته الأدبية، هل تجد أن ثمة خلل كامن في العطاء الأدبي للجيل الصاعد، أو لنقل الكتاب المبتدئين؟
ج ـ نعم هناك خلل، وهذا الخلل لا يلامس الكتاب فقط ولكنه دخل في نسيج حياتنا، المشكلة بأن المبتدئين يغترون سريعاً ولا يطلعون على كتابات الآخر ولا يقبلون النقد، وهذا طبعاً لا ينفي وجود كثرة من الكتاب المبدعين شباناً وشابات أتمنى لهم جميعاً النجاح وإيجاد الفرص الأفضل.
س- ما هي رسالتك لشعبك في فلسطين الروح اليوم؟
ج ـ أنا أصغر من أن أرسل لهم رسالة، أنا أتعلم منهم ومن تضحياتهم ومعاناتهم وصمودهم وصبرهم في كل يوم دروساً تجعلني أشعر كم أنا صغير.
rwayda
08-Aug-2008, 11:13 PM
الدرغوثى يعرف نفسه
ابراهيم درغوثي
قاص وروائي تونسي
من مواليد 1955 بالمحاسن /توزر / تونس
أيشتغل بالتدريس .
أشغل حاليا منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين .
أما متى اقتحمت ميدان الكتابة الأدبية ؟
سؤال تصعب الإجابة عليه، لأنني كنت أكتب خواطر و قصصا و أشعارا و أنا طفل في التعليم الابتدائي .
خربشات على جدار الزمن .
إلى أن عشقت أول مرة فصرت شاعرا في الخامسة عشرة من عمري.
شاعر يغزل الكلام الجميل ليهديه لطفلة كالوردة ما كانت تعرف أنه يحبها و يموت وجدا في هواها.
ثم دخلت عالم السياسة من بابه الواسع و انخرطت في عشق الثورة العالمية التي ظننتها ستغير وجه التاريخ
حين يصبح الحكم في يد العمال والفلاحين فحبرت لهم من دم القلب قصائد تتغنى بالغد الأجمل و الجنة التي سنحولها من الغيب إلى الحاضر .
و لم يسع الشعر عوالمي الإبداعية فتحولت بداية من أواخر ثمانينات القرن الماضي أولا إلى كتابة القصة القصيرة
ثم دخلت دنيا الرواية دون نسيان للشعر والقصة القصيرة لأنني أعتبر الإبداع كلا لا يتجزأ والنص وحدة عابرة
للأجناس يتضافر فيه الفن الجميل بمختلف مكوناته .
أما عن الترجمة فذلك شأن آخر فما هي إلا آخر هواياتي التي سرقتني من بقية الكتابات الأخرى إذ صرت ومنذ
سنتين أوليها من اهتماماتي أكثر من غيرها لا لشيء إلا لأنني عرفت أنها الباب الكبير الذي سنوصل منه للعام
أجمع ثقافتنا العربية و حضارتنا التي عاشت من الأزمان أكثر من أغلب الحضارات التي تعاصرنا .
rwayda
08-Aug-2008, 11:14 PM
حوار مع نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسي الأديب ابراهيم درغوثيhttp://tbn0.google.com/images?q=tbn:8kZMMh0YzBRueM:http://www.alyaum.com/images/12/12491/518382_1.jpg
حاوره / شجاع الصفدي
/: أستاذ ابراهيم
امتزاج الحضارات على مدار العصور كان له الفضل في خلق عوالم جديدة وآفاق فكرية للبناء والتقدم والتطور في كل الحقب التاريخية حسب معطيات كل حقبة
ولقد شهد العالم الإسلامي والعالم العربي ثورات فكرية عديدة عبر تاريخه الطويل ,بعضها كان يصب في الجانب الإيجابي وبعضها كان يسبب التآكل للجسد الحضاري العربي والإسلامي .
وقد شهدنا في العصر الحديث تغيرات في الجسد الثقافي قد يمكن القول أن بعضها شوّه الكيان المشرق الذي حمله تاريخنا العربي
فمن وجهة نظرك هل يمكن النهوض بحضارة عربية إسلامية جديدة تعيد أمجادا قد يراها الكثيرون قد ولّت وأدارت لنا ظهرها كأمة عربية ؟
وإن كان النهوض بالحضارة والفكر الإسلامي والعربي ممكنا فما هي السبل التي تراها مجدية في هذا الأمر وكيف نعيد تشكيل الصورة الفكرية والحضارية للعالم العربي في شتى المحافل ؟
من أين أبدأ ؟
هل أعود إلى البدايات أم أنطلق من الحاضر ؟
و بما أن البدايات تغري فإنني سأعود إليها لأنها تمثل حسب ظني واعتقادي منارة يزدهي بها كل عربي و يفخر من خلالها بالانتماء إلى شعب قدم الإضافة للحضارة الإنسانية .
لقد امتزجت الحضارة العربية الإسلامية في بداياتها بثقافات العالم القديم
الفارسية و الإغريقية و السريانية و اللاتينية و غيرها من ثقافات الشرق و الغرب . ولا ينكر إلا جاحدا فضل العرب والمسلمين في إيصال ذاك المخزون إلى الزمن الحاضر ، إن بالترجمة والاستنساخ أو بالإضافة والتجويد .
فلولا مدارس الترجمة التي استحدثها العرب في بغداد وقرطبة و القيروان و القاهرة و دمشق و غيرها من حواضر العالم القديم لضاع كثير من الفكر الإنساني خاصة الفلسفة اليونانية و شيء من الآداب الفارسية واللاتينية .
هذا الامتزاج بآداب سابقة و فكر مغاير لما عايشه العرب في جاهليتهم أو في عصر التنوير العربي ( بدايات العصر العباسي ) كان له شأن في تغيير الذهنية العربية . إذ أخرجها من الساكن إلى المتحرك ، من الفكر الدوغمائي
إلى الفكر الذي يسائل الله و الإنسان عن ماهية الحياة وما بعد الحياة .
فالفلسفة اليونانية و آداب الشرق القديم مثلا كان لها دور كبير في تحرير الذهنية العربية من الغيبيات و جعلها إن قليلا أو كثيرا تجانب المسلمات الدينية و تنقدها و لا تكتفي بالتلقي السلبي لما جاء من وراء السماء . مما حدا بكثير من الفقهاء إلى تكفير المشتغلين بها ورميهم بالكفر والزندقة والمروق على الناموس .
و الأمثلة كثيرة على ذلك لعل أشهرها ابن الراوندي والرازي و أبو نواس و الجاحظ و ابن المقفع و غيرهم كثير ...
أما الوافد على الفكر العربي في العصر الحديث فغربي و شرقي :
من باب الغرب الذي دق على أسوارنا مع حملة بونابارت على مصر ثم ما تلاه من استعمار مباشر عم كل بلاد العرب تقريبا ما عدا جزء من الجزيرة العربية . هذا الاستعمار العسكري والاقتصادي كان له جانبا فكريا جعلنا ننبهر به و هو ما يهمنا في هذه المداخلة.
ففكر رجال التنوير في فرنسا مثلا كان له امتدادا في بلاد المغرب العربي خاصة والمشرق عموما .
و التيارات الفلسفية والأدبية الجديدة في الحداثة وما بعدها و جدت في بلاد العرب محاضن لها .
حتى الفكر الماركسي الذي يتعارض مع الدين الإسلامي وجد من يعتنقه و يبشر به في كل بلاد العرب .
و في المقابل كانت أفكار أبي الأعلى المودودي المبشر بفكر آخر تجد من يحتضنها و يفرش لها السبل لتمر إلى الذهنية العربية المسلمة بسهولة ويسر خاصة و هي تضرب على وتر الدين و العودة به إلى منابعه الأولى
فازدهر فكر " الإخوان المسلمين " حتى أصبح من ثوابت الفكر لدى الكثير من المثقفين العرب. هذا الفكر الذي تفرع إلى مذاهب فيها من غالى في التطرف فما يعادي الآخر فقط / الغرب المسيحي مثلا بل وجد حتى في بلاد الإسلام من يكفر و يعلن عليه الجهاد .
أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي يعيشان في مفترق طرق في هذا الزمن الصعب الذي فقد فيه الإنسان إنسانيته و تغولت فيه بعض الدول / الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، على كل بلاد العالم وخاصة على وطننا العربي للاستئثار ببتروله. و لا خلاص لنا إلا في العودة إلى العقل المستنير .
يقول المعري في إحدى لزومياته : " ... لا إله سوى العقل مشيرا في صبحه و المساء ".
هذا العقل الذي يستلهم من الماضي ما هو صالح لزماننا و يطرح في عالم النسيان ما لم يعد كذلك .
/: ألا تلاحظ أن الترويج الإعلامي للأدب في الدول العربية منقوص , حيث أن بعض الدول التي تذخر بالأدباء والمفكرين نجدها تهمل أدباءها ولا تعينهم على المضي قدما في إنجازات أدبية وثقافية تعود بالنفع على المجتمع , بل ويعتبر المسؤولون في بعض هذه الدول أن الأدب والشعر وخلافه من الأمور الهامشية التي لا تسمن ولا تغني من جوع , بل ويعمل الأمن على تقليص أعمال الأدباء ومحاصرتها بفرض رقابة مشددة على نتاجهم الأدبي وكتاباتهم التي تحمل أهدافا سياسية ...
فهل يمكن رغم هذه الظروف المعقدة في العالم العربي النهوض بفكر وأدب جديد نستطيع مقارنته بالأدب العربي
حين كان المستشرقون ومترجمو العالم يتهافتون لترجمة الكتب العربية والآداب العربية في عصر سابق ؟
في زمن سابق ، منذ بدايات العشرينات من القرن الماضي شهد الأدب العربي في كل فنونه ازدهارا لا مثيل له رغم وجود الاستعمار المباشر الذي كانت ترزح تحت نيره أغلب الشعوب العربية مشرقا ومغربا .
فأغلب الشعراء و الروائيين المفكرين الذين تتلمذنا على أياديهم كانوا نتاج ذلك الزمن الجميل .
و كان الكتاب رغم كل الصعوبات المادية والمعنوية التي كان يتعرض لها يصل بلاد العرب المختلفة .
يصل في أعداد قليلة . ولكنه مع ذلك يصل و يتلقفه المهتمون بالشأن الأدبي لينتقل من يد إلى يد لأن في ذلك الزمن كان هناك احترام للكاتب والكتاب .
احترام معنوي فقدناه هذه السنين لأن الأضواء تحولت من الكتاب إلى الراقصات و المغنيات في الكباريهات من جهة والى لاعبي كرة الكرم و مذيعي ومذيعات البرامج التلفزيونية من جهة أخرى .
يعني بصريح العبارة أن مفاهيم القيمة تحولت من مسارها الصحيح إلى مسار مغلوط . وليس الأمر مجرد صدفة و إنما هو مخطط له ومدروس من قبل جهات مختلفة داخلية وخارجية .
ففي الداخل مثلا يسعد الأنظمة الحاكمة في الدول العربية أن يهتم الجمهور بمقابلات في كرة أو بمهرجان غنائي راقص أكثر من الاهتمام بكتاب قد يجر على هذه الأنظمة ويلات.
فهم الآن في حاجة إلى ترقيص الأبدان بطونا و أرجل لا إلى عقول نفكر و تنقد و تعبر عن السخط والرضا.
فيصير ميسرا على لجان الرقابة أن تحظر عملا إبداعيا في المسرح والسينما و أن تصادر كتبا في المعرض التي يتجرأ أصحابها على عرض المختلف و الخارج على القانون المسطر من وزارات الثقافة .
و كم هي الكتب التي صودرت دون وجه حق سوى أن أصحابها عبروا عن إرادة مقهورة لدى شعوبهم بطرق فنية بعيدة عن الغوغائية و العياط
إننا لن نصل بأدبنا العربي إلى العالمية طالما ترجنا رجال لجان الرقابة تتحكم في مصير الكاتب والكتاب لأن أعضاء هذه اللجان حالهم كحال رجال محاكم التفتيش في أوروبا القديمة يبحثون عن أصغر الأسباب ليجهزوا على عمل إبداعي كبير تجرأ على الممنوعات العربية في الدين والسياسة والجنس .
أما خارجيا فالفكر المهيمن اليوم على الساحة العالمية هو فكر رجعي متخلف يقوده مفكرون هم في الأصل صنيعة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية همهم الوحيد تأكيد نهاية التاريخ و الحديث عن صراع الحضارات
و يعزون بذلك الصراع بين الغرب المسيحي و الشرق الإسلامي مما زاد في إلهاب الشعور الديني لدى المواطن البسيط الذي تحول كل شيء لديه الى صراع بين الأيمان والكفر متناسيا أن حقيقة الصراع هو صراع اقتصادي بين الأغنياء و الفقراء ، داخليا وخارجيا .
/: كثير من الدول العربية تكبح جماح أي انتشار لأدب من دولة عربية أخرى , فمثلا نجد أن الأدب التونسي قد يقلّص في بلد ما , وأدب دولة عربية أخرى نجد التعاطي معه ضعيفا ولا يخلق امتزاجا إيجابيا فما هي الدوافع وراء ذلك برأيك ؟
انتشار الكتاب بين الدول العربية و فيما بينها شبه معدوم فالتونسي يكاد لا يعرف من كتاب أقرب بلدين إليه : ليبيا والجزائر إلا النزر اليسير فما بالك ببقية الدول و آدابها في الأطراف خاصة .
فنحن لا نكاد نعرف شيئا عن أدب اليمن ودول الخليج .
و ما هو متداول في المكتبات و المدارس هو الأدب المكرس الذي اشتهر أصحابه بعامل السن أو الشهرة .
أما البقية فما من يعلم عنها شيئا تقريبا .
و هنا أنا أحدث عمن يجري وراء المعرفة والحصول على الكتاب لا عن عامة الشعب . لأن الشعب الكريم في أي بلد من بلدان العرب هو مغيب حتى عن أدباء بلده .
فهو يعرف الفنانين و لاعبي كرة القدم و المهرجين الصغار و لا يعرف أديبا أبلى فكره وعقله في الكتابة على مدى عشرات السنين .
كل هذا راجع كما أسلفت القول إلى تهميش الأدب والأدباء لأنهم بالنسبة للحكام رأس الفتنة النائمة تحت الرماد .
فمن يحمل النار إلى خزان قمحه يا ترى ؟؟؟
rwayda
08-Aug-2008, 11:15 PM
/: حسنا , في ضوء هذه المجريات على الساحة الأدبية العربية , ما هو رأيك في الإعلام العربي وتعاطيه مع الأدباء ؟ وهل ترى عدلا في سلوكيات الصحف العربية التي تخصص زوايا أدبية على صفحاتها ؟ صار الإعلام بصورة عامة و الإعلام العربي بصورة أخص تجارة تدر على أصحابها الربح الوفير
حتى أن كثيرا من أصحاب وسائل الإعلام المكتوبة و المرئية صاروا من بين أباطرة المال في العالم
و لا أستثني منهم العرب .
لذلك صار الإعلامي يجري وراء من يزيده أكثر في مدخراته من الدولارات و الأوروات .
لا يهم أن يكون لاعبا مشهورا في كرة القدم أو راقصة مغناجا أو مغنية كاباريه .
و لكنه ماذا سيجني من ربح من وراء أصحاب القلم من الكتاب والمبدعين؟
لا شيء تقريبا سوى وجع القلب .
لذلك يحرض أصحاب هذه الوسائل الاعلامية في الارتباط و ان فعلوا ذلك في بعض الزوايا الخاصة في جرائدهم ومجلاتهم الى استكتاب من توفرت له الشهرة من الكتاب
ليزيد في اقبال القراء على جرائدهم و مجلاتهم و ليزيد في دخلهم المالي لينال هو الآخر من فتاتهم . /: أترى أن المقاييس التي يعتمد عليها النشر هي ذوق محرر الصفحة الثقافية وعلاقاته أم أن القيمة الأدبية الفعلية هي المقياس العادل والوحيد ؟
للنشر في الجرائد و المجلات المعتمدة في البلدان التي تحترم القراء أصولا أدبية و أكاديمية خاصة اذا كان الموضوع المطروق ذا قيمة عرفانية لذلك يحرص المحررون على استكتاب أصحاب الاختصاص
أما في بلاد العرب فالأمر مختلف .
فيمكنك مثلا أن تكون ذا مال أو جاه أو سطوة أو صديقا لفنانة أو مطرب شعبي أو رياضي مشهور حتى تدلي بدلوك في مثل هذه المواضيع و لو كنت كاتبا من الدرجة الرابعة خاصة وان الكتابة غير مدفوعة الأجر في جل الجرائد والمجلات العربية و إنما هي باب للشهرة لمن يظن أنه حين تظهر صورته في ركن من أركان جريدة ما و لو في الصفحات أنه حاز على قلوب الجماهير .
أما عن قيمة ما ينشر فحدث و لا حرج حتى أن أغلب من يحترم نفسه من القراء لا يلتفت إلى الجرائد العربية , إلا القليل القليل منها ليولي شطر وجهه جرائد الغرب رغم ما فيها من وبال على هذه الأمة المنكوبة /: الانترنت والنشر الالكتروني وفرا جهدا كبيرا على الكثير من الكتاب بمختلف تصنيفاتهم, واختلف النقاد حول كتاب الانترنت بل وصل الأمر ببعض النقاد باتهام كتاب الانترنت بأنهم يعبثون أو يخرّبون الأدب..
فهل بنظرك هم على صواب وأن الانترنت حمل أثرا سلبيا على الأدب العربي أم أن لهذه والتكنولوجيا فضلا حقيقيا في دعم وتركيز التواصل الأدبي والفكري والارتقاء بالأدب العربي وليس الانحدار ؟
كثيرا ما كان الكتاب العرب يشتكون من عدم التواصل مع انتاجاتهم . وهذا الأمر صحيح بنسبة عالية لأنه من الصعب على كاتب مغربي مثلا التواصل مع كتاب المغرب العربي فما بالك بكتاب الأطراف كاليمن و عمان مثلا.
و لكن الشبكة العنكبوتية و فرت عنا عناء الاتكال على ما تجود به عنا بعض معارض الكتب من إبداعات لهؤلاء الكتاب فأصبحنا بضغطة بسيطة على زر الحاسوب نحل على رغباتنا و من كل أقطار العرب . كما صار بمقدور إرسال نصوصنا حيثما نساء و في طرفة عين .
هذه الايجابيات في التواصل لا تحجي سلبيات الأنترنات التي حولت الكل إلى كتاب في القصة و في الشعر خاصة . ف " ما كل من حرك المنشار نجار " و لكن " كل من دخل الانترنت تحول بمفعول هباءاته إلى كاتب يبحث له عن مكان في هذا الجهاز الرهيب .
أنا ضد التساهل مع هؤلاء . وكثيرا ما دخلت في مناوشات مع من يتوسل بالانترنت لانتزاع اعتراف بأدبية لا يستحقها . لأن الكتابة واحدة سواء كان الأمر على الورق أو على جهاز ال
إن للشبكة العنكبوتية فضل كبير على الأدب العربي خلصته على الأقل من الرقابة المسلطة عليه .
و لكن تبقى رقابة أخرى من المفروض أن تتحكم فيمن يتجرأ على هذا الوسيط ألا وهي الرقابة الذاتية التي يجب أن تتحكم في من يريد إبلاغ صوته إلى الآخر فلا ينشر إلا الجيد من النصوص التي تعبر عما بلغه من نضج في الأدب و الحياة .
فليس الجرم جرم الأنترنات اذا جعلنا الرديء من الأدب يسيطر على الساحة الثقافية العربية و إنما الجرم فيمن يستعملونها . /: المنتديات على الشبكة العنكبوتية كثيرة جدا , حتى أنها تثقل كاهل الشبكة من كثرتها .. منها الغث ومنها السمين , ما هي مقومات المنتدى السليمة برؤيتك الخاصة وما العوامل التي يجب أن تتوافر في منتدى ما لضمان اعتباره قيّما وحضاريا وليس انحداريا ؟
المنتديات الأدبية على الشبكة العنكبوتية صارت الآن شرا لا بد منه .
لماذا قلت " شرا " و لم أقل " خيرا " لا بد منه ؟
لأنها و ببساطة كبيرة عمت الأمكنة والأزمنة و انتشرت كما لا يمكن للانتشار أن يكون
كانسة في طربقها كل يمكن له أن يعرقل امتداداتها .
فكل من توفرت له الفرصة الأدبية و المادية خاصة خاض التجربة .
و على كل فليس كل ما فيها رديء يل العكس تماما فهناك من المنتديات ما يشرف الأدب والفكر العربيين و هي خاصة تلك التي لا تتيح امكانية النشر على صفحاتها لكل من هب ودب .و إنما تطلب الأعمال الأدبية لتقرأ أولا ثم لينشر منها ما يستحق النشر .
ذلك أن الكاتب نرجسي بطبعه يظن أنه حين يحبر نصا أنه أتى بما لم يسبقه إليه الأوائل و لو كان في نظر الآخرين لا يستحق أن تضيع من أجله دقيقة واحدة من وقتك.
أما الإيجابي في هذه المنتديات فهو أنها تفسح امكانية للتلاقي بين الأدباء من المحيط إلى الخليج
و تمكن متصفحها من القراءة لمن كان يحلم بالوصول إليه مجرد الحلم كما تمكن النصوص الجميلة من الانتشار بسهولة ويسر دافعة الباب في وجه الرقابة التي طالما منعت الكتاب من الانتشار .
من الواجب إذن على من ينشئ منتدى على هذه الشبكة أن يوفر له عوامل النجاح كأن يجمع حوله لجنة للقراءة والتقييم و أن لا يترك الباب على مصراعيه لكل من هب ودب
rwayda
08-Aug-2008, 11:16 PM
/: الأستاذ ابراهيم , على صعيد الترابط الوثيق ما بين الدراما السينيمائية والتلفزيونية والأدب نلاحظ في الآونة الأخيرة مثلا تنافسا حادا ما بين الدراما المصرية والدراما السورية مما خلق أجواءاً رائعة وأعمالا مميزة تركت أثرا في ذهن المشاهد , فهل يمكن خلق تنافس إيجابي مماثل في الأدب ما بين دولة عربية وأخرى يسوده النقاء الفكري والتنافس النزيه في طور الارتقاء بالأدب العربي عامة , أم أن الأجواء السياسية والتناحرات والتجاذبات ستكون هي العامل المسيطر حتى على هذا المجال وتخرب المضي والنجاح فيه ؟
ما هو ممكن في الدراما قد يكون صعب التحقق في المكتوب .
لأن الدراما تمس الجميع فهي موجهة إلى الجمهور العريض من بشر هذه الأمة .
يشاهدها الكل لأنها سهلة العبور إلى وجدان المتلقي مثقفا كان أو أميا .
و لا أدل على ذلك من أن المسلسلات السورية الآن كما كان حال سابقاتها المصرية إلى عهد قريب
يتسابق إلى مشاهدتها الجميع بدون استثناء .
أما عن الكتاب فحدث ولا حرج
لأننا أولا أمة لا تقرأ فنحن من أضعف خلق الله في ميدان القراءة
و سجلات اليونسكو تضعنا بعد الأفارقة في ميدان انتشار الكتاب
ثم زد على ذلك الحواجز المادية والمعنوية بين شعوب هذه الأمة
التي يضعها الحكام وتشريعاتهم في وجه الكتاب .
فها هذه الأجواء السائدة الآن قادرة على تسهيل مرور الكتاب بين الأقطار العربية ؟
أنا شخصيا لا أظن ذلك . لأن إمكانيات انتشار الكتاب الورقي بين أبناء هذه الأمة كان أسهل عندما كان الكتاب يخط على الجلد و ما شابهه في الزمن القديم .
فما يكتب في بغداد يصل إلى قرطبة و ما يكتب في القيروان يقرأ في دمشق وما ينشر في القاهرة يصل إلى صنعاء .
و التعويل الآن على هذه الشبكة العنكبوتية في إيصال الأصوات الأدبية الجميلة إلى ديار العرب .
إذا عرفنا كيف نتدبرها .
/: الحكام , الحكام , الحكام , مسبب وسبب لكل ما نعانيه ! , يا ترى حقا هم كذلك أم أنهم الشماعة التي تعلق عليها الشعوب فشلها في التحدي والارتقاء برأيك أستاذ ابراهيم ؟
أخي الكريم
" كيف تكونوا يولى عليكم ".
و نحن في المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج, لا أستثني أحدا نعاني من مشكلة هي كيف نحول هذه الأرض العربية المسكونة بدكتاتورية حكامها إلى شبيه ببعض الدول الإفريقية أو دول أمريكا اللاتينية مثلا التي افتكت شعوبها حرياتها من حكامها .
فالكل يعرف الآن مثلا أن في دولة " السينغال " الإفريقية ديموقراطية وليدة .
و أن دولا كثيرة في أمريكا اللاتينية التي عانت من أبشع أنواع الديكتاتورية تنعم الآن بالديموقراطية.
و لكن في بلداننا العربية يزداد الأمر سوءً يوما بعد يوم .
فبعدما عشنا عصر الرؤساء على مدى الحياة حتى نهاية الألفية الماضية .
دشنا الألفية الجديدة بما أصبح يسمى عصر " الجمالك " حيث يورث الحكم الى أبناء الرؤساء .
ولا من يرفع صوته بقول لا . بل أكثر من ذلك تشرع مجالس النواب نواب الشعب " لهذه الممارسات الجديدة!!
وقد عشنا التجربة في سورية و هي قابلة للتحقق في مصر و ليبيا مثلا .
هنا سيطرح سؤال و أين هي جماهير الأمة التي تقول : لا ؟
و يأتي الرد من قلب مفجوع : هذه الجماهير مخصية لا تقدر على رفع الرأس لتقول "لا " أكبر من جبل .
لأن من يقولها لن ينام في فراشه مرة أخرى . لأن رجال الأمن المستنفرين على مدى الساعة صاروا أكثر من الهم على القلب. و لأن المؤسسات الديموقراطية التي جعلت لتدافع عن الحريات العامة في بلاد العرب و لدت مية .
/: إذن بنظرك صمت الشعوب على تداعيات ما يفعله بهم الحكام يجعلهم بمثابة ضحايا أم مجرمين ؟
ما رأيك لو قلنا أن الشعوب هي التي تصنع الطاغية ؟
الشعوب ضحايا من جهة لأن القهر المسلط عليها منذ بدايات التاريخ العربي يجعل منها شعوبا هشة
غير قادرة على المواجهة العربية العربية لأن كثيرا منها واجهت أعتى قوى الاستعمار الفرنسي والإنجليزي و الأمريكي الآن مثلا .
و قدمت هذه الشعوب آلاف الشهداء و مازالت تقدم إلى الآن في العراق و فلسطين يوميا الشهداء الكثر
و لكن أغرب ما نعيشه هو سكوتها عن حكامها .
و هو لعمري السؤال الصعب الذي ما قدرت على إيجاد الجواب عليه .
و هم مجرمون بصورة من الصور لأن الحرية لا تهدى وإنما تطلب بالطرف الديموقراطية أولا
فإن لم نحصل عليها طلبناها بالنار والحديد.
و هنا يسكت الصوت العربي عن الكلام المباح فيسهل على الحكام الاستمرار في حكمهم إلى ما لا نهاية و بحولهم من أصحاب " حق " دنيوي الى أصحاب " حق " الاهي . و الساكت على الحق مجرم في حق نفسه أولا ثم قي حق الأجيال القادمة أخيرا
/: ولكن الحكام يا سيدي وجدوا من يضعهم في مصاف الآلهة فكانوا كذلك، وجدوا من يركّبهم على ظهره , أيرفضون ذلك ؟
أمة تسكت على ظلمها وتصنع الجبروت والسيف لطاغية يحكمها هي أمة تستحق أن تظلم , أليس كذلك من وجهة نظرك ؟
ليس الأمر على هذه الشاكلة .
ففي كل مكان من العالم يستطيب الجلوس على كرسي الحكم .
و لكننا في دنيا العرب حين نجلس على الكرسي و لو كان كرسيا لأصغر مؤسسة فإننا لا نقوم منه إلا بشكل من أشكال الموت .
و ليس الأمر في أن الشعوب تركب حكامها على ظهورها و إنما في أن هؤلاء الحكام يركبون الشعوب رغما عنها . فهم يصلون السلطة و هم يعدون بأنهم سيملأون الأرض عدلا بعدما ملأت جورا .
و لكنهم يملأون الأرض جورا مرة أخرى حتى يأتي من يعد بوعودهم مرة أخرى .
و هكذا دواليك, الحبل على الجرار .
و الشعوب المسكينة تتناسى بيتا زعم أن عنترة العبسي قاله منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة :
و إذا بليت بظالم كن ظالما * و إذا لقيت أخا الجهالة فاجهل .
هل تستحق الشعوب العربية هذه التعاسة ؟
أبدا .
فأمة جابهت تتار العهود الغابرة و مازالت الى الآن تجابه تتار العصر الجديد / الأمريكان
لا تستحق أن تركب من أهلها كما تركب الحمير .
/: حسنا , دعنا نعود لأفلاك الأدب وسؤال يؤرق الكثيرين حول الخلاف بين رواد مدرسة النثر ومدرسة الشعر، فهل كلاهما على حق , أم أن كل طرف يعطي نفسه أحقية ما ويصادرها من الآخر ؟ ولماذا يعيب شعراء النظم على النثّار إبداعاتهم إن كان النثر عالميا فرض نفسه و قد أبدع كتاب النثر في كتاباتهم والأمثلة كثيرة , بودلير , طاغور , إدغار آلان بو , وغيرهم الكثير الكثير , فلماذا لا يدخل العرب المجال العالمي في النثر أيضا وأين مشكلة المحتجين على هذا اللون من الأدب برأيك ؟ ..
الأمة العربية هي بالأساس أمة شعر لأننا قوم سماعة أكثر منا قراء .
فمنذ ما سمي " بالعصر الجاهلي " و العرب يسمعون الشعر و يطربون له .
أما السرد فهو مكمل لا أكثر و لا أقل .
لذلك اشتهر من الشعراء الكثير بينما ظل ذكر من كتب في السرد القليل القليل
باستثناء الست شهرزاد رحمها الله .
أما في العصر الحالي فالأمر مختلف بعض الشيء لأن الشعراء و الساردين يتقاسمون الإهمال إلا من رحم ربك.
ففي زمن علت فيه الصورة فوق الصوت علا فيه سهم الفنان و الرياضي فوق سهم المبدع شاعرا كان أو ساردا و قل الاهتمام بالاثنين.
و مع ذلك ظل الاختلاف كبيرا بين من يكتبون حول تثمين هذه الكتابة خاصة بعدما صرح ناقد مصري مشهور بأن هذا الزمن هو " زمن الرواية "
و لكن الحقيقة في بلاد العرب تظل غائبة لأن العرب كما قلت قوم لا يقرأون .
إذ بينما تطبع من كتابات أصحاب نوبل مثلا في كل بلاد العالم بمئات الآلاف بل حتى بالملايين من النسخ
تظل روايات محفوظ تطبع في بضع آلاف فقط لا غير .
و بينما تترجم كتابات المبدعين خارج بلاد العرب إلى لغات العالم المشهورة لا يترجم العرب من إبداعاتهم إلا أقل من القليل .
لكل ذلك لن يكتب للإبداع العربي الانتشار عالميا خاصة وان إهمال وزارات الثقافة لموضوع الترجمة لا يختلف فيه اثنان .
و الترجمة هي البوابة التي يمر منها الإبداع إلى العالمية .
/: هل تتفق معي في الشعور بأن هنالك من يسعى لطمس إبداع الغير وينصب نفسه وصيا على الأدب والكتّاب دون أن يكون أهلا لذلك ؟ هل صادفتك أمثلة كهذه أستاذ ابراهيم ؟
وماذا تقول لهؤلاء ؟ وما هي رسالتك للمبدعين العرب في كافة المجالات الأدبية ؟
مشكلة الإبداع العربي تتمثل في أن القائمين على الشأن الثقافي في بلادهم لا يقدرونه حق قدره .
فقد انحدرت قيمة الكتاب مقارنة بغيرهم و لذلك هيمنت البيروقراطية على الميدان.
و البيروقراطية الثقافية في بلاد العرب هي من تحوز على الأوسمة و الجوائز إذا أعطيت عكس بلاد العالم الراقي الذي يعتبر الموظف في ميدان الثقافة موظفا كغيره .
يقوم بواجبه الإداري لا أكثر و لا أقل .
هذا من جانب .
أما من الجانب الآخر فالتحاسد و التباغض بين الكتاب معروف لدى الخاصة والعامة منذ أقدم العصور العربية .
و في كثير من المرات كانت الدسائس وراء إعدام كثير من المواهب لأننا لا نؤمن بأن القمة تسع الجميع .
فيما يخصني تعرضت لبعض هذه العراقيل التي قرأت نصا بعين واحدة خاصة و أنا أكتب في مواضيع حارقة سياسية ودينية وجنسية مما عرض بعض نصوصي القصصية والروائية إلى الحجز و المنع من التداول .
يبقى علي أن أقول لمبدعي العربية أن أمتنا تمر بزمن صعب و بما أن الكتاب هم من يؤثر إن آجلا أو عاجلا في مصير أممهم فإن عليهم أن لا يخونوا أمتهم و أن يكونوا الطليعة التي ترفع صوتها عاليا
لتذكر بأن الأمة العربية ستعيش : رغم الداء و الأعداء .
rwayda
08-Aug-2008, 11:19 PM
* ولد محمود البدوى فى قرية الإكراد مركز أبنوب بمحافظة أسيوط فى الرابع من شهر ديسمبر سنة 1908 .
* كان والده عمدة القرية ، ووالدته ابنة عبد المنعم التونى عمدة قرية اتليدم مركز ملوى بمحافظة المنيا "وكانت القرية تقع فى آخر حدود مديرية أسيوط".
* توفيت والدته وهو فى السابعة من العمر ، وكانت هى فى الثلاثين من عمرها
* قضى طفولته كلها فى الريف حتى حصل على شهادة الابتدائية من مدرسة أسيوط .
* التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية بالجيزة وكان حريصا على قضاء كل إجازاته مع الفلاحين .
* التحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية إبان عمادة الدكتور طه حسين لها ، وترك الدراسة وهو فى السنة الثالثة قسم اللغة الإنجليزية وآثر أن يثقف نفسه تثقيفا ذاتيا ، فقرأ الأدب القديم والحديث ، والآداب الأجنبية بلغتها الأصلية.
* دخل الحياة الأدبية لأول مرة من خلال نقل الآداب الأجنبية إلى اللغة العربية ،ونشرها فى مجلة الرسالة التى كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات منذ السنة الأولى لصدورها عام 1933 .
* سافر إلى أوربا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية عام 1934 وعاد من هذه الرحلة متفتح المشاعر للكتابة وكتب رواية قصيرة باسم "الرحيل" .
*ساهم اسهاما حقيقيا فى التعبير عن آمال الشعب فى تغيير واقعه منذ صدور قصته الرحيل عام 1935 .
* تناول حياة الريف والفلاحين وصور طباع أهل الصعيد وأخلاقهم فى محاولة منه للنفوذ إلى أعماق الفلاح المصرى وتبرير تخلفه وما يعانيه من قسوة الاقطاع . وبلغت قصصه التى كتبها عن الريف والفلاحين فى الصعيد تسعة وثمانون قصة .
* أدى دوره الوطنى بكتابة بعض القصص القصيرة فى المناسبات الوطنية والكفاح ضد الاستعمار الإنجليزى وحروب 1948 و 1956 و1967 و 1973 .
* كتب ما يزيد على 389 قصة نشرت جميعها بالصحف والمجلات المصرية بالإضافة إلى المجلات المتخصصة كالرسالة والقصة والثقافة والأديب والهلال والمجلة والعصور والرواية ، ولا يدخل فى هذا الحصر القصص التى نشرها بالصحف والدوريات العربية حيث لم يمكن حصرها " أنظر الببليوجرافيا الملحقة بكتاب سيرة محمود البدوى .. بقلم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى .. مكتبة مصر 2002 " و " محمود البدوى والقصة القصيرة بقلم على عبد اللطيف .. مكتبة مصر 2001"
* صور بعض قصصه خلال رحلاته فى أوربا واليونان وتركيا ورومانيا والمجر والهند والصين وهونج كونج واليابان وسوريا وبانكوك وروسيا والجزائر والدنمرك ، وهى البلاد التى حركت مشاعره وأثر أهلها فى عقله ووجدانه .
* له كتاب واحد فى أدب الرحلات عن رحلته إلى الصين واليابان وهونج كونج "مدينة الأحلام" (الدار القومية للطباعة والنشر 1963).
* كان كثير الأسفار فقد طاف بأوربا وآسيا وبعض البلاد العربية والافريقية فى رحلات ثقافية وغير ثقافية وانعكس أثر هذه الأسفار عليه ككاتب يؤمن بالإنسان ويهتم به فى كل بقاع الأرض وصوره فى كتاباته .
* أطلق عليه بعض النقاد والدارسين لقب "تشيكوف العرب" ولقب "راهب القصة القصيرة" ولقب "فارس القصة القصيرة"وآخر من لقبه بلقب تشيكوف القصة المصرية هو الأديب العالمى نجيب محفوظ فى الحوار الذى أجرى معه بصحيفة القدس العربى بعددها الصادر فى 3|1|2004
*الكاتب العربى الوحيد الذى تقابل مع العالم النفسى الشهير " سيجموند فرويد " فى النمسا أثناء زيارته لها فى سنة 1934 والتصق به فترة غير قصيرة " من كتاب محمود البدوى والقصة القصيرة .. للكاتب على عبد اللطيف .. الناشر مكتبة مصر 2001 " ومن كتاب " سيرة محمود البدوى للكاتبين على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى .. الناشر مكتبة مصر 2002 "
rwayda
08-Aug-2008, 11:20 PM
حوار مع محمود البدوى
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:AvRfFGuPl_2gkM:http://www.syrianstory.com/images/badawi.jpg
حرفة الأدب معاناة أولاً
* على الجيل الجديد أن يأخذ نفسه بالجدية والصبر
* قرأت ـ دون مبالغة ـ جميع كتب التراث التى صدرت
* النقد .. منذ عشرين عاما لا يؤدى دوره المطلوب
*
عنـــوان الدوريـــة : صحيفة الوطن
أجرى الحوار الناقد : إبراهيم سعفان
تاريخ النشــــــر : 3/8/1981
الكاتب الحقيقى هو الذى يكتب كلمته لتصل إلى القارىء ، غير آبه بما يعترض طريقه من شوائب ، لأن التقدير والخلود الحقيقيين للكلمة الجيدة وتقدير القراء ليس لأنصاف الموهوبين الذين تطنطن لهم أجهزة الاعلام والصحافة ، وفى النهاية نخرج بطنطنة بلا طحن ..
والأستاذ محمود البدوى من الذين يدركون هذه الأمور جيدا ، ولذلك قبع فى محرابه يكتب ، عازفا عن الأضواء ، محجما عن الأدلاء بأى حديث أدبى ..
ولكن .. رغم معرفتى بطبع البدوى هذا .. عقدت عزمى على اجراء حوار معه .. فأخذت أحوم حول الفكرة بدءا فى لقاءاتى معه المتكررة .. ويتأخر التنفيذ .. وأخيرا قررت أن أفصح عن رغبتى فى اجراء حديث معه ليفتح قلبه وعقله لقرائه الذين يحبونه .. وكانت دهشتى وكانت فرحتى .. عندما خصنى بهذا الحديث ..
ومحمود البدوى أثرى المكتبة العربية باثنين وعشرين عملا قصصيا هى :
الرحيل 1935 ـ رجل ـ فندق الدانوب ـ الذئاب الجائعة ـ العربة الأخيرة ـ حدث ذات ليلة ـ العذراء والليل ـ عذراء ووحش ـ الزلة الأولى ـ الأعرج فى الميناء ـ غرفة على السطح ـ صقر الليل ـ السفينة الذهبية ـ مدينة الأحلام ( كتاب فى أدب الرحلات ) ـ الباب الآخر ـ صورة فى الجدار ـ الظرف المغلق صدر عام 1980 ..
والبدوى استطاع بقدرته الفنية أن يكون نغمة متميزة عن أبناء جيله .. فقد انتقل بالقصة القصيرة من فجاجة الرومانسية والواقعية الهاتفة إلى الواقعية المعبرة بصدق عن الواقع المعاش .. ولم يكتف بتصوير الحدث فقط ولكنه يضمنه رأيه ونظرته النقدية فنحى منحى الواقعية النقدية .. كما أنه أنقذ الواقعية من مهاوى الأسلوب الأدبى السلس .. والتصوير الدقيق .. واهتم البدوى أيضا بتصوير العلاقة بين الرجل والمرأة ونوعية العلاقة العاطفية بينهما ..
س ـ اتسم عصرنا بالسرعة ، فما أثر ذلك على القصة القصيرة والشعر ، وأثره على الإنسان ..http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif
ج ـ بالنسبة للعصر فهو يتسم بالسرعة ، والطبيعة الآن تقتضى السفر من بلد إلى بلد حتى أننى سمعت عالما مصريا يقول أن جميع قراءاته فى الطائرات ، لأنه ليس عنده وقت اطلاقا لقراءة أى شىء فى البيت أو المكتب . فبداهة يقتضى أن يكون الكتاب صغير الحجم ، لأن حجم الكتاب الكبير كما كان موجودا من قبل لايطابق مقتضى الحال .. فكلما عرضت فكرة بأسلوب مختصر كان ذلك أوقع عند القارىء من أن يقرأ هذه الفكرة فى كتاب 500 أو 600 صفحة .. وبالمثل الشعر .. فيمكن للإنسان أن يطالع القصيدة كما يطالع القصة القصيرة فى زمن أقصاه نصف ساعة .. أما الرواية فتقتضى أياما بلياليها ، ولكن لا يمنع اطلاقا هذا من وجود الرواية .. وهناك فرق بين الرواية والقصة القصيرة ، فالرواية تعرض الموضوعات باسهاب وشرح ، أما القصة القصيرة فتعتمد على التركيز المطلق والتكثيف وتتتطلب من القارىء الذكاء ، أما الرواية فلا تتطلب ذلك ، فالإنسان يستطيع أن يقرأها حسب مدارك فكره لأنها مشروحة ومبسطة ..
س ـ نشوب العلاقة بين الشبان والرواد جفاء ، ونلقى بعض الادعاءات من الشبان ضد الرواد ، فما رأيك فى ذلك ..http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif
ج ـ المعاناة فى النشر مرت على كل أديب .. فعندما كنا فى سن الشباب ، مرت علينا فترة معاناة فى النشر أكثر مما يعانيه جيل الشبان اليوم .. ولكن كنا نتغلب على هذه الصعوبات بطبع الكتاب على نفقتنا الخاصة بسهولة لأن التكاليف كانت رخيصة وفى مقدور كل انسان أن يقدم على طبع الكتاب على نفقته الخاصة ، أما الآن أصبح مستحيلا وصعبا على الجيل الموجود حاليا أن يطبع الكتاب على نفقته الخاصة ..
وأود أن ألفت النظر إلى أن الجيل القديم أيام أحمد أمين والزيات لم يكونوا يعتمدون اعتمادا مطلقا على الدولة ، فالزيات أخرج الرسالة وحده ولجنة التأليف والترجمة والنشر أخرجت كتبا عديدة تعتبر قمة الكتب الأدبية ، كما أصدرت مجلة الثقافة دون اعتماد على قرش واحد من الدولة .. وتعتبر هذه المجلات من العصر الزاهر للأدب فى مصر ، فقد كانت توزع الألاف المؤلفة لدرجة أن مجلة الرسالة كان لها 7000 مشترك فى العراق ..
هذا الجيل لم يكن يتصور أن الطريق سهل ومعبد ، ولكن عشقهم للأدب الذى يجرى فى دمائهم كان يدفعهم إلى التفانى فى العمل والاخلاص له ، فأحمد أمين والزيات مثلا كان يجلس كل منهما يوميا من الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل .. كان هذا نتيجة حبهم الشديد للأدب وتفانيهم فى خدمته .. هذه صورة من الجيل القديم ..
أما الجيل الحديث يتصور أن الدولة يجب أن تعبد له الطريق وتجعله مشهورا فى مدى ثلاثة شهور حتى يسير فى الشارع فيشار إليه البنان .. وهذا أمر عجيب .. حرفة الأدب لمن يحترفها معاناة أولا ومشاركة للناس فى همومها ومعاناتها مشاركة خالصة بصدق ..
فعلى الجيل الجديد أن يقرأ ويقرأ .. للأساتذة السابقين ليكتسبوا الخبرة منهم بدلا من أن يقرأ بعضهم لبعض ..
ولى كلمة صغيرة للجيل الجديد أن عليهم أن يأخذوا انفسهم بالجدية والصبر ، فالأدب يتطلب الكفاح الشديد حتى يثبت الإنسان نفسه وسط العدد الهائل من كتاب القصة فيظهر ويأخذ مكانه ..
س ـ كان للصالونات الأدبية دورها فى الحياة الأدبية فى مصر .. هل الجمعيات الأدبية والنوادى الموجودة الآن تحل محل الصالونات وتقوم بالدور الذى كانت تقوم به ..http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif
ج ـ الصالونات الأدبية كان لها دور كبير ومؤثر .. فصالون مي مثلاً كان ينبض بالحرارة لأن صاحبة الصالون كانت جميلة ، وكان كل أديب من الأدباء يتردد على هذا الصالون يتصور أن مي تخصه بعواطفها ، فكان يتبارى كل أديب فى عرض أحسن ما عنده .. فكان لهذا تأثير كبير فى تنشيط الحركة الأدبية فى ذلك الوقت ..
أما الجمعيات الأدبية الآن مع كثرتها لا تؤدى هذا الغرض وليس لها التأثير الذى كان فى مطلع القرن العشرين .. فالصالون الأدبى خرج منه مصطفى صادق الرافعى والعقاد والمازنى وطه حسين ..
أما الجمعيات الأدبية الموجودة الآن ، فليس لها قوة الصالونات التى دفعت هؤلاء الكبار إلى التجديد فى أعمالهم ..
ورغم هذا أشير إلى دور نادى القصة فى ابراز بعض المواهب الجيدة ، ولكنها مع الأسف لم تواصل السير فى الطريق ..
rwayda
08-Aug-2008, 11:21 PM
س ـ ما رأيك فى موقف النقاد من الانتاج الأدبى ، وبماذا تعلل عدم متابعتهم لهذا الانتاج ..http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif
ج ـ أحب أن أقرر أولا أنه من المفروض أن يكون لكل صحيفة أديب متخصص للنقد ، ولكن للأسف هذا غير موجود فى جميع الصحف التى تصدر فى مصر .. وترتب على ذلك وجود الصداقات والعواطف الشخصية فتكونت الشللية ، ووجد مجموعة من النقاد أصحاب الايديولوجيات يجتمعون فى أماكن لهم ويقررون هذا الكتاب نكتب عنه وهذا الكتاب لا نكتب عنه ، فيقاطعونه مثل مقاطعة دول الرفض تماما .. وأحيانا يصدر كتاب فيقدمه صاحبه لناقد صديق ، أو له صلة شخصية به ، ويطلب منه بالحاح أن يكتب عنه .. وأحيانا يكون المؤلف نفسه هو الكاتب والناقد للكتاب ..
مثل هذا بالطبع لا يسمى نقدا .. وترتب على ذلك أن دخلت الكتب فى تيه ودوامة ، وأصبح القارىء لا يعرف الغث من الجيد .. فالنقد بهذه الصورة منذ عشرين عاما لايؤدى دوره المطلوب منه ..
فالمازنى مثلا كان ينقد فى البلاغ ، والعقاد كان ينقد فى الأخبار وكوكب الشرق ، وكذلك زكى مبارك ، فهؤلاء الفطاحل لم يميزوا بين كاتب وكاتب سواء كان كبيرا فى السن أو صغيرا أو مشهورا أو غير مشهور .. فكنا نرى المعارك الحامية بينهم ، فقد حصلت معركة حامية الوطيس فى النقد بين العقاد ومصطفى صادق الرافعى ، معركة ليس لها مثيل لدرجة أن مصطفى صادق الرافعى كان يشوى العقاد على " السفود " ..
س ـ بمن تأثرت من الشخصيات ، وما هى الكتب التى كان لها أثر فى تكوين شخصيتك الأدبية ..http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif
وحدثنا عن رحلتك الأدبية ..
ج ـ قرأت دون مبالغة جميع كتب التراث التى طبعت فى مصر ، وأنا طالب قرأت الأغانى وصبح الأعشى وعيون الأخبار والأمالى .. وعندما صدرت مجلة الرسالة سنة 1933 كنت أستطيع إلى حد ما الترجمة من اللغة الإنجليزية ، فترجمت قصصا لتشيكوف ومكسيم جوركى وموبسان وبعثتها للزيات فنشرها جميعها فى السنة الأولى للمجلة .. وبعد رحلة إلى أوربا كتبت كتابا صغيرا يسمى " الرحيل " وطبعته على نفقتى الخاصة ، وبدأت بعد هذا الكتاب أؤلف القصص ، وكان معى مجموعة صغيرة تسمى " رجل " وذهبت بها للأستاذ الزيات وكان يعرفنى مترجما .. لأنشر عن هذا الكتاب اعلانا صغيرا فى مجلة الرسالة ، فسألنى عن مضمونه فأخبرته به .. وقلب فى الكتاب فوجد قصة باسم " الأعمى " فطلب منى تلخيصها بايجاز ، فعرضت عليه لب الفكرة ، فسر بها جدا ، وقال تسمح لى بنشرها فى المجلة .. ونشرها فعلا على عددين ، وقد تلقيت وتلقى الزيات أيضا كثيرا من المكالمات والرسائل من القراء حول هذه القصة وسلمنى هو هذه الرسائل ، وحدثنى عن المكالمات ، وهذا يدل على خلق الرجل وتشجيعه لشاب فى أول مراحل حياته الأدبية ..
بدأت بعد هذه القصة انقطع عن الترجمة للزيات وأكتب قصصا مؤلفة ..
وتأثرت فى قراءاتى بأسلوب المازنى واعتبره أستاذى ، ومن ناحية التكنيك والبناء القصصى والتركيز وطرق الموضوعات الانسانية البحتة التى تهز مشاعر القارىء من تشيكوف ، ثم الواقعية بصدق دون افتعال للحوادث .. والاعتماد المطلق على ذكاء القارىء .. فأنا أعرض الشخصية بخيرها وشرها كما هى فى الحياة دون وعظ فأنا لست واعظا .. وأنى أعتقد يقينا أن كل إنسان يكتب بصدق وايمان واخلاص لفنه لابد أن يعيش مهما تكن الظروف والمعوقات ، أما السياسة فإنى العنها وألعن الف مرة مشتقات هذه الكلمة ، ولقد قضيت حياتى بعيدا عنها .. وقد لعنها من قبلى الإمام محمد عبده .. وأنا لا أكتب قصة وأجعل بطلها وفديا أو دستوريا أو حزبا وطنيا أو غير ذلك .. إنما أكتب القصة بطلها مصرى خالص لمصر وقد كتبت كثيرا من القصص الوطنية أيام الاحتلال البريطانى كما لعنت اليهود فى غاراتهم على المدن المصرية وقتلهم الأطفال والنساء وتخريبهم للبيوت فى السويس وبور سعيد والاسماعيلية ..
س ـ كتبت عن المرأة أماً وزوجة وعشيقة ، وكانت نظرتك لها إنسانية ليس فيها تجنى ، فما سبب ذلك ..http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif ـ
هذه النظرة إلى المرأة طبيعية بحكم تكوينى باعتبارى أننى ريفى صعيدى هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى إن الإنسانية متغلغلة فى دمى وهذا لا يجعلنى انظر إلى المرأة غير هذه النظرة ..
وأعتقد أن المرأة فى المجتمع الشرقى مظلومة ، وهى لم تتحرر ولم تأخذ مكانتها إلا على مدى سنوات قريبة ، وقد كانت فى العصور الأولى ، لاتعتبر أكثر من أداة متعة ، أما الإسلام فقد حرر المرأة وأوجد لها مكانتها فى التاريخ ، ولقد كان منها من يقاتل فى عصر النبى ، ويضمد الجرحى ويخطب ويناقض عمر بن الخطاب فى تشريعاته ، ولكن بعد الخلافات الشديدة التى حدثت بين العباسيين والأمويين والانتكاسات التى حصلت بعد مقتل الحسين ، تدهورت حالتها فى هذا الجو الكئيب من الفتن والدسائس حتى أصبحت جارية تباع وتشترى ..
وبالنسبة لمصر طبعا بدأت الانتفاضة بالنسبة للمرأة بعد عصر قاسم أمين ، فقد دافع عن المرأة دفاعا حارا وبين مكانتها فى صدر الإسلام وفى عهد الخلفاء الراشدين وتأثيرها على من بعثوا الثقافة إلى أوج عزها فى عصر هارون الرشيد والمأمون .. وطبعا لاقى قاسم أمين الاعنات من بعض المتخلفين وذوى العقول الجامدة ، ولكنه انتصر ، وظهر انتصـاره عندما بدأت السيدة هدى شعراوى وعائشة التيمورية ..
وبعد ذلك حدث تطور سريع ودخلت الفتاة المصرية الجامعة لأول مرة ..
هذه نظرة تاريخية على دور المرأة والظروف التى مرت بها ..
وجد الأدب فى هذه الظروف فقد كانت المرأة تصور وخيال ، حيث لم يكن هناك اختلاط كلى بالمرأة إلا بعد أن خرجت إلى العمل فى الأربعينيات وأصبحت موظفة فى كل مرافق الدولة .. فأصبحت بذلك تجربة الأديب بالنسبة للمرأة حية وصادقة ..
وأشير أيضا إلى أن الاحتلال البريطانى ووجود الأجانب فى مصر أدى إلى وجود البنسيونات والغرف المفروشة ولم تكن موجودة من قبل .. وقد ظهر أثر البنسيونات فى قصصى لأنى عشت سنين طويلة فى هذه الغرف باعتبارى طالبا وحيدا فى القاهرة ..
س ـ ما هى أحب المجموعات القصصية إليك .. ولماذا .
http://www.arabiyat.com/forums/images/smilies/estefham.gif
ج ـ العربة الأخيرة ، والذئاب الجائعة ، وزوجة الصياد ، والسفينة الذهبية .. لأنها كتبت فى جو كنت فيه مستريح النفس نسبيا ، وكثير من هذه الشخصيات فى هذه القصص لامست حياتها وظروفها المعيشية بنفسى عن تجربة خاصة ، ومع أن كل ما كتب أعتقد فيه الصدق ، ولكن فى هذه الكتب كان الصدق واضحا ..
=========================
rwayda
08-Aug-2008, 11:22 PM
المغرب ـ منى وفيق : فراشة تهرب من مساحات الإحتراق المهولة الّتي تطوّقها .. معطوبة أحلام أخرى .. و أنثى القهر بامتياز!!كذا كان تصوّري عن مليكة مستظرف قبل أن ألتقيها .. و التقيتها .. حدّثتها و كدت أجزم أنّها ليست تلكم الكاتبة المغربيّة الّتي قرأت عن معاناتها الكثير. تسرّ لك مليكة بهمس حالم عن أحلامها في السّّينما و المسرح و الكتابة . تتحدّث بفم ممتلئ .. ثرثارة هي و مولعة بالتّفاصيل .. لكأنّها تريد أن تختزل حديث العمر في يوم . تجيبك بعفويّة و خفّة دم مميّزة . تثيرك بهدوئها الّذي ما يفتأ يتحوّل لبركان من الحمم لو حاولت نقل نميمتهم المستفزّة لها .. و أخيرا لا تملك إلاّ أن تتّفق مع الشّاعر المرحوم الطّوبي و تقول أنت الآخر : " مليكة .. أنت قوّة الفراشة .. و قوّة الفراشة في هشاشتها لذلك فهي تطير !!
فى نظرك لم يرفض البعض تأنيث الإبداع ؟
يجب أن نعترف أنّ الأصول الأولى للحكي هي للأنثى . حكايات الجدّات شهرزاد ولكن لظروف تاريخيّة هيمن الرّجل على هذا الفنّ واستحوذ عليه . وكلّ ما يحدث الآن هو أنّ المرأة بدأت تحاول إعادة الأمور إلى نصابها واسترجاع شيء هو في الأساس ملكها .ومع ذلك في اعتقادي يجب أن ننظر للأدب كأد ب دون أن نقسّمه على أساس بيولوجي ( ذكر- أنثى) .لماذا في الأدب بالذّات نصرّ على تقسيم الأدب (نسائي –رجالي) لماذا لا يحدث هذا في الهندسة مثلا .فنقول هندسة رجاليّة وأخرى نسائيّة؟!
- هل الإبداع هو المدخل الحقّ للحياة؟
الإبداع هو الخلق !! هو الحياة نفسها!!
- إلى أيّ مدى عرّت مليكة مستظرف روحها الجريحة على بياض الورقة؟
رواية جراح الرّوح والجسد تحمل ملامح السّيرة الذّاتية . يظهر ذلك من خلال استعمال ضمير المتكلّم .وما أريد توضيحه هو أنّ ضمير المتكلّم هو ضمير لا شخصيّ باعتبار أنّ الكاتبة لم تعش هذه الأحداث .قد تحمل السّاردة نفس ملامحي لكنّها ليست بالضّرورة أنا .لابدّ للكاتب أن يتواجد بطريقة أو بأخرى داخل نصوصه .ليس سهلا أن تقف عاريا وينظر الجميع لعريّك .لكن يوما مّا سأتعرّى حتّى من ورقى التّوت .انتهاكات و جرائم كنت ضحيّتها ولازلت!! سأحاول نزع بعض الأقنعة وسيرى الجميع كم تبدو وجوهنا كريهة بدون أقنعة .لكن الآن أكتفي بابتلاع لساني والصّمت حتّى لا أهدر طاقتي من كثرة الحكي لأنّي لحظة تفجيرها أريدها بركانا وزلزالا .. أريدها صفعة في وجه كلّ مدّعي العفّة من سياسيّين و قوّادين.. الّذين يحيلون أحلامنا إحباطات وأسى.
- متى تمنيّت لو أنّك تستطيعين إيقاف الزمن؟
تمنّيت لو يرجع الزّمن إلى الوراء حتّى أرفض أن تقتطع أختي من جسدها لكي أعيش ..تمنّيت لو يرجع الزّمن إلى الوراء وأضع رأسي على ركبتي والدتي رحمها الله وتهدهدني كطفل صغير..!
- مالنّقد الّذي وجّه إليك وجعلك تفكّرين طويلا؟
أفظع نقد وجّه لي هو أنّني أكتب نصوصا إيروتيكية .أحد أصدقائي دكتور مثقّف أخبرني أنّه لا يحتمل أن يرى ابنته تقرأ ما أكتب لأنّ روايتي بالخصوص تحتوي على القاذورات .هذا المثقّف كان يكرّر في كثير من الملتقيات أنّ روايتي يجب أن يقرأها كلّ شابّ وشابّة . تأكّدت ساعتها أنّنا مجتمع يعاني شيزوفرينيا لكن توصّلت لأمر واحد: إذا أردت الاستمرار عليّ أن أضع القطن في أذنيّ.
- دوما كانت المبدعات و لا زلن متّهمات بكونهن البطلات الحقيقيّات لما يكتبن .. و أنت نفسك كانت قصائدك تتعرّض للتّمزيق حيث اتّهمت أنّك تكتبين لرجل معيّن و ما فتئت تتعرّضين لكثير من الإستفسارات و التساؤلات .
. لم المرأة المبدعة بالذات تحاكم على إبداعها عكس الرجل؟!
-بكلّ بساطة لأنّنا نعيش في مجتمع ذكوري .قد يتقبّل من الرّجل أن يقول أيّ شيء وكلّ شيء .لكن حينما تعبّر المرأة عمّا يجيش في صدرها فهي قليلة الأدب .تعوّدنا من الرّجل أن يقول كلّ شيء نيابة عن المرأة .يريدونها فقط أن تكون جميلة وتصمت!
- جاء في بيان رفض الكاتب أحمد بوزفور لجائزة كتّاب المغرب أنّه يخجل إذا أخذ تلك الجائزة منك أنت حيث يقول : " أخجل أن آخذ تلك الجائزة من أختي مليكة مستظرف التي تموت تحت أنظار الجميع و هم ساكتون ينتظرون أن تموت نهائيا ليرثوها ". بصدق يا مليكة ،
ألا ترين كالبعض أنّه كان من الأجدر بالأستاذ بوزفور أن يأخذ الجائزة و يقدّمها لك عوض رفضها؟
أستاذي بوزفور شيخ القصّة . أمام هذا الرّجل أفقد حتّى قدرتي على الكلام.رجل يفرض على خصومه كما أصدقائه أن يحترموه . الأستاذ وضع أصبعه على الجرح وانتظر من المسؤولين أن يقوموا بحلّ المشكل بشكل جذري . ومدّي بمبلغ الجائزة لن يحلّ المشكل .والأستاذ يعلم ذلك.ومدّي بمبلغ الجائزة كان من اقتراح حسن نجمي الّذي كتب ذلك في إحدى الجرائد . و أريد أن أقول لنجمي ما الّذي يمنعك من مساعدتي وتحريك ملفّي (بلا ريال بلا جوج) لم تجد غير هذا الكلام الفارغ ؟!! لقد أفقرت يارجل!
- ماذا أضافت لك الجرأة في الطّرح و الصّدق و الشّجاعة في تحريك الرّاكد الّذي يتحدّث بألسنتنا و يقول ما عجزنا عن قوله؟؟ و هل من ثمن دفعته لتلكم الجرأة في الإقتحام؟؟
في زمن الوهم ظننت أنّ الكتابة من الممكن أن تغير شيئا .لكن (عندما دخلت المعمعة) عرفت كم كنت واهمة . ما يزعجني حقّا هو أن يعتبر الآخرون أنّ ما كتبته سيرة ذاتية
.لماذا لا يعترفون أنّ للمرأة خيالا واسعا أيضا؟؟!!!ا
- نتمنّى أحيانا كثيرة لو أنّنا نملك أن نحمل أحلامنا و حزننا في حقيبة و نرحل .. ألم تسكنك هذه الأمنية يوما؟
تمنّيت كثيرا لو كان بإمكاني أن أحمل أحلامي وأرحل إلى أبعد نقطة في الخريطة . بعد أن أقبر أحزاني في مكان مّا من جمجمتي .تمنّيت لو كنت كنبات الفطر بلا جذور تشدّني إلى الأرض!
- حين تكون الورقة قاسية معك و تتحدّاك و تدير لك ظهرها هي الأخرى أسوة بالزّمن .. ماذا تفعلين؟
عندما تعاندني الورقة وتتحدّاني أشهر في وجهها أصبعي الوسطى. أمسك يد عصام وأقوم بكلّ الأشياء المجنونة الّتي تخطر لنا في حينها .كأن ألعب معه(ماتش كرة) بعكّازتين.
- هل تدردشين مع أحلامك لمنعها من النّوم في وقت أنت في أمسّ الحاجة لاستيقاظ الحلم داخلك؟؟ و حزنك .. كيف تمنعينه من الصّمت حين تكونين بأمسّ الحاجة لبكائه؟
لديّ رومانسيّة مزمنة .. هكذا أحلم وأنا مفتوحة العينين .لأنّي عندما أنام تهاجمني الكوابيس .عندما أحزن أدفن أحزاني في غرفتي بين أوراقي.ومع ذلك أحاول أن لايهزمني الحزن حتّى لا يشيخ الطّفل بداخلي.
- مليكة ، أطال الله عمرك ، أنت الآن تعانين مرضا مميتا و يقال أنّ الموت شيء مهمّ و موضوع شيّق و أنّ التحدّث عن الموت هو المدخل الوحيد للوصول إلى قيمة الحياة .. صحيح هذا؟
" أنت تحملين موتك معك ". هكذا قال لي الزفزاف يوما .الموت لم يعد يخيفني . لقد حكم عليّ الأطبّاء بالموت مرّتين .أبدا حصّة غسيل الكلى ولا أعرف إن كنت سأعود للبيت على قدميّ أو على ظهري . ما يخيفني حقّا هو الموت الرّمزي كالإقصاء و التّهميش و الحصار . هذا هو الموت الحقيقيّ !!
هل أنت متصالحة مع ذاتك و جسدك الآن بعد محاولات ترميمك لخرابك الرّوحي في كلّ من " جراح الرّوح و الجسد " و " ترانت سيس"؟
أنا إنسانة لا تتصالح مع الوقت والزّمن . مسكونة بالحرف والحلم .. أرفض الإنحناء .اخترت أن يكون لي اسم دون وساطة الوسطاء أو تعميد القساوسة.
rwayda
08-Aug-2008, 11:23 PM
ما مدى إيمان مليكة مستظرف بحدود أخلاقيّة معيّنة يجب أن يلتزم بها المبدع و هل تؤمنين أصلا بالأدب الروائي الملتزم؟
الكاتب من حقّه أن يكتب في كلّ المواضيع الّتي يرى أنّها تستحقّ الكتابة .لكن دون ابتذال . لكنّ بعض الأشخاص الّذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الأدب لا يحسنون سوى وضع العلامات الحمراء أمام الأديب حتّى يعرقلوا سير ه.هؤلاء متخلّفون حضاريّا وثقافيّا .ولديهم أفكار بال عليها الزّمن.يحاولون سجن الأدب داخل زنازن اخترعوها . الأدب لا يسجن لأنّه بذلك يموت!!
- صدرت مؤخّرا مجموعتك القصصيّة " ترانت سيس " و هي أوّل مجموعة قصصية لك .. يقال أنّ الروائيّ قاصّ فقد نفَسه .. هل فقدت نفَسك الرّوائي؟
لاأتحكّم في شكل و مساحة النّص .قد يكون رواية كما قد يكون قصّة قصير ة. لهذا أقول أنّ النّص هو الّذي يختار شكله النّهائي
- القارئ لروايتك "جراح الرّوح و الجسد " و مجموعتك القصصيّة " ترانت سيس" يلاحظ أنّ هناك تنافرا علائقيّا مع الأب . ما تعليقك و نحن ندرك أن ليس ثمّة ملعقة لا تصدم حافّة الطّنجرة؟؟؟
كلّ ما في الأمر أنّني وأبي من جيلين مختلفين حدّ التّنافر . لا توجد بيننا لغة مشتر كة .لذلك لا أناقشه حتّى لاأصطدم معه أكتفي بتحريك رأسي بالموافقة تجنّبا لصداع الرّأس.
- حين تكتب مليكة قصّة أو رواية و تضع نقطة أو ربّما علامة تعجّب في آخر سطر . هل تضحك أم تبكي أم تراها تغلق الدّفتر و تنام؟!؟
تتملّكني حالة غريبة .أحسّ أنّه فجأة نبت لي جناحان .أحسّ أنّ شخوص نصوصي أشخاص حقيقيّون يمكنني لمسهم ومواساتهم .لا أستطيع التخلّص من سطوتهم وقد يتسلّلون إلى أحلامي ويسكنون داخلها.
- تحتاجين لكلية حجمها لا يتعدّى 6 سنتمترات و هذه الكلية أرخص من ثمن سيّارة من السيّارات الّتي ابتاعها الوزراء المغاربة على حدّ قولك . ألا يكتنفك حقد على الآخر جرّاء هذا؟
الحقد كالحبّ ، كالكراهيّة .. أحاسيس طبيعيّة تتجاذبنا .فقط يجب أن لا تتجاوز الحدّ حتّى لا تفسد علينا حياتنا .لكنّ بعض الّذين مارسوا عليّ سلطتهم وظلمهم أطلق عليهم الرّصاص بقلمي وأدفنهم بين صفحات كتاب.
- سابقا كنت تقتطعين ثمن دواء فقر الدّم و دواء الكالسيوم لتسدّدي ما بذمّتك للمطبعة إثر إصدارك روايتك "جراح الرّوح و الجسد"ممّا أثّر على رجليك لاحقا .. ه
هل ندمت يا مليكة عن تلك التضحية ؟ و في المقابل ماذا قدّم لك الإبداع و الكتابة؟؟
نعم ددمت .لو كنت أعلم أنّ الأمر سينتهي بي على عكّازتين لما أقدمت على هذا الجنون . أستجدي العلاج في بلدي ؟! شيء مخجل أن يصبح العلاج ترفا غير مسموح به للجميع.
- تعانين من الفشل الكليوي منذ 1986 و تقومين بتصفية الدّم ثلاث مرّات أسبوعيا ، إضافة إلى أنّك تتناولين كميّة كبيرة من الأدوية .. أيضا أصبحت عظامك هشّة و سريعة الكسر كما أنّك لا قدّر اللّه مهدّدة بالشّلل . و كلّ هذا لم يجعلك يائسة و لا مستسلمة بل ها أنت تبدعين مجموعتك القصصيّة " ترانت سيس "و تدقّين كلّ الأبواب لمساعدتك معنويا و صحيّا .
. ترى ما سرّ هذه الرّغبة القويّة في الحياة؟ماذا منحتك هي لتتشبّتي بها هكذا؟؟
أضيفي كذلك أنّني لاأتبوّل منذ سنوات وممنوعة من شرب السّوائل بكثرة أو أكل الفواكه الطريّة أوالجافّة .أنقل الدّم مرّة كلّ أسبوعين أحقن بإبر قد تتسبّب لي في العمى أو الصّمم . هل أكمل أم أصمت.فكّرت ذات هزيمة أن أنتحر ابتلعت كميّة من الأدوية لفظني الموت وعدت للحياة بجسد أكثر إنهاكا وتعبا . كما ترين الحياة مصرّة عليّ .
- قامت مجموعة البحث في القصّة القصيرة بطبع مجموعتك القصصيّة " ترانت سيس " و كانت تلك بادرة طيبة جدّا .. أكنت تمنّين النّفس بأكثر من هذا؟
عندما يأتي الخير من أهل الخير فلا داعي للتعجّب . لكن كنت سأصعق لو أتت البادرة من اتّحاد كتّاب المغرب مثلا لأنّني أعلم أن ّالصّدقة لاتخرج من الحبس!!
- في أواخر دجنبر من العام 2002 كانت هناك استجابة ملكيّة لملتمسك . لكن فوجئت و نحن معك بعدم تنفيذ هذه المنحة الملكيّة حتّى أنّ ملفّك الصحّي و جواز سفرك اختفيا ؟؟!
في أيّ الإتّجاهات تحرّكت لتتفقّدي مصير الإستجابة الملكيّة و ما كانت النّتائج؟
استرجعت جواز سفري بعد أن ظلّ نائما في درج أحد المسؤولين .عشت ولازلت مسلسلا هيتشكوكيّا لا يصدّق . عرفت المعنى الحقيقي للكذب والغشّ والمراوغة . تعلّمت أنّ الإنسان غير المسنود رخيص . أصبحت كرة تتقاذفها الأرجل المتعفّنة. طرقت كلّ الأبواب المتاحة وغير المتاحة. الأستاذ عباس الجراري و الأستاذ عبد الهادي بوطالب كانا في قمّة الإنسانيّة .الأمير تشارلز أرسل لي رسالة يعتذر .. أطبّاء بلا حدود .. جرائد وطنيّة .. رسائل لجلالة الملك .. جمعيّات حقوقيّة خارج وداخل الوطن .. احتجاجات .. اعتصامات ..استرحامات .. جنون جنون جنون!! في بعض الأحيان أمسك رأسي وأنظر للمرآة وأقول لرأسي لا تخذلني.. إيّاك أن تنفجر أو تتخلّى عنّي سينتهي كلّ هذا .قد أجنّ .. من يدري أين سينتهي بي هذا المسلسل؟!
- و الآن .. أحبّ أن نثرثر على هامش المجموعة القصصية ترانت سيس : تكرهين اللّون الرّمادي؟
هو لون محتال غير واضح . أغلب النّاس رماديّون!!
حين تغضبين ماذا تأكلين ؟
المشكلة أنّني أعاني فقدان شهيّة مزمن سواء فرحت أو غضبت.
تقولين أنّ الحبّ يجعلنا نتصرّف كالأطفال بلا منطق و تتساءلين عن سبب عدم اختراع مصل ضدّ الإصابة بالحب .. مليكة ، هل سبق و بحثت عن هذا المصل؟
كلّنا في وقت من الأوقات بحثنا عن هذا المصل . لكنّني بعد النّكسات الوجدانيّة الّتي عشتها اكتسبت مناعة طبيعيّة ضدّ الإصابة بهذا الفيروس!
ماذا عن يوم السّبت كيف تجدينه؟
يوم السّبت يوم رائع لا مستشفى و لا أطبّاء ولا هم يحزنون . السّبت مقدّس بالنّسبة لي .. هو ملك عصام يأخذني حيثما يريد .. أعيش طفولتي معه . نادرا ما أخرق هذا الطقس.
. اشتهاء المرأة رجلها .. أين تصنّفينه .. في خانة الحرام أم الهذيان؟
المرأة عليها أن تشتهي الرّجل في صمت .. أن تكبت رغباتها ومشاعرها.
كيف تجدين فعل البصق؟
هو سلاح الفاشلين الّذين لا يحسنون إقناع الآخرين فيكتفون بالبصق عليهم.
تتسائلين في إحدى قصصك عن شعور المرء حين يقترب من الموت .ألا تملكين أنت الإجابة عن هذا السّؤال؟
كماقلت لك عشت الموت حتّى لم يعد يخيفني . أعتبره مرحلة انتقاليّة من عالم إلى آخر قد يكون أفضل. يكفي أنّ هناك في الضّفة الأخرى من الحياة لا يوجد مستشفى أو أشخاصا كريهين يسلبون حقّك في العلاج.
في قصّتك " الوهم " تؤكّدين على أنّ البنات في هذا البلد لا يعرفن الفرق بين الألف و الزّرواطة و يكفي أن تكشف الواحدة عن فخديها و ساقيها و تصبغ وجهها لتفتح لها كلّ الأبواب الموصدة . ألم تتمنّي لو أنّك تستطيعين فعل ذات الشّيء لتتمكّني من الحصول على كلية؟
المشكلة أنّني لا امتلك سيقانا و أفخادا حتّى أعرّيها
rwayda
08-Aug-2008, 11:42 PM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:269XNwp1zRxK8M:http://www.invino.ca/Ionesco.jpg
هذا هو حوار من أهم الحوارات التي دارت مع يوجين يونيسكو أو EUGENE IONESCO رائد مدرسة اللامعقول في المسرح أو التي عرفت بعد ذلك بالمسرح العبثي... والحوار قد أجراه معه الصحفي الفرنسي كلود أبستادو
أولا حواء
- كلود ابستادو: تمثّل دراسة الناقد للعمل الأدبي وجهة نظر موضوعية دائماً. هل تستطيع يا أوجين يونسكو، أن تقدذم وجهة نظر شخصية حول بعض المسائل، وأن تشير إلى مقاصد المؤلف؟... من مسرحية إلى أخرى، وتحت وجوه متعددة، قدّمتْ وجسّدتْ المرأة والرجل، حواء وآدم، كيف تراهما؟
- أوجين يونسكو: عندما أتحدث عن الزوجين، أخصّ المرأة بالمديح. أعنقد أن المرأة هي التي تمتلك الصفاء والحب.
لديّ انطباع أن هذا واضح جداً منذ منتصف الفصل الأول في مسرحية العطش والجوع. المرأة عاقلة. محبّة، تضمّ في أعماقها صفاء وفرحاً روحياً لا نجدهما لدى الرجل. وهي التي تجسّد روح الزوجين وهي المسؤولة عن الرجل، لكنها لا تنجح دائماً. في المشهد الأخير من الفصل الأول نجد عندها رؤية فردوسية، بينما الرجل لا يدرك شيئاً من ذلك الحب. يهجر البيت ويضيع. لم يلتقِ بأي شيء أساسي، ولم يجد شيئاً، وينتهي به المطاف إلى ذلك الدير-السجن الذي يمثل صورة عن الجحيم. على العموم مسرحية العطش والجوع تعالج إلى حدّ ما موضوع فاوست ومرغريت...
المرأة مسؤولة عن كل شيء وإذا ماظهرت يائسة من وقت لآخر فذلك لأن الرجل يصب عليها همومه كلها. في اميديه يهرب الزوج، يفرّ لكنها تبقى وفيّة مخلصة. وفي الكراسي. الرجل فاشل لكنها تتبعه حتى في فشله، ترافقه، تتبعه حتى في الموت. يهرب الرجل أحياناً أو يحاول الهرب لكن المرأة لا تفعل ذلك...
ك.أ. لكن في مسرحية الكركدن، ديزي هي التي تهرب.
ا.ي. صحيح، لكن ديزي، في الكركدن، ليست زوجة، إنها امرأة مغناج.
ك.ا. في "الملك يموت" للمرأة وجهان لا ينسجمان. مرغريت وماري.
ا.ي. مثّلتْ دور مرغريت بشيء من الخبث تلك الممثلة العظيمة التي قدمت معظم مسرحياتي، تسيلا شيلتون. ربما كان يناسب تسيلا شيلتون دور الضحية، أما بالنسبة لدور مثل دور الملكة مرغريت فقد وجدت مخرجاً إذ خلقت منه شيئاً آخر؛ خلقت منه امرأة مستبدة تسعى إلى الخصام إلى حدّ ما. لكن مرغريت تمثل القدر، تمثل القانون، والقانون رصين، قُدّمتْ عروض أخرى في انجلترا والمانيا صورة مختلفة عن المرأة، المرأة التي لا تلين لكنها صافية مشرقة.
المرأة هي الواجب لكنها الحب أيضاً. الملكة ماري هي الوجه الآخر للملكة مرغريت. هناك وجهان للمرأة، هناك ازدواجية. أرادت ماري أن تهب الملك سعادة أرضية ربما كان من المستحيل أن ينالها بينما كانت مرغريت مجبرة على أن تقوده حتى إتمام ذاته في الموت.
في مسرحية لعبة القتل نرى رجلاً وامرأة عجوزين يمكن اعتبارهما تلخيصاً لمسرحية الكراسي. المرأة هي التي تمتلئ بالثقة، المرأة هي السعيدة، رغم الكارثة، رغم الطاعون، رغم الموت. هي سعيدة لأنّها أحبت طوال الوقت. لقد أدرك الرجل متأخراً أن الحب والخلاص كانا قربه.
في الماشي في الهواء، تدافع المرأة عن الرجل، تساعده، تخاف عليه. هي التي كان عليها أن تعمل لتؤمن طمأنينة زوجها المجنون. في مشهد الكوابيس من الجزء الثاني من المسرحية أردتُ أن أبيّن الوحدة المطلقة التي تعيش فيها المرأة لأن الرجل يستطيع الاعتماد على المرأة، يمكن أن تحبه المرأة، أمّا المرأة فلا سند لها، وهي التي تمسك كل الخيوط بيديها.
.... وآدم.
ك.أ. والرجل؟ الموزّع دائماً بين صعوبة الحياة والاندهاش، أية تجربة في هذا العالم يمثلها الرجل؟ قيل أحياناً إنك قدّمت نفسك على المسرح تحت اسم بيرانجيه أو جان...
أ.ي. ربما كانت شخصياتي صورة عني إلى حدّ ما. لكن لا يمكن أن تكون أنا. صعب أن أقول: إنها غالباً الشيء الذي لا أريد أن أكونه، مالا يريد الكاتب أن يكونه. إنها الصورة التي رآها في الحلم. يمكن أن يكون المقصود شخصاً آخر، شخصاً تتحدث عنه، عرفناه، إذن نخاف منه... الرجل مثل الطفل ومن هنا يمكن أن نجد قيمته. إنه ذو قيمة روحية لأنه رغم كل شيء، طفل بحاجة إلى أم، إلى الأم- الزوجة التي تواسيه، ولأنّه يملك رؤية مدهشة للعالم. بطريقة ما، الرجال الذين خلفتهم لا يشيخون إذ أنهم يتابعون حياتهم في الاندهاش، والذهول والاستغراب.
هذا الاندهاش أمام الكون هو الموقف الفلسفي الأساسي، كما اعتقد، ومن ثمّ يجب إقامة فلسفة طبعاً؛ لكن نقطة انطلاق كل معرفة هي هذه القدرة على الاندهاش.
نرى هذه القدرة أحياناً لدى المرأة لكنها تكون أضعف بكثير دون شك، لأن للمرأة هموماً كثيرة إذ يجب عليها أن تساعد وتسند طفلها الرجل العجوز.
الفرد والمجتمع:
ك.ا. أنت تعرض الفرد في حالة تمرّد "غريزي" بمواجهة المجتمع.
ا.ي. الجمهور وحش مخيف. هذا ما حاولت أن أقوله في الكركدن، يرفض بيرانجيه أن يكون مثل الآخرين، يرفض ارتداء الزي الدارج، يرفض الإيمان بالايديولوجية المسيطرة، يرفض الانخراط مع الجمهور، يرفض الولوج إلى عالم "التنكير المجهول". يخاف أن يخسر روحه أوشخصيته. كان اينشتاين يكره التجمعات البشرية التي تضم عشرات الأشخاص. كان يحتقر من يحبون الشعارات، من يصرخون "صيحة القتال"، من يسيرون أرتالاً على الإيقاعات الموسيقية كما كان يفعل الهتلريون سابقاً وكما يفعل الصينيون حالياً؟ يغنون ويحملون شعارات أخرى، آلهة أخرى من الرجال.
في "الماشي في الهواء" قيل إنني كنتُ أتحدث عن خوفي الخاص، لكن لهذه المسرحية طابع سياسي... اعتمدتْ حكاية الطفل المقتول على "حادثة حقيقية" كما أنّ البعض قال: المقصود حكاية شاب في السابعة عشرة حاول الهرب من برلين الشرقية، فأُردي قتيلاً على "السور" عندما حاول اجتيازه... أما الشيء الذي رآه بيرانجيه أثناء هربه فهو الصورة البشعة المخيفة للعالم، العالم المستبد... إنّها حقاً مسرحية سياسية. عُرضت في برلين وفهمها البرلينيون على هذا الأساس مما خلق بعض الضيق والإزعاج.
rwayda
08-Aug-2008, 11:43 PM
ك.أ. وماذا يمثل "ماوراء العالم"؟
أ.ي. صعب جداً أن أشرح ذلك. المهمّ، في تلك الفترة كنت قد قرأتُ مؤلفات بعض علماء الفيزياء.
ك.أ. "قاتل بلا أجر" هي أيضاً مسرحية سياسية، إذا ما تذكرنا مشهد الأم بيبا.
أ.ي نعم. الأمر واضح.
مسرح"ملتزم".
ك.أ. أخيراً. هل يمكن الحديث عن مسرح ملتزم فيما يتعلّق بمسرحياتك، على عكس رأي بعض النقاد؟
ا.ي. كنت أتهم عام 1954، بأنني لا أكتب مسرحاً ملتزماً. في مجلة الاكسبريس مقالة طويلة بتوقيع برنار دور يقول فيها: حسناً، لقد أحسن اداموف، ويونسكو فيما صنعاه حتى الآن - أي نقد المجتمع البرجوازي ونقد لغة البرجوازية الصغيرة (هذا ليس صحيحاً إذ أن المقصود هو "البرجوازية الصغيرة في كل المجتمعات، اشتراكية أو رأسمالية أوسواها)، أمّا الآن فعليهما أن يقدّما شيئاً آخر، شيئاً إيجابياً.. كانوا يطالبوننا بالانضمام إلى مدرسة بريخت، وكان دور يريد أن يكون زعيم ايديولوجية تيار جديد؛ لكن لم تكن لديه القدرة على ذلك.
اعتباراً من قاتل بلا أجر والكركدن بدأتُ كتابة "مسرح ذي رسالة" لكنها لم تكن الرسالة المنتظرة.
ك.أ. لقد كتبت أن ليس على المسرح أن يمجدّ أية ايديولوجية، وأن الأجدى من ذلك أن يقرأ المرء مقالة فلسفية أو جريدته اليومية.
أ.ي. أرى أنّه إذا كان على المسرح أن يبقى بعد وفاة مؤلفه لن يكون ذلك بسبب الرسالة التي ينقلها.
أستشهد غالباً ببيراندللو: جميع نظرياته النفسية التي كانت تثير اهتمام عصره تمّ تجاوزها، ومع ذلك فإن بيراندللو مازال حيّاً.
كذلك الذين أقاموا المعابد، كانوا يتخيلون أنهم يفعلون ذلك لجمع المؤمنين وتقديم الأضاحي للآلهة؛ لقد خلق المهندسون المعماريون أثراً معمارياً بكل بساطة.
في مؤلفات الكاتب المسرحي، إمّا أن يتلف كل شيء ويتلاشى أو تتحوّل تلك المؤلفات إلى مسرح خالص.
ك.أ. ماذا تقصد بـ "مسرح خالص"؟
أ.ي. هناك الكثير مما يقال في هذا الموضوع.
في المسرح، ليست الأفكار هي التي تبقى إذ أن الايديولوجيات كلها تسقط في النهاية ويتمّ تجاوزها. ما يبقى هي العواطف والشخصيات، وربما بعض الأفكار، لكنها أفكار حيّة، من لحم ودم. لا يعنينا الآن الأفكار الفلسفية التي أتى بها شكسبير، إن ما يعنينا هو انفعالات هاملت أو ماكبث أوالملك لير... فلسفة شكسبير موجودة عند باسكال، عند الملك سليمان، عند النبي أيوب...
(هذا ما يُطلق عليه نقاد هذه الأيام "الترهات" الأمر يتعلق بكاتب جديد).
الإخراج:
ك.أ. مصير مسرح ما مرتبط أيضاً بتنوّع العروض التي يقدمها الممثلون والمخرجون.
ا.ي. نعم. أعتقد أن عملاً مسرحياً يمكن أن يُعرض بطرق متنوعة جداً: هناك عدد غير محدود من العروض المقبولة وعدد غير محدود من العروض غير المقبولة.
ك.أ. يتطوّر الإخراج مع الزمن. المسرحية التي كتبت عام 1950، لا يجوز أن تُعرض عام 1970 بالشكل الذي أُخرجت فيه سابقاً.
أي. لا شيء يشيخ سريعاً مثل أسلوب الممثل أو طريقة الإخراج. المسألة هامة. تتغير الحساسية الإنسانية كل عشر سنوات أوخمس عشرة سنة. وعلى الإخراج أن يلبي أسلوب كل عصر.
ك.ا . من وجهة النظر هذه، هل يمكن اعتبار "لعبة القتل" بداية طريقةجديدة في مسرحك.
ا.ي. نعم. لديّ هذا الانطباع.
بدأتُ أولاً بالمسرحيات ذات الفصل الواحد ثم انتقلت إلى مسرحيات أطول مثل قاتل بلا أجر، والكركدن.. مسرحية الملك يموت، لحن طويل محزن.
أمّا في لعبة القتل، فيمكن تخيّل عدة مشاهد تُعرض في وقت واحد على المنّصّة.
شاهدنا هذا العام في باريس مسرحية "اورلاندو العنيف" قدّمها المسرح الحرّ في روما من إخراج لوكار ونكوتي. كان هناك مقاطع جميلة هنا. ومشهد رائع هناك وكان المشاهدون ينتقلون من مشهد إلىآخر. هذا يدعو للاهتمام لكنني لستً من المعجبين بهذه الطريقة.
منذ حوالي خمس عشرة سنة فكّر جان -ماري سيّرو وآغام أن يوزّعا منصات صغيرة حول الصالة تُقدّم عليها مشاهد مختلفة، وكانت الكراسي الدوّارة تسمح للمشاهدين بمتابعة هذا العرض أو ذاك حسب رغباتهم.
لكن هذه اللعبة، لعبة لا تستطيع الذهاب بعيداً.. وليس لها أية نتائج خطيرة.
ك.ا. لكن هذه اللعبة تخلق ولا شك علاقات جديدة بين الجمهور والممثلين...
ا.ي. هذا يعني أنه لم يعدهناك قيمة لأي شيء. هناك نوع من التمرّد بين صفوف المخرجين ضد المؤلفين، وقد عبّر بعضهم مثل بيتر بروك عن ذلك بطريقة هذيانية تقريباً إذ قال إن على المؤلف أن يصمت وكل شيء مرتبط بالمخرج، أي به!
هذا كلّه لأنّه مخرج وليس مؤلفاً. لو كان ممثلاً، لقال إن الممثل هو الشخص الوحيد الذي يحق له الكلام.
لقد أُعجبت جداً، بما فعله غزوتوفسكي؛ لكن خَلَفَه كان هزيلاً، أبله أحياناً، غروتوفسكي، إنه التقشف والزهد ولا أرى بين الممثلين والمخرجين الباريسيين من يفعل مافعله.
يتهافت الناس على كل جديد، خصوصاً الكثيرون من رجال المسرح حتى لا يُقال إنهم "متخلفون".
لقد ولّى زمن كان الممثل فيه يتمرد على المؤلف.
هذه مغالاة. يجب إعادة التوازن. الإخراج مهم لأن فكراً يكمن خلفه.
في بعض مسارح باريس الصغيرة حاولت بعض الفرق تقديم عروضها دون مخرج ودون نصّ؛ لكن تلك المحاولات لم تعطِ أية نتيجة فرجع المخرجون الشباب، أي أولئك الذين يلغوا سن الأربعين أوالخامسة والأربعين، إلىالكلاسيكيات. أدركُ مع ذلك أن المؤلف شخصية لا تحتمل أبداً.
ك.ا. هل تعتقد أن مشاركة الصالة مع المنصة نافعة؟
ا.ي. أعتقد أن من الممكن تقديم كل شيء علىالمنصة ففي إحدى مسرحيات لونورمان عرض ج. باتي واجهة منزل مع نوافذ، كان هناك مشاهد مختلفة لكنها تندمج مع بعضها وتؤلف مجموعة منسجمة تُقدّم على المنصة ضمن تنظيم محدّد. يجب المحافظة على الوحدة ضمن تـنّوع المشاهد.
أشكال التعبير:
ك.ا. لقد كتبت ياسيد يونسكو حوالي ثلاثين مسرحية، وقصصاً، ومقالات نقدية، كما نظمت من قبل عدة قصائد، وسجّلت "يوميات"... هل ترى في المسرح وسيلة تعبير متميزة؟
ا.ي. يجمع المسرح احتمالات وسائل التعبير المتنوعة الأكثر فقراً...
ك.ا. بأية طريقة؟
ا.ي. اوه. أنت تعلم! أنا لا أعرف أبداً ماهو المسرح. لقد حاولتُ تعريفهُ لكن ذلك كان مستحيلاً تماماً. قلت في نفسي أولاً، كما يفعل جميع الناس؛ المسرح صراع، لكن الصراع موجود في الرواية أيضاً. المسرح قصة فيها أشخاص لديهم قضايا فيما بينهم، وهموم، لكن يمكن أن نجد ذلك في السينما أو في الروايات. يقال إن المسرح حوار، لكن بعض المسرحيات مبنية على المونولوج... التعريف الوحيد الممكن إذن هوأن تقول: المسرح هو شيء ما يُعرض علينا... يمكن أن يجري التمثيل على منصة أو في الشارع أو في باحة.
لكن لماذا لا يتمّ التمثيل في صالات المسارح؟ ذلك مناسب أكثر.
بعد خمس عشرة سنة ستمنع الثورة الرافضة المقبلة التمثيل على أرصفة نهر السين وستفرض إنشاء المسارح من جديد.
رويت في كتاب "اكتشافات" كيف التقيت مع المسرح. كنت في المدرسة الابتدائية وكان السيد لوازو، وهو المعلم، قد طلب منا أن نكتب موضوع إنشاء فكتبتُ ما أريد قولهُ بشكل حوار. كنتُ أكتب آنذاك إذن مشاهد صغيرة. ثم تخلّيت عن المسرح، بعد ذلك، وفضلّت الأدب. كان المسرح يبدو لي مصطنعاً نظراً لنتائجه الهائلة، وقد فهمت متأخراً إنه يجب التركيز على تأثيراته الكبيرة لأنّ... لأن الأمر هكذا....
لماذا أصبحتُ كاتباً مسرحياً ولم أصبح قاضياً هذا ما لا أعرفه...
حقاً لا أعرف.. أسأل نفسي كثيراً هذا السؤال ولاأدري بماذا أجيب.
لكن المسرح يشمل اليوميات والقصص والمقالات. إنه اعتراف، وحكاية، ونقد أيضاً.
ك.ا. هل ستتابع كتابة القصة؟
ا.ي. أحب جداً كتابة القصة، لقد شعرتُ بخيبة مريرة من الطريقة التي قوبل بها كتابي "صورة الكولونيل". لقد أُعيد طبع مسرحياتي باستمرار بينما طبعة أقاصيصي مركونة دائماً عند أصحاب المكتبات. يعتقد الناس أنني كاتب مسرحي وليس شيئاً آخر.. عندما قُدّمتْ مجموعتي القصصية إلى النقاد الأدبيين أرسلوها بدورهم إلى النقاد المسرحيين.
ك.ا. كتبت عام 1961، سيناريو فيلم "الغضب" كما أنّك أنجزت منذُ فترة فيلم "الطين"، وهو اقتباس لإحدى قصصك. ماهي الإمكانيات التي قدمتها السينما إليك للتعبير عن أفكارك؟
ا.ي. لم أشاهد ذلك الفيلم... لقد كتبتُ السيناريو ومثّلتُ الدور الرئيسي فيه (الحقيقة لم يكن فيه سوى دور واحد). لم تكن عملية المونتاج قد انتهت. سوف أرى إذا كان المخرج قد استطاع أن يضمّن هذا الفيلم ما أردتُ التعبير عنه.
مررتُ بتجربة غير سارّة في التلفزيون. لقد عُرضت مسرحية الكراسي في كل مكان تقريباً وكنتُ مسروراً من طريقة إخراجها؛ وقد تمّ تصوير أحد العروض. لاقت التمثيلية نجاحاً كبيراً لدى الجمهور أما أنا فكنتُ أشعر أن كارثة أصابتني.
تحوّلت الكراسي إلى مسرحية بسيكولوجية. الشخصيات واضحة، تنضح عرقاً، تتألم، تقوم بـ "إيماءات معبّرة" لقد أصبح العمل أدبياً ، وفهم الجمهور "نفسية" الشخصيات فهماً مبالغاً فيه.
الأمر الذي يدعو للاهتمام في المسرح هو أننا لا نرى الشخصيات عن قرب، نحن لا نرى سوى حركات الدُمى، وشخصيتين كاريكاتوريتين ودوامة من الكراسي التي لا يجلس عليها، وهذا يحملنا بعيداً، إننا نتجاوز علم النفس، ونغتني بالوفرة، ونغتني بالحقيقة.
مشاريع:
ك.ا. هل لديك حالياً أيةمشاريع؟
ا.ي. نعم، بالطبع، هناك مسرحية.. أعتقد أن من السابق لأوانه أن أتحدث عنها.
ك.ا. ألم يتحدد موضوعها بعد؟
ا.ي. بل، بلى، تأثرتُ كثيراً بجان كوت، الاختصاصي بمسرحيات شكسبير وأريدُ أن أكتب شيئاً عن غريزة السيطرة ......libido dominandi
ك.ا. ماكبث إذن؟
ا.ي. طبعاً ستكون عن ماكبث، كيف يحدث أن جندياً فاضلاً مخلصاً يتحوّل إلى وحش؟... نتيجة طموحه السياسي.. أريد أن أبيّن أن السلطة خطر وشؤم، وأولئك الذين يريدون السلطة السياسية، سواء حصلوا عليها أم لم يحصلوا- مصابون بالذهان الهذياني Paranoiaques.
يجب أن نسير بإرشادات العقول الإلكترونية...
ك.ا. هذه نظرة تدعو للقلق!
ا.ي. لا أعتقد ذلك. على كل حال، هذا أمر علينا أن نجرّبه! العقول الألكترونية توزّع الثروات. ربما كان في الإمكان إيجاد مجتمع بلا سياسيين. سيكون في الإمكان إيجاد مجتمع، بل مجتمعات، دون قادة الأحزاب... سيجد الناس المعنى الحقيقي "للسياسة" أي علم -جديد وقديم في وقت واحد- العلاقات الإنسانية، لكن السلطة توقظ "غريزة السيطرة".
rwayda
08-Aug-2008, 11:47 PM
حوار مع الشهيد الشيخ احمد ياسين ( رمز النضال والمقاومة )
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:FO6wu4KjcpBVZM:http://emyemyemy.jeeran.com/8.jpg
هذا الحوار هو النص المكتوب لحلقه شاهد على العصر ( قناة الجزيرة) بين الشيخ ياسين والمذيع احمد منصور
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة مع ضيف جديد في برنامج (شاهد على العصر) شاهدنا على العصر في هذه الحلقة والحلقات القادمة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية- حماس) مرحباً فضيلة الشيخ
أحمد ياسين: أهلاً.
.
أحمد منصور: ولد الشيخ أحمد ياسين في إحدى قرى قطاع غزة عام 1938م، وفي بدايات شبابه تعرض لحادث أصابه بالشلل التام، إلا أنه أكمل دراسته، وعمل مدرساً للغة العربية بعد حصوله على الثانوية العامة، سعى لإكمال دراسته في جامعة عين شمس في مصر، إلا أنه لم يتمكن من إكمالها بسبب ظروف عديدة ألمت به، عمل رئيساً للمجمع الإسلامي في غزة، وعرف الشيخ أحمد ياسين كواحد من أبرز الخطباء الذين عرفتهم غزة خلال العقود الماضية، أعتقل 1982م بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيم عسكري، وأصدرت عليه المحكمة الإسرائيلية حكماً بالسجن ثلاثة عشر عاماً، إلا أنه أفرج عنه في عام 1985م في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال الإسرائيلية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، بعدما أمضى في السجن أحد عشر شهراً.
أسس الشيخ أحمد ياسين مع مجموعة من النشطاء الإسلاميين حركة المقاومة الإسلامية حماس مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلية بيته في أغسطس عام 1988م، وقامت بتفتيشه، ثم ألقت القبض عليه ليله الثامن عشر من مايو عام 1989م، وبعدها حكم عليه -أصدرته محكمة عسكرية إسرائيلية في شهر أكتوبر عام 1991م- حكماً عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة مع إضافة خمسة عشر عاماً بتهم عديدة أبرزها اختطاف جنود إسرائيليين وقتلهم، وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس بجهازيها السياسي والعسكري، سعت حركة حماس إلى الإفراج عن الشيخ ياسين عبر مجموعة من محاولات الاختطاف لجنود إسرائيليين، إلا أنه أفرج عنه يوم الأربعاء الأول من أكتوبر عام 1997م بموجب اتفاق تم التوصل إليه بين الأردن وإسرائيل في عملية تبادل لعميلين للموساد حاولا اغتيال خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الأردن) مقابل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، الذي أطلق سراحه منذ ذلك الوقت، وبدأ يمارس نشاطه السياسي مرة أخرى.
شيخ أحمد، أود أن أبدأ معك من هناك من قرية الجورة التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها، كيف كانت ولادتك ونشأتك؟ وكيف كانت البيئة التي ترعرعت ووعيت فيها؟
أحمد ياسين: الحمد لله كانت بداية حياتي.. الميلاد في عام 1936م، في العام الذي كان يسمى في فلسطين عام الإضراب الذي استمر ستة أشهر، تحدثت والدت
ي
-رحمها الله- أنها رأت في منامها حين حملت بي هاتفاً يقول لها: أنت حملتي فإذا وضعيته فأسمي المولود أحمد، واحتفظت لنفسها بهذا الهاجس والرؤيا في النوم حتى إذا ما تم الميلاد اسمتني أحمد، فثارت عليها ضرائرها وسلافاتها، لماذا تسميني بهذا الاس
؟
أحمد منصور[مقاطعاً]: لماذا؟
أحمد ياسين: وخاصة أن في العائلة كان رجل من أقاربنا اسمه أحمد كان شديد البطش،كان مكروهاً، فرفضن أن يكون اسمي أحمد بهذا الاسم، إلا أن الوالدة يرحمها الله أصرت على أن تسميتي كما كان الهاتف قد هتف بها في أول حملها، وكان الميلاد من فضل الله في صيف سنة 1936م، أنا لا أذكر جيداً يوم الميلاد، ولكنه تقريباً كان في شهر 6، في الشهر السادس من عام 1936م.
أحمد منصور: في شهر يونيو.
أحمد ياسين: نعم، وطبعاً والحمد لله بدأت أنمو في أسرة طيبة هادئة، تعرف تعلم أن أهل الجورة أهل فلاحة وزراعة وبحرية.
.
أحمد منصور[مقاطعاً]: القرية أيضاً.
أحمد ياسين: يعملون في البحر.
أحمد منصور: ما هي البلد التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها؟
أحمد ياسين: أنا ولدت في قرية جورة عسقلان، يعني هي على أرض عسقلان المدينة القديمة التاريخية، والتي طبعاً كان لها تاريخ كبير في التاريخ الفلسطيني، طبعاً أنا بدأت حياتي صغيراً، والحمد لله كانت الوالدة إنسانة مؤمنة وطيبة، الوالد أنا لا أعرفه جيدا لأنه مات قبل أن يكون لدي الوعي الكافي في معرفته.
أحمد منصور: كان عمرك كم؟
أحمد ياسين: ربما مات الوالد وأنا عمري أربع إلى خمس سنوات، أنا لا أتصوره الآن، وكانت التربية منوطة بالوالدة –رحمها الله- والحمد لله يعني بدأنا حياة طيبة ونحن صغار، طبعاً كان ذلك في الحرب العالمية الثانية، فعايشت الجيش البريطاني وهو يأتي إلى فلسطين، ويستجم على ساحل البحر، كنا نذهب إلى البحر معهم، وكنت من الأطفال المقربين جداً، لقائد المعسكر في ذلك الوقت، لا أدري لماذا، لا أدري من دون أبناء القرية
أحمد منصور: كيف كان شكل هذا التقارب؟
أحمد ياسين: لا أدري.. أنا أذهب إلى معسكر الجيش فيستقبلني الكوبرول هناك استقبال غير الأطفال كلهم، وأدخل المخيم وأعبث فيه كما أشاء، فإذا نزلوا إلى البحر للسباحة أخذوني معهم، وأذكر مرة أنني نزلت قبلهم بثوان إلى الماء فغرقت وأخذت أشرب الماء، فقفز القائد ونزل عندي وانتشلني من الماء، فأنظر إلى الماء إذا به إلى ركبتيه!
أحمد منصور: يعني الإنجليز أنقذوا حياتك؟
!
أحمد ياسين: آه بس كان يعني المية إلى الركبة عنده هو، وأنا غرقان بأشرب ماء.
أحمد منصور: هل تتذكر كم كان عمرك في ذلك الوقت؟
أحمد ياسين: يعني هذا الكلام في خمس.. ست سنوات، طبعاً في هذا الوقت طبعاً بالذات كانوا بيسموني في.. يعني أهل الجورة بأعرف إنه كانوا بينادوني عبد الله بلبل اللاميم هذه العبارة كانوا بيطلقوها البريطانيين عليّ في ذلك الوقت، لأن بيتنا كان على الطريق الأسفلت المؤدي إلى البحر، بيننا وبين البحر معدل بس 200ن 300 متر، ولذلك كان الأمر قريب عليّ إني أنزل إلى البحر ونشاهد.
أحمد منصور: يعني هذا الاسم أطلقه عليك البريطانيون
؟
أحمد ياسين: كثير من أهل بلدنا يعرفوا هذا التاريخ، الناس الكبار يعرفوا هذا التاريخ، طبعاً كنت أدخل المعسكر، أدخل المطعم، أحضر الطعام لأبناء القرية وأناولهم من فوق السلك، أجيب علب بلوبيف، مش عارف علب إيش وأعطيهم، يعني ما فيش منهم حد يستجري يدخل المخيم إلا أنا، وهذا من فضل الله –سبحانه وتعالى- طبعاً أنا بذلك تعلمت شوية إنجليزي أيامها، وصرت أتكلم لغة كويسة، فلما ذهبت إلى المدرسة كان دخول المدرسة ذلك الوقت من العام السابع، لم يكونوا يقبلوا أقل من سبع سنين، فلما ذهبت إلى مصر كل الأطفال صاروا يقولوا للأستاذ هذا بيحكي إنجليزي يا أستاذ، فصار يسألني وأنا أجاوبه في كل الحاجات اللي بأعرفها يعني، والحمد لله دخلنا المدرسة وتعلمنا.
أحمد منصور: شيخ، قبل مرحلة المدرسة، هل كنت حينما كنت تذهب إلى المعسكر الخاص بالبريطانيين، ما هي مشاعرك، هل كنت تشعر أن هؤلاء محتلين ويأخذون جزءاً من بلدك
؟
أحمد ياسين: لم أكن أعرف محتلين ولا غير محتلين، أنا طفل صغير أجد متعة في الذهاب إلى البحر، في اللعب هناك.. بس فقط أنا لم أكن أعرف ذلك الأمر احتلال وما كانش عندي هذا الوعي، كان عندي هذا الفكر.
أحمد منصور: إلى المدرسة.
أحمد ياسين: طبعاً دخلت المدرسة، وبدأت رحلتي التعليمية في المدرسة، ومضيت طبعاً في هذه الفترة حتى أنهيت الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الجورة الابتدائية اللي كان فيها حتى الصف السادس، وانتقلت إلى الصف الخامس وطبعاً استلمنا الكتب، وبدينا أول شهر، وبدأت النكبة والرحيل من الجورة إلى منطقة غزة.
أحمد منصور: اللي هي حرب 48 النكبة الأولى
.
أحمد ياسين: آه 48.
أحمد منصور: النكبة الأولى.. كنت وقتها في الصف الخامس الابتدائ
ي؟
أحمد ياسين: كنت لسه مترفع إلى الصف الخامس، أصل الجورة تعرضت لهجمات من الطائرات من الإسرائيليين، فكان فيها دمار مش قليل في البيوت والمساكن، وما بأعرفش كان مقصود ضرب الجورة بالذات أو كان المقصود ضرب المجدل، لأنه كانت المدفعية للجيش المصري.. تهاجم الطائرات وهي متجهة إلى المجدل فإذا ما تضايقت ألقت بحملها على الجورة، ما بأعرفش هو يعني مخططة وغيره، لكن الجورة أصيبت، فأخذ الناس يرحلوا من البلد إلى الكروم والحقول حول البلد بعيداً عن هجمات الطائرات، وطبعاً إحنا كنا من الناس اللي طلعنا من البيت إلى عسقلان، ما هي عسقلان يعني (…) مرتفع شوية، وطبعاً فيه ذكريات كثيرة في ذلك الوقت، لأنه أيام في تلك الفترة كان الجيش الإسرائيلي قد قطع الطريق على الجيش المصري عند ديرسنيت، هناك عند ديرسنيت قطع الطريق على الجيش المصري، فالجيش المصري أخذ ينقل (...) عن طريق البحر عن طريق الجورة لأنه السفن بتاعتنا كانت (...) الجنود اللي واخدين إجازات والضباط إلى مصر إلى البواخر من الجورة.
أحمد منصور: يعني صارت قريتكم هي مركز للتمويل وللتنقل؟
أحمد ياسين: مركز أيوه.. عن طريق تمويل الجيش المصري اللي محاصر من ديرسنيت إلى من بيت حانون يعني إلى الدود. يعني أذكر من التحف اللي رأيتها إنه كان باخرة مصرية بتنزل وقود وإمدادات وبتاخد ضباط وجنود إلى مصر معها ، فجاءت ثلث بواخر إسرائيلية وحاصرتها في البحر من كل الاتجاهات، طبعاً القائد لما شاف الحصار حواليه أوقف الإنزال، وبدأ يرمي براميل البترول إلى البحر، وبعدين بدأ هجومه على البواخر الثلاثة.
rwayda
08-Aug-2008, 11:50 PM
أحمد منصور: هو فقط.
أحمد ياسين: هو لحاله طبعاً، وأخذ يضرب ضربات قاصمة في الثلاثة حتى فرت من أمامه، وفتح خط الانسحاب وخرج من بين.. كان منظر جميل جداً
.
أحمد منصور: أنت رأيت هذا بنفسك.
أحمد ياسين: بعيني، كما رأيت يمكن معركة ثانية، كنت بأجلس يومها على قمة جبل عسقلان، كان معايا عنزة صغيرة بأرعى فيها وقاعد بأتفرج كده، وإذا بباخرة مصرية أمامي، أنا على التل وهي قدامي يعني زي البركة جاءت طائرة إسرائيلية تهاجم الباخرة المصرية، تختفي ورا الجبل ثم تهجم عليه، إلا إنه الحقيقة كان القائد ممتازاً جداً، إنه كان يعمل حركات لطيفة بحيث إن القنابل اللي تلقى تنزل في البحر، ما تجيش على الباخرة، حتى الطائرة...
أحمد منصور: رغم الحركة البطيئة للباخرة!
أحمد ياسين: آه.. يعني يلف لف دائري مش يمشي أمام خلفي كان يلف دائري بحيث القنبلة تسقط في البحر اللي تلقى عليه، فكان عليه فكان بعد يمكن ما الطائرة استنفدت بنزينها أو كادت، فتركته ومشت ومشي فكان حاجة لطيفة، وأنت بتتفرج معركة بحرية جوية إشي طيب خالص، والحمد لله يعني كانت فترة لسه إحنا ما كناش على وعي كافي بالقضية.
أحمد منصور: لكن كنت تميز حينما شاهدت هذه المعارك، كيف كانت مشاعرك وما هي أحاسيسك وأنت تشاهد هذه المعارك؟
أحمد ياسين: طبعاً إنت عارف كلايتنا في تعبئة وحب لإخواننا في الجيش المصري اللي كان بيقاتل في ذلك الوقت، وبيدفع ثمن غالي وشهداء كثيرين في كل معاركه، لكن المشكلة إنه الخيانة ماكانتش عند حدود، لإنه كيف يعني ناس بيستولوا على كوبري خلاص نسلم لهم يعني وبنسحب، والغريب إنه الجيش المصري بدأ يسحب من الدود عمل خط سلك على البحر.. على الأرض وأخذ يسحب عن طريق بيت.. اسمها هريبيا عن طريق هريبيا.. قريباً إلى غزة، يعني انسحب الجيش المصري من الدود إلى غزة، ليس عن الخط الأساسي بل أنشأ خط جديد على ساحل البحر من الأسلاك، وأخد يسحب دباباته وسياراته وجيشه من هذه المنطقة، مع أنه كان في إمكانه بكل بساطة يفتح الخط شو يعني كام واحد وأنا جنب منكم بأفتحه عندي دباباتي وعندي طياراتي، عندي قواتي، خاصة الجيش المصري كان بيملك طيارات، كان بيدك المستعمرات وبيستولي عليها فمش صعب إنه يفتح خط أمامه، لكن شاء الله.
وخرجنا من الجورة طبعاً تحت التهديد بالإسرائيليين والخوف من الإسرائيليين، لأنه إحنا لما دخلت الجيوش العربية طبعاً كان مخططها لها تسحب الأسلحة من الناس.. البلاد عشان ما يكونش هناك قوة أخرى، وهذا أفقدنا القوة الذاتية والاعتماد على أنفسنا لأنه لما يسحب الجيش طبعاً من المنطقة مافيش إمكانات دفاع وإمكانات سلاح نهاجم الخصم
.
أحمد منصور: نعم.
أحمد ياسين: قبله كنا بنعتمد على أنفسنا، وعندنا بنادق وعندنا أسلحة ونواجه اليهود ونهاجمهم في المستعمرات، فلما جاءت الجيوش العربية طبعاً وانتزعت السلاح منا، فصرنا إحنا معرضين لأي ضربات عندما تنسحب هذه الجيوش، وكانت مشكلتنا إنه طبعاً.. الشعب الفلسطيني يُهاجم في القرى في الجنوب، وتصير مذابح في النساء والشيوخ والأطفال، فمذبحة تخوف القرية اللي جنبها والبلد اللي جنبها فينسحبوا الناس من أمام الهجوم الإسرائيلي، حتى تم لإسرائيل إنها تستولي على المنطقة يعني بشكل ما كانش متوقع، ولا كان ممكن يصير لو كنا نملك إحنا الشعب الفلسطيني سلاحنا، ومش مستعدين نسلم ولا نتحرك من أرضنا ووطنا، لكن الحمد لله هذا اللي قدره ربنا، إنه لم نكن نملك إمكانات قوة سلاحية، ولو الأمة العربية اعتمدت.. يعني بدعم الشعب الفلسطيني وتسليح الشعب الفلسطيني كان غير وجه المعركة تماماً، لأنه هو أدري ببلده، وأدري.. فإحنا قبل الجيوش العربية كنا نتقدم على اليهود، وننتصر في معارك، ويُهزموننا في معارك، نأخذ منهم ويأخذون منا، لكن عندما جاءت الجيوش العربية خلاص فقدنا السلاح، فقدنا القوة، وصرنا معتمدين على هذه الجيوش، فإذا انسحبت كنا مهددين بالخطر ولابد أن ننسحب معها.
أحمد منصور: شيخ، اسمح لي ما هو تقييمك كشاهد على الأحداث في ذلك الوقت وعلى ما حدث في حرب العام 1948م، وقد عايشت بعض أجزاء هذه الحرب رغم أنك كنت طفلاً في الثانية عشرة من عمرك، ما هو تقييمك لهذه الحرب ولما حدث بعد هذه الفترة الطويلة على وقوعها وقد شاهدت جزءاً منها؟
أحمد ياسين: والله أنا بأقول إنه أنا حزين لأن الأمة العربية وضعت معادلة غير طبيعية في ذلك الوقت.
إسرائيل كانت تعلن عن نفسها أنهما دولة صغيرة ضعيفة مسكينة ثم يهاجمها جيوش سبع دول عربية، فتحدث ضجة في العالم الغربي، سبع جيوش تهجم على ناس ضعاف صغار فتعطيهم قوة وإمدادات ومساعدات، ثم كانت الدول الكبرى تستخدم دائماً حق النقض الفيتو لأي قرار يخدم مصلحة الفلسطينيين أو الأمة العربية، أما إذا كانت إسرائيل متضايقة من المعركة فإن الفيتو على طول يبدأ ويشتغل وتكون قرارات مجلس الأمن فورية بوقف القتال، إذا كانت المصلحة لإسرائيل تتقدم فمجلس الأمن لا يجتمع ولا يتخذ قرارات وقف، إحنا عندما كنا لو كنا نحن الشعب الذين نقاتل لا نخضع لمجلس الأمن ولا قراراته، لكن الدول لابد أن تخضع لهذه القرارات فكانت توقف القتال، إذا كانت المصلحة للعرب مافيش قرارات وإذا كانت المصلحة لليهود تجد القرار فوري خلال ساعات يكون قرار بوقف القتال.
الواقع إنه إخواننا في الجيش المصري بذلوا الكثير ودفعوا الكثير، ولولا الخيانة اللي كانت تأتي من القصر والأسلحة الفاسدة اللي تعرضوا إلها ولا كان إلهم دور كبير ودور جيد في المعركة، أنا أذكر هنا كمان شيء طيب إنه كان في جانب الجيش المصري مقاتلين متبرعين من الإخوان المسلمين في فلسطين، حتى أذكر أنه الجيش المصري فقد تبة (81) شرقي غزة من هجوم إسرائيلي غدر إسرائيلي، ولم يستطع استعادتها بكل..، إلا إن المجاهدين المقاتلين تقدموا وفتحوها وأعادوها ثانية، تبة تستطيع أن تسيطر على الخط كله، كمان الجيش المصري دخل الأسفلت العام وترك مستعمرات على الخط على الأسفلت كان المفروض إنه هو ما يتركهاش لأنه بتتسكر عليه الطريق في (الماضي)..
يعني مثلاً كفاردروب اللي هي عند دير البلح كانت موجودة واللي استولى عليها الشيخ -محمد فرغلي -الله يرحمه– بالمقاتلين اللي معاه بعد صلاة الجمعة واستولى عليها في وضح النهار يعني المجاهدين المصريين – الله يجزيهم الخير – المتبرعين مع الفلسطينيين انضموا إلهم كانوا يؤدوا دور جيد، حتى لقد قرأت في كتاب "الإخوان المسلمين وحرب فلسطين" لمؤلفه كمال الشريف، كان بيقول: إن قائد الإخوان اتجه إلى اللواء فؤاد صادق في ذلك الوقت، قال له: ليش بتسحب؟ قال له: لأنه الطريق مقطوع علينا، قال له: طب أنا مستعد أفتح الطريق، أعطيني الليلة وأنا أفتح لك الطريق، وقف الانسحاب، قاله له: ماشي. فجمع قواته والمقاتلين معاه واتجه إلى بيت حانون ودير سنيت، وفتح الطريق، فوجد الانسحاب مستمر، قال له: مش اتفقنا توقف الانسحاب، قال له: هذه أوامر، قال له: ما دام أوامر وأنا أعمل إيش بعديك عاد!!
فكانت الأوامر تعني بالانسحاب، لأن بريطانيا تريد المعركة هكذا، وتصور تكون المعركة قائدها (جلوب)، قائد الجيوش العربية (جلوب) ما هو الملك عبد الله كان هو القائد وجلوب وهو قائد الجيش الأردني معناه القيادة تسلمها جلوب أو بريطانيا فماكانتش المعادلة صحيحة في معركتنا مع إسرائيل واليهود، وخسرنا المعركة وهذا من الأمور المؤلمة واللي نحمد الله عليه اللي لا يحمد على مكروه سواه، هذا واقعنا، أنا عايشت الجيش المصري في غزة وأنا طفل، والفقر كان شديد والجوع شديد، كنا نذهب إلى الجيش نأخذ قطع خبز تزيد عن الجنود أو طبيخ يزيد عن الجنود يعني لدرجة الناس محتاجين هذا.. محتاجين جداً، فكانوا فعلاً يعني طيبين ومعاملة طيبة، وما يفيض عن الجيش كانوا يوزعوه على الناس وياخدوه، عشنا هذه المرحلة بمرارتها وشفناها وبعدين فكرت بعد ذلك أن أعود إلى المدرسة، سكنت غزة في البداية..
rwayda
08-Aug-2008, 11:58 PM
أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني انتقلت من القرية إلى غزة بعد النكبة؟
أحمد ياسين: انتقلنا أول الأمر من القرية إلى منطقة عسقلان من الطائرات، المرحلة الثانية انتقلنا إلى الكروم في المنطقة الجنوبية، ثم ارتحلنا من منطقة كروم العنب جنوب الجورة تماماً أو قريب من.. إيش بنسميها.. ساكنة الجبلية كانت هناك وطلعنا إلى غزة مباشرة، وسكنا في الغابة اللي كانت منطقة الفرفيرة بيسموها "العتة" الآن أو منطقة السودانية، قعدنا فترة ثم انتقلنا سكناً في منطقة أبو مدين عند وادي غزة، الظروف صعبة وقاسية وشو نعمل في إيش نسكن؟ بنينا خص من قش وسكنا فيه، طبعاً رغم الشتاء والبرد وكذا إلا أنه الحمد لله حمانا من.. بفضل الله سبحانه وتعالى.
أحمد منصور: هل كنتم وحدكم أم أن كثير من العائلات كانت ترحل معكم بحيث أن الرحلة كانت جماعية؟
أحمد ياسين: كيف؟
أحمد منصور: كنتم ترحلون مع العائلات رحلة جماعية أم كانت أسرة
؟
أحمد ياسين: كله جماعي.. الجورة كانت رحلتها عن طريق البحر كل الناس بيضعوا أمتعتهم في السفن، بيرحلوا بينقلوها إلى غزة بيرجعوا ينقلوا الباقي وهكذا، ماكناش يعني زي الناس الآخرين نستخدم.. كنا نستخدم البحر في نقل أمتعتنا والارتحال إلى غزة، سكنا في منطقة وادي غزة 49 وبدايات 50، فكرت في ذلك الوقت إني أرجع على المدرسة..
أحمد منصور[مقاطعاً]: في هذه الفترة كان والدك توفي؟
أحمد ياسين: والدي توفي زمان.
أحمد منصور: وكانت والدتك هي التي ترعاك؟
أحمد ياسين: لا.. والدتي كانت معنا طبعاً
.
أحمد منصور: وإخوتك ما حدثتنا عنهم؟
أحمد ياسين: كان إخوتي، كان أخي الكبير هو الذي يرعى الأسرة طبعاً هو الذي كان يتعب، وأخي الثاني بعده كان هو يرعى معاه في العمل اللي بيقوموا فيه في البحر طبعاً، لأنه.. بل كانت الأوضاع سيئة لأنه البحر كان ممنوع الصيد فيه ممنوع الاقتراب منه، على أساس خوف المعركة مع اليهود والأسلحة و.. فكنا ندخل إلى البحر إلى الشاطئ يعني بالسرقة لنلقي بعض قطع الغزل ونصيد كمية بسيطة من السمك على الساحل لنبيعها ونعيش من ورائها.
أحمد منصور: شيخ، كم كان ترتيبك بين إخوتك؟ ما هو ترتيبك بينهم؟
أحمد ياسين: أنا عندي الوالدة.. كان إلي إخوة اتنين غيري من أمي وأبويا يعني إحنا ثلاثة، أنا أصغرهم ولنا أخت واحدة من أمي وأبي، يعني إحنا ثلاث إخوة وأخت، لي أيضاً أخوان من أبي من أم أخرى موجودين طبعاً للآن، ولي أخت أخرى من أبي من زوجة سابقة متوفاة طبعاً، هذا تقريباً عدد أفراد العائلة اللي إحنا فيها.
أحمد منصور: كنتم تعيشون على الصيد في هذه المرحلة؟
أحمد ياسين: أنا بالنسبة إلي لم أعاهد فترة الصيد، أنا في فترة الصغر لم أكن إلا في المدرسة، بس كنت أصيد يعني أحب أصيد، أطلع اصطاد على الطيور والعصافير والهذه.. كانت متعة فعلاً في الجورة، نعيش من الصبح للمسا وإحنا نجري ورا الـ.. نصطاد بالفخ والقرابين اللي بتلزق فيها العصافير بتحطها في العش..
أحمد منصور: طفولة يعني..
أحمد ياسين: آه، فكانت متعة جداً إنك تتحرك ورا الطيور وتصطاد، كانت.. الواحد فينا يمضي نهاره ومش داري عن حاله، لكن الحمد لله إحنا وطلعنا زي ما أنت شايف غزة، وبدأت بدي أرجع للمدرسة تاني، فرحت المدرسة في (انصراط) كان التعليم في انصراط هي أقرب الأمكنة علينا وعلى غزة، فدرست كام شهر، ثم تركت المدرسة وعدنا إلى غزة ثانية، لأن الأوضاع الاقتصادية كانت صعبة، ما فيش مجال للحياة، وفي غزة بدأت أعمل اشتغل في مطعم.. يعني اشتغل في مطعم فوال على الميناء، واشتغلت فترة طيبة في ذلك الوقت حتى سنة.. يعني أواخر 49 و50، ثم عدت إلى المدرسة ثاني مرة، ولقيت كل أبناء الحارة عندي رايحين إلى الصف الرابع وأنا قتلت لحالي بدئ أروح في الخامس، لا بدي أروح معهم في الرابع، فانضميت فرجعت للمدرسة ثاني في الرابع شوف أنا كنت طالع مخلص الرابع في الجورة بعد سنتين تلاتة بأرجع تاني على الرابع فكان تأخيري كبير في العمر.
أحمد منصور: كانوا من نفس عمرك الأولاد أو أنت حبيت تذهب معه
م؟
أحمد ياسين: لأ فيه منهم من عمري وفيه أقل، فيه أقل وفيه من عمري وفيه أكبر مني، ما هي الهجرة خلتنا بالشكل هذا، فأمضيت الرابع والخامس طبعاً في فصل صيف 52، كنت نازل البحر بألعب ومعي بعض الأصدقاء هناك في حركة معينة وأنا بأتشقلب على الأرض، صار عندي التواء في العنق في الرقبة فصار كسر فسقطت على الأرض بدون يعني إمكانية الحركة خالص، يمكن كان هذا كان هذا في 15/7/52، ونقلت إلى المستشفى من هناك إلى البيت ثم إلى المستشفى وطبعاً عملوا إجراءات طبية، جبس على العنق استمر 45 يوم كنت في الأول ما أتحركش خالص، بديت الحركة شويه شويه بديت أقف على رجليه، بديت أمشي، بس طبعاً مشي الضعيف اللي لو أي حاجة زقته أو وقعته حصوة في.. وهو ماشي يقع، والحمد لله بعد 45 يوم خرجت من المستشفي، فكيت الجبس عن عنقى، وبدأت أعود إلى المدرسة في 52 إلى الصف السادس طبعاً، وأنا ضعيف لو آجي أمسك القلم لا أستطيع أمسكه، وأمشى بضعف شديد لكن أي حاجة تلمسني في الطريق أقع، مرت الدراسة الابتدائية والإعدادية ثم انتقلت للمدرسة الثانوية كان هذا في مدرسة أولاً الإمام الشافعي ثم الكرمل
..
أحمد منصور: لكن كنت تمشي في هذه المرحلة وتتحرك؟
أحمد ياسين: آه كنت أمشي.
أحمد منصور: بالشكل الضعيف الذي أشرت إليه؟
أحمد ياسين: كنت أروح إلى المدرسة مشي وأروح مشي، ما كانش مواصلات، كنت أمشي إلى الإمام الشافعي وأرجع بعدين انتقلت لمدرسة الرمال اللي هي اليوم بيسموها الكرمل، وأكملت دراستي الثانوية في مدرسة فلسطين الثانوية وبعدها طبعاً كان أمامي خيار أكمل في الجامعة أو أشتغل، مقبول في القاهرة كنت، لكن مافيش إمكانات مادية اطلع أدرس.. فقر!! يعني فاخترت الوظيفة، ولو أنه الوظيفة كمان أتعبتني شوية لأن أنا كنت.
.
أحمد منصور[مقاطعاً]: بعد الثانوية هذا؟
أحمد ياسين: لا أنا الحمد لله كنت جيد في الثانوية و… كان هناك متخرجين كثيرين في قطاع غزة وما فيش عمل، فيه خرجين تجارة، وخريجين زراعة، وخريجين معهد معلمين، وخريجين توجيهي، فالسلطة بدها توظف مين، وتسيب مين والناس ثايرين بدهم ياكلوا، فعملوا مسابقة لـ1500 طالب كنت أنا منهم، فالحمد لله أنا كنت من الأوائل اللي ناجحين، ولازم أتعين فوراً لأن أول دفعة بدي أكون أنا متعين، فالمستشار الحاكم اللي هو محمود الشابي قال لي: لا، مش هعينك، ليش؟ لأنك ما تنفعش تكون مدرس، طب حطني كاتب مثلاً قال: لا، دي مسابقة مدرسين بدك تشتغل كاتب روح أتقدم لمسابقة كتبة.. يعني ما استفدناش من العمل، قال لي. قلت له: على كيفك.
أحمد منصور: لكن كيف كان الوضع السياسي وكيف كان الوضع الاجتماعي والحياتي في غزة في ذلك الوقت؟
أحمد ياسين: الوضع شعب مشرد يعني زي سجن كبير بيعيشوا فيه الناس تحت المساعدات اللي بتيجي من مصر، والوظائف اللي بتحدثها الإدارة المصرية في ذلك الوقت ما فيش غير هيك، البلد يعني محاصر مافيش إله يعني إمكانات مادية، فعلاً غبت وفكرت أطلع خلاص مادام مافيش وظيفة بدي أطلع أتعالج إلى مصر، إذا نفس الشابي بعت لي مندوب وبيقول لي: بكرة عايزك، فلما بعت لي قلت خلاص أنا بدي أشتغل، فرحت فعلاً على المدرسة استقبلني استقبال وجلسني جانبه قال: يا ابني خلاص مبروك أنت اتعيِّنت، فقلت له: شكراً..
.
أحمد منصور[مقاطعاً]: سنة كام، سنة كام تذكر؟
أحمد ياسين: دا كان في الـ 58.. صيف 58، قلت له شكراً، قال: لا، إذا بدك تشكر ما تشكرنيش أنا لأني أنا ماكنتش بدي أعينك، بدك تشكر أشكر الحاكم لأني لما حملت له الملف بتاعك قلت: يا بيه دا راجل مريض وما ينفعش مدرس، قال: وإزاي درس وإزاي نجح وإزاي كذا، لأ، يعين ونرجو له الشفاء وأمر بتعيينك.
أحمد منصور: ما شاء الله.
أحمد ياسين: فأنا يعني القصة استلطفتها جداً يعني، كيف أن الحاكم بهذه الجرأة لأنه كان يصدر أمر ممنوع أن يتركوا أي واحد من الناجحين مش يقفزوا على كيفهم ويبدوا ناس عن ناس، فهو بده ياخد قرار من الحاكم علشان يقفز عني، والحمد لله يعني بدأت خلصت.. بدأت عملي في 4/ 10/ سنة 58 مع أني كنت مخلص لسه في شهر 6.
أحمد منصور: يعني أنت بدأت عملك كمدرس في 4 أكتوبر عام 1958م في قطاع غزة، بعدها ذهبت إلى القاهرة أكثر من مرة، لكننا في الحلقة القادمة -إن شاء الله- سوف نبدأ من المرة الثالثة ذهابك إلى القاهرة في المرة الثالثة باعتبارها أهم المرات التي ذهبت فيها، والتي ربما حدثت فيها بعض الأمور الهامة التي تدخل ضمن شهادتك على الأحداث، أشكرك فضيلة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس).
كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس) في الختام أنقل لكم تحية فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
rwayda
09-Aug-2008, 12:02 AM
حوار مع احلام مستغانمى
حوار مع الروائية أحلام مستغانمي
الفرانكوفونيون يقولون اللغة العربية تحمل جينات الإرهاب ..
حاورتها : عقيلة رابحي
لأنها أحلام مستغانمي كان الحديث شيقا عن ثنائية الإبداع و الوطن و رغم أن كل ما هو خارج عن الإبداع ثرثرة إلا أن حديثها كان عبارة عن مقاطع من ذاكرة الجسد, هذه الرواية التي ألهبت شعورنا و أحيت فينا جوعنا الجزائري للحب و عشقنا الكبير لهذا البلد فعشنا سنين معلقين بين الوهم و الانتظار.
في هذا الحوار الذي أجريناه معها لدى زيارتها الأخيرة للجزائر تتحدث لنا أحلام مستغانمي عن جديدها الإبداعي و رأيها في راهن الرواية الجزائرية مستحضرة بعض المواقف التي واجهتها خلال مسارها الأدبي و من ذلك الحملة الإعلامية الشرسة التي تعرضت لها من طرف بعض الكتاب و النقاد العرب,ولم تخف صاحبة فوضى الحواس غضبها واستياءها من الوضعية التي آل إليها المثقف الجزائري و أكدت بأنها ستعمل فضيحة في القنوات العربية في حالة ما إذا لم تساعد وزارة الثقافة الكاتب شريبط أحمد شريبط الذي يعاني في صمت
*ماذا بعد رواية عابر سرير , هل تخلصت من شبح الغربة ؟
** أعتقد أنني شفيت من شبح الغربة أولا ثم أنني أصبحت أتردد أكثر على الجزائر , فزمن كتابتي لتلك النصوص كان زمن تاريخي صعب و في فترة التسعينات أقمت في فرنسا و هو الأمر الذي زاد في غربتي و أنا الآن متواجدة بلبنان و قد خففت الأجواء العربية في هذا البلد من غربتي و أعتقد أن كمية الروايات التي أصدرتها كانت بمثابة الجرعة الضرورية للشفاء و بما أن الكتابة تتوالد فإنه بإمكاني أن أكتب رواية أخرى ولكن ليس في هذا الموضوع.
آخر رواية كتبتها تحمل عنوان الأسود يليق بك تتناول محنة الثراء و الأذى الذي يلحقه المال بصاحبه.
*رواية ذاكرة الجسد التي حققت نجاحا خرافيا ستتحول إلى عمل سينمائي, إلى أين وصلت **التحضيرات الخاصة بهذا العمل؟
** هناك من يريد نص ذاكرة الجسد فلما و الآخر يريده مسلسلا و قناة أبو ضبي هي المؤسسة التي أتعامل معها , و هي تتعامل معي بشهامة وقد أشار لي القائمون عليها باختيار المخرج و الأبطال و مازال العمل مطاردا لأن هناك جهات تريد أن تنتجه , كما أن العقد الذي أبرمته مع دار ميشال يتضمن إلى جانب أعمالي الأدبية أعمالي السينمائية.
* أخبرني أحد الأصدقاء من الذين لهم علاقة بدور النشر بأنه هو الذي اقترح عليك عنوان ذاكرة الجسد ؟
** هذا ليس صحيحا لأن العنوان كان من اقتراح جارتي الفرنسية التي تقطن بمدينة كان حيث قلت لها في يوم من الأيام بأنني أريد أن أتعلم السباحة , كنت أعشق البحر قلت لها سأتعلم السباحة في العام القادم فأجابتني قائلة باللغة الفرنسية: "الجسد له ذاكرة " و هي الرواية التي أهملت ورفضوا نشرها في الجزائر انتظرت و قدمتها فيما بعد لسهيل إدريس
*حدثينا عن النشاطات التي قمت بها خلال الجولة التي قادتك إلى الجامعات الأمريكية و كيف وجدت قرائك؟
** هذه الجولة أخذت من وقتي الكثير و اكتشفت خلالها أن كتبي تحضى برواج كبير لدى الجالية العربية و قد أخذت معي كمية كبيرة من الكتب إلى أمريكا لتوقيعها فوجدت بأن الكتب نادرة هناك وتباع بأثمان باهضة وعندما ألقيت محاضرة في جامعة بوستن فوجئت بجالية جزائرية كبيرة في هذه المدينة وكم كنت سعيدة عندما أخبروني أن أكبر سلطة علمية في بوسطن هي شخصية جزائرية، كما ألقيت محاضرة في جامعة تيال و هي الجامعة التي تنافس هارفارد و التقيت بالجالية الفلسطينية، كما ألقيت في شهر أفريل محاضرة في جامعة بركلي برفقة المؤرخ محمد حربي حول موضوع الحرب الجزائرية و الإرهاب
*كيف تقيمين المستوى الذي وصلت إليه الرواية في الجزائر؟
** مستوى رائع, أنا معجبة بكتابات واسيني الأعرج خاصة أعماله الأخيرة وبالروائي ياسمينة خضرا ,أعتقد أن الساحة الأدبية تسع جميع المبدعين وما يؤلمني هو أن لا يغفر لأي كاتب حقق نجاحا رغم أن هذا النجاح يكون على مستوى جزائري
* و كيف هي العلاقة بينك وبين الأديبة فضيلة الفاروق ؟
** لا أريد أن أدخل في هذا الجدل مع فضيلة الفاروق , لا يمكنني أن أدافع عن نفسي.
وأذكر أن القائمين على إحدى القنوات اللبنانية عرضت عليا مبلغا كبيرا مقابل دفاعي عن الشاعر نزار قباني حينها رفضت هذا العرض و قلت بأن أعمال نزار قباني هي التي تدافع عنه.
* كانت علامات السعادة والرضا بادية على ملامح وجهك خلال حفل توزيع جائزة مالك حداد فهل ترين بأنك حققت التزامك تجاه هذا الأديب الكبير الذي شكل هاجسا مركزيا لأعمالك الإبداعية, وكيف تردين على الذين يتهمونك بسرقة أعماله؟
** نحن نكرم من خلال مالك حداد الآخرين , فكم كان مهمشا هذا المبدع , قلت بأنني سأهبه غزالة وحققت هذا الالتزام بعد 10سنوات , لقد شنت علي حملة شرسة انطلاقا من فضيلة و آخرين فأنا أحببت مالك حداد وكلانا انطلق من الشعر لينتهي إلى الرواية، وبالنسبة لي فإنني أبارك كل من يشرف صورة الجزائر , و الجزائر لم تبدو جميلة مع فضيلة وهي امرأة تحب الجزائر لكنها انبهرت بالأضواء
*بالرغم من حبك الكبير لهذا الوطن إلا أنك ظلمت فيه أكثر من مرة من خلال الإقصاء و التهميش الذي تعرضت له في بداية مسارك الإبداعي ما حدث لوالدك و أحداث أخرى ربما لم نسمع بها...ماهو تعليقك؟
** والدي كان من الرجال الذين كانو مسؤولين عن توزيع الأملاك الشاغرة بعد خروج الاستعمار من بلادنا , كان كبيرا وشريفا و لم يملك شيئا و إنما ترفع عن أشياء سرقوها و أمي تعرضت إلى التفتيش لأنها والدة جمركي و أهانوني مرة عندما منعوني من دخول الفندق لأنهم سمعوني أتكلم باللهجة الجزائرية و سمحوا لأصدقائي الذين يتكلمون باللهجة اللبنانية بالدخول فقلت لهم :
في لبنان كرمت لأنني جزائرية
*وكيف تعاملت مع الهجمات الشرسة عليك؟
حوربت في فرنسا من طرف الكتاب الفرانكفونيين لأنني استحوذت على الساحة الأدبية خاصة بعد أن ترجمت رواية ذاكرة الجسد , وكانوا يتهمون اللغة العربية بأنها لغة تحمل جينات إجرامية.
اعتبر أن الصمت جزء من الإبداع واعتبر كل ماهو خارج عن الكتابة ثرثرة و أنا ملك لهذا الوطن و أعتقد أن الشباب سيدافع عني إذا أحس بقربه مني فالجزائري يدافع عنك إذا أحس بأنك صورته , فإذا هوجمت آسيا جبار لن يدافع عنها الجزائريون لأن أدبها بعيد عن الصورة الواقعية للجزائر الحالية.
*لاشك وأنك سمعت بمحنة الكاتب شريبط الذي يصارع المرض وحيدا دون أن يلتفت إليه أحد , فما هو رد فعلك الجزائري على تجاهل معاناة ومأساة الكاتب الجزائري؟
**ماذا تنتظر وزارة الثقافة فشريبط مريض ولديه كرامة ولا يملك من يساعده على العلاج فهل ينتظرون حتى يبيع إحدى أعضاءه , أنا أعبر عن تضامني الكبير مع هذا المبدع وإذا لم يساعدوه سأعمل لهم فضيحة في القنوات العربية فأين هي ميزانية الجزائر وميزانية وزارة.
* عن جريدة الوسط
rwayda
09-Aug-2008, 12:04 AM
إباء اسماعيل في حوار مع ديوان العرب:أ
ولوياتنا إنعاش الحركة الأدبية والثقافية العربية في المهجر١٠أيار (مايو) ٢٠٠٧ أجرى الحوار عادل سالم
أخت إباء ما هو شعورك بعد فوزك برئاسة رابطة القلم العربية الأمريكية في متشيغان؟؟
أن أتجرّد من جلد طفولتي الشاعرة قليلاً ، وأرتدي ربطة عنق حاسمةوحازمة ، أن أقود السفينة بجرأة القبطان وقدرة تحكمه على تسييس الماءلصالح الركاب. أن مسؤوليتي دفع السفينة إلى مدى أبعد مما هو كائن .. لمْتسكنني طيور الفرح في تلك اللحظات ، كانت شعلة إرادتي وإيقاع هواجسيتدفعني لأن أضع بصمتي الجديدة، وحلمي الحميم أن لاتُمحى على مرّ الأنامل والرؤى واللحظات اللامتناهية.
كيف يمكن أن نصف الكتاب العرب في المهجر؟
مجتمع أدبي ثقافي إبداعي متكامل وغني يحمل ذات مواصفات المجتمعاتالأدبية والابداعية والثقافية في العالم العربي . ولكنه مصغَّر ومتعددالجنسيات وأكثر جرأةً وانفتاحاً على الثقافات الغربية التي يقيم فيها ،ولكن ليس بالضرورة أكثر إبداعاً أو تميّزاً! تماماً كما في العالم العربي،التيارات الأدبية والشعرية تأخذ منحاها ، والصراعات الحداثية والتقليديةيمكن أيضاً رصدها بدقة.
هل هم جزء من أمتهم التي هاجروا منها أم أصبحوا جزءا من وطن جديد يحلمون به؟؟
الإثنان معاً . سأنطلق من تجربتي كشاعرة مغتربة في الولايات المتحدة الآنلأكثر من عشرين عاماً. وهذا ينطبق تقريباً على الجميع، بما فيهم الجيلالثاني من الأدباء الأمريكان من جذور عربية الذي يمكنك أن تقرأ شراراتقلمهم وهي تنبض بوطنين: الأول ذلك الذي سمع عنه من والديه ، وذلك الذي نشأفيه . إن أي انسان سواءً كان أديباً أو لم يكن، يحمل في وجوده الانسانيطاقتين: الإولى ماضيه وتاريخه البعيد وانتماءاته القديمه بحجم وطن ،والثانيه عالمه الحديث جداً الذي يستوعِب حاضره ومستقبله ، وكل ما تحملهروحه من أعباء وآمال. تنصهر تلك التجربة الانسانية في ذات المبدعين لتشكلحالة متميزة في أدبهم وفكرهم وإبداعهم ، ابتداءً من تعاطيهم مع لغتين ،إلى وطنين ، إلى شعبين ، إلى تناقضات مثيرة للجدل قد تودي بالبعض للعيش فيحالة شيزوفرينيا انسانية وابداعية في آن ، ولكنها حالة صحية وطبيعية علىماأرى ، لأنها تشكل حالة انسجام في النهاية مع ذاته كمبدع.
ما هو دوركم في الوسط الذي تعيشون فيه (الولايات المتحدة) هل استطعتم الوصول للقارئ الأمريكي؟
لدينا أولويات ، وأولوياتنا إنعاش الحركة الأدبية والثقافية العربيةفي المهجر الأمريكي باللغتين العربية والانكليزية من خلال إقامة الأمسياتالأدبية و الندوات الثقافية الشهرية ونشر كتاب نصف سنوي ( صفحات مهجرية) يعكس تجربة الأدباء العرب الأمريكان في اللغتين العربية والانكليزية ،وكذلك لانستثني عطاءات الأدباء العرب في الداخل. ولكننا في ذات الوقت ،نأخذ بعين الاعتبار المتلقي باللغة الانكليزية سواءً كان أمريكياً أوناطقاً باللغة الانكليزية ، سواءً في إقامة الأمسيات الأدبية والندوات أوالمنشورات، جميعها تستوعب المتلقي العربي في الداخل والخارج ، والمتلقيالأمريكي ، لأن الكثير من المشاركين في الأمسيات تكون قرءاتهم باللغةالانكليزية.
ماذا تضم جمعيتكم؟ كتابا عربا أم أمريكيين أم خليطا من كليهما؟
كرابطة عربية أمريكية ، فإن جميع أعضائها هم من العرب الأمريكان. يشترطالنظام الداخلي- البند الأول من المادة السابعة في الفصل السابع يقول ضمنشروط الانتماء إلى الرابطة ، أن تتوفر في المتقدم للعضوية شروط الاقامة فيأمريكا الشمالية وهذه أيضاً تشمل كندا، أي أن تكون إقامتهم شرعية فيالولايات المتحدة . طبعاً هناك لائحة أعضاء شرف لاتنطبق عليهم هذهالمواصفات ، تتضمن أعضاءً يشترط فيهم التميز الابداعي في أية لغة ومن أيةدولة في العالم.
ما الذي استطاع كتاب المهجر أن يضيفوه إلى الحركة الثقافية العربية؟
هذا السؤال الموسوعي يصلح لأن يكون عنوان كتاب!! ولكن كمحاولة منيللإختصار أقول: كل كاتب أو مبدع مهجري بالتأكيد أضاف ليس فقط للحركةالثقافية العربية بل الأمريكية أيضاً . الحالات متفرِّدة ولا يمكن في هذاالسياق تعميمها على الجميع. من المفروض دراسة نتاج كل كاتب على حدى كي نصلإلى النتيجة المرجوة.. أرى بأنّ الحركة الثقافية العربية في الولاياتالمتحدة ليست أكثر تطوراً مما هي عليه في العالم العربي .وما أضافته إلىالحركة الثقافية العربية هو إنتاج إبداع مُغاير من تقصيه مناحٍ كثيرةكالترجمة من وإلى العربية والتطور المقصود به هنا الإبداع و الحداثة والجودة . هي في بعض الأحيان ربما أكثر جرأة من حيث المضمون.
هل تكتبون أو تصورون في إبداعاتكم مشاكل العربي المهاجر أم لا زلتم مربوطين بالماضي وبحارات الشام وعمان والقاهرة وبغداد؟
لا أسمح لنفسي أن أتحدث بلسان كتاب المهجر جميعاً. لكل كاتب خصوصيتهوتجربته وعطاءه الابداعي المختلف . هناك مَن الشعراء والكتاب ممن التزمواهذا الخط بشكلٍ عفوي دون أن يقفوا عنده ، وعلى النقيض ، هناك من الكتابوالشعراء ممن انغمست كتاباتهم في الأجواء الأمريكية وتفاعلوا معها بشكلٍكامل ودائماً هناك حكايات الأب والأم والجدة حول الوطن الأم الذي لميعيشوه بل كان تاريخاً وقصصاً من حكايات الأهل والأجداد . معظمهم وصلالخطين معاً ، فالمبدع هو في النهاية انسان، والانسان هو ابن ماضيه وحاضرهومستقبله عاش ويعيش ويتفاعَل ويصنع ويحلم ويبدع ، وعملية الانصهار في هذهالتجربة الابداعية أكبر من أن تتشكل من مساحة لونية بيضاء ونقيضها المساحةالسوداء!!
rwayda
09-Aug-2008, 12:05 AM
هل مؤسستكم مسجلة رسميا ضمن المؤسسات الثقافية الأمريكية
رابطة القلم العربية الأمريكية هي مؤسسة مسجلة رسمياً لدى الدوائر الرسمية في الحكومة الأمريكية في ولاية ميتشغن.
هل لديكم علاقات مع اتحادات كتاب عربية؟العلاقات والتواصل حتى هذه اللحظة ليس على مستوى رسمي بل على مستوى ابداعي .
لنعد لك سيدة إباء، تكتبين الشعر منذ سنوات، فهل تشعرين برضى عن قراء الشعر أم تشعرين أن من يقرأون الشعر في انخفاض دائم؟
بعد دخولنا إلى عالم النت، كشاعرة أقول: إنّ الأرقام التي تخطف بصريعلى الشاشة الألكترونية وعدد قرّاء الشعر هم في ازدياد مذهِل . أؤمن أنالقارئ العربي من خلال تواصلي الدائم معه هو قارئ مثقف ويميّزجيداً مايقرأمن شعر . هو في كثير من الأحيان ، ناقد جيد أيضاً . وفي أحايين أخرى، إمامادح أو هجّاء!!! أحياناً أشعر بأن القارئ العربي ينجرف بمشاعره أكثر منعقلانيته وهو يعبر عن موقفه من عمل أدبي ما وبشكل خاص مايتعلق بالشعر. لربما هذا ينطبق أكثر على القراء الذين هم في سن الشباب المبكر .
ما رأيك بما أفرزته الشبكة العنكبوتية من ثورة في المعلومات، هل أثر ذلك على الشعر إيجابا أم سلبا؟
شبكة الانترنت كما ذكرت في السؤال، أفرزت ثورة في المعلومات ، بل وأكثر منذلك. أدى هذا إلى انتشار كل شيء على الشبكة وتواصل كل واحد بالجميع،الشعراء بالشعراء ، الشعر بالشعر والشعر بالنثر ، شعراء المهجر بشعراءالعالم العربي ، الشعراء الشباب بالشعراء الأكبر سناً وخبرة ، شعراءالمغرب العربي والخليج العربي بشعراء بلاد الشام وشعراء المهجر .. يا لهذاالمزيج!! النتيجة هي حالة انصهار وتفاعل بين الأدباء والشعراء.. تفاعلخبرات ، حوار ثقافي أحياناً حاد بسبب اختلاف العوالم الشعرية التي تحملهاصياغة كل شاعر انطلق من بلد ما ، ويحمل ثقافة ما … وأحياناً حالة اكتشافمضيئة تُغني تجارب الشعراء ليبدعوا أكثر فأكثر .. الشعر انتشر كالماءوالهواء والنار .. وعملية البحث باتت خصبة ومدهشة .. مع كل هذا ، تبقى بعضالمشاكل العالقة ، شعرياً، موضوع حديثنا ، وهناك مشاكل أخرى كثيرة أخرىلامجال لذكرها هنا . الفرص متاحة لكل من يريد أن ينشر ما يريد في مواقعكثيرة ويسمي هذا شعراً ، أما عن اللغة ، فحدِّث ولاحرج !!!! الأقلامالشعرية الجديدة التي نقرأ ونتابع لها ونتحمل مسؤولية بعضها نحن بما نقومبه من تشجيع وإمساك يدهم و الأخذ بهم إلى مسارات حقيقية وصحية وصحيحة فيمجال الشعر، كثير منها ، وبشكل خاص تلك التي لاتريد أن تسمع الآراءالنقدية لتغير وتتطور وتصقل موهبتها ، تستعجل كلمات الثناء والمديح،فبدلاً من أن تتعلم وتطور نفسها ، تبتعد عمن يوجه إليها النقد البناء ،وتتجه إلى مواقع تكيل إليها المدائح لتصنع شيئاً شعرياً من أوهام شعرية – وما أكثر تلك المواقع التي تأخذ الطابع التجاري الذي يخنق أنفاس الشعر بمايحمل من هواء نظيف – لكن ، بشكل عام ، مجتمع الشعراء ، شرقاً وغرباًشمالاً وجنوباً ، رغم تناقضاته ، بما يحمل من كلاسيكية وتقليدية وتفعيليةونثرية الخ ، أشعر بأنه بدأ يتواصل إلى أفق يتقارب ولو ببطء ليستوعب كلواحدٍ الأخر حتى ولو لم يتبنَّ وجهات نظره .
وكيف استطاعت رابطتكم استغلال الشبكة في التواصل مع أعضائها؟
إذا وجد الماء بطُل التيمم !!! هذه الحكمة تنطبق على واقع الرابطة فيالوقت الحالي . الكل يتواصل مع الكل هاتفياً وعبر اللقاءات الشهرية سواءًفي اجتماعات الرابطة الرسمية أو في الندوة الثقافية الشهرية. أما أعضاءالرابطة ممن يقيمون في ولايات خارج ولاية ميتشغن – مقر الرابطة - نتواصلمعهم ألكترونياً و هاتفياً .
عندما تقيمون ندوات ثقافية عربية في الولاياتالمتحدة، هل يشارك الجيل المولود في أمريكا تلك الأمسيات أم أن روادكم منالجيل الذي هاجر إلى أمريكا في سن الرشد؟
بالفعل لقد شارك معنا في الأمسيات والندوات الثقافية بعض من المواهبالشابة المولودين في الولايات المتحدة. يجدر بالذكر أن رايطة القلمالعربية الأمريكية تُعنى بالأدب والثقافة لأدباء المهجر باللغتين العربيةوالانكليزية أيضاً . ليس هذا وحسب، بل إن المشاركات لاتقتصر على الأدبفقط، يشارك في أمسياتنا أيضاً فنانون تشكيليون أيضاً وأحياناً مبدعون منالوطن الأم . يشكل الطفل جزءاً مهماً من اهتمامنا ، وعني أنا كشاعرة ،كتابة شعر الأطفال هي واحدة من اهتماماتي الكثيرة بالطفل، وكرئيسة تحريرمجلة صفحات مهجرية ، يجد القارئ دائماً زوايا خاصة بالأطفال والشبابالصغار بأقلامهم ، وزاوية أخرى للأدب الموجه للأطفال . سواءً يكتبونباللغة العربية أو الانكليزية إنني أولي عناية خاصة بالأطفال ولي اهتمامورغبة في اكتشاف مواهبهم . إن لدي هاجس في اكتشاف المواهب الجديدة ومازالتالخطة هذه في عملية بحثي الدائمة عن المواهب الشابة من الجيل الجديد قائمةوأضعها من أولويات اهتمامي وبشكل الخاص في افساح المجال لهم بالمشاركة فيالفعاليات الثقافية للرابطة. ..
هل نستطيع القول أن الكتاب العرب المهاجرين قد تأثروا أو أثروا في الكتاب الأمريكيين؟
ضمن خبرتي وتواجدي في الولايات المتحدة تحديداً و لواحدٍ وعشرين سنه أقول: الكتاب العرب الأمريكان الذين ولدوا في الولايات المتحدة ويكتبون باللغةالانكليزية هم أكثر تأثراً وتأثيراً في الثقافة الأمريكية. لأنهم دخلوا فينسيج المجتمع الأمريكي من الداخل . خذ مثلاً الراحل د. ادوارد سعيد ،الصحفي ريموند حنانية الشاعرة نعومي شهاب ناي والشاعر د. خالد مطاوعوغيرهم… الفئة الأخرى هي التي استقرت في الولايات المتحدة في سن الرشد ،تكتب باللغة العربية ولكنها على تواصل مع الثقافتين العربية والأمريكيةوتنشط في مجال الترجمة ، تحقق معادلة ما من حيث التأثر والتأثير. الفئةالثالثة وقد أصبحت قليلة نسبياً ولكنها موجودة فعلاً. هي تلك الفئةالبعيدة كل البعد عن التأثير والتأثر بالكتاب الأمريكان ويالثقافةالأمريكية وتكتب باللغة العربية بروح عربية كما لو أنها نسيج أو خليةهاربة من بلد عربي ما ومازالت تحتفظ بخواصها العربية الأصيلة غير المؤثرةوغير المتأثرة بالثقافة الأمريكية.. في الواقع، تحضرني أسماء كثيرة جداًومعرفة شخصية بالفئات الثلاثة . وهذه جديرة فعلاً لأن يُكتب عنها في موضوعمنفصل.
ماذا لديكم من مشاريع مستقبلية؟؟
طموحاتنا كثيرة ولكن علينا بالمقابل أن نكون واقعيين كي تكون خطاناقائمة على أرضية ثابتة لها مصداقيتها . نفكِّر جدياً بإقامة مهرجان سنويللمبدعين العرب الأمريكان يشمل معرضاً للكتاب ، معرضاً للفن التشكيلي، ومحاضرات وأمسيات أدبية، شعرية وندوات ثقافية . وهذا يرفد و يكمل ما نقومبه الآن من إقامة أمسيات وندوات شهرية نستضيف فيها أدباء وشعراء ومحاضرينوفنانين ونلقى تجاوباً من التغطية الصحفية ومن الحضور الذي رغم تواضعه – يقتصر للأسف على النخبة- رغم أن الأمسيات مفتوحة والدعوة عامة ومجانية ،لكن من الواضح أن الجالية العربية الأمريكية تفضِّل أن تحضر أمسية لنانسيعجرم أو وعمرو دياب مثلاً على أن تحضر أمسية أدبية لرابطة القلم العربيةالأمريكية!
هل يقرأ أطفالك ما تكتبينه وكيف يتعاملون مع انشغال أمهم في الأمسيات الثقافية؟
إن الأدب المخصص للكبار يقرأه الكبار . ولا أرى من المناسب الآن أنأطلعهم عليه. ولكن النصوص والقصائد التي أكتبها للأطفال، تلك التي أطلعالأولاد عليها في الوقت الحالي. عندما يكبرون، ستكون جميع أحرفي بينأيديهم ولهم.
هم في كثير من الأحيان يحضرون الأمسيات والمحاضرات الأدبية والثقافية وليسالمهم جداً أن يستوعبوا كل ما يُقال، بل الأهم أن يعيشوا تلك الأجواءالثقافية ويستوعبوا أهميتها. وأهمية ما نقوم به .
rwayda
09-Aug-2008, 12:12 AM
القراء الإنجليز اصيبوا بخيبة أمل في الروايات المترجمة من العربية
http://www.alriyadh.com:81/2006/11/02/img/011476.jpg
انتوني جوزيف كالدربانك
طامي السميري:
السيد أنتوني جوزيف كالدربانك البريطاني الجنسية والذي يعمل مساعدا لمدير مكتب المجلس الثقافي البريطاني، قام بترجمة عدد من القصص القصيرة في أوائل التسعينات منها أربع قصص فلسطينية في مجموعة لنور وعبد الوهاب المسيري عنوانها أرض الزعتر والحجر ولا يزال يترجم القصص القصيرة والنبذ الأدبية الأخرى لمجلة بانيبال البريطانية، وكذلك قام بترجمة العديد من الروايات العربية الخباء، الباذنجة الزرقاء لميرال الطحاوي، ذات لصنع الله ابراهيم، رادوبيس لنجيب محفوط.والقارورة ليوسف المحيمد. وفي هذا الحوار نتعرف على ملامح تجربته في ترجمة الاعمال الروائية العربية الى اللغة الانجليزية.
في البداية نحب أن نتعرف على مسيرتك في الاطلاع على الأدب العربي وخصوصا في مجال الرواية.
بدأت قراءة الأدب العربي وأنا طالب في جامعة مانشستر حيث درست اللغة العربية هناك في قسم الدراسات الشرق أوسطية ولكن في هذه المرحلة المبكرة من اللغة كانت قراءة الأدب تجربة صعبة. مستوى اللغة لم يكن كفاية لاستيعاب الرواية بشكل مباشر وكانت عملية القراءة بطيئة وغير تلقائية. إلا أننا في هذه الفترة اطلعنا على بعض الأعمال العظيمة في التراث العربي مثل المتنبي والجاحظ وامرىء القيس مما استفدت منه كثيرا فيما بعد. انتقلت بعد الدراسة إلى القاهرة لكي أتعمق في اللغة وأعيش في بيئتها ووجدت بعد فترة قصيرة أن قدرتي على اللغة .ليس فقط الفصحى بل العامية أيضا قد تحسنت بحيث أنه كان بإمكاني أن أقرأ بسهولة اكبر بكثير وأستوعب النصوص التي بين يدي وأقدرها بفعالية ومن هنا بدأت أقرأ محفوظ وادريس وانيس منصور وكتاب مصريين آخرين ولكن كانت معرفتي بكتاب عرب من جنسيات أخرى ما زالت محدودة للغاية.
تجربتك الأولى في ترجمة الرواية العربية كانت مع روايات ميرال الطحاوي. كيف كانت هذه التجربة وبماذا تميزت روايات ميرال؟
أول رواية ترجمتها كانت الخباء لميرال الطحاوي. هي رواية قصيرة ذات طابع أسطوري سحري يخلط بين الأحداث الواقعية والحكايات الفلكلورية البدوية. احتاجت الترجمة إلى الكثير من التصرف مني كي انتج نصا يقبله القارئ الإنجليزي خصوصا مع أبيات الشعر والحكم البدوية وعلى سبيل المثال في بعض الأحيان الترجمة تعطي معلومات زيادة تشرح سياق البيت بدلا من ترجمة حرفية. فأنا اجتمعت مع الكاتبة لمناقشة بعض النقاط في النص لكي أتوصل إلى فهم عميق للنص والاختيارات التي قامت بها ميرال. أسلوب ميرال صعب ومعقد مليء بالإشارات إلى الأدب الكلاسيكي ليس كل قارئ مصري يفهمه بشكل كامل وأعتقد أن الترجمة الإنجليزية يكون أسهل فهما بالنسبة إلى القارئ من الأصل العربي. تعلمت من هذه التجربة ضرورة الاتصال بالكاتب من أجل الحصول على فهم مضبوط ليس فقط للنص بل أيضا للدوافع والأهداف التي وراءه .
كمترجم إلى أي حد تتدخل في تفاصيل العمل المترجم وهل يتم ذلك بالاتفاق مع الروائي صاحب العمل؟
أتدخل بالتأكيد ولكن حسب أسلوب النص الأصلي فعلى سبيل المثال التدخلات أكثر مع رواية لميرال منها مع عمل لنجيب محفوظ ويتم هذا أحيانا بالاتفاق مع الكاتب وأحيانا لا فأنا لم أقابل محفوظ ولم يكن هناك حاجة إلى ذلك و أيضا يعتمد على معرفة الكاتب للغة الإنجليزية فعندما ترجمت ذات لصنع الله إبراهيم قام صنع الله بقراءة النص المترجم كاملا لأنه كان يريد أن يطمئن بان الترجمة تعطي نفس الفكرة التي كان يقصدها بالأصل العربي وفي بعض الأحيان دارت بيننا نقاشات حيوية حول الاختيارات المختلفة للكلمة المضبوطة.
ما هي عوائق ترجمة الروايات العربية إلى الإنجليزية؟
إن كنت تقصد بالعوائق الحواجز فلا توجد عوائق بالنسبة إلى الترجمة نفسها فكل جملة في العربية قابلة للترجمة إلى الإنجليزية بطريقة أو بأخرى فأرى أن المشكلة تكمن أكثر في مدى تقبل القارئ الإنجليزي للرواية المترجمة فتقاليد الأدب العربي تختلف عن التقاليد الإنجليزية من حيث تطوير الأشخاص وسلسلة الأحداث وتركيبها و سمعت من قراء إنجليز قرءوا روايات مترجمة من العربية عن "خيبة أملهم" من ضعف الشخصيات وأيضا مما يسمونه إفراطاً في العاطفية وقد يعود ذلك إلى خبرة القارئ الإنجليزي مع الرواية منذ قرون وصغر سن الرواية العربية ولكن لا تنس عدم إقبال القارئ الإنجليزي على الأدب المترجم بصفة عامة وليس على اللغة العربية فقط.
حدثنا عن تجربتك في ترجمة فخاخ الرائحة ليوسف المحيميد
تعرفت على فخاخ الرائحة لأول مرة عندما أرسلت لي الزميلة مارجرت اوبانك محررة مجلة بانيبال في بريطانيا فصلين من الرواية طالبة مني ترجمتها للمجلة فقرأت الفصلين فأعجبتني قوة اللغة وبساطتها وصدقها مع حيوية الشخصيات وجراءة الرواية كان شيئا منعشا وجديدا بالنسبة إلي وكانت أول تجربة مع الرواية السعودية فقررت أن أترجمها على الفور واتصلت بيوسف وطلبت منه نسخة من الرواية فلما قرأتها زدت حماسا للعمل وقمت بترجمتها.
أحيانا تتم ترجمة بعض الأعمال إلى الإنجليزية ليس بسبب الجودة الفنية في الرواية ولكن لأنها تلامس بعض الأمور المتعلقة ببيئة المكان. هل يشكل هذا الأمر هاجسا لك في الترجمة؟
بلا شك هناك بعض الأفكار النمطية stereotypes الرائجة حول الآخر في كل المجتمعات ونجد إن أحيانا الناشر يميل إلى نشر القصص أو الروايات التي تخدم هذه الأفكار وعلى سبيل المثال قد يكون الإقبال على أعمال نسائية توحي بأن المرأة العربية مضطهدة دون التركيز على أوجه أخرى من حياتها. أو مثال آخر رواية بنات الرياض فالعنوان مغر والموضوع ممتع ومثير حتى إذا كان الجودة الأدبية ناقصة كما يقول البعض ولكن مع ذلك فيمكنك أن تتأكد أن ترجمتها ستلاقي اهتماما واسعا. ولكن هذا الأمر لا يسبب مشكلة بالنسبة إلي كمترجم لأني قبلت بعض الأعمال التي عرضت علي للترجمة ورفضت البعض الآخر. أعتقد أن كلما كثر عدد الأعمال المترجمة إلى اللغة الإنجليزية فإن الصورة العامة التي تقدمها هذه الأعمال إلى القارئ الأجنبي عن العالم العربي وثقافته ستتسع والاهتمام بالأشياء المعينة الضيقة ستختفي.
إلى أي حد انفتاح القارئ الإنجليزي لقراءة الروايات العربية المترجمة؟
هي مشكلة لأن انفتاح القارئ الإنجليزي لقراءة الروايات المترجمة من أي لغة محدود للغاية ونسبة الأعمال المترجمة التي تنشر سنويا ضئيلة جدا بينما تكون النسبة في دول أخرى مثل فرنسا أو ألمانيا أعلى بكثير. فقد يرجع ذلك إلى أسباب كثيرة منها ثروة الأدب الإنجليزي ) أو بالأدق الأدب الذي يكتب بالإنجليزي فيشمل هذا الأدب الأمريكي والأفريقي والهندوباكستاني والأسترالي الخ) مقارنة بالآداب الأوروبية الأخرى. فأنا أعرف شخصيا قراء إنجليز قالوا إنهم لا يقرأون الأشياء المترجمة.
هناك روايات عربية تتكئ على مسألة اللغة الشعرية. هذه الروايات هل هي صالحة للترجمة؟
نعم قد تكون مشكلة كبيرة. هناك شعرية في كل لغة ولكنها تعتمد على الأصوات والإيقاعات وبنية الكلمة نفسها أكثر مما تعتمد على الأفكار والدلالات أي الأشياء الخاصة جدا باللغة والملامح العميقة فيها فهو كذلك مثل الفرق بين السوداني والكوري فهذا إنسان وذاك إنسان ولكن شكليهما مختلفان تماما. ترجمة الشعرية مثل أكل الكبسة بالعصايا الصينية أو عزف سوناتا لبيتهوفن على آلات موسيقية يابانية. ترجمة النصوص الأدبية غير ترجمة النشرة الجوية تحتاج إلى تصرف وكم كبير من الخيال والتخيلات فكثيرا عندما أترجم نصا أجد نفسي أمام الكلمة العربية ولكن الكلمة الإنجليزية التي تقابلها من حيث المعنى لا تنفع إطلاقا في السياق الشعري لأنها قصيرة أو طويلة أو لا تبدأ بحرف معين الخ واختياري في الآخر يقع على كلمة بعيدة من الأصل من حيث المعنى ولكن قريبة من حيث القيمة الصوتية.
rwayda
09-Aug-2008, 12:14 AM
حوار مع د. جميل حمداوي حول الرواية العربية (http://www.doroob.com/?p=25775)
http://www.doroob.com/wp-content/themes/Doroob/images/xml.gif (http://www.doroob.com/?feed=rss2&author=870) دروبيون (http://www.doroob.com/?author=870)13 فبراير 2008 هدير البقالي
فنانة تشكيلية وكاتبة من مملكة البحرين
تعتبر الرواية الفن الأكثر تأثيراً وتعبيراً عن تجليات الكتابة، ويكاد ذلك ينطبق على تاريخ البحث عن هوية شخصية داخل الفن الروائي، وهوية تتآلف مع الروائي وشخصياته، وبين هذا وذاك، بروز الرواية كجنس أدبي مستقل عن ذاتها لكونها فن متعدد الأصوات، ألا يعني ذلك بلوغ الرواية مرحلة متقدمة من الوعي المعرفي خلافاً لبقية الأجناس الأدبية الأخرى؟
من المعروف أن عصرنا هذا هو عصر السرد بامتياز، ولم يعد للشعر تلك المكانة التي كان يتباهى بها في العصور الماضية وبداية القرن العشرين مع المدرسة الإحيائية والرومانسية بتياراتها ومدارسها الإبداعية ( الديوان، وأپولو، والرابطة القلمية، والعصبة الأندلسية)، وشعر التفعيلة في مرحلته الأولى، بل أصابه الكساد إلى حد كبير مع ظهور الشعر المنثور وشعر الانكسار بسبب التجريد المجاني والإيغال في الغموض والانسياق وراء الإبهام. لذا، حلت الرواية محل الشعر، فأصبحت أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تشخيص الذات والواقع والكتابة الروائية خلقا وإبداعا ونقدا. وغدت هذه الرواية تقارب التاريخ وتفلسف المجتمع وتنقد الذات العربية من خلال منظورات خاصة ذاتية وموضوعية ، وصارت تطرح الأفكار الإيديولوجية على محك النقاش من خلال استعمال الپوليفونية وتعدد الأصوات كما في روايات نجيب محفوظ ومحمد برادة وعبد الله العروي.
كما صارت الرواية ملتقى المعارف والفنون وخزان الأفكار، فتنامى وعي الروائي بالمقارنة مع وعي الشاعر وخاصة في روايات الأطروحة كما عند عبد الكريم غلاب في روايتيه ” دفنا الماضي ، والمعلم علي”، ومبارك ربيع في روايته:” الريح الشتوية”، ومحمد عزيز الحبابي في روايته” جيل الظمإ”، والطاهر وطار في رواياته التي يمجد فيها الثورة الاشتراكية الجزائرية كما في ” الزلزال” ، و” اللاز”، و” عرس بغل”،و” العشق والموت في الزمن الحراشي”.
وكل من يتصفح الرواية التراثية أيضا فإنه سيجد نفسه أمام خطاب جمالي زاخر بالحمولات الثقافية والمعرفية والتاريخية كما عند جمال الغيطاني في” الزيني بركات” و” التجليات ” ، ورضوى عاشور في ” ثلاثية الأندلس” ، وأحمد توفيق في روايته” جارات أبي موسى”، وبنسالم حميش في روايتيه:” مجنون الحكم”، و”العلامة”
…
ومن هنا، لم تكتف الرواية بتشخيص الذات كما في الكثير من الروايات الرومانسية كروايات أحمد حسين هيكل و المنفلوطي وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وعبد الحليم عبد الله …. أو تصوير الواقع ونقده كما في روايات نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وتوفيق الحكيم وعبد الكريم غلاب ومبارك ربيع….، بل تعدت ذلك إلى مساءلة آليات الكتابة الروائية كما عند محمد برادة في رواية ” لعبة النسيان” ، وعبد الله العروي في روايته”أوراق”. ومن ثم، يمكن القول بأن الرواية مسلك من مسالك التثقيف ونشر المعرفة والعلم وتشكيل الوعي لدى القارئ المفترض.
إن النزعة الشكلية للرواية أخذت تتناغم مع المعطيات الحديثة للنص، في التصورات والبناءات من جهة، ومن جهة أخرى تعرية الدلالات المبهمة للروائي، في استنطاق النص وتفكيك مفاهيمه، من خلال الغوص في أدوات الروائي والإمساك بتقنيته الفنية، فكيف تنظر للروائي حينما يسقط في التنظير والتحليل النقدي؟ وهل تراهن على قدرة الناقد الثقافي في تفكيك آليات الرواية؟
إذا كانت الرواية العربية قد سخرت جميع طاقتها الإبداعية والسردية لتصوير الذات ونقل الواقع وتسجيله ونقده، فإن الرواية العربية بعد نكسة حزيران 1967 م من القرن العشرين، وبعد انتشار المناهج النقدية المعاصرة كالبنيوية والتفكيكية والسيميائية، واكتساح فكر مابعد الحداثة للساحة الثقافية العربية، انساق الروائي العربي بلهفة كبيرة وراء مستجدات الرواية الغربية مستعملا تقنية تداخل الأزمنة كما في روايتي” الوشم” و” الوكر ” لعبد الرحمن مجيد الربيعي، وتوظيف فلاش باك وخلخلة الأزمنة في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للصالح الطيب، وتشغيل نظرية القراءة كما عند المنظرين الألمانين: يوس Yauss وإيزرIzer لدى المغربي عمرو والقاضي في روايته” طائر في العنق” ، وحميد لحميداني في روايته:” رحلة خارج الطريق السيار”، واستعمال تقنية البوليفونية والحوارية في رواية ” أوراق” لعبد الله العروي، ونقد الكتابة الروائية كما في:” لعبة النسيان” لمحمد برادة، ورواية” رحيل البحر” لمحمد عز الدين التازي علاوة على توظيف فضاء العتبة عند جيل السبعينيات كصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وبنسالم حميش وعبد الله العروي…
ولكن هذا التجريب الروائي تحول عند البعض إلى تمارين وتطبيقات سردية وتطبيق ما تبثه السرديات النقدية بشكل مفتعل ومصطنع دون عفوية إبداعية وخلفية نظرية عربية تؤطر هذا التجريب، لأن القارئ العربي ما زال لم يشبع نهمه من الروايات الكلاسيكية والرومانسية.
وظهرت كرد فعل على هذا التجريب الرواية التراثية التي تنهل آلياتها السردية من التراث كما هو الحال عند بنسالم حميش وجمال الغيطاني ورضوى عاشور وأحمد توفيق ومحمود المسعدي في روايته” حدث أبو هريرة قال…”، كما ظهرت مجموعة من الروايات الإسلامية مع الروائي المصري نجيب الكيلاني كرد فعل على الرواية الغربية ذات التصورات الإيديولوجية الشكاكة.
أضف إلى ذلك ، أنه لابد اليوم من ناقد جديد موسوعي الثقافة، قادر على تفكيك الرواية وتركيبها، ومتمكن من آليات الفهم والتفسير قصد الإحاطة بجميع قضايا النص وخباياه الشعورية واللاشعورية، له دراية كبيرة بمفاتيح القراءة والتقويم والتوجيه. أي تستوجب الرواية الحديثة اليوم قارئا ثقافيا له باع كبير في مجموعة من المعارف والعلوم والفنون لكي يعطي للرواية نكهتها الخاصة ولذتها الإبداعية الحقيقية من خلال تبني مناهج نقدية حداثية معاصرة .
تتبنى بعض الروايات منحنى الخرافات والتعاويذ وعوالم شاذة بعض الشيء، فترتحل باتجاه الميثولوجيا والميتافيزيقيا، وبالطقوس الغرائبية على المجتمع، قد تكون ساحرة ومفتنة للراوي، وقد تكون مثيرة لمتعة القارئ وحده، ألا تجد بذلك متعة تقترن بالروائي خاصة لإثارة خاصية السرد؟
من المعروف أن الرواية العربية لم تكتف بتصوير الذات والواقع والكتابة ، بل تناولت مواضيع مثيرة كالمواضيع البورنوغرافية مع الروائي محمد شكري في” الخبز الحافي” ، والطيب صالح في روايته” موسم الهجرة إلى الشمال “، أو مواضيع إيروسية كرواية المغربي عبد الحكيم أمعيوة ” بعيدا عن بوقانا”، كما تناولت موضوع السجن السياسي ومصادرة حقوق الإنسان كما في روايات صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وعبد الرحمن منيف وعبد الرحمن مجيد الربيعي….
كما عالجت الرواية العربية مواضيع إنسانية واقعية عبر أجواء أسطورية وميثولوجية وميتافيزيقية كما في رواية:” بدر زمانه” لمبارك ربيع ، و” طوق السراب ” ليحي بزغود، ورواية:” أوديسا الصعود والهبوط والحب” لمحمد الصاوي، وانتقلت الرواية أيضا من العوالم الخرافية إلى العوالم الفانطاستيكية الغرائبية للتأشير على انتقال الإنسان من العقل والوعي إلى اللاعقل واللاوعي قصد التنديد بمواصفات الواقع الدنيئة ومواضعاته المهترئة واحتقار السلطة التي تنشر الإجرام والظلم ، ونقد الإنسان الذي علبته حضارة الأرقام وحنطته الماديات، وهذا واضح في رواية “سماسرة السراب ” لبنسالم حميش، ورواية ” أحلام بقرة ” لمحمد الهرادي، ورواية” الجرذان” ليحي بزغود، ورواية “نوار اللوز” للجزائري واسيني الأعرج
…
ولم يوظف هذا الخطاب الفني والجمالي والمرجعي الأسطوري والفانطاستيكي إلا لهدفين أساسين: الهدف الأول يراد به إمتاع القارئ المفترض ودغدغته ذهنيا ووجدانيا وفنيا، والهدف الثاني هو أن الروائي يستمتع بعمله الذي حقق فيه لذة النص عن طريق تحريك القطب الفني والقطب الجمالي لإثارة المتلقي المحتمل الذي سيدخل في علاقة تفاعلية مع النص انسجاما مع توقعاته، أو تخييبا لأفق انتظاره، أوتأسيسا لذوق جديد
.
يعتمد الروائي إلى حد كبير على ذائقته الأدبية، في البحث عن أصول الأشياء وكشف خفايا النص، فتراه أحياناً يراهن على مستويات اللغة في الإيقاع والتشكيل، والتأويل والتفسير، فيا ترى، أتراهن في محيط لغتك على القارئ الافتراضي أم على لغوية الكتابة، وهل تكتفي بمستويات معينة من اللغة؟
لايمكن لأي روائي عربي أن يحقق شهرة أدبية إلا إذا تمكن من اللغة السردية تمكنا كبيرا، وبالتالي، كان قادرا على تطويعها وتسخيرها في التعبير والتجسيد والتجريد مستعملا الطاقة البلاغية بكل آلياتها الفنية وأدواتها المجازية والرمزية والإحالية، مع إتقان كيفية توظيف لغة التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل أو العقلي واستخدام الكنايات والرموز والأساطير من أجل خلق نص أدبي ممتع ومتنوع. وينبغي أن تكون لغة الروائي سليمة من الأخطاء والهفوات، تنساب عذوبة وصفاء وسلاسة.
لذا، فقد رأينا مجموعة من اللغات تستعمل طوال مسيرة الرواية العربية وهي : اللغة الرومانسية، واللغة الواقعية، واللغة الطبيعية، ولغة التجريد والشاعرية الرمزية، واللغة التراثية. كما يلتجئ الروائي إلى المزج أيضا بين العربية الفصحى والعامية المحلية، أو الانفتاح على اللغات الأجنبية الأخرى للتعبير عن ظاهرة المثاقفة أو التعبير عن خاصية الاحتكاك الحضاري والانفتاح على الآخر.
ومن الروايات التي تشتغل على اللغة التراثية نذكر:” الزيني بركات” لجمال الغيطاني، ورواية:” مجنون الحكم “، ورواية:”العلامة” لبنسالم حميش، ورواية ” جارات أبي موسى”لأحمد توفيق . وتتقابل هذه اللغة مع اللغة الشاعرية الرمزية أو ما يسمى عند إيڤ تادييه Yve Tadiéبالمحكي الشاعري كما نجد ذلك في روايات أحمد المديني ولاسيما روايته ” زمن بين الولادة والحلم”، ورواية ” سوانح الصمت والسراب” للروائي المغربي جلول قاسمي.
وعليه، فهناك من الروائيين من يستعمل لغة عادية واقعية في أبعادها التعبيرية والتأثيرية ، وهناك من يستعمل لغة شاعرية لخلخلة الجنس الروائي ونسفه داخليا وتحويله إلى خطاب شاعري رمزي مغلف بالتجريد ، وهناك من ستعمل لغة متعددة الأصوات كالتهجين والباروديا والتناص والحوارية وتشغيل صورة اللغة والطاقة البلاغية وتنويع الأساليب كما في العديد من الروايات التراثية عند جمال الغيطاني وبنسالم حميش ومحمد برادة وإميل حبيبي ورضوى عاشور ومحمود المسعدي.
ومن ثم، فكثير من الروائيين العرب مهووسون بلغة الكتابة لتخييب أفق انتظار القارئ كما هو حال رواية إميل حبيبي” الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” التي تقوم على المستنسخات النصية والإكثار من الإحالات التناصية والمزاوجة بين لغة معاصرة ولغة تراثية، وكل هذا من أجل خلق قارئ افتراضي واع بالعمل الأدبي
.
وينتج عن هذا الطرح، أن لكل رواية قارئها، ويتنوع هذا القارئ حسب طبيعة الرواية ، فننتقل من قارئ عاد يحب قراءة الروايات الكلاسيكية إلى قارئ مثقف واع يستطيع قراءة الروايات التجريبية والنصوص الحداثية. لذا، تبقى اللغة مؤشرا حقيقيا على طبيعة جودة الرواية ومصداقيتها الفنية. كما أن هناك من الروائيين من يستحضر القارئ في الكتابة أثناء انكتابها، وهناك من يتكئ على اللغة وآليات الكتابة والإبداع لكسب الحداثة والسبق الفني
rwayda
09-Aug-2008, 12:19 AM
تعالج الرواية السياسية القضايا الكبرى التي تندرج تحت موضوعات الأنظمة العربية، وقيم المجتمع المدني، والدولة الحديثة، وما يستتبعها من انهيار للسلطة، والفساد السياسي، والسجون السرية، وضحايا التهميش، وسوط الجلاد، في رأيك، أيسعى الروائي إلى التعايش النقدي والواقعي مع الخطاب السياسي؟وما أثر الخصائص الأدبية في تمثيل وتفعيل الخطاب السياسي والأدبي في آن واحد
؟
تركز الرواية السياسية غالبا على القضايا السياسية المحلية والوطنية والقطرية والقومية لمعالجتها ضمن توجهات مختلفة ومحاور متعددة مستوعبة المراحل المتنوعة التي مرت بها القضية مع وقفات عند أحداث معينة لها خصوصيتها المتميزة. كما تنبني هذه الرواية على تبئيرالسلطة والحكم مصورة الاستبداد ومصادرة حقوق الإنسان والزج بالمعتقلين السياسيين في سجون الظلم والقهر. وبذلك يتم التأشير على الخطاب السياسي والعقيدة الإيديولوجية والرؤية السياسية إلى العالم وعلاقة الإنسان بالسلطة ومنظوره إلى واقعه الضيق أو الواسع.
ولقد أصبحت السياسة محورا فكريا في الرواية المعاصرة ، مهما تنوعت مواضيعها، وتعددت أبعادها الاجتماعية والواقعية، وجنحت إلى الحداثة الشكلية والتنويع الفني. فإن الرواية تعبر عن الأطروحة السياسية إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة. لذلك نقول: إن السياسة حاضرة في كل الخطابات والفنون والأجناس الأدبية. وتتمظهر بجلاء ووضوح في فن الرواية التي تعكس نثرية الواقع وصراع الذات مع الموضوع والصراع الطبقي والسياسي والتفاوت الاجتماعي وتناحر العقائد والإيديولوجيات والتركيز على الرهان السياسي من خلال نقد الواقع السائد واستشراف الممكن السياسي.
وتستند الرواية السياسية أيضا إلى بلاغة الإقناع والدعاية والتحريض والالتزام وتبليغ الأطروحة المقصودة بشتى الوسائل لأن الغاية تبررها وتعضدها . كما تنبني على بلاغة التكرار لتحريك الشعور السياسي والإيهام الثقافي. وتلتجئ هذه الرواية إلى السرد التفصيلي والحوار التسجيلي والمنحى الواقعي لتسجيل المعطى وتهويله وتصويره سلبا أو إيجابا. وتشحن الرواية ذات الأطروحة السياسية بتعاليم تنزع إلى توضيح حقيقة عقائدية وسياسية، وتصبح هذه التعاليم العقائدية السياسية بؤرة تعكس مفهوم الأطروحة في الرواية
.
ويضطر الروائي في هذا النوع من الروايات إلى اختلاق شخصيات متصارعة وتهيئ برامج سردية ذات مواقف متطاحنة خدمة منه للأفكار والولاءات السياسية آو الإيديولوجية للقارئ. وتتأرجح الرواية السياسية بين الجانب الروائي والجانب الأطروحي
.
وإذا كانت الرواية السياسية سواء الكلاسيكية منها أم المعاصرة تنصب على الحاضر و تعالج الراهن بطريقة سياسية مباشرة أو رمزية لتصوير غياب الديمقراطية و انعدام حقوق الإنسان و نقل عذاب الإنسان في السجون والمعتقلات السياسية و مارستانات التعذيب و “التجنين” و “التحميق”، و ما يتعرض له السجين من نفي و إقصاء و تصفية و تنكيل وقهر من قبل السلطات الحاكمة أو السلطات المستعمرة، فان أغلب هذه الروايات سقطت في أدب الدعاية و أحادية الإيديولوجية و رفع شعارات التحريض و الثورة و محاكاة الواقع بطريق سطحية مما أوقعها في الابتذال و التجاوز الفني لها، ناهيك عن سقوطها في التقريرية وأدب الوثائق والبرامج السياسية مما جعلها بعيدة عن الخلود الفني و المتعة الجمالية وإثارة المتلقي إقناعا و إمتاعا و تأثيرا.
أما رواية التخييل السياسي، كما عند بنسالم حميش في رواية “بروطابوراس ياناس”، ورواية: ” محن الفتى زين شامة”، ورواية” العلامة”، و جمال الغيطاني في رواية” الزيني بركات”، فقد حققت نجاحا كبيرا في التأثير على القراء و تمتيعهم، إذ اعتمد كتابها على استلهام التراث التاريخي و الفلسفي و الصوفي والسياسي للتعبير عن الحاضر بطريقة فنية جميلة قائمة على التهجين، والباروديا (المحاكاة الساخرة)، و الأسلبة، و المفارقة، والتناص، و المعارضة، و محاكاة المصادر و استعمال المستنسخات. فنقل أصحاب هذه الرواية القرار إلى استغوار اللاشعور السياسي و اكتشاف مكبوتات التسييس و تجلياته في “الطابوات”، كما رحلوا به إلى أجواء التراث الوسيط بالخصوص و الزمن الماضي لمعايشة الأجواء السياسية وتناقضات المجتمع و صراع الإنسان مع السلطة القاهرة ليقارنوا ذلك بعصرهم المكهرب الذي يعيشون فيه، كما تخيلوا حاضرهم سياسيا و ذلك من خلال الموروث الرسمي أو الشعبي.
ومن هنا، فقد عايش الروائيون العرب المحدثون الواقع السياسي وصفا ونقدا من خلال تجسيده على الورق بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، مستعملين في ذلك الترميز وتوظيف الأقنعة التراثية وآليات التعبير الحداثية والكلاسيكية على حد سوا
ء.
يمثل الأدب المقارن ميادين بحثية معاصرة كصورة الآخر، ودراسات الترجمة والمثاقفة، والعولمة، ويعد من أحد المناهج التي تجادل حقول الأنظمة المعرفية وسوسيولوجية الأخرى، بالإضافة إلى علاقة الأدب مع مختلف العلوم الإنسانية، في تصورك، هل يمكن أن يكون للأدب المقارن بعداً ثقافياً ،وإنسانياً؟، وكيف تقرأ عملية الربط ما بين دراسات النقد الثقافي وأدوات الأدب المقارن
؟
من المعلوم أن الأدب المقارن حقل معرفي جديد يحاول معرفة التأثيرات الموجودة بين الآداب الإنسانية العالمية، وتحديد الأصول والمصادر الأولى التي تحكمت في إنتاج الإبداعات الأخرى، كما يسعى هذا الحقل المعرفي إلى معرفة القواسم المشتركة بين الإبداعات العالمية والسمات التي تختلف فيها، كما تساعدنا الدراسات المقارنة من بناء خطاب استعلاماتي لمعرفة كيف تفكر الشعوب الأخرى ، وكيف يمكن معرفة نقط ضعفها والمشاكل التي تعاني منها، والدليل على ذلك أن الخبراء الإسرائليين كانوا يدرسون جيدا أدب نجيب محفوظ لمعرفة أجواء مصر بصفة عامة والقاهرة بصفة خاصة لتحويل مضامينها إلى خطاب استعلاماتي مخابراتي.
هذا، وإن مقاربات الأدب المقارن عديدة ومتنوعة، فهناك من يركز على المضمون، وهناك من يركز على الشكل، وهناك من يختار الداخل النصي، وهناك من يفضل الخارج التناصي والمرجعي.
وعليه، فللأدب المقارن عدة وظائف هامة منها : الوظيفة الثقافية التي تتمثل في معرفة إنتاجات الشعوب الأخرى، ومعرفة ما لديهم من أفكار وتصورات ومشاريع ونظريات، والتعرف على مشاكل المجتمعات المضادة أو المجاورة أو المتقابلة لمدارستها وتحليلها وتوجيهها الوجهة السليمة ، وتحديد قضاياها الإنسانية والمجتمعية والتعرف على أدبائها مع ترجمة إبداعاتنا وتقديمها إلى هذه الشعوب لخلق مثاقفة حقيقية بناءة قصد بناء علاقات إنسانية متكافئة مبنية على التواصل الحميمي والتعايش والتعارف والتعاطف والتكامل الإدراكي بدلا من التنافر والصراع الجدلي والعدوان.
وهناك الوظيفة الثانية للأدب المقارن وهي الوظيفة الإنسانية التي تهدف إلى بناء علاقات إنسانية قائمة على التسامح والتضامن والتعايش المشترك بعيدا عن الإرهاب والتطرف والتهميش والإقصا
ء.
فمن خلال توظيف الأدب المقارن توظيفا جيدأ ، يمكن إثراء الأدب العالمي وبلورته في خطابي ثقافي إنساني منصهر داخل بوتقة التعاطف والتعاون والتآزر إنسانيا. وهنا لابد من تحريك الترجمة والتعريب ومدارسة اللغات الأجنبية وتشجيع الدراسات المقارنة في مؤسساتنا ومعاهدنا التعليمية من خلال التمكن من أدوات الأدب المقارن الذي يستند إلى المقابلة وقراءة الأفكار والتيارات وعقد مقارنات وموازنات مضمونية وشكلية لمعرفة المصادر والأصول أو اللجوء إلى النقد الثقافي لتفكيك أركيولوجيا خطاب الآخر تفكيكا وبناء لمعرفة الثوابت والمتغيرات في الفكر الإنساني، وتحديد وظائفه وانتقاد التصورات الإيديولوجية وممارسة سلاح الاستغراب في وجه سلاح الاستشرقا
ق.
لماذا يعد النص الروائي تيمة أساسية للروائي وكيف تنظر إلى السرد المابعد حداثي حينما يتألق داخل حدود النص؟
يسعى الروائي المعاصر إلى سبق حداثي وتميز روائي وطني أو عربي أو دولي عن طريق التجريب وخلخلة النسق الروائي دلالة وصياغة وتشكيلا. ونظرا للتأثر والانبهار بفلسفة ما بعد الحداثة ، والاستفادة من التيارات البنيوية والسيميائية والتفكيكية وجمالية القراءة، بدأ الروائي العربي يهتم بالجوانب الشكلية والفنية، ويسائل النص الروائي بشكل جزئي وكلي في أبعاده الدلالية والفنية، ويخضعه للسبر والتشريح والتنقيب قصد تفكيكه وإعادة تركيبه من خلال تشغيل البوليفونية وتوظيف جمالية القراءة ، والاهتمام بماهو جمالي على حساب ماهو مضموني، حتى أضحى الحديث اليوم يدور عن نص جديد هو النص اللاروائي.
ومن الروائيين الذين شكلنوا رواياتهم نذكر : محمد برادة في” لعبة النسيان”، وأحمد المديني في روايته” زمن بين الولادة والحلم”، وحميد لحمداني في :” رحلة خارج الطريق السيار “، وعبد الله العروي في:” أوراق”، وعمر والقاضي في روايته ” الطائر في العنق”…
ظل مفهوم أدب المنفى، أزمة الذات العربية في التحرر من براثيين التشرد، والهجرة القسرية، والنفي المحرض من قبل الأنظمة الدكتاتورية، وشيئاً فشيئاً، أصبح أدب المنفى، ظاهرة تاريخية في رصد موضوعات يتفرد بها الروائي بجماليات خاصة في الكتابة، والتأمل، ترى، كيف يمكن التعامل مع ظاهرة المنفى وأزمة الذات؟
عزفت كثير من الروايات العربية على أوتار الغربة والمنفى كروايات عبد الرحمن منيف وروايات عبد الله العروي وصنع الله إبراهيم وعبد الرحمن مجيد الربيعي. بيد أن الطريقة التي نراها أفضل للتعبير عن هذه المواضيع التي تؤرق الإنسان العربي أن نلتجئ إلى القالب التراثي لتأصيل المحكي الروائي العربي بدلا من السقوط في التقليد والتجريب المجاني ومحاكاة الغرب في تقنياتهم السردية. نريد خطابا نحاور فيه التراث من خلال تشغيل المستنسخات التناصية وتوظيف طرائق الكتابة العربية الأصيلة وخلق أجواء تراثية عبقة لإمتاع القارئ وتثقيفه .
فعندما نريد التعبير مثلا عن الغربة، فلماذا لانختار شخصية أبي حيان التوحيدي للتعبير من خلالها عن اغتراب الذات المثقفة المعاصرة وتبيان شجونها وهلوساتها وصراعاتها النفسية الداخلية والموضوعية؟! وحينما نريد التعبير عن أدب المنفى فثمة شخصيات عدة تعرضت للسحن والتعذيب القسري ، فمن خلالها نستطيع أن نبني خطابا روائيا إنسانيا ممتعا ومثيرا كما فعل بنسالم حميش في ” مجنون الحكم ” ، وجمال الغيطاني في:” الزيني بركات” .
كلمة أخيرة، توجهها إلى الروائي العربي؟
أطلب من الروائي العربي المعاصر أن ينوع كتاباته السردية صياغة ودلالة ومقصدية ، وأن يتفادى الاجترار والتكرار ومعالجة نفس المواضيع والتيمات التي عالجها إخوانه العرب أو الكتاب الغربيون، وأن يقرأ تراثه جيدا بشكل عميق وواع ، وأن يستوعب تقنياته الجمالية وطروحاته الفسلفية والإنسانية، وأن يكتب رواية غير غربية، أي عليه أن يبحث عن قالب متميز حداثي لايبعده عن أصالته، ولا ينسيه حاضره وخاصيته المعاصرة . ويعني هذا أنه من الأفضل أن يوفق بين الماضي والحاضر، وأن يزاوج بين الإمتاع والإفادة، وأن يشتغل روائيا وسرديا وفلسفيا ضمن رؤية أصيلة لكسب الحداثة العالمية والدخول في العولمة ولكن دون التخلي عن خصوصياته الحضارية وقوالبها الجمالية والفنية .
لذا، أرى أن الرواية التراثية أو الرواية الأصيلة هي الطريقة الفضلى في التعبير والكتابة والإبداع والتميز بدلا من الانسياق وراء الوصفات الجاهزة للنقد السردي الغربي المعاصر الذي يسقط روائيينا في التقليد والاجترار والتمرينية القاتلة.
rwayda
09-Aug-2008, 12:22 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:T7gScbSg5CoMQM:http://www.arteeast.org/cinemaeast/fall-series-06/fall-06-images/outofplace%2520-said-smiling.jpg
قبل فترة قصيرة من رحيله وبعد صراع مع مرض اللوكيميا اللمفاوية المزمنة دام عقداً ونيفاً من الزمن، وافق المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أن يجري حواراً استثنائياً مع الباحثين اللبنانيين- الفرنسيين كريم إميل بيطار وروبير فاضل، مخلاً بالوعد الذي كان قطعه على نفسه بعدم إجراء أي حوار تبعاً لظروفه الصحية. والحوار الذي لم ينشر في أي صحيفة أو مجلة نشره الباحثان في كتابهما المشترك الصادر حديثاً في باريس بعنوان «نظرات الى فرنسا» (دار سوي).
في هذا الكتاب يشارك ثلاثون مفكراً وباحثاً من العالم متحدثين من وجهة نظرهم عن فرنسا، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ومحللين «الأزمة الوجودية» التي تعيشها فرنسا راهناً. ومن الذيـــن شاركـــوا في الكتاب عبر حوارات أو دراسات: محمــد أركون، بطرس بطرس غالي، جورج قرم، كارلوس فوينتس، فاتسلاف هافل، ستانلي هوفمان، تيودور زيلدن وسواهم.
يكتسب هذا الحوار الأخير مع إدوارد سعيد طابعاً خاصاً نظراً الى أنه يأتي بمثابة «وصية الى فرنسا»، ويحمل بعداً رمزياً مهماً، فالمفكر الراحل وجّه كلماته الأخيرة الى فرنسا ومفكريها، هو الذي خبر الثقافة والأدب الفرنسيين بعمق، على رغم إقامته في الولايات المتحدة وكان من المثقفين النادرين، الملتزمين نهجاً فكرياً عالمياً. وتكمن فرادة هذا الحوار في كونه يكشف وجهاً شبه مجهول من صاحب «الاستشراق».
هنا مقتطفات من الحوار غير المنشور:
يتحدث إدوارد سعيد عن علاقته الشخصية بفرنسا وبدايات تعرفه الى ثقافة هذا البلد، وكان والده شارك خلال الحرب العالمية الأولى، في الحملة العسكرية الأميركية التي أتت لمساندة فرنسا قائلاً:
«بالنسبة الى شخص مثلي، ترعرع في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين ومصر، طالما شكلت فرنسا الخيار البديل. وكان لي كثير من الأصدقاء الناطقين باللغة الفرنسية، لا سيما في فيكتوريا كوليج في القاهرة وفي نوادي القاهرة حيث كنت أتمرن على لعب التنس.
وبالتالي من الطبيعي أن تصبح اللغة الفرنسية اللغة البديلة والثقافة الفرنسية الثقافة البديلة بالنسبة إلي. إلا أنّ معرفتي بفرنسا كانت سطحية فلم يسبق لي أن زرت ذلك البلد. وكانت تقتصر على ما جلبه أبي من ذكريات: فرنسا، حب الحياة وبلد الجنس والنبيذ وكل هذه الكليشيهات. والغريب انني انتظرت مجيئي الى الولايات المتحدة في مطلع الخمسينات من القرن الفائت لمتابعة دراستي الثانوية، وأبدأ بالغوص في الأدب الفرنسي. وأذكر أن اتصالي الأول بالأدب الفرنسي حصل في سن المراهقة، عبر نص «الجدار» لسارتر. وقد تأثرت كثيراً بآفاق هذا الكتاب الفلسفية والفكرية، وأدهشتني التعددية التي ينطوي عليها، لا سيما بالمقارنة مع الأدب الأميركي. ففي الفترة عينها، كنا نقرأ جون شتينباك إلا أن أسلوب سارتر ونظرته الى العالم مختلفان تماماً. وقد سحرني هذا الاختلاف. وما أن بلغت السابعة عشرة من عمري ودخلت جامعة برنستون، حتى التحقت بعدد من الدروس التي تتمحور حول الأدب الفرنسي، وكان يقدمها أستاذان رائعان. وكانت تدور حول الرمزية والرواية الفرنسية الحديثة، إضافة الى ما بعد الرمزية والسوريالية. وكانت المحاضرات خالية من أية نقاشات أو حوارات، كانت مجرد دروس نظرية غنية بالاقتباسات وعدد من المراجع التي كان يوصى الطلاب بقراءتها في نهاية كل حصة. لقد جُذبت كثيراً الى مفهوم التاريخ الثقافي في ذلك الوقت وتأثرت به. وسمحت لي قراءاتي باكتشاف فرنسا، هذا البلد الذي لم أذهب لزيارته زيارة مطولة إلا في العقد الثالث من عمري».
ويضبف: «خلال السنوات الأولى التي عملت فيها أستاذاً في جامعة كولومبيا، وقد عُيِّنت في منصبي هذا منذ 40 سنة، أي عام 1963، عاودت الاهتمام بالأدب الفرنسي. ووجدت فيه بديلاً للنظام الذي نشأت عليه ودرست فيه، أي التقليد الإنكليزي - الأميركي الوضعي، الذي يتسم بضيق الآفاق التاريخية. وبالنسبة إليّ، كان التقليد «الروماني» هو البديل، وعلى رأسه فرنسا وإيطاليا. ومن خلال مؤلفات تعود الى أشخاص من قبيل الجامعي إيريك أورباك وهاري لفين، استاذي السابق في هارفرد ومؤلف كتاب هو من أهم الكتب عن الرواية الفرنسية في القرن التاسع عشر، تمكنت من توسيع دائرة اهتمامي بالأدب الفرنسي من القرن الثامن عشر الى القرن العشرين، كما بالنقد الأدبي. وكنت الرجل الأميركي الأول الذي تناول مدرسة النقاد الفرنسيين الجديدة في كتبه، وذلك ضمن مقال مطوّل حول لوسيان غولدمان. وقد اهتممت بفكرة أن غولدمان كان تلميذ جورج لوكاش في الثلاثينات، وانه كان ينتمي في تلك الفترة الى أنصار «النقد الجديد»، وهي مجموعة تختلف عن النقد الأميركي بكل ما للكلمة من معنى. كانت مخالفة تماماً للفلسفة وتشدد على الجمالية على حساب البقية. وفي موازاة ذلك، لم أتوقف عن قراءة سارتر وميرلو بونتي والتقليد الفينومنولوجي، الناتج في معظم الوقت عن هوسرل وأحياناً أخرى عن هايدغر. ولعبت فرنسا دور الأرض الخصبة لهذا النمط من التفكير، ذلك أن الفرنسيين كانوا يلعبون دور الوسطاء بين الفلسفة الألمانية والتقليد الإنكليزي - الأميركي. وأخيراً، أتى العام 1966 وجلب معه حدثاً هائلاً يعيشه المرء مرة واحدة في العمر، إذ عُقد حينذاك المؤتمر المنتظر وعنوانه «لغات الانتقاد وعلوم الإنسان» في جامعة جون هوبكنس واستطاع للمرة الأولى استقطاب كبار المؤلفين الذين قرأت أعمال بعضهم أو سمعت عن البعض الآخر منهم، ولا سيما جان هيبوليت ورولان بارت وجاك دريدا وجاك لاكان وجورج بوليه وجان بيار فرنان وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت... ويعود الفضل في دعوتي الى المشاركة في هذا المؤتمر الى مقالاتي التي سمحت لي بالتواجد مع كل هؤلاء الكبار على مدى أسبوع. وفي الواقع، أدهشني أمران متناقضان. الأول هو بعد نظرهم ولا محدودية فكرهم، فقد كان في إمكانهم أن يتحدثوا في طريقة متكلفة عن الفلسفة اليونانية أو الألمانية أو عن أي موضوع آخر. والثاني قدرتهم على التحول أشخاصاً متعصبين لفرنسيتهم. حتى أن بقية المفكرين كانوا يشعرون باحتكار المفكرين الفرنسيين للموضوعات المطروحة للنقاش، علماً أنهم كانوا يطرحون جدليات تعني العالم بأسره، ويتحدثون عن نيتشه وفرويد وهايدغر. وخُيّل للمشاركين الآخرين في المؤتمر – أي الأجانب (بعض الإيطاليين والأميركيين) – أن المفكرين الفرنسيين يوجهون الكلام بعضهم الى بعض لنيل الإعجاب المتبادل بينهم، غير آبهين لبقية الموجودين! كان ذلك مذهلاً حقاً!
rwayda
09-Aug-2008, 12:31 AM
أستطيع أيضاً أن أعزز كلامي بقصة حدثت مع رولان بارت. نظراً الى بعد حرم جامعة جون هوبكنس عن بالتيمور، كنا ننزل جميعاً في الفندق نفسه، ونلتقي يومياً. وفي كل صبح تنقلنا المركبة نفسها الى الجامعة. وعلى الطريق، اعتدت الجلوس بالقرب من رولان بارت، لذلك كان من الطبيعي أن نتبادل الحديث. اهتممت كثيراً بالمحاضرة التي ألقاها خلال ذلك المؤتمر والتي دارت حول فعل «كتب»، الذي وصفه بالفعل غير المتعدي. وخلال أحد نقاشاتنا الصباحية، أخبرته أن أعماله تشبه، في كثير من نواحيها، أعمال أحد النقاد الأميركيين المشهورين والفريدين من نوعهم، كينيث بورك. بدا بارت مهتماً جداً بالموضوع، حتى انه دوّن اسم بورك وطلب مني أن أزوّده بلائحة تضم أهم كتبه. فاستجبت لطلبه قبل أن نعود الى حديثنا. وبعد سنتين، التقيت مجدداً برولان بارت، في مؤتمر كان يُعقد في شيكاغو. ألقينا التحية واحدنا على الآخر بحرارة وتكلّمنا عن أمور مختلفة، قبل أن أسأله إذا تسنّت له فرصة المقارنة بين أفكاره وأفكار بورك. وإذا به يجيب: «أفكار من؟».
لقد فاته كلياً الأمر واضطررت الى الإصرار على مطلبي أكثر من مرة، على رغم أهمية بورك ونقاط التشابه بينهما. وأظن انني كنت في صدد تناقض شكلي الى أقصى درجة. فمن ناحية، هناك التعصب الى الانتماء الفرنسي، الذي أصفه بالمتطرف والذي كان يمنع المفكرين الفرنسيين من النظر الى خارج حدود عالمهم الفكري أو الاهتمام بالكبار دون سواهم، ومن ناحية أخرى، هناك انفتاح فعلي على بقية العالم في بعض الأحيان. فعندما كان كلود ليفي شتراوس يتكلم عن الفكر مثلاً، كنت أشعر انني أستمع الى مفكر عالمي بكل ما للكلمة من معنى. وبالطبع، ذلك هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة السائدة وهي العصبية الفرنسية. وليفي شتراوس كان يدحض هذه الفكرة. فهو تأثر كثيراً بالإثنولوجيا الإنكليزية - الأميركية. وبيار بورديو كان أيضاً استثناء في هذا المجال، نظراً الى تتبعه لكل ما يجري خارج الفلك الفرنسي. لكن سواهما من المفكرين كانوا منغلقين على ذاتهم، ولا يهتمون إلا بشخصهم. ولا أدري كيف أفسّر هذه الشوائب، قد يكون السبب عقليتهم أو النظام التربوي والبرامج التي تتخطى حدود المقبول في صرامتها».
ورداً على السؤال: نظراً الى المكانة الخاصة التي يحتلها المفكرون في المجتمع الفرنسي، هل ترى أنهم يستغلون مكانتهم تلك ويستثمرونها في المكان المناسب بغية الدفاع عن قضايا مهمة، أم أن المسألة تختصر في المظاهر؟ هل نشهد اليوم تراجعاً للنفوذ الفكري الذي تتمتع به فرنسا، لا سيما بالمقارنة مع الفترة التي تلت الحرب مباشرة؟ يجيب: «لم يستطع المفكرون الفرنسيون المعاصرون لي من لعب دور جوهري، واللغة هي أحد الأسباب التي أعاقتهم. فقلة قليلة منهم فقط متمكنة من لغة أخرى غير الفرنسية، كالإنكليزية على سبيل المثل. والمفكرون العرب يعانون أيضاً من عائق اللغة. فهم يعجزون عن التعبير بغير اللغة العربية ويكتفون بذلك، متسائلين، مثلهم مثل المفكرين الفرنسيين، «لمَ عسانا نعقّد حياتنا بتعلّم لغات أخرى؟» إن هذا النمط من التفكير مؤسف للغاية. ولكن هنا أيضاً، يمكنني أن أذكر أمثلة مضادة وأسماء لامعة مثل تودوروف. فأصول هذا الكاتب البلغارية لم تمنعه من أن يصبح مفكراً فرنسياً وهو من النادرين الذين يقرأون ويتكلمون ويفهمون اللغة الإنكليزية. إتيان باليبار يُعتبر أيضاً من الناطقين باللغة الإنكليزية. وهو يعطي دروساً، بين الحين والآخر، في الولايات المتحدة حيث تُرجمت كتبه وباتت موضع قراءة ودراسة. لكن أفكار الآخرين، حتى المفكرين اليمينيين الأكثر شهرة في فرنسا مثل فينكلكروت أو برنار هنري ليفي لا تتعدى حدود العالم الناطق باللغة الفرنسية ولا تلقى صدى واسعاً في العالم»
لكن هؤلاء يحشدون جمهوراً واسعاً من خلال الشاشة الفرنسية الصغيرة. يقول سعيد في هذا الصدد: «نعم، هذا صحيح. فجمهورهم التلفزيوني – إذا جاز التعبير – أكبر من جمهورهم الأكاديمي والجامعي. في المقابل، خُيّل إليّ لوهلة أن رجلاً مثل ريجيس دوبري قد يلعب دوراً مهماً خارج فرنسا. فقد منحه عمله في أميركا اللاتينية ومؤلفاته حول دور المفكر، خلفية دولية. إلا أن كتبه لم تلق الصدى الذي يليق بها في الولايات المتحدة، وقد تكون اللغة السبب وراء ذلك. وأتذكر الآن قصة تتعلق بدوبري وباللغة. منذ سنوات، عندما صدر كتابي «عن المثقفين والسلطة» في باريس (دار سوي 1996)، التقينا في برنامج تلفزيوني أنا ودوبري وفينكلكورت. وفي المناسبة، شعرت ان الرجلين لا يستلطف واحدهما الآخر! وبالعودة الى صلب الموضوع، غمر الغضب دوبري عندما علم أنني وصفته في أحد مقالاتي بالكلمات الآتية: بـ «المفكر اللامع والمتعدد الآفاق». واستخدمت كلمة «المتعدد» بمعناها في اللغة الإنكليزية، أي الرجل المنفتح والقادر على تناول مواضيع مختلفة في كتاباته. لكنه اعتقد انني استخدمت الكلمة بمعناها الفرنسي، أي الشخص المزاجي والمتقلب في أفكاره...».
ويتحدث عن إميل زولا، الرواي والمفكر الملتزم قائلاً: «لم أعاود قراءة كتابات إميل زولا منذ فترة طويلة، لكنني قرأته من خلال أحد زملائي الذي يعمل أستاذاً في قسم الأدب الفرنسي في جامعة كولومبيا. إن سيرة زولا الذاتية التي وضعها هنري ميتران، ذلك الرجل المتضلّع في كل شاردة وواردة تتعلق بزولا، هائلة، وقد سمحت لي أعماله أن أتعرّف أكثر الى زولا. بالطبع، سبق أن قرأت رواياته مثل «جيرمينال» و «نانا» وسواهما خلال فترة دراستي، وأعرف أن زولا كاتب موهوب لكنه لا ينتمي الى الكتّاب الذين أعاود قراءتهم مراراً وتكراراً، على غرار مارسيل بروست وغوستاف فلوبير الذي يُعتبر نقيض زولا على مستويات عدة. وهنا تأتي المقارنة في غير محلها. دعني أعترف إذاً أن إعجابي بزولا، المفكر الملتزم، يفوق إعجابي بزولا الروائي. فالسياق الذي تجري فيه أحداث روايات زولا مغاير تماماً للسياق الذي نعيش فيه اليوم ما أحببته في زولا هو مداخلاته العامة، والدور الذي لعبه كأحد الوجوه التي تركت بصمات واضحة في الثقافة الفرنسية. والمثير للاهتمام في ذلك الرجل هو ناحيته الفرنسية البحتة، وقدرة قضية ما على التأثير فيه ومسّه من الداخل وذلك بشهادة من المجتمع برمته. إضافة الى قدرته على دفع الأمور نحو مزيد من العدالة، كما حصل مع نصه «أتهم». وستبقى كلمة «مفكر» مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بزولا.
rwayda
09-Aug-2008, 12:35 AM
وعن ألبير كامو وعن رأيه بمقولته الشهيرة: «إذا خُيّرت بين العدالة وأمي، أختار أمي» التي تجسّد العلة التي يعاني منها العالم المعاصر، حيث يندرج الجميع تحت راية ذويه وجماعته ويغلّب النسب على الانتساب، ويفضل الولاءات القبلية والمجتمعية والشخصية على القيم والعدالة، يقول سعيد: «أنا أعارض هذا الانقسام وأعتقد أن التصنيف خاطئ أساساً. وأظن أن ذلك يُعزى أولاً الى غياب أي معارضة طبيعية بين العدالة والأم. لم يُفترض بنا أن نختار؟ ولم لا يمكننا اختيار العدالة والأم معاً؟ من جهة أخرى، نحن نرتكب خطأ باعتقادنا بأن الدفاع عن العدالة قد يدفعنا الى التخلي عن أمنا، فالعدالة بذاتها أمر طبيعي للغاية. وفي نهاية المطاف، وحدها العدالة تستطيع تخليص الأمهات من كل شٍر يتربّص بهن. إن الدفاع عن العدالة لا يعني بالضرورة مخالفة الولاءات والانتماءات الفطرية والأساسية. ومن خلال هذا السؤال تبرز بعض النقاط التي تقف عائقاً بيني وبين كامو».
في كتابه «الثقافة والامبريالية»، يقارب سعيد ألبير كاموا بطريقة مستحدثة، من خلال تحليل اللاوعي الاستيطاني. ويبيّن أن كامو خضع، إما بكل وعيه أو من دون وعي، لسيطرة العقلية الاستيطانية. ويشير أيضاً الى أن الرجل العربي الذي قتله مرسو في رواية «الغريب» كان شخصية مجردة، نجهل عنها الكثير... يقول سعيد عن كامو: «أعتقد أن كامو كان رجلاً موهوباً، إلا أنه بالغ – الى حد التصنع – في إظهار أخلاقياته. كامو كان واعياً أخلاقياً، لكنني حاولت إظهار كيف أن انعدام النزاهة وحال الهروب والنظرة المخالفة للتاريخ التي ألقاها على المكان الذي عاش فيه، كيف أن كل تلك الأمور شوّهت هذا الوعي الأخلاقي. وأعني بذلك أن كامو لم ينقل العلاقة الفعلية بين المستوطن والمستوطَن كما هي في الجزائر. وبالنسبة إليه، شكّل الاستيطان سياسة سيئة مارسها نظام سيئ وحكومة فرنسية سيئة، لكنه لم يكن يرى أن ذلك يندرج في عملية تاريخية طويلة، تستند الى التجريد المنظم والى بناء عقلية استيطانية. وأعتقد أن ذلك أشبه بالوضع الذي نشهده في إسرائيل، وفي سلوك بعض المفكرين تجاه هذه المسألة بالتحديد. وما لا أستطيع فهمه هو أن الكثيرين من الفرنسيين ما زالوا يرون في كامو مثالاً للكاتب الأخلاقي والمفكر التقدمي. وقد أدركت الأمر عندما درس إبني كامو في المدرسة. كان يقرأ رواية «الغريب» حينها. وسألته إذا ما كان الكتاب مدروساً بحسب سياقه، وإذا ما كانوا يتعرفون خلال الحصص المخصصة لدراسته الى الخلفية والكاتب والحياة في الجزائر... لكن الدروس لم تكن تجري على هذا النحو. ففي معظم الأحيان، يتم تجاهل كل هذه الأمور ويظهر كامو بالتالي كالكاتب الأخلاقي الفرنسي الكبير في القرن العشرين. لا شك في أن في وضع كامو قد يستغوينا التركيز على الأسلوب فقط. فنحن في وجه كتاب نثري رائع، في وجه «كتابة بيضاء» أو كما سمّاها بارت. ومن المؤكد أن كامو كان يعيش في بيئة صعبة جداً، في بيئة منغلقة على فرنسيي الجزائر. لكننا لا نجد في شخص كامو وعياً لجهة استغلال شمال القارة السمراء. فيما أن الكاتب الفرنسي أندريه جيد كان يعي تماماً وجود هذا الاستغلال. وأنا لست أستغيب كامو، لطالما قلت، ولا أزال، إنه كان كاتباً موهوباً جداً، لكنه يخفي أمراً ما وذلك لا يريحني. فمن الطبيعي أن نرى فيه، كما نرى في أندريه جيد، مثالاً يُحتذى به لجهة الثقافة الفرنسية. إلا أنني أعتقد أن وضع جيد يختلف تماماً. كامو كان يعتبر نفسه مؤلفاً أخلاقياً وكاتب مقالات. أما جيد فكان قبل كل شيء من أنصار المتعية، وكانت أعماله منفتحة جداً ومتأثرة بهذه المتعية على طريقة أوسكار وايلد».
وعن سارتر الذي عاد فجأة الى الطليعة، بعدما كاد العالم أن ينساه وعن الإرث الذي تركه يقول سعيد: «مهما كثرت الإشاعات عنه، وعلى رغم كل سيئاته، يبقى سارتر بالنسبة إليّ أحد أهم الوجوه الفكرية التي عرفها العالم في القرن العشرين. وقبل الحديث عن سارتر الروائي، تجدر الإشارة الى أنه كان ناقداً أدبياً وفلسفياً فريداً. وفي هذا الإطار، تطاردني أعماله من كل ميل وطرف، أذكر منها كتابه الرائع عن فلوبير، «أبله العائلة»، وكتابه عن بودلير والمقالات الأخرى التي تناولت باقة متنوعة من المؤلفين. وأظن أن أعماله تأتي في صدارة التحقيقات النقدية. وعرفنا سارتر أيضاً كروائي وكاتب مسرحي رائع، فكيف ننسى رواية «الغثيان» وسواها من روائع المسرح التي تحمل توقيعه. ميزة سارتر انه كرّس معظم حياته ليطرح على نفسه كما على غيره أسئلة حيوية. وقد أثبت شجاعة كبيرة في تعاطيه مع الأمور، فتطرّق الى موضوعات شبه محرمة في المجتمع مثل فيتنام والجزائر. غير أن ذلك لا ينفي وجود بعض الشوائب والإبهام حول مسيرته الفكرية على بعض المستويات، ونذكر في هذا الإطار موقفه حيال القضية الفلسطينية».
تميل مواقف سارتر حيال الصراع العربي – الإسرائيلي الى بعض من الغموض والتناقض خصوصاً في التزامه المطلق تجاه القضيتين الفيتنامية والجزائرية، أو المديح الذي قام به في المقدمة اللاهبة لكتاب فرانتز فانون «محكومو الأرض». ويقول سعيد: «أو عندما نتذكر إعجابه الكبير بجان جينيه وبالعمل الرائع الذي أهداه إياه».
وعن امتناع سارتر عن إظهار المزيد من الدعم للقضية الفلسطينية يقول: «أعتقد أن سارتر تأثر بالحرب العالمية الثانية، وذلك طبيعي جداً. لقد أدرك فظاعة المحرقة التي أتت بمثابة ضربة أعادته الى الواقع وعززت وعيه السياسي والفكري. والأمر سيان بالنسبة إلى ميشال فوكو، على رغم صغر سنّه. فكلاهما شعر بعد الحرب أن إنشاء دولة إسرائيل خطوة طبيعية ومحقة، تأتي بمثابة تعويض لمعاداة أوروبا للسامية وقد تسمح بالتخفيف من وطأة شعور الذنب الذي يعذبهما ويعذب غيرهما بسبب الفظائع التي ارتُكبت بحق اليهود الذين تعرضوا للإبادة الجماعية خلال الحرب، على اختلاف جنسياتهم، فرنسيين كانوا أم ألماناً أم بولنديين. ومن هنا، عجز سارتر عن استيعاب وجهة النظر العربية. ونادراً ما اهتم بالعالم العربي، وكان ذلك غريباً بعض الشيء. فكان يرى في عبدالناصر رجلاً اشتراكياً من جهة، وفاشياً يشبه الألمان من جهة أخرى. لم تنشأ يوماً علاقة فعلية بين سارتر والثقافة العربية ولطالما غلب الانزعاج عليها وهذا ما لا أفهمه، وهو أحد الأسباب التي دفعتني الى مقابلته عام 1979. أردت أن أفهم الحقيقة، فصلة سارتر بالفكر العربي كانت ضعيفة في الوقت الذي كان على علاقة متينة ببعض الإسرائيليين، على غرار إيلي بن غال وبيار فيكتور اللذين أخذاه في رحلة الى إسرائيل وأعطياه صورة إيجابية عنها... أما العالم العربي والثقافة العربية فلم يعرفهما البتة. كل ذلك كان غريباً بعض الشيء. لكننا بشر ولكلٍّ سيئاته. هناك أمور تمسّنا وتؤثر فينا أكثر من غيرها. لقد أخطأ سارتر في قضايا كثيرة ولم تؤثر فيه معاناة الشعب الفلسطيني. صحيح أن موقفاً كهذا مخيّب للآمال، ولكن لا يكفي لنفي موهبته ومواقفه الشجاعة إزاء قضايا أخرى».
سارتر والعداء لاميركا:وعن عدائية سارتر وسيمون دو بوفوار المتطرفة للولايات المتحدة، وهو شعور ذا طبيعة جوهرية لا يستند الى انتقادات شرعية لسياسات أميركية معينة، يقول سعيد: «أزعجني ذلك، خصوصاً أن هذه العدائية لا تستند الى انتقادات شرعية، حتى انها لا تستند الى معرفة حقيقية للولايات المتحدة. ومن الواضح أن سارتر ودو بوفوار كانا يجهلان هذا البلد. والأمر سيان بالنسبة الى غيرهما من المفكرين الفرنسيين. فغالباً ما تنبع عداوتهم للولايات المتحدة من جهل فعلي لهذا البلد. وهذا ما دفعني في مرحلة ما الى كتابة مقالة تحت عنوان «أميركا الأخرى»، التي صدرت في صحف عالمية عدة ومنها صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية، في آذار (مارس) 2003. أعتقد ان من الضروري أن نتذكر دائماً أن بوش وإدارته لا يمثلان سوى أحد أوجه الولايات المتحدة الكثيرة والمختلفة. كنت أود لو أن سارتر ودو بوفوار أوليا أهمية أكبر للوجه الآخر من أميركا. جان جينيه مثلاً، الذي التقيته للمرة الأولى في جامعة كولومبيا اهتم كثيراً بهذا الوجه الآخر. فقد نظر عن كثب الى الحركة المضادة للحرب التي نشأت في نهاية الستينات، والى النشاطات التي قام بها طلاب اليسار والجذريون وحتى البلاك بانثرز. جان جينيه كان متميزاً من هذه الناحية، على خلاف الكثير من المفكرين الفرنسيين التقليديين والتافهين في عدائهم لأميركا، لأن شعورهم ذلك ما كان يستند الى معرفة كافية بهذا البلد أو الى انتقادات شرعية ومفصلة».
وعن تأثير مفكري ما بعد الحداثة في فرنسا على طلاب الجامعات الأميركية التي أبدت اهتماماً كبيراً بمفكرين مثل فوكو ودريدا وبودريار الذين يحظون بمحبة أكبر في الولايات المتحدة منها في فرنسا، يقول: «إنه لسؤال صعب. إذا أخذناهم كل واحد على حدة، سأقول إن فوكو لا يحظى بالتقدير الذي يليق به كباحث وجامعي. فالكثيرون من الأميركيين يعتقدون أن فوكو هو فقط هذا الرجل الذي أطلق العنان لموضوعات أثارت ضجة كبيرة كالرغبة المثلية والجنس والجنون. وهي موضوعات منحت فوكو مكانة كبيرة، وجعلت الناس ينسون أنه جامعي كبير وفيلسوف رائع في الدرجة الأولى، «فيلسوف جذري»، بحسب تصنيف نيتشه. هذا هو الوجه الذي أثار إعجاب جيل دولوز في فوكو والذي بقي مهمشاً بعض الشيء في أميركا، حيث يطغى الفكر المنظم والأنظمة الصغرى على البقية. عندما يتعلق الموضوع بمفكرين مثل دريدا وفوكو. فدريردا ومفهوم اللابناء يقعان اليوم في قلب نوع من البدعة الموجودة في الجامعات الأميركية. وقد ركّز الكثير على ذلك المفهوم من دون أن يفهموا أعمال دريدا الأولى. وأعتقد أن أعمال دريدا اللاحقة عكست، بطريقة أو بأخرى، التأثير الأميركي. فتحوّل كاتباً يتّسم بغموض أكبر ومنذ ذلك الحين فقدت أعماله رونقها لأنها كانت تفتقر الى الصراحة. إن مشكلة هؤلاء المفكرين لا تكمن بالمبالغة في تقديرهم، بقدر ما تكمن في أن بعض النواحي من أعمالهم، واشدد على «بعض النواحي»، تحوّلت مجرد آليات متحركة. وبالتالي، بات من السهل الحصول على كميات هائلة من نسخ دريدا وفوكو، بدلاً من إنشاء أشخاص يحاولون فهم دريدا وفوكو، وانتقاد أعمالهما بالأسلوب نفسه الذي نقلاه في تعاليمهما. على صعيد آخر، أُصبت بخيبة كبيرة عندما علمت أن جاك دريدا قبل دكتوراه فخرية من الجامعة العبرية في إسرائيل... ولعل توقيعه على بيان يدين بقسوة السياسات الإسرائيلية هو بالضبط ما خيّب أملي. وقّع على البيان وقبل بلقب فخري منحته إياه جامعة تابعة لبلد وصفه بنفسه أنه يقمع الفلسطينيين وينتهك حقوق الإنسان ويضرب القانون الدولي بعرض الحائط! بالنسبة الى دريدا وبودريار، لا وجود لحجم التاريخ وأهميته. عندما يعلن بودريار أن عهد الخطابات الكبرى وزمن التحرر وعصر الأنوار ولت، أنا لا أوافقه الرأي بتاتاً. فالكثير من الناس في العالم، وفي الولايات المتحدة، يتأثرون حتى اليوم بكل ما له صلة بالعدالة والحرية والأمل والقيم الأخرى. ونظراً الى ذلك، أعتقد أن ما يروّج له بعض مفكري ما بعد الحداثة لا يخلو من الازدراء والاستخفاف بكل من يؤمن بهذه القيم. وهذا هو السبب عينه الذي يمنعنــي مـــن الموافقة على مفهوم «نهايـــة التاريخ» لفوكوياما الذي يبسّط كـــل الأمــور الى حد التفاهة. أين الاعتراف بجهود الإنسان إذاً؟ أنا ألمس نوعاً من الكسل عندما أسمع أشخاصاً يأتون ليقولوا إنهم فقدوا كل اهتمام بتلك الأمور وبقضايا العالم الفعلية وبمعاناة البشر، وإنهم باتوا يهتمون بأفكار أخرى كالمسرح والمظاهر والروايات القصيرة والكفاءات التقنية...».
ويتطرق إدوارد سعيد الى موقف بعض المفكرين من الصراع العربي – الإسرائيلي الذي يعيد الى مسألة «العدالة وأمي» بحسب مقولة كامو، خصوصاً أن في عالم اليوم يتقدم النسب على الانتساب، ويقول: «أعتقد بأن العلاقة التي يحاول البعض إيجادها بين قضية ما والسبب الذي يدفعهم الى الدفاع عنها هي في معظم الأحيان علاقة طبيعية تنبع من انتمائهم ونسبهم. كنت أتمنى أن ينبع خيارهم من قناعة شخصية. فالاختيار يفرض ألا يهرع المرء الى مساندة «مخيمه» في شكل تلقائي. عندما انتقدت القيادة الفلسطينية بشدة، أثنى ريجيس دوبري على موقفي النادر، ذلك أن معظم المفكرين يميلون الى الدفاع اللامشروط عن مخيمهم وهذا ليس مفهومي لدور المفكرين. فمهمتهم الأولى تبقى الاعتراف بالحقيقة مهما كانت صعبة، وإن دفعت شعبهم الى التشكيك بهم. وفي نهاية المطاف، يعجز المفكر عن إتمام مهمته على الوجه الصحيح عندما يكتفي بإخبار جمهوره أو جماعته ما ترغب في سماعه وما يطمئنها ويثبّت قناعاتها السابقة والمكتسبة. وأظن أن هذا الفرق يستحق أن نتوقف عنده. إنه مسعى وراء النقاوة وتحقيق إنجاز ما. ثانياً، كنا نجد عند بعض المفكرين، حتى الكبار منهم، ما عدا البعض طبعاً، حاجة ماسة الى الإيمان بشيء ما. حتى عندما كانوا يتكلمون عن العلمانية، استطعنا أن نستشف فيهم صورة خيالية غير علمانية. وغالباً ما رأينا دفعاً شبه ديني يحثهم على المضي قدماً. لربما كان هذا الدفع بديلاً عن الإيمان الكاثوليكي. ولكن أعتقد أن المشكلة تكمن على هذا المستوى، هناك حاجة الى الإيمان بنظام سماوي ودفع شبه ديني وسعي وراء تحقيق إنجاز تام، مهما كان الثمن. ثم ان صورة المفكر الذي يلعب دور المحقق ويهتم بمشكلات الدنيا وبتفاصيل خاصة ويكرّس نفسه للنظر في الظروف التي يعيش فيها الأقل حظوة، ويقوم بدراسة القضايا الاجتماعية على مر التاريخ، ويزور الأماكن المهملة عادة والأحياء الفقيرة حيث يعيش المهاجرون والطبقة العاملة، أي المفكر الذي يتسلح بالشجاعة لمواجهة البؤس الاجتماعي، إن هذه الصورة إذاً باتت عملة نادرة في فرنسا، على الأقل قبل وصول بورديو، لأن بورديو غيّر مجرى الأمور، ولربما كان الوحيد الذي عالج مسائل ترتبط بالثقافة الشعبية والحياة اليومية بكل ارتياح، على الأقل أنا لا أعرف سواه. فبورديو كان يتوجه الى الشعب ويسعى الى استقطاب جمهور واسع. وفي الوقت نفسه، كان يأخذ احتياطاته من وسائل الإعلام. إلا أن حذره هذا لم يمنعه من الذهاب للبحث عن جمهوره والتواصل مع الشعب».
rwayda
09-Aug-2008, 12:36 AM
معاداة السامية والعنصرية:وعن بعض المظاهر المخلة في فرنسا مثل بروز الشعور بمعاداة السامية والرهبة المرضية أحياناً من الإسلام والعنصرية ضد العرب يقول هو الذي كتب في «الاستشراق» أن معاداة السامية والعنصرية ضد العرب ناجمتان عن الخلفية الفكرية نفسها والعقلية عينها: «لا يمكن الفصل بين معاداة السامية والعنصرية ضد العرب. هذا مؤكد. فجذور الاستشراق هي نفسها جذور معاداة السامية، أي النظريات العرقية والأفكار الخاطئة حول اللغات السامية ومفهوم العرق السامي والفكرة السائدة التي تقول إن اليهود شرقيون فقط. بقي اليهود في فرنسا وبريطانيا شرقيين لمدة طويلة من الزمن، وكان يُنظر اليهم كفئة غير قابلة للدمج تماماً كما يُنظر الى بقية الشرقيين اليوم: فئة غير قابلة للدمج في المجتمع. إن أشهر الشخصيات اليهودية في الأدب الإنكليزي وردت في كتاب «تاجر البندقية» وفي رواية «دانيال ديروندا» لجورج إليوت. وفي العملين، نحن أمام شرقيين لا يهود من السكان الأصليين، بل غرباء. ولطالما بقي الوضع على هذا الحال في فرنسا».
ويضيف: «إن مكافحة العنصرية تحت كل أشكالها بدأت لتوها، ولكن أعتقد أن من الممكن تخطي تلك الأفكار المسبقة ولا سيما في فرنسا. ففي الولايات المتحدة، عندما نحاول الاهتمام بتاريخ الانشقاق وتاريخ معارضة العقائد المشددة وتاريخ العنصرية المضادة ومكافحة الأفكار المسبقة، والصراع من أجل الشمولية والانفتاح على العالم، تبقى فرنسا الأنوار المرجع الأول الذي يخطر في بالنا. هذا لا يعني أن المشهد كان خالياً من أي تناقضات، بل على العكس. فهذه التناقضات تتبلور مثلاً من خلال فولتير، أحد رموز عصر الأنوار، على رغم معاداته للسامية، هو الذي كان يروّج للعلمانية ويقوم باتفاقات جانبية مع البابا في الوقت نفسه.
ولكن، على رغم كل ذلك نقل لنا فولتير مبادئ الصراع من أجل الشمولية والعدالة وأعتقد أن هذا الصراع سيبقى خالداً مهما تغيّر الزمان. إنما، المذهل والغريب في فرنسا هو أنكم ستجدون دائماً، في وجه العنصرية والعصبية المحلية والعقول المحدودة، تياراً يتسم بالتسامح والعظمة وخطباً تدعو الى إرساء العدالة والحرية، ما يساعد على خلق إنسان مثل توسان لوفرتور. إن توسان لوفرتور كان في طريقة أو أخرى ثمرة الثقافة الفرنسية. فهذا الرجل الأسود قرأ إعلان حقوق الإنسان والمواطن على رغم ثقل العبودية ويديه المكبلتين، وقرأ أعمال ميرابو وتأثر بعصر الأنوار... فتحركت أحاسيسه وانكسرت الأصفاد لينتفض الإنسان الموجود في داخله من أجل محاربة العبودية في هايتي. هكذا كُتبت الأسطر الأولى من قصة تروي ثورة شعب أراد الحياة فاستجاب له القدر».
rwayda
09-Aug-2008, 12:37 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:1nnieuxpGNLBuM:http://www.alyaum.com/images/11/11777/310141_1.jpg http://tbn0.google.com/images?q=tbn:eAHr-up9RDY8sM:http://www.alhnuf.com/up/u9/890b8bb43b.jpg
هذا الحوار « الوثيقة» اجراه الاستاذ الروائي الطيب صالح مع الشاعر نزار قباني باذاعة الـ«بي.بي.سي» بلندن في ابريل 1973عندما كان الطيب صالح محررا ادبياً بالاذاعة اللندنية الـ« بي. بي.سي» ومسؤولاً عن القسم الادبي العربي وقتذاك.. والحوار نشرت مقتطفات منه مجلة « هنا لندن» التابعة للـ«بي.بي.سي» ونحن هنا ننشره بعد مضي 32 عاما من نشره واذاعته لاول مرة... اذ نعتبره وثيقة ادبية تؤرخ لذلك العصر الادبي العربي.
اخ نزار ، انت تقول في موضع ما انك تريد ان تحول الشعر الى خبز يومي لجميع الناس، واعتقد انه اذا كان هناك شاعر معاصر فعل ذلك فهو انت.. وهذا واضح حينما تلقى الشعر، يهرع آلاف الناس لسماعك- تفتكر ليه حصل كدة بالنسبة لك؟
القضية بسيطة جداً.. انني انزلت الشعر من سماء النخبة الى ارض البشر.. فانا منذ بداياتي الشعرية، كنت اؤمن ايمانا مطلقا ان الشعر المكتوب للناس، وان الناس هم البداية والنهاية في كل عمل شعري ، ان اسطورة الشعر المكتوب للطبقات الخاصة، للامراء والنبلاء سقط. نحن في عصر يجب ان يكون المستفيدون من الشعر هم الناس.. قاتلت في الاصل لاصل هذ النتيجة. وقد تنبأت بذلك عام 1948 في ديواني « طفولة نهد» وتوصلت الى معادلة شعرية يكون فيها الناس جزءاً لا يتجزأ من الشعر.
هل هذا الادراك حدث فجأة ام انه ادراك نما بمعايشتك لافكار، ويمكن لشعر انت رفضته.. شعر لشعراء عرب آخرين؟
منذ البداية شعرت ان هناك هوة كبيرة بين الشاعر والجمهور، كان هناك نوع من الجدار اللغوي المنيع الذي يحول دون ان يتذوق الناس الشعر، وشعرنا القديم الذي استمر من العصر الجاهلي وحتى مطلع القرن العشرين كان شعراً صعباً لانه كان يعتمد على التراكيب اللغوية، وعلى النقش وعلى الزخرفة فانا اردت من الشعر ان يخرج من جدران الاكاديميات وينطلق في الحدائق العامة، ويعايش الناس ويتكلم معهم..
متى أصدرت أول ديوان؟
اول ديوان لي « قالت لي السمراء» وقد صدر في دمشق عام 1944م .
في هذا الديوان بالذات لك قصيدة عنوانها « ورقة الى القارئ» اعتقد انك تعلن فيها نوعا من الـ«ٍفَى نمُان» عن تجربتك وعما تريد ان تقدمه للقارئ «اما زلت متمسكا بهذا الـ«ٍفَى نمُرب» بينك وبين قارئك؟
انا لا اؤمن بالاشياء الثابتة، انا لا استطيع ان اقول ما قلته قبل ثلاثين سنة مثلاً ..« قانون» انا اتطور مع الحياة واسمح لي ان استعمل تعبير «اغير جلدي» في كل لحظة الا ان هناك عموميات اعتقد ان الانسان يظل مرتبطا بها مثلا نظريتي التي بدأنا بها الحديث عن تعميم الشعر او تأميمه هي نظرية لا تزال بالنسبة لي صحيحة وانا في كل يوم احاول ان اكسر جدرانا جديداً وادخل بيوت الناس من النوافذ ومن الابواب.
تقصد ماذا- على وجه التحديد انك «تغير جلدك»؟
انا لا أومن بوجود اشياء مطلقة ولا اشكال مطلقة، ربما ازمة شعرنا العربي في عصور الانحطاط انه كانت القصائد عبارة عن قصيدة واحدة منسوخة على ورق كاربون، يعني ان الشاعر لم يكن ليفهم عصره او ليفهم قضية الانسان.. العملية كلها بالنسبة للشعر العربي خلال الالف سنة الاخيرة، كانت عبارة عن نوع من الاكتشاف .. اكتشاف ماهو مكتشف كانت عبارة عن كيمياء لغوية نحن الآن لانفكر بالشعر كلغة قاموس لا يستطيع ان ينظم قصيدة وانما الانسان هو الذي ينظم القصيدة لهذا فان القاموس سقط.. سقط بكل محدوديته القديمة.. كمجموعة من الالفاظ والتراكيب والقوانين الصارمة التي لا تحتمل المخالفة.. نحن اليوم نخالف لانه يجب ان نكون مع الحياة لا مع النصوص الميتة..
لكن يخيل لي اخ نزار انك اكثر الشعراء المعاصرين اهتماما باللغة انت « صحيح» تستعمل لغة حديثة بمفاهيم حديثة لكن واضح في شعرك اهتمامك بالمادة الخام التي هي اللغة التي تعبر بها عن احاسيسك؟
استاذ الطيب يجب ان نتفق اولاً على مفهوم اللغة... انا اعنى اللغة التي حاصرتنا زمنا طويلا في جامعاتنا وفي مدارسنا وفي دروس اللغة العربية وفي دروس الفقه .
محاطة بقداسة؟
محاطة بنوع من القداسة.. وكانوا يقولون لنا ان هذه اللغة كصندوق سحري يجب الا تلمسها او لا تفتح الصندوق المخبأة فيه والا افترسنا المارد المخبوء في العلبة، اللغة التي افهمها انا هي اللغة التي يتنفس بها الناس اعود بك الى فكرة نزع الجلد..
اعود بك ايضا الى فكرة نزع الجلد.. هل يعني هذا ان القصيدة حين تكتمل تصبح بالنسبة لك لا تعني شيئا تصبح عالما خارجاً عنك تكتبها وتنساها؟
القصيدة تنتمي.. حين اكتبها الى مرحلة تاريخية واعتقد ان بقاء الشاعر في المرحلة التاريخية التي كتب عندها القصيدة تجمده وتوقفه عن الحركة، انا احب دائما ان اتجاوز قديمي طبعا هذا ليس نوعا من قلة الوفاء ولكنني شديد الوفاء الفني.. الوفاء للفن يكون دائما بالتجاوز والتخطي، هناك اناس كثيرون مثلا يستطيعون ان يستعيدوا قصائد كتبوها قبل عشرين سنة بدقة آلة التسجيل انا عاجز عن القيام بمثل هذه المغامرة.
نشأت في منزل دمشقي قديم.. هي عبارة عن فراديس مختبئة خلف ابواب خشبية صغيرة قد تدخل في زقاق صغير قد لا يوحي لك بشئ الا انك فتحت بابا من الابواب الخشبية الواطئة فتحت امامك فراديس فاذا بك تدخل جنة من جنان الوهم فالشجر والورد والياسمين والمياه الجارية والاسماك والعصافير كلها تتابع امامك مرة واحدة، هذه الخلفية لعبت دورا مهما في حياتي وفي تكوين لغتي الشعرية.. في دواويني الاولى « قالت لي السمراء» طفولة نهد» «انت لي» تلاحظ ان ابجديتي التي اكتب بها ابجدية دمشقية واستعملت كثيرا من الالفاظ الفولكلورية السورية في قصيدة «خمس قصائد الى امي» استعملت اسماء نباتات سورية غير معروفة في بقية العالم العربي كالشمشير والنفشة.. الارتباط بالارض هو الاساس اشعر ان الارض هي مسرح الشاعر هذه الواقعية جعلتني حادا واقرب الى قضايا البشر من غيري من الشعراء.
هذه الطفولة الجميلة كما رسمتها هل كانت توجد ارهاصات انك ستكون شاعراً؟
احب ان اشير الى ناحية مهمة، ان هذه اللوثة الفنية جاءتني عن طريق « جد» لي لعب لعبة خطيرة في تأريخ المسرح العربي هو ابو خليل القباني... كان فنانا من طراز رفيع واستطيع ان اشبهه بشارلي شابلن كان هذا في نهاية القرن التاسع عشر قاتل المستحيل في بيئة دمشقية محافظة ، كي يضيع لاول مرة في الشرق مسرحا طليعياً وقد جاوز في مسرحه كل الموروثات، وكان نصيب أبي خليل النفي الى خارج اسوار دمشق ذهب الى مصر وفي مصر استطاع ان يكون رائداً من رواد الحركة المسرحية التي عرفناها في مصر بعد ذلك.
الا تحس برابطة زمالة تربطك بشعراء عاشوا قبلك بالف عام او اكثر؟
ارتبط بمن يلتقون معي في التفكير خذ مثلا شعر عمر بن ابي ربيعة انا ارتبط معه بخيوط الواقعية الارضية والبشرية انت تعرف ان عمر بن ابي ربيعة اخرج الحب كما اخرجته انا من سراديب الكتب والحرمان الى الهواء الطلق.. انا اؤمن بالحقيقة.. بشاعر يقول بما يريد الناس ان يقولوه، لو كنت شاعراً منافقاً لوفرت على نفسي كثيرا من الهجمات والمشاكل واللعنات الا انني اعتقد ان لهفة الشاعر هي وسام لان مهمة الشاعر هي ان يضع قنبلة موقوتة تحت عجلة القطار الخشبي المتهالك الذي لم يعد منسجما مع العصر.
في علاقة الشاعر بالمرأة « في دواوينك» تدهشني الى حد ما هو ان الشاعر في مشاركة مستمرة مع المرأة، علاقة فيها نزاع وصراع يكاد يكون حميماً أكثر مما يجب؟
شوف يا استاذ الطيب.. لقد اثرت نقطة احب ان اوضحها. ان الخصومة مع المرأة هي المصادر الشعرية الحقيقية، نهايات الحب جعلتني اكتب شعراً احسن من بداياته.
حينما ينقطع الخيط، وتثور العاصفة مع حبيبتك فانت تبدأ بكتابة الشعر هذا يدعوني لان اقول ان الدراما في الحب هي الشعر الحقيقي.. والفرح في الحب لا يعني شيئا ان الفرح عملية مسطحة جدا فحينما تكون سعيدا مع حبيبتك تكتفي بسعادتك.. ان الفرح والسعادة عملية انانية جدا، أما حينما يقطع الخيط او يدخل الحبيبان في منطقة الدراما.. فهنا يبدأ الشعر.
من اكثر قصائدك دراما وعنفا. قصيدتك « الرسم بالكلمات»؟
هذه القصيدة تعبر تعبيرا عنيفا عن الازمة، الازمة التي يصل اليها الشاعر حينما يصل الى مكان مسدود، يعني طريق باتجاه واحد.. هذ القصيدة اسيئ فهمها جدا وانا آسف لذلك، اعتبرها البعض ممن يقرأون قراءة مسطحة او من يقرأ المكتوب من عنوانه .. اعتبروها قصيدة غير اخلاقية انا اؤمن بأن هذه القصيدة هي من احسن شعري: اولاً ومن اطهر شعري، لاني أحاول بهذه القصيدة ان اوجد التناقضات «كَُْف.قصيد» بين ما كان عليه الشاعر وما انتهى اليه، في هذه القصيدة خيبة امل رهيبة جداً وبهذه القصيدة نوع من السأم والعبثية كما يسمونها الآن.
القصيدة مليئة بما يعرف بعنصر الـ«وىكفٌ » «ذفوٌُ »؟ وانا اتفق معك انها نقطة تحول في شعرك يا حبذا لو قلت منها شيئاً:
لا تطلبي مني حساب حياتي
ان الحديث يطول يا مولاتي
كل العصور انا بها فكأنما
عمري ملايين من السنوات
تعبت من السفر الطويل حقائبي
وتعبت من خيلي ومن غزواتي ..
rwayda
09-Aug-2008, 12:38 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:VwVAGM2v4w44vM:http://www.qantara.de/uploads/367/615/440d87c96f801_Chahine_klein.jpg
حوار مع يوسف شاهين في ريو دي جانيرو
حسين أحمد أمين الحياة 2003/10/10
يوسف شاهين في فيلم اليوم السادس
التقيته مراراً خلال النصف الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1986، وذلك في مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل، حيث كنت أعمل قنصلاً عاماً، عندما أقيم مهرجان السينما الدولي الذي عُرض فيه أحدث أفلامه يومها "اليوم السادس". وقفنا نتحادث في الردهة الخارجية حتى دق الجرس ايذاناً ببدء عرض الفيلم، وظننت أنه سيدلف الى القاعة معي، غير انه بادرني بقوله:
- أعصابي لا تحتمل مشاهدة أفلامي في المهرجانات، سأنتظرك عند حمام السباحة في الفندق فتحدثني عن رأيك وعن انطباعات الجمهور.
وفي مساء يوم 29 تشرين الثاني كانت حفلة توزيع الجوائز، وقد راقبت يوسف شاهين قبل بدئها يروح ويجيء في الردهة في عصبية ظاهرة، يحادث هذا ثم ينتقل الى ذاك وهو يتحدث كما بدا لي في غضب وحدّة، ومحدثوه يحاولون تهدئته وجبر خاطره، وأخيراً جاء اليّ حيث كنت اجلس في المقصف، وصاح بي وقد احمر وجهه:
- لن أتسلم الجائزة.. تسلمها انت نيابة عني.
- ماذا حدث؟
- لم تر لجنة التحكيم أن تمنح الجائزة للفيلم، ولكنها قررت - ترضية لي - منحي جائزة "التوكانو" عن "المستوى الرفيع لمجموعة اعمالي، وخدماتي الجليلة للسينما الدولية".
- وما يغضبك في هذا؟
- لا يا سيدي، لستُ ممن يقبلون جوائز الترضية، حينما ينادون عليّ قم أنت واستلم الجائزة من رئيس اللجنة نيابة عني، أما أنا فلن أفعل.
دخلنا القاعة، وجلس إلى جواري في احد الصفوف الامامية، وإذ ظننته - لسذاجتي - جاداً في عزمه، فقد شرعت اعد في ذهني الكلمة التي سألقيها عند تسلمي جائزته. غير انه لما نودي على اسمه، وتحركت اهمّ بالنهوض، رأيته يهب من مقعده ويتجه إلى مكان رئيس اللجنة على المسرح مبتسماً وسط تصفيق الجمهور، ويتسلم الجائزة! (وفي ظني الآن أن المنظر نفسه تكرر عام 1997 في مهرجان "كان"، عندما حصل يوسف شاهين على جائزة اليوبيل الذهبي للمهرجان "عن مجموع انتاجه السينمائي" في حين لم يحصل فيلمه "المصير" على أي جائزة".
داليدا/ صديقة
دعوته الى الغداء في اليوم التالي في أحد مطاعم ريو الفاخرة المطلة على البحر، ودار بيننا حتى الخامسة عصراً الحديث التالي، اصوغه في صورة اسئلة مني واجاباته عنها:
اعترض عدد من النقاد المصريين على اسنادك دور صِدّيقة في "اليوم السادس" إلى داليدا، فهي وإن كانت من مواليد مصر، فإن قضاءها معظم سني حياتها في فرنسا انساها اللغة العربية، وصارت في لسانها عجمة تجعل من أدائها لدور فلاحة مصرية صميمة أمراً مستغرباً. وفي رأيهم ان ثمة من الممثلات المصريات من كان في وسعها ان تقوم بهذا الدور على نحو مقنع ومستساغ، وبكفاية اكبر، مثل سعاد حسني، أو فاتن حمامة.
- قبل ان افكر في اسناد الدور الى داليدا، عرضته فعلاً على كل من فاتن حمامة وسعاد حسني، فأما فاتن فقد أبت أن تقوم بدور جدة، وأرادت ان أجري بعض التعديلات على القصة، وهو ما لم أقبله. وأما سعاد فقد ظلت مترددة بين القبول والرفض - ربما للسبب نفسه - حتى استقر رأيها على الرفض، حينئذ فكرت في الاستعانة بداليدا، أولاً لجودة تمثيلها كما لا شك في أن تكون لاحظت، وثانياً لأن الفيلم انتاج مصري - فرنسي مشترك، وداليدا مصرية - فرنسية، واضطلاعها بدور البطولة من شأنه أن يضمن اقبالاً أكبر على مشاهدة الفيلم في كل من مصر وفرنسا، وقد فكرت في ان استخدم صوت ممثلة مصرية اخرى بديلاً من صوت داليدا، غير انه اتضح لي أن عملية الدوبلاج هذه ستكلفني من النفقات ما لا قِبل به لموازنة الفيلم.
البعض يرى أن أفلامك عموماً فوق مستوى فهم المصري العادي، وأنها أصعب وأدق من ان تكون مستساغة ومقبولة لدى الجمهور العربي، وانك حتى مع اختيارك مواضيع مصرية صميمة، تبدو مخرجاً مصرياً يرتدي قبعة وذا نمط من التفكير اوروبي.
- أينطبق هذا الاتهام على "باب الحديد" أم "الارض" أم "الناصر صلاح الدين" أم "اليوم السادس"؟ الجمهور هو الحكم في مثل هذا الاتهام. واقبال الجمهور المصري على مشاهدة أفلامي كافٍ لتفنيده وتكذيبه. كل ما هناك هو ان اي عمل فني جيد، سواء كان كتاباً أم فيلماً أم مسرحية أم سيمفونية، يقتضي العودة اليه اكثر من مرة للإلمام بكل ابعاده، وأفلامي من هذا الصنف من الاعمال الفنية، من اللازم مشاهدتها اكثر من مرة لفهمها على نحو اوضح. لقد تأثرت بالتأكيد بمدارس سينمائية أجنبية، وبالمخرجين البارزين في الشرق والغرب، شأن معظم المخرجين عندنا في مصر، غير ان هذا لا يعني انني أصبحت "خواجة"، أو مخرجاً مصرياً يرتدي قبعة. على العكس أنا أدرك تماماً ان ما من عمل فني مصري يمكن أن يكون عالمياً، وان يلقى حظوة لدى الجماهير في الخارج، ما لم يكن مصري المضمون والطابع والروح، شرط ان يكون انسانياً في الوقت ذاته، وان يصور من العواطف والاحاسيس والمواقف والعلاقات ما يشترك فيه البشر جميعاً على اختلاف اجناسهم وأوطانهم.
عقبات
هل يجد جمهور أفلامك في اوروبا، أو الاميركتين، أو الشرق الاقصى عقبات في سبيل فهمها نتيجة اختلاف القيم والمفاهيم والمستوى الحضاري والعلاقات الفردية والاجتماعية في مجتمعاته عن تلك السائدة في المجتمع المصري؟
- بالتأكيد هناك مثل هذه العقبات، فهم قد يعجبون أو يضحكون أو يذهلون ازاء تمسكنا الشديد بقيم لا يقيمون هم لها وزناً، أو اغفالنا قيمة لها وزنها الخطير عندهم. وهذا أمر طبيعي تلمسه ليس فقط في المجتمعات المتباينة، بل وفي المجتمع الواحد في ازمنة متباينة، فالاخلاقيات الجنسية السائدة اليوم في اوروبا، مثلاً. تحول دون التعاطف الحقيقي الكامل مع مأساة مرغريت في مسرحية "فاوست" لغوته، أو مشكلة "تِسْ" في رواية توماس هاردي، ولا بد للمخيلة والثقافة العامة من ان تلعبا دورهما هنا من اجل اعادة بناء قيم الماضي، أو قيم مجتمع غريب بعيد. كما ان لا شك في ان اشتراك مجتمعين معينين، كالهند ومصر مثلاً، في مشكلات حيوية، أو في مفاهيم وتقاليد معينة، يجعل كلاً من الشعبين الهندي والمصري اقدر على فهم فنون الشعب الآخر منه على فهم فنون بلد كالسويد أو بولندا أو تشيلي.
لا شك في أن منافسة التلفزيون للسينما من الاسباب التي ادت بالسينما الى الإكثار من المشاهد الجنسية التي قد يعزف التلفزيون عن عرضها بحكم وجوده في كل بيت، وفي محيط العائلات، وذلك من أجل ضمان استمرار رواج الصناعة السينمائية، ولكن ألا ترى أن غالبية المشاهد الجنسية في الأفلام باتت مقصودة لذاتها، ولا يخدم موضوع الفيلم، أو تصوير نفسية ابطاله، أو تطور شخصياتهم؟
- منافسة التلفزيون هي بطبيعة الحال في الاسباب المهمة التي دفعت السينما في هذا الاتجاه. ولكنها ليست السبب الوحيد، وليست السبب الرئيس، السبب الرئيس في رأيي هو تزايد حرية السينما في بعض المجتمعات في مجال تناول هذا الموضوع الحيوي تناولاً صريحاً، ونمو الاعتقاد بأنه ما دام موضوعاً مهماً فلا بد من تناوله، ولا بد من ان يحتل في الفنون المكانة نفسها التي يحتلها في حياة الفرد، من دون خشية أو حرج، أو رياء أو حياء... غير أنني أوافقك على أن المشاهد الجنسية غالباً ما تدرج في الفيلم من دون ان تخدم موضوعه، فيكون رواج الفيلم هو الاعتبار الاول لا الجودة ومقتضيات الفن. وهذا هو بالضبط ما استقر عليه في الغرب تعريف "البورنوغرافيا" ومعيار التفرقة بينها وبين التعرض لموضوع الجنس لهدف فني خالص.
تأثير الأزمة
ما مدى تأثير الازمة الاقتصادية التي تمر بها مصر حالياً في صناعتها للسينما؟
- لا مفر من أن يكون لهذه الازمة تأثيرها الضار، بل والخطير، في الصناعة السينمائية المصرية، وقد انخفض عدد الأفلام المنتجة فعلاً من نحو مئة وعشرين عام 1985 الى ثمانين عام 1986، وأتوقع ان يكون العدد اقـل فأقـل في السنوات المقبلة، والازمة الاقتصادية ستتبع صعوبة في ضمان التمويل الكافي لانتاج الفيلم على نحو مشرف يرضي ضمير المخرج ومطامحه الفنية. وازاء هذه الازمة قد لا نرى بدّاً من الاستعانة بمصدر خارجي يشترك في التمويل اولاً، ويضيف سوقاً جديدة لتوزيع الفيلم. وهذه هي علة لجوئي في السنوات الاخيرة الى الانتاج المشترك مع دول اجنبية، ثم اننا نعلم جميعاً مدى سوء مستوى الصوت في الأفلام المصرية لعجزنا عن شراء الاجهزة الحديثة، وهو ضعف ادى في بعض مهرجانات الأفلام الدولية إلى رفض اشتراك أفلام مصرية ممتازة لهذا السبب. وهنا لا بد من الاستعانة باستوديوات دول متقدمة لتدارك هذا العيب.
إن معظم، أو كل، ما تعاني منه السينما المصرية اليوم من مشكلات مستعصية راجع الى المشكلة الاقتصادية لا الى الافتقار الى المواهب، أو ضعف الامكانات الفنية. افكار لا تجد تمويلاً، وأفلام لا تجد آلات واجهزة حديثة، ومواهب لا تجد المكافأة المجزية. ونتيجة هذا كله حال من الاحباط والقنوط، وإهدار المواهب والكساد والتمزق والثورة.
خذ مثلاً حال محسن محيي الدين بطل معظم أفلامي الاخيرة، ممثل رائع، وكفاية اعتز حقيقة باكتشافها والاسهام في انضاجها، وصلة روحية تربط بيننا كتلك التي تربط الأب بابنه، انه يبذل في أفلامي جهداً يعجز عن النهوض به اقوى الرجال، واحمله ما قد لا يطيق حتى يأتي اداؤه كاملاً من الوجوه كافة، لقد اقتضى دوره في فيلم "اليوم السادس" - وهو دور القرداتي - ان يقضي الاسابيع في التدريب مع القرد، والاشهر في تعلم الرقص الاستعراضي، وكنت اضطره احياناً إلى اعادة تمثيل اللقطة الواحدة اكثر من عشر مرات، فما هي مكافأته على كل هذا الجهد؟ ملاليم! قروش زهيدة لا تكاد تكفي لإعالته هو وأسرته، ثم اذا بالتلفزيون يعرض عليه اداء دور البطولة في مسلسلات تمثيلية تافهة لقاء أجر هو مئة ضعف ما يحصل عليه من اشتراكه في فيلم منهك وصعب كفيلم "اليوم السادس"، وكذلك يتلقى عرضاً من دبي للتمثيل مقابل مئة الف جنيه فما عسى هذا الشاب المسكين ان يصنع؟ انه ضنين بموهبته، حريص على ألا يضيعها بقبول دور إثر دور لا يرضَى ذوقُه الفني عنه، غير انه في الوقت نفسه بشر، يسعده كما يسعد اي فرد منا ان تأتي له موهبته بالمال، وله عائلة ترى من الحماقة ان يرفض مثل هذه العروض السخية، فالاغراء اقوى من أن يصده غير القديسين، وقد تعرضت أنا نفسي منذ زمن غير بعيد لمثل هذا الاغراء حينما ارسل اليّ رئيس احدى الدول العربية يعرض علي انتاج فيلم عن حياته مقابل مليوني جنيه! وعلى رغم انني رفضت العرض في النهاية، فقد ظللت مدة احاور نفسي واحاول اقناعها بأن المليونين كفيلان بأن يحلا ضائقتي المالية، ويمكناني في ما بعد من تمويل أفلام رفيعة المستوى.
rwayda
09-Aug-2008, 12:39 AM
ألم يكن هذا بالضبط ما يفعله فيتوريو دوسيكا؟ كانت أفلامه الرائعة مثل "سارقو الدراجات" و"معجزة في ميلانو" و"امبرتو د" تصادف في ايطاليا فشلاً تجارياً ذريعاً، وكان عليه من أجل الاستمرار في انتاج مثلها ان ينتج من حين لآخر أفلاماً مقبولة لدى الجمهور تجلب له الربح. أما كان بوسعك ان تحذو حذوه؟
- لا يا سيدي، ربما لعجزي عن ان أنتج فيلماً انا غير مقتنع به، أو ربما لاعتقادي بأن التضحية مرة اثر مرة بالمثل العليا من شأنها ان تؤثر في مستوى الاداء، فيصعب بعد ذلك العودة الى هذه المُثل.
عن المهرجانات
اريدك ان تحدثني عن مهرجانات السينما الدولية التي نال بعض أفلامك فيها الجوائز، هل ثمة اعتبارات غير جودة الفيلم تؤثر في قرارات لجان التحكيم بمنح الجوائز؟
- بالتأكيد، وبالضبط كما في جائزة نوبل أو اي جوائز عالمية اخرى، ان اعضاء لجان التحكيم ليسوا ملائكة مجردين من الهوى والتحيز والمؤثرات الشخصية واعتبارات السياسة الدولية، فإن كان في اللجنة عضو بولندي مثلاً، فغالب الظن انه سيميل الى اعطاء صوته للفيلم المجري أو التشيخي، أو كان فيها حكم مصري فسيسره ان ينال الفيلم الهندي الجائزة، فإن اشتركت اسرائيل في المهرجان، فمن المؤكد أن يجد فيلمها اكثر من ناقد متعاطف لمجرد ان الفيلم اسرائيلي ومن دون اي اعتبار آخر، وكما ان مقرري جائزة نوبيل في بعض الاحيان يتنازلون ويلتفتون الى دول العالم الثالث، ويمنحونها لكاتب، كالكاتب النيجيري ول سوينكا، فإن المحكمين في مهرجانات الأفلام يمنحون الجوائز احياناً (وإن لم تكن احياناً كثيرة) لأفلام دول نامية، ربما رغبة في ابعاد شبهة التحيز أو الاستعلاء، أو الجهل بانجازات تلك الدول، أو على سبيل التشجيع.
بصرف النظر عن الازمة الاقتصادية التي تهدد مستقبل الصناعة السينمائية المصرية، هل يمكنك القول انك راض عنها عموماً؟
- الحقيقة التي يتفق الكثير من المثقفين المصريين معي عليها هي ان الفن السينمائي اصبح في السنوات الاخيرة اهم الفنون في مصر وأرقاها، وأحفلها بالأعمال المتميزة، وذلك بفضل مخرجين مصريين افذاذ، مثل صلاح ابو سيف ومحمد خان وعاطف الطيب وشادي عبد السلام وتوفيق صالح وعلي بدرخان واشرف فهمي وغيرهم، غير ان الازمة الاقتصادية - كما ذكرت - تهدد هذا الفن اكثر مما تهدد الفنون الاخرى كالأدب والموسيقى والرسم والنحت، وهو ما يجعلني أميل الى التشاؤم بالنسبة إلى مستقبله، وترافق هذه الازمة الاقتصادية، للاسف الشديد، مشكلة رهيبة اخرى خاصة بتجارة الفيديو، فهناك اناس لا ضمائر لهم وجدوها تجارة مربحة. طبع الآلاف من النسخ من الأفلام المصرية من دون ترخيص أو إذْن على اشرطة الفيديو، وبيعها بأسعار زهيدة نسبياً من دون ان ينال المنتجون قرشاً واحداً في مقابل ذلك، والسلطات عاجزة تماماً عن وضع حد لهذا النشاط غير المشروع. ونتيجة هذا كله يكاد الحافز المادي يختفي من الصناعة السينمائية عندنا، لقد خسر فيلمي "وداعا بونابرت" نحو نصف مليون جنيه، واتوقع ان يخسر فيلم "اليوم السادس" نحو 400 الف جنيه، فمن ذا الذي لديه القوة والمثابرة والمال والحافز الفني الملح فيواصل انتاج أفلام رفيعة المستوى في مواجهة مثل هذه الصعوبات الاقتصادية الضخمة والمتزايدة؟ الكثيرون يهجرون الميدان، والكفايات تهاجر من مصر، واذا نحن نعاني من ازمة في الخبراء الموهوبين، كما في حال كُتاب السيناريو والحوار مثلاً. لقد أصبح كتاب السيناريو والحوار الممتازون عندنا عملة نادرة، ما يضطرني في معظم أفلامي الى ان اكتبها بنفسي، وثمة أيضاً مشكلة الرقابة والقيود التي تفرضها على السينما وتشل من حريتها، فهناك مواضيع لا ينبغي ان تمس، ومناظر لا ينبغي ان تُضَمّن، وألفاظ لا ينبغي ان ترِد، وشخصيات لا ينبغي ان تُصّور، وقد اعترضت الرقابة أخيراً على فكرة فيلم كنت انوي اخراجه عن قصة يوسف الصدّيق، بحجة ان الانبياء والصحابة لا يجوز تصويرهم على المسرح أو في السينما. وتخامرني الان فكرة ان اخرج فيلماً عن الشيخ محمد عبده، آمل ألا تعترض الرقابة عليه.
أما عن مستوى التمثيل عندنا ففي اعتقادي انه عالٍ جداً، وانه ارتقى بشكل ملحوظ خلال السنوات العشرين الاخيرة بالابتعاد عن الميلودرامية والتمسك بواقعية الاداء، فإن سألتني عن اعظم الممثلين المصريين طراً أجبتُ بلا ادنى تردد: محمود المليجي، لقد كان الرجل من اجهل الناس بشؤون السياسة، ضئيل الحظ من الثقافة، وكثيراً ما كنا نضحك منه اثناء مناقشاتنا، غير انه كان في التمثيل لا يضاهى، ملكاً من السماء، وكنت احياناً لا املك نفسي من البكاء اثناء تصوير المشاهد التي يظهر فيها خصوصاً في فيلم "الارض" وفيلم "اسكندرية ليه؟" ونور الشريف ايضاً ممثل ممتاز، بدأ بداية طيبة، ثم اهدر موهبته بقبوله أدواراً هابطة المستوى، ثم تدارك نفسه واصبح اعظم مما كان في اي وقت مضى، محمود مرسي؟ لا بأس به، غير انه محدود القدرة على تنويع ادواره أو تصوير شخصيات شديدة التباين والاختلاف، واحترامي له كأستاذ في معهد السينما اكبر من احترامي له كممثل. واقربهم إلى قلبي جميعاً تلميذي محسن محيي الدين، ففيه اركز كل آمالي المحبطة، واحلامي التي لم يُكتب لها ان تتحقق. وانني أدعو الى الله له من صميم قلبي ألا تصرفه اغراءات الدنيا والمال والشهرة عن الطريق الجاد الذي قطع فيه شوطاً بعيداً.
... وعن النقاد
وماذا عن النقاد السينمائيين في مصر؟
- صراحة، أنا لم استفد من النقاد في مصر الا بمقدار ما اسهموا به في ذيوع صيتي، اما عن نقدهم وبيانهم لأخطائي ونصائحهم فلا. ومستوى النقد عندنا باستثناء ناقدين أو ثلاثة، رديء هابط، وهو محكوم في معظم الحالات إما باعتبارات شخصية (كالصداقة أو العداوة بين الناقد والمخرج)، أو مفاهيم ساذجة فجة عن الفن السينمائي، أو الغيرة والحسد والرغبة في تحطيم كل موهبة حقيقية تبرز في الميدان، فإن شئت مثالاً على ما اذهب اليه قلت ان ليس من النادر ان تشكو احدى الممثلات إلى ناقد أو صحافي معين هي على علاقة صداقة وثيقة به، من مخرج رفض ان يسند اليها دور البطولة في فيلمه، أو جرّبها في الدور فوجدها غير صالحة له فاختار غيرها، فيعدُها صديقُها الصحافي بأن "يبهدله ويمسح به الارض" في نقده للفيلم، و"يبهدل" الممثلة التي اخذت الدور منها ويمسح بها الارض، وكل هذا قبل ان يرى الفيلم، وبصرف النظر عن مستوى أداء الممثلة!
ما هو أفضل اعمالك السينمائية في رأيك انت؟
- البعض يرى أن "اليوم السادس" هو أفضل أفلامي على الاطلاق، ربما... والبعض ممن يعتقد ان أفلامي تزداد بمرور الايام صعوبة أو "حذلقة" كما يسميها، يصر على أن فيلم "باب الحديد" الذي اخرجته من نحو ثلاثين عاماً (195http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_cool.gif، هو أفضلها، غير انني اعتز بصفة خاصة بفيلم "اسكندرية ليه؟"، لأكثر من سبب. كنت قد أصبت قبله بأزمة قلبية كادت ان تودي بحياتي، واجريت لي في اوروبا عملية خطرة معقدة، وكنت خلال تلك الفترة العصيبة احاسب نفسي وأراجع حياتي لأرى ما قدمت يداي، وما اذا كنت تاركاً بموتي عملاً ذا شأن، فإذا بي غير راضٍ عما انتجت في ما سلف، معاهداً نفسي لو قدر لي ان أعيش أن أقدم في عملي التالي عصارة حياتي وتجاربي وخبراتي في قالب سينمائي فني من الدرجة الاولى. وكان فيلم "اسكندرية ليه؟" هو أول فيلم على الاطلاق - في مصر أو خارج مصر - يتحدث فيه المخرج عن نفسه وعن حياته بصورة مباشرة، وبصدق وصراحة كاملين، ربما كان فيلم فريدريكو فيلليني (8 ونصف) مستوحى من حياته، غير انه خلط الخيال بالحقيقة، والبطل فيه لا يحمل اسمه. اما "اسكندرية ليه؟" والفيلم المكمل له "حدوتة مصرية"، فهما يوسف شاهين من ألفه إلى يائه... أضف إلى ذلك انه من الأفلام المصرية النادرة للغاية التي تصور عائلة مسيحية مصرية بعاداتها واسلوب عيشها ومفاهيمها، وفي رأيي ان الفنون المصرية عموماً تفتقر بشدة الى صور لهذا القطاع من المجتمع المصري. وهو تقصير أنسب المسؤولية عنه إلى الفنانين المسيحيين المصريين.
على كل حال، إن كل فيلم من أفلامي هو قطعة من نفسي، وثمرة فترة معينة من حياتي، أو على حد قول التعبير الشائع "كلهم أبنائي!".
rwayda
09-Aug-2008, 12:42 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:sWoXijOUa47_-M:http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/2152/1199087715.jpg
التعريف بالمفتى
الاسم: على جمعة محمد عبد الوهاب
مكان الميــلاد: بني سويف ـ جمهورية مصر العربية
تاريخ الميــلاد: 3/3/1952م
المؤهلات:
دكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر 1988م مع مرتبة الشرف الأولى.
ماجستير في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر 1985 بتقدير ممتاز.
الإجازة العالية (ليسانس) من كلية الدراسات الإسلامية والعربية ـ جامعة الأزهر 1979.
بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس 1973م.
الإجازات العلمية:
حاصل على أعلى الأسانيد في العلوم الشرعية وإجازات من أفاضل العلماء في العلوم الشرعية.
الوظائف:
مفتي جمهورية مصر العربية منذ عام 2003 وحتى الآن
أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة ـ جامعة الأزهر.
عضو مجمع البحوث الإسلامية منذ عام 2004 وحتى الآن
مستشار معالي وزير الأوقاف المصرية منذ عام 1998 حتى 2003.
المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ومدير مكتب القاهرة منذ عام 1992م حتى 2003.
عضو هيئة الرقابة الشرعية للمصرف الإسلامي الدولي للاستثمارات والتنمية بالقاهرة منذ عام0 199م.
رئيس الرقابة الشرعية لمصرف مصر المتحدة منذ عام 1997م وحتى 2003.
عضو الرقابة الشرعية لبنك التنمية الزراعي منذ عام 1997م وحتى 2003.
عضو هيئة الرقابة الشرعية لبنك الشرق الأوسط للمعاملات الإسلامية منذ سنة 1997م ، وحتى 2003.
المشرف العام على جامع الأزهر الشريف منذ سنة 2000.
عضو مؤتمر الفقه الإسلامي بالهند.
عضو مجلس الإفتاء لشمال أمريكا.
عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف منذ عام 1995م حتى عام 1997م.
رئيس لجنة الفقه بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية منذ عام 1996 حتى الآن.
المشرف الشرعي على مشروع إدخال السنة بالكمبيوتر التابع لجمعية المكنز الإسلامي منذ عام 1978 حتى الآن.
تولى نائب مدير مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي للشئون العلمية - جامعة الأزهر منذ عام 1993 حتى 1996م.
تولى رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية للخدمات الثقافية والاجتماعية من سنة 1997م.
rwayda
09-Aug-2008, 12:43 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:sWoXijOUa47_-M:http://www.aljazeeratalk.net/forum/upload/2152/1199087715.jpg
التعريف بالمفتى
الاسم: على جمعة محمد عبد الوهاب
مكان الميــلاد: بني سويف ـ جمهورية مصر العربية
تاريخ الميــلاد: 3/3/1952م
المؤهلات:
دكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر 1988م مع مرتبة الشرف الأولى.
ماجستير في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون ـ جامعة الأزهر 1985 بتقدير ممتاز.
الإجازة العالية (ليسانس) من كلية الدراسات الإسلامية والعربية ـ جامعة الأزهر 1979.
بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس 1973م.
الإجازات العلمية:
حاصل على أعلى الأسانيد في العلوم الشرعية وإجازات من أفاضل العلماء في العلوم الشرعية.
الوظائف:
مفتي جمهورية مصر العربية منذ عام 2003 وحتى الآن
أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة ـ جامعة الأزهر.
عضو مجمع البحوث الإسلامية منذ عام 2004 وحتى الآن
مستشار معالي وزير الأوقاف المصرية منذ عام 1998 حتى 2003.
المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ومدير مكتب القاهرة منذ عام 1992م حتى 2003.
عضو هيئة الرقابة الشرعية للمصرف الإسلامي الدولي للاستثمارات والتنمية بالقاهرة منذ عام0 199م.
رئيس الرقابة الشرعية لمصرف مصر المتحدة منذ عام 1997م وحتى 2003.
عضو الرقابة الشرعية لبنك التنمية الزراعي منذ عام 1997م وحتى 2003.
عضو هيئة الرقابة الشرعية لبنك الشرق الأوسط للمعاملات الإسلامية منذ سنة 1997م ، وحتى 2003.
المشرف العام على جامع الأزهر الشريف منذ سنة 2000.
عضو مؤتمر الفقه الإسلامي بالهند.
عضو مجلس الإفتاء لشمال أمريكا.
عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف منذ عام 1995م حتى عام 1997م.
رئيس لجنة الفقه بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية منذ عام 1996 حتى الآن.
المشرف الشرعي على مشروع إدخال السنة بالكمبيوتر التابع لجمعية المكنز الإسلامي منذ عام 1978 حتى الآن.
تولى نائب مدير مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي للشئون العلمية - جامعة الأزهر منذ عام 1993 حتى 1996م.
تولى رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية للخدمات الثقافية والاجتماعية من سنة 1997م.
وأنا أقول إننا الآن أمام أزمة منهجية؛ لأن مثل هؤلاء يحولون المسائل إلى قضايا، حتى يشغلوا بال الناس، ولكننا نحن نحول كل محاولة منهم إلى المنهج العلمي وإلى العقلية العلمية حتى نخرج الناس من ضيق المادة والحس إلى حقيقة الإيمان الذي إذا ما دخل القلب وخالطت بشاشته القلوب فلا يخرج منه أبدا.
* هذا ما كنت أريد أن أسأله لفضيلتكم.. فهل تعتقد أن طغيان المادة -بمعنى أنه لم يعد هناك نقاء روحي- هو السبب في التعامل بما أسميتموه عقلية الخرافة؟
- أنا أعتقد أن السبب هو أنهم قصروا العلم على الحس.. والعلم عندنا ليس قاصرا على الحس.. فهؤلاء في قرارة أنفسهم ينكرون الجن، وينكرون الملائكة، وقد ينكرون الجنة والنار، والبعض يغالي في ذلك فينكر الله عز وجل لأنه لم يره.
لكننا نؤمن بالله عز وجل، وبالجن، وبالملائكة، وبالجنة والنار، ونؤمن أن هذا العالم المنظور وراءه عالم غير منظور.. فالإيمان بالغيب قد نص الله على أنه ركن من أركان الإيمان.. أما كونهم لا يصدقونني على المستوى الشخصي أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فهذا شأنهم!
* القضيةيا فضيلة المفتي ليست قضية تصديق شخصي، لكن البعض يتحدث عن أن تلك الرؤية لو كانت من البشرى لكان السلف تحدثوا عنها.. فهم أقرب الناس لذلك؟
- هكذا فعلوا.. وقد نقلت عنهم ذلك؛ فالمرسي أبو العباس كان يقول: "لو غاب عني طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين"...
* يقظةأم مناما؟
يقظة.. نعم.. فهؤلاء -يعني المنكرين- أنا أعتبرهم جهلة غوغاء.
* إذاكان هذا عن الرؤية.. فماذا إذن عن تقبيل السور الحديدي المحيط بضريح الإمام الحسين؟
- سئلت: هل هذا شرك؟ فقلت: لا ليس بشرك.. هذا فعله العرب ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم.. فقد قبلوا الرواحل وقبلوا دار الحبيب..
* تقصد الشعراء
- نعم.. الشعراء.. أمام النبي صلى الله عليه وسلم،
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار
فعلوا ذلك ولم يكفرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشركهم، وحينما جاءه كعب بن زهير وألقى بين يديه البردة، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم، وأنشد كعب قصيدته: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.
إذن فرسول الله رأى هؤلاء، ورأى من فعلهم أنهم يقبلون ما يحبون، ولم ينههم عن ذلك، وأنا لم أدعُ الناس إلى هذا.. لأن المعلوم أن عقلية الخرافة تغير النقول، ولا تفهم المراد.. فالذي قلته: إن هذا ليس بشرك.. هم يقولون: إنه شرك فيكونون مع المتطرفين الإرهابيين الذين ملئوا الأرض دما.
وأنا أقول هذا ليس بشرك.. ودليلي أن تقبيل الأشياء ليس بشرك.. فقد قبلوا اليد وقبلوا الرجل، ودخل عليه صلى الله عليه وسلم وفد عبد قيس وقبل يديه ورجليه، وهو قبل رأس جعفر، وقبل فاطمة، وقبل الحسين، وكان عطاء بن أبي رباح إمام أهل المدينة كما يقول الإمام مالك كان يقبل المنبر.. التقبيل من الحب.. حب الأشياء لا شيء فيه، ليس فيه شرك أو كفر مما يدعيه التيار المتشدد.
أناأعلم الناس كيف يعيشون في حب ووسطية واعتدال، وهذه أدلتنا وهذا رأينا، وهذا وضع السلف الصالح، فمن أراد بعد ذلك أن يفعل هذه الضجة المفتعلة فمع غيري.
* فضيلةالمفتي.. ليست ضجة وإنما هي محاولة من البعض للفهم؛ لأنهم ربما فهموا أن كلام فضيلتكم ينسحب بالضرورة على كل المقبلين حتى من كانت نيته اعتقاد النفع والضر فيما يقبل؟
- أنا حينما أسأل عن هذه التفاصيل أجيب عنها.. لكن عندما يجعل أحدهم تقبيل المقصورة شركا فهذا ردنا.. وتلك التفاصيل المخترعة أيضا أنا أعدها من عقلية الخرافة.. لأنها تسمى عند العلماء بالتداعي.. يعني حينما يأتي واحد مثل "أحمد رجب" ويكتب قائلا: "هل الصحابة كانوا يقفون أمام النبي صلى الله عليه وسلم ليتبول لهم من أجل أن يتبركوا"، هذا من التداعي الذهني.. كمن نقول له: إن العلماء يقولون إن التماثيل حرام، فيرد: "يعني نكسرها" هذا من التداعي الذهني لعقلية الخرافة، هذا ليس تفكيرا منطقيا، وأنا أحذر الناس من السطحية في التفكير، لأنها أحد العناصر المكونة لعقلية الخرافة، ومنها التجزئة والتداعي والعناد وهي عناصر تصل إلى عشرة وتئول إلى عشرة أيضا، ومنها تحطيم المصادر وتحطيم شروط البحث والتجزئة والعناد وغيرها.
rwayda
09-Aug-2008, 12:45 AM
* اشتمل الكتاب أيضا فضيلة المفتي على بعض الفتاوى التي ظنها كثيرون مناقضة لمواقفك الأخيرة.. مثل حديثك عن ختان البنات على أنه مكرمة كما في صـ99 من الكتاب، وحديثك عن نقل الأعضاء وتحريمه، فهل تكشفت لفضيلتكم خلفيات أخرى تغيرت على أساسها الفتوى أم ماذا؟
- فتاواي لم تتغير من الأصل.. فهذا سؤال عن موقف الفقه الإسلامي من الختان.. والفقه فيه من قال بالوجوب كالشافعية، وفيه من قال بأنه مكرمة كالحنابلة، وفيه من قال بأنه تبع لمناخ البلاد كابن الحاج، وفيه من قال بأنه ليس من الشريعة في شيء كشارح عون المعبود العظيم آبادي.. وهناك رأي لي..
* وما هو رأي فضيلتكم؟
- رأيي أنه ليس من الشريعة في شيء.. لكن هناك فرق بين رأيي وبين ما هو موجود في الكتب، أنا أمين على نقل التراث بالمنهج العلمي.. ولذلك عندما يأتيني شخص ويسأل عن النقاب أقول له إن الشافعية يوجبونه، ومالك يقول إنه ليس من الدين في شيء، ويكرهه.. فيقول: وما رأيك أنت؟ أقول: إنه تابع لعادات البلاد.. لا أستطيع في بلد كالسعودية أن أقول للنساء اكشفن.. لقد صارت عادة.. لكنني في مصر مثلا أنصح بناتي من الجمهور بالحجاب العادي لا النقاب.. وهذا رأيي الشخصي.. لكن ما هو موجود في الكتب أنا أمين على نقله.
وقد قال لي أحدهم: لماذا تنقل الآراء، لماذا لم تقل إن النقاب بدعة في الدين؟ قلت له لا.. هذا لا يجوز في بناء العقلية العلمية.. وهذا من آثار عقلية الخرافة التي تتحكم في عقول المهاجمين.
* وماذا عن نقل الأعضاء؟
- قضية نقل الأعضاء تختلط كثيرا على الناس مع بيع الأعضاء.. وهناك فرق كبير بينهما، وعملية النقل لها تفاصيل صدرت بها فتاوى من المجامع الفقهية، وصدرت مني الفتاوى نفسها التي أفتت بها المجامع الفقهية.. أما بيع الأعضاء فمعناه أن يصير الفقراء قطع غيار، وهذا ضد الكرامة الإنسانية التي حفظها الإسلام.. وهو ما لا نرضاه ولا نقبله، والمشكلة أنهم دائما يخلطون ويخلطون، ويكذبون في النقل.
* لكن البعض يتخوف أساسا مما ستحدثه الفتوى بإباحة النقل.. مع التشديد بالطبع في تحريم البيع.. يتخوف من فتح باب خلفي لهذه العملية.. فقط من باب سد الذرائع؟
- أنا أعتقد أن هذا التخوف رأي جدير بأن يسمع، وأن يأخذ في الاعتبار..
* إذن هل لفضيلتكم رأي قاطع في هذه العملية؟
- تفاصيل كثيرة.. فيما إذا كان من حي إلى حي، أو من ميت إلى حي، متى الضرورة، قضية الضرر، قضية موت جذع الدماغ.. إلى آخره.
وأنا قلت مرات إن المسألة مركبة، وليس فيها رأي بسيط.. قلت هذا في المؤتمرات، وقلت هذا في التليفزيون، لكن لا فائدة.. يختزلون الأمور.. وهذا جزء من العقلية الخرافية.. الاختزال.. المركب يجعلونه بسيطا، فيؤدي هذا إلى تسطيح العقل.. وأنا أخاف على أمتي من تسطيح العقل.
rwayda
09-Aug-2008, 12:46 AM
حوار مع عبد الوهاب المسيرى http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gif
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2008/6/22/1_811034_1_3.jpghttp://www.aljazeera.net/mritems/images/2008/7/12/1_818990_1_3.jpg
من برنامج ( زيارة خاصة ) _ قناة الجزيرة
سامي كليب: في شعر الدكتور عبد الوهاب المسيري فلسفة وفكر وصوفية وتساؤلات، وفيه أيضا يقين وطمأنينة وإيمان. رحلة طويلة يختصرها هذا المفكر العربي الفذ في بعض الشعر وكثير من المؤلفات، وحين وصلت لعنده كان السؤال الأول الذي تبادر إلى ذهني يدور حول صحته فهو وبعد أن حارب طويلا على جبهة السرطانات الملمة بأمته العربية ها هو يحارب اليوم على جبهتي الفكر وصحته الخاصة.
عبد الوهاب المسيري: أنا الحمد لله يعني أحارب، يعني كما يقول أصدقائي أنا من المحاربين وعادة في أميركا في الواقع وهم لا يؤمنون بالله يقولون بعد إجراء عملية أو إعطاء دواء يقولون إن 80% مسألة إرادة لأن السرطان الذي مصاب به يعني غير معروفة أسبابه وتلاقي مثلا تجد بعض الأدوية تنجح مع بعض الأشخاص وتفشل مع آخرين.
سامي كليب: وحاولت أيضا أن تتخصص في القراءة يعني قرأت كل شيء حسب ما فهمت عن مرضك؟
عبد الوهاب المسيري: نعم، هو عندي بعض التلاميذ من الأطباء يرسلون لي بكل ما هو جديد، ويحضرني هنا حادثة طريفة جدا، وهي أن أستاذا في جامعة كامبريدج وهو مثلي تماما أستاذ في الشعر الرومانتيكي الإنجليزي وأصيب بنفس المرض، فحينما ذهب إلى الطب التقليدي أخبروه إن عنده ستة شهور وأنه لو تم علاجه بالكيماوي سيموت بعد ثلاثة أشهر، فكما يقول مارك توين كذب نبأ وفاته واستمر، وحاول بقى مع أدوية وعلاجات مختلفة من أهمها علاج اسمه (غيرسون تريتمنت) في ألمانيا وبعد عشر سنين كتب كتابا بيقول فيه إن ده تحدي لهم..
سامي كليب: على كل حال واضح التأثير النفسي على المريض وإن شاء الله يعني يشفيك الله وتعيش سنوات طويلة بعد، واضح أن العامل النفسي ضروري ومهم وصار مع حضرتك يعني أنت لما رحت عملت الصور في المرة الأولى تبين أن الوضع كارثي ولكن قررت وصمدت ورجعت إلى الطب أيضا التقليدي الطبيعي في بعض المرات ويعني كان المفترض أنه لا سمح الله تتوفى من سنة وأكثر.
عبد الوهاب المسيري: لا أنا كمان كذبت نبأ وفاتي. بس تكلفة العلاج باهظة ولولا مساعدة سمو الأمير عبد العزيز بن فهد والأمير سلطان بن عبد العزيز كان من غير الممكن أستمر يعني أنا تكلفت الملايين وطيلة فترة علاجي وأنا أفكر في الفقراء.
سامي كليب: الفقراء كانوا ولا يزالون في صلب اهتمامات الدكتور عبد الوهاب المسيري فهذا المفكر والفيلسوف والسياسي العربي لا يزال وهو في أوج مرضه ومحاربته للسرطان يرفع الصوت عاليا دفاعا عن الطبقات الفقيرة في بلاده لا بل وينزل إلى التظاهرات أيضا متقدما حركة كفاية التي تولى قيادتها في مرحلة اقتصادية وسياسية صعبة في مصر، وهو اليوم يدق ناقوس الخطر.
عبد الوهاب المسيري: كلنا في حركة كفاية وفي كل حركات المعارضة يعني نشعر أن مصر وصلت مع الأسف إلى نقطة النهاية، فقدت أشياء كثيرة.
سامي كليب: كيف يعني نقطة النهاية؟
عبد الوهاب المسيري: أنه خلاص هذا النظام لم يعد قادرا على اكتساب أي شكل من أشكال الشرعية فهو مستمر في نهب مصر مستمر في البطش بكل أشكال المعارضة، حتى ده حتى لما يجي الجهاز المركزي للمحاسبة وهو جهاز حكومي ويطرح تساؤلات بخصوص ملايين اختفت وملايين كذا، يهاجمونه في البرلمان، تمديد قانون الطوارئ لم يناقش ووفق عليه مباشرة، يعني توشكا حتى الآن لا نعرف..
سامي كليب: كيف تبرر دكتور مسيري هذا التناقض، ما تصفه بالبطش وبين قدرتك مثلا اليوم على التعبير بحرية والإدلاء بتصريح ولم يأتك أحد ويقبض عليك مثلا؟ أنه في هامش من الحرية معطى للكلام إذا صح التعبير؟
عبد الوهاب المسيري: نعم، نعم، وده شيء تعلموه من إسرائيل ومن الولايات المتحدة، ديمقراطيات عنصرية، القرار السياسي فيها بيد النخبة الحاكمة لكن الصحافة حرة تماما، حرة تماما تقول ما تقول، أو كما قال أحدهم إن الديمقراطية في مصر تعني أن تقول ما تريد أن تقول ونحن نفعل ما نريد أن نفعل.
سامي كليب: طيب خلينا نحكي شوي عنك وعن تاريخك ولنبدأ بالعائلة، حسب ما فهمت أن امتدادات عائلة المسيري قد تصل إلى المغرب العربي ولها تواصل مع السودان أيضا، هل صحيح أنه في بعض أصول العائلة أو ربما أصل العائلة من المغرب؟
عبد الوهاب المسيري: دي إشكالية في علم الـ anthropology هل قبيلة المسيرية اللي هي بتذكر في الأخبار اللي عن دارفور وكردفان هل جاءت مع تغريبة بني هلال من الجزيرة إلى تونس أم أنهم كانوا أصلا في المغرب واستقروا في السودان؟ دي إشكالية.
سامي كليب: ما عرفت جواب عن الموضوع؟
عبد الوهاب المسيري: لا أنا قرأت بس مقالا بيطرح السؤال.
سامي كليب: خصوصا أنك تهتم بالسيرة الهلالية يعني بشكل دقيق..
عبد الوهاب المسيري: نعم، نعم.
سامي كليب: وأصدقاؤك من منشدي السيرة الهلالية.
"
عبد الوهاب المسيري: يا سلام، أعشقها، أنا أعشق كل الأعمال الفنية والأدبية التي تعبر عن نبل الإنسان ومقدرته على تجاوز الحدود المادية، يعني من المفضلين لدي المخرج السينمائي أكيرا كيروساوا.
سامي كليب: حين لبى الدكتور عبد الوهاب المسيري طلبات كثيرة جاءته من أصدقائه والرفاق والمحبين بأن يتولى رئاسة حركة كفاية لم يعتقد ربما يوما أنه سينزل إلى الشارع ويتعرض إلى ما تعرض له، فغالب المرض ونزل يتظاهر مع المتظاهرين وتعرض للإبعاد بالقوة وقيل إنه خطف وإنه رمي في منطقة بعيدة عن القاهرة، ولحسن الحظ أن باصا للنقل توقف وأنقذه مع عائلته وأعاده من مكان بعيد.
عبد الوهاب المسيري: يعني باص خاص لكن السائق عرف من نحن ونقلنا ورفض أن يتلقى مكافأة.
سامي كليب: بس فعلا يعني خطفت عمليا ورموك في الصحراء؟
عبد الوهاب المسيري: آه، آه، مش الصحراء، الطريق السريع يعني ساعتين بره القاهرة، لكن من الطرائف كنت مصابا بنزلة شعبية الهواء النقي هناك..
سامي كليب: شفاك.
عبد الوهاب المسيري: يعني تحسنت صحتي تماما وكل الأطباء يقولون إنني يجب أن أخرج من القاهرة يومين أو ثلاثة، الطريف في الموضوع بقى بعد يومين كنت بألقي يعني ندوة، مش ندوة صحفية..
سامي كليب: محاضرة.
عبد الوهاب المسيري: ولا محاضرة، اسمها تحقيق صحفي بقى مش عارف اسمه، مؤتمر صحفي، كنت في مؤتمر صحفي أشرح ما حدث وأخبرتهم أنه يبدو الأمن والحكومة المصرية لا يتعلمون شيئا ولا يتذكرون شيئا لأنهم فعلوا ذلك مع الدكتور عبد الحليم أنتيك، ده بقى مسكين أخذوه في وسط الصحراء وجردوه من ملابسه لكن أيضا ربنا نجاه، البوليس الحربي لقاه فأعطوه بطانية ودفوه وكده وفعلوا نفس الشيء مع شخصيات أخرى.
سامي كليب: لحسن الحظ أنهم ما نزعوا ملابسك على كل حال كانوا وجدوا فقط آثار الأبر والأدوية.
عبد الوهاب المسيري: ما أنا استخدمت نكتة برضه لشرح هذا الموقف، قلت لهم إن شخصا أبله كان يسير في الشارع فوجد قشرة موز فقال ييه حتزحلق تاني! هو كتاب النكت على فكرة هو كده بشرح..
سامي كليب (مقاطعا): متى سيصدر؟
عبد الوهاب المسيري: والله أرجو أنه في الصيف هذا أبدأ لأني جمعت النكت وصنفتها، نكت عن الببغاءات، نكت عن الخريطة الإدراكية، نكت عن الحكام العرب، نكت للفرفشة، نكت عن الحشاشين مثلا.
سامي كليب: عندك على كل حال نظرية في النكتة الحفاظ على التراث المصري وأنها جزءا من هذا التراث لا بد من الحفاظ عليه.
عبد الوهاب المسيري: هو جزء من الشخصية المصرية وأن النكتة ليست مجرد التنفيس وإنما التفسير، محاولة التعامل مع الواقع، محاولة الاحتجاج عليه أيضا، يعني وظائف النكتة كثيرة.
سامي كليب: النكتة حاضرة دائما في حياة المفكر العربي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري، ومن يقرأ سيرته سيجد أنه استخدم النكتة في أحلك الظروف، حين سجن وهو في مقتبل العمر وحين سافر للدراسة في أميركا وحين عاد وحين تنوء الأمة العربية تحت وابل المصائب وهو إذ يستعد الآن لأن يضيف إلى قائمة مؤلفاته الكثيرة كتابا عن النكتة السياسية في مصر فإنه وهو يغالب الألم في خلال هذا الحوار لم يتوان عن ترطيب الأجواء ببعض النكات وبينها هذه.
عبد الوهاب المسيري: في يوم من الأيام أحد الحكام العرب بعنجهية اتجه نحو الجنة، داخل على طول، حارس الجنة قال له اوقف، قاله أنا فلان، قال اوقف، اسمك إيه؟ قال له أنا فلان، قال له لا يا سيدي تعال جهنم، قال له على جهنم أمشي؟ فمشي راح في جهنم، لقاهم بيوزعوا نمر، أعطوه نمرة 25، فراح يسأل عزرائيل، إيه 25؟ قال له ما توجعش دماغي، شايف أنا مشغول روح شوف بنفسك، فتح جهنم نمرة واحد لقاهم بيحرقوهم بالشمع كده، نمرة اثنين بجمرات الفحم، نمرة ثلاثة ماء بيغلي، نمرة أربعة زيت بيغلي، خمسة سياخ حديد، قال يا لهوي! ماشي بقى مكتئب لأقصى درجة لقى رجل كده وجهه مكفهر وبذقن، واقف قال له إيه يا جدع أنت مالك كده؟ قال له شوف أعطوني إيه، قال له يا ابن الفاجرة ده أنت فجرت فُجر، 25؟ ده أنا أبو لهب وأعطوني 21 بس!
http://www.aljazeera.net/CHANNEL/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/D17C6A18-24DE-463E-8B80-8E319E5EB03D.htm#)
المسار السياسي والفكري والدراسي
سامي كليب: أصحاب اللحى الذين يشير إليهم الدكتور عبد الوهاب المسيري في نكاته دفعوني للدخول معه في علاقته مع الله، فهو كان في طفولته ورعا ككل أهل قريته وفي شبابه قارب الإلحاد وانضم إلى الشيوعيين ولكنه لم يلحد وحافظ على خط وسط بين الشيوعية والإيمان ثم استعاد الإيمان ولكن بطريقة فريدة بحيث أن العلاقة لم تكن روحية تماما وإنما فكرية.
عبد الوهاب المسيري: لا بالعكس يعني كما أقول في رحلتي الفكرية إن إيماني وعودتي للإسلام كانت عقلية محضة، فلسفية محضة، والعناصر الروحية فيها ضعيفة جدا في الواقع أزعم أن..
سامي كليب: بعدها العناصر الروحية ضعيفة؟
عبد الوهاب المسيري: جدا.
سامي كليب: ما زالت حتى اليوم؟
عبد الوهاب المسيري: آه، يعني يدوبك أنا بأهتز عاطفيا لما أقرب الكعبة، هنا بأهتز من داخلي وبفهم بعض هوس الناس بالعمرة، يعني لي أصدقاء يتحايلون كل عام على تدبير الأموال لزيارة الكعبة لأنه حينما رأيتها اهتز وجداني بشكل لا أعرفه إلا إذا كنت بأدرس قضية فلسفية أو ما شابه.
سامي كليب: هلق عندك استشهادات عديدة يعني بالقرآن ببعض الآيات الكريمة حتى ببعض الشعر الذي كتبته، الله أكبر وما إلى ذلك، يعني الإيمان ماذا يشكل بالنسبة لك؟ الدين ماذا يشكل بالنسبة لك؟ طقوس ممارسة هذا الدين مثلا من الصلاة والصوم والعبادة وما إلى ذلك؟
عبد الوهاب المسيري: أمارس ما أسميه الحد الأدنى من الطقوس، يعني لا أزعم أنني السنة والتراويح..
سامي كليب (مقاطعا): عجزا أم إرادة
"عبد الوهاب المسيري: لا، إرادة بمعنى أنني أمارس الشعائر الخمسة لكن لا أمارس النوافل والتراويح وكذا يعني وهذا يعود إلى أنني أرى أن جهدي لا بد أن يتجه نحو تطوير خطاب إنساني إسلامي ينفع الناس، كيف يتعاملون مع عالم الحداثة الداروينية الذي نعيش فيه، ودائما أقول إنني وصلت إلى الإيمان ليس من خلال الله إلى الإنسان ولكني وصلت إلى الله من خلال الإنسان يعني عجز النموذج التفسيري عن تفسير الإنسان هو الذي جعلني أرى أنه لا يعني كما أقول إنني كنت أكترث بالمادة.
سامي كليب: عجز النظرية المادية يعني، ونحن نذكر بهذا المعنى فقط بين هلالين يعني أنا كان يفاجئني وفي الواقع لا أفهم لماذا بعض التلفزات كانت تقدمك ككاتب ومفكر إسلامي يعني بالعكس، كاتب تكفي أو مفكر تكفي يعني لأنه عندك في بداياتك يعني كنا نتحدث عن هذا التطور الفكري عندك، بدأت في مرحلة معينة شيوعيا..
عبد الوهاب المسيري: نعم، نعم.
سامي كليب: يعني كنت وإشتراكيا فيما بعد ثم قبل ذلك انتميت إلى حركة الأخوان المسلمين، ولو شرحت لي ولو يعني بدون تفاصيل كثيرة لكي يفهم المشاهد في البداية مثلا انتماؤك إلى حركة الأخوان المسلمين شو كان سببه؟
عبد الوهاب المسيري: يعني كصبي في دمنهور عندي بعض الأسئلة، تصورت أن الأخوان المسلمين قد يزودونني بالإجابة لكن..
سامي كليب (مقاطعا): لكن لم تستمر طويلا حسب ما فهمت يعني..
عبد الوهاب المسيري: لا، لا.
سامي كليب: مسألة أسابيع أو أشهر يعني.
عبد الوهاب المسيري: لا سنة أو اثنين.
سامي كليب: سنة.
عبد الوهاب المسيري: ثم انضممت بعد ذلك لما اندلعت ثورة 23 يوليو إلى..
سامي كليب: الحرس.
عبد الوهاب المسيري: إلى الحرس وإلى الأحزاب الأخرى لكن بعد قليل طبعا اكتشفنا بيروقراطية هذه الأحزاب.
سامي كليب: حسب ما فهمت كنت صغير السن يعني حتى لما دخلت إلى الأخوان المسلمين كنت صغير السن.
عبد الوهاب المسيري: لا، لا، ما إحنا في مصر كنا في سن مبكرة للغاية نبدأ نشتغل بالسياسة يعني حينما كنت طفلا كونّا عصابة في حالة دخول الإنجليز دمنهور حتى نقاومهم وهكذا يعني.
سامي كليب (مقاطعا): سنروي ذلك ولكن فقط قل لي هل ندمت على الانتماء إلى الأخوان المسلمين؟
عبد الوهاب المسيري: لا ولم أندم على انتمائي للحزب الشيوعي.
سامي كليب: لاحقا. واليوم راض على تجربة الأخوان في مصر؟
عبد الوهاب المسيري: أنا متعاطف معهم كثيرا ويعني أرى أنهم بيتطوروا بخطى سريعة وأنهم لو نجحوا في تطوير خطاب للأمة، الأمة هنا بمعنى كل العناصر من المسلمين والمسيحيين والعلمانيين العرب فالعلمانيون العرب ليسوا مثل العلمانيين الغربيين.
سامي كليب: يعني مثلا تقبل لو وصلوا إلى السلطة بانتخابات مثلا، هل ستكون سعيدا مثلا في المجتمع المصري؟
عبد الوهاب المسيري: أعتقد ذلك.
rwayda
09-Aug-2008, 12:47 AM
سامي كليب: في الحديث عن طبعا تحدثت منذ قليل عن التبكير في كل شيء يعني باكرا دخلت إلى الأحزاب وباكرا ناهضت الإنجليز يعني حسب ما فهمت أنك قذفت الإنجليز بالحجارة وأنت في سن السابعة وأنك أصدرت مجلة وأنت في الحادية عشرة من العمر طبعا كمجلات الحائط والمجلة حتى المكتوبة وشاركت في التظاهرات ضد الملك فاروق وكان عمرك 12 سنة، واتُهمت بالشيوعية وأنت في سن الثالثة عشرة كنت بعد ما انتميت للحزب، وصحح لي بعض التواريخ يعني أنا أنصح القارئ إذا كان يود أن يعرف في الواقع الأهم في سيرتك أن يقرأ هذه السيرة الجميلة "عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية" وتذيلها طبعا بعبارة تقول سيرة غير ذاتية وغير موضوعية. الجميل بهذه السيرة في الواقع والتي قرأتها بمتعة كبيرة أنه ليس هذا المفكر الذي يصب قوالب فكرية جامدة لا يفهمها، أي قارئ ممكن يقرأ هذا الكتاب بمتعة كبيرة وفيه العديد من القصص والروايات في رحلاتك إلى أميركا في عودتك إلى مصر وما إلى ذلك، ولكن صحح لي بعض التواريخ إن كانت خطأ، مواليد عام 1938 يعني اليوم سبعين سنة تقريبا.
عبد الوهاب المسيري: نعم، إن شاء الله يعني بعد شهرين.
سامي كليب: دخلت كلية الآداب بالإسكندرية طبعا قسم الأدب الإنجليزي ذهبت إلى أميركا حصلت على دكتوراه عدت إلى مصر للتدريس في كلية البنات في جامعة عين شمس، سنة 1970 مستشار لوزير الإرشاد كان وزير الإرشاد الأستاذ محمد حسنين هيكل وعلى ما يبدو شجعك أيضا للموسوعة الهامة جدا في الواقع في تاريخنا العربي "اليهود واليهودية والصهيونية" وخبير الشؤون الصهيونية منذ عام 1971 يعني تقريبا منذ 36 سنة بمركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام الذي أسسه أيضا الأستاذ هيكل.
عبد الوهاب المسيري: ولكن أنا استمريت فيه حتى عام 1975 ولما بدأت رياح التطبيع تهب لم أعد إلى منصبي.
سامي كليب: على ذكر رياح التطبيع المضحك المبكي إذا صح التعبير أنك كنت في فترة معينة بعد دراستك بأميركا وعودتك إلى مصر كنت تلاقي شهرة كبيرة كل التلفزات يعني تتقاطر عليك وتود أن تستضيفك، لما عدت بالـ 1979 كانت مرحلة التطبيع أخذت أوجها، عزلوك، صح هذا الكلام؟
عبد الوهاب المسيري: نعم. وهنا أتحدث عن الذئاب الثلاثة التي هاجمتني حينما عدت..
سامي كليب (مقاطعا): الشهرة..
عبد الوهاب المسيري (متابعا): الأول الثروة، آه أنه من أسرة ثرية لكن الثراء بيأتي من التجارة وليس من دراسة الفلسفة وتدريس الشعر الرومانتيكي الإنجليزي.
سامي كليب: يعني تحدثت عن ثلاثة ذئاب، فقط لنعددهم، الشهرة والثروة والهيغلية المعلوماتية.
عبد الوهاب المسيري: الثروة وثم الشهرة. الثروة كانت أضعف الذئاب لأني اكتشفت أن أسلوب حياتي جميل كأستاذ أقرأ وأجلس مع أسرتي وأصدقائي وأجتمع بالشباب وعندي فسحة من الوقت كي أنمو..
سامي كليب (مقاطعا): في على ما يبدو تقشف بعاداتك يعني أنا فهمت أنك كنت ترتدي القميص حتى الشحاذ ما بيحب يأخذه.
عبد الوهاب المسيري: دي بقى حتى الأثرياء مننا عندهم مسألة التقشف دي يعني، يعني بمعنى أن والدي رحمه الله كان رأسماليا.
سامي كليب: كان عنده مصنع.
عبد الوهاب المسيري: عنده مصنع من أكبر المصانع لكنه كان لا يسرف لا يضيع أمواله في شراء شاليهات وما شابه، إنما كان مثلا عندنا سيارة خاصة..
سامي كليب (مقاطعا): بخل أو تقليد يعني كان؟
عبد الوهاب المسيري: لا، لا، هو تراكم رأسمالي حقيقي كما حدث في الغرب هؤلاء هم الذين أسسوا الصناعة في الغرب، والدي كان ينتمي إلى هذا النمط.
سامي كليب: الذي يجمع المال ولا يصرف كثيرا يعني.
عبد الوهاب المسيري: نعم. وبعدين ما كانش بخيلا كان حصيفا يعني مثلا كان عندنا سيارة خاصة يقودها سائق كان من الممنوع علينا أن إحنا نركبها قال لأنه تركبوا التروماي شأنكم شأن أولاد الموظفين وقد أفادني هذا لأني حين ذهبت إلى الولايات المتحدة وكان راتبي الشهري هناك مائتي دولار وأقطن في شقة بـ 180 دولار عملت كغفير في مصنع ودبرت أموال كثيرة وكده.
سامي كليب: مش غفير فقط كنت صرت أصبحت رئيس فرقة الإطفائيين.
عبد الوهاب المسيري: نعم. كنا طبعا إحنا نتهمه بالبخل ولكن لم ندرك حكمته في هذا.
سامي كليب: وفهمت أنه انتقل هذا الشيء لك. يعني حتى ثيابك ترتديها لسنوات طويلة لا تغير القمصان لا تغير الثياب إلا حتى فعلا تصل إلى مرحلة صعبة يعني.
عبد الوهاب المسيري: نعم أنا هذا الرجل نعم.
سامي كليب: هذا التقليد الشيوعي كمان كان ولا لا، يعني المؤثرات الشيوعية؟
عبد الوهاب المسيري: لا، أعتقد أنه موقف من الاستهلاكية، أنا أرى أن الاستهلاكية ستهلك الإنسان، تجعله يجري وراء الأشياء بدل أن يستخدمها وده ما يحدث الآن يعني مسألة الموضة، الموضة الهدف منها القذف في الإنسان في دوامة بحيث أنه يغير ملابسه أربع مرات كل سنة..
سامي كليب (مقاطعا): بس اسمح لي بسؤال يعني ربما سيفاجأ المشاهد أن أسألك هذه الأسئلة ونحن أمام مفكر كبير ولكن هل فعلا تصمم القمصان يعني تهتم بالأزياء؟
عبد الوهاب المسيري: نعم وبأدرس الأزياء يعني بأشوف قنوات الـ Fashion لأرى أبعاد الجريمة. أما القميص الذي صممته والله كانت توقفني بعض السيدات في الشارع ويقلن من أين اشتريته؟ فكنت أقول لهن إن هو عبارة عن الجلابية نصف والياقة التي لا لزوم لها على الإطلاق.
سامي كليب: على الطريقة الصينية يعني.
عبد الوهاب المسيري: نعم..
سامي كليب: لسه موجود عندك القميص؟
عبد الوهاب المسيري: نعم، نعم.
سامي كليب: طيب ممكن نشوفه سوا. في متابعة التواريخ عام 1972 أولى المؤلفات التي تصفها بالحقيقية "نهاية التاريخ، مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني" في الواقع حتى استخدام كلمة نهاية التاريخ حين كُتب عنه في الولايات المتحدة الأميركية ضج العالم أن نهاية التاريخ، حضرتك كاتب عنه يعني من أكثر من 34 سنة من 36 سنة تقريبا.
عبد الوهاب المسيري: قبل أن يولد فوكو ياما يمكن.
سامي كليب: بالضبط.
عبد الوهاب المسيري: ولذلك حينما جرى حوار بيني وبينه عبر الإنترنت أهرام ويكلي، دُهش. طبعا أنا رؤيتي لنهاية التاريخ مختلفة عنه هو بيرى أن نهاية التاريخ هي انتصار الليبرالية، أنا بأرى أن نهاية التاريخ هي انتصار للفاشية، من يعلن نهاية التاريخ يعلن نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي أي أن الإنسان يتحول إلى كائن بيولوجي خاضع للحتميات المادية.
سامي كليب: هنا تتحدث عن التناقض بين المادة والروح طبعا.
عبد الوهاب المسيري: نعم نعم.
الرحلة الفكرية بين الماركسية والإسلام
سامي كليب: من دمنهور التي ولد فيها عام 1938 إلى كلية الآداب إلى إتقان الأدب الإنجليزي والتخصص به في الولايات المتحدة الأميركية إلى التعمق في الفكرة اليهودية والصهيونية إلى التبحر في الفكر الإسلامي حيث درّسه في أعرق الجامعات الأميركية كان الدكتور عبد الوهاب المسيري دائما في رحلة البحث عن سر الكون، سعى لمعرفة ذاك السر في الماركسية والفكر المادي ثم عاد إلى مسالك الروح ولكن عبر العقل فنقض الماركسية دون أن يرمي في بحرها حجرا.
عبد الوهاب المسيري: لا، لا، الماركسية تعاني من انقسام، هناك المادية الجدلية وهناك الإنسانية الماركسية، الإنسانية الماركسية تحوي كل عناصر التجاوز الممكنة ولذلك..
سامي كليب (مقاطعا): ولذلك كتب بالزمان كمال جنبلاط في لبنان قائد الحركة الوطنية "نحو اشتراكية أكثر إنسانية".
عبد الوهاب المسيري: آه، يعني لما تؤمن بالإنسان والإنسان غير خاضع للمادة أنت تجعل الإنسان يشير إلى الما وراء إلى الله سبحانه وتعالى.
سامي كليب: في التجربة الشيوعية حضرتك تروي هذا الأمر يعني في الواقع تقول إنه كانت قصيدة مغمورة على ما يبدو لكامل الشناوي مش متأكد منها تماما في مجلة الرسالة الجديدة هي التي تركت أثرا كبيرا في نفسك، تقول القصيدة
"يا رب فيم خلقتنا أو تركتنا..
عبد الوهاب المسيري (مقاطعا): لا، "فيم خلقتنا وتركتنا".
سامي كليب:
"يا رب فيم خلقتنا وتركتنا
نهب الظلام فلا ضياء ولا سنا
وندب فوق الأرض لا ندري بها
وندب فوق الأرض فلا تدري بنا
أنا من أنا، أنا من أكون؟
وسيلة أم غاية أنا لست أعرف من أنا
وهم يساور ملحدا فيروعه
ويخافه من كان مثلي مؤمنا"
عبد الوهاب المسيري: آه، دي فعلا أنا في اللحظة دي كانت بأتساءل وبأقف بين الإلحاد والإيمان ولم أجد كما أقول أحدا يجيب على أسئلتي فتوجهت نحو الإلحاد وإن كان بعض.. وأنا نفسي الآن أتساءل هل هو كان إلحادا، طيب أمّال لم كنت أؤمن بالقيم الأخلاقية المطلقة؟ القيم الأخلاقية المطلقة لا علاقة لها بالمادية متجاوزة للمادية ولذلك حتى كنت أقول مازحا لأصدقائي من الماركسيين أنني ماركسي على سنة الله ورسوله يعني أريد خلطة تميزني عنهم.
سامي كليب: ولكنك جُندت في الحزب الشيوعي عام 1955 دخلت رسميا يعني حصلت على بطاقة عضوية.
عبد الوهاب المسيري: آه. وصُعّدت لأني كنت أعرف الإنجليزية وكنت أترجم، ترجمت أول من ترجم كتاب ماوتسي تونغ "في التناقض" وهو كتاب في غاية الأهمية فتعلمت منه كثير.
سامي كليب: كان على الأرجح أول ترجمة فعلية عربية لهذا الكتاب.
عبد الوهاب المسيري: نعم في الخمسينيات، تقول كده.
سامي كليب: المضحك بالترقية داخل صفوف الحزب أنهم كانوا يريدون أن يرقوك وأنت ترفض تقول أنا برجوازي يعني ما لازم.
عبد الوهاب المسيري: لا، يعني كنت أحذرهم مني من حدودي حتى كنت أقول لهم إن أحيانا إنه يجب ألا يذكر لي أحد أي أسرار لأنه لو ضربني البوليس سأعترف يعني بمعنى أعرف مواطن قوتي ومواطن ضعفي ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
سامي كليب: وقدت تظاهرات عمالية أيام عملك الشيوعي؟
عبد الوهاب المسيري: لا، رتبت مظاهرة في مصنع شربيت في الحضرة، إضراب..
سامي كليب: لتجفيف البصل كان.
عبد الوهاب المسيري: نعم. إضراب هناك لمدة 15 يوما وبعدها..
سامي كليب: اعتُقلت.
عبد الوهاب المسيري: لا، بعدها حصلنا على مكاسب. لا، أنا اعتُقلت أثناء توزيع منشورات يوم ثورة العراق بتؤيد..
سامي كليب (مقاطعا): تعاطفا مع طبعا عبد الكريم قاسم.
عبد الوهاب المسيري (متابعا): آه، بس الإمضاء باسم الحزب الشيوعي المصري.
سامي كليب: طيب بس حسب ما فهمت أنه حين اعتقلت بعدها مباشرة غادرت الحزب. تعرضت للإهانة للضرب في الاعتقال؟
عبد الوهاب المسيري: لا لا، أنا تركت الحزب بناء على أسس، لأن قواعد السرية لم تكن متبعة فقلت لهم إنه سيحدث مواجهة بيننا وبين نظام عبد الناصر فمثلا كنت مسؤولا عن خلية وكنا مجتمعين في الشلالات وكنت بأدي محاضرة عن حزب البعث ممثل للبرجوازية الصغيرة وأشياء من هذا القبيل، وفوجئت بأحد الرفاق يأتي فقلت له كيف عرفت؟ قال يا أخي أنت من كبار المثقفين ونود أن نستفيد.
سامي كليب: كان جاسوسا؟
عبد الوهاب المسيري: وظهر فيما بعد أنه جاسوس أعرف اسمه لكن لا داعي لذكره. فعند هذه اللحظة قررت أن أبتعد أن يعني الاستشهاد ليس فريضة وإنما واجب حتمي يعني عندما أضطر للاستشهاد أستشهد لكن طالما أني يمكن أن أنقذ روحي لا بد أن أنقذ روحي حتى تستمر الثورة والمقاومة.
سامي كليب: طيب شو سبب استقالتك من الحزب خصوصا أنه حتى اليوم يعني حين يسألك البعض عن سبب انتمائك للحزب الشيوعي وهل ندمت على الانتماء، تقول لا بالنتيجة كان له فضل بتوجهك الإنساني الفلسفي إذا صح التعبير في لحظة معينة، شو الاستقالة كانت؟
عبد الوهاب المسيري: هي دي أنهم كانوا غير مدركين لأهمية السرية.
سامي كليب: فقط يعني مسألة السرية؟
عبد الوهاب المسيري: آه.
سامي كليب: ولا كان في أسباب أخرى الخوف مثلا من الاعتقال ضغط الأهل؟
عبد الوهاب المسيري: لا. مش الخوف من الاعتقال وإنما الرغبة في الاستمرار، وبالفعل بعد عدة شهور تم القبض على معظمهم والطريف..
سامي كليب (مقاطعا): كم كان عمرك تقريبا آنذاك؟
عبد الوهاب المسيري: أنا كنت حوالي الثامنة أو التاسعة عشر.
سامي كليب: لأنه حسب ما فهمت أن والدك كان له نفوذ وأخرجك من السجن يعني سريعا.
عبد الوهاب المسيري: نعم.
سامي كليب: وممكن يتخيل الإنسان أنه بهذا العمر الشاب في مقتبل العمر طبعا قناعاته الأيديولوجية ليست راسخة تماما فممكن يغير رأيه بسهولة يعني نتيجة خوف أو نتيجة اعتقال..
عبد الوهاب المسيري: لا لا، قناعاتي الأيديولوجية تغيرت من خلال التساؤلات الفلسفية والحوار بيني وبين نفسي كما قلت.
rwayda
09-Aug-2008, 12:48 AM
سامي كليب: ما لم تجده في الشيوعية وجدته في دين الله مثلا في القرآن..؟
عبد الوهاب المسيري: نعم. يعني مسألة التجاوز أصبحت أساسية، التجاوز هو الإنسان أما المادية هي الخضوع للحتميات البيولوجية والمادية.
سامي كليب: فهمت أن اللقاء مع مالكوم إكس الداعية الإسلامي الذي بدأ حياته طبعا جانحا ومخدرات وتجارة وبعدين اعتنق الإسلام كان اللقاء معه مفصليا.
عبد الوهاب المسيري: إحنا كنا تعلمنا الدين أفيون الشعوب ولكن في حالة مالكوم إكس الدين حرره من عنصريته، يعني تجربته في الكعبة آه السود واقفين مع بعض والبيض واقفين مع بعض لكن بسبب أنهم يعرفوا بعض مش بسبب أي عنصرية خاصة وأن عزام باشا وهو أبيض هو الذي تبناه وقدمه. حاجة ثانية أحس أنا وفي الولايات المتحدة أن أصدقائي معظمهم إما كاثوليك أو يهود من شرقي أوروبا أي من مجتمعات تقليدية، فوجدت أن مفهوم الجماعة أساسي عندهم وهو مفهوم مترسخ في العقيدة الكاثوليكية في المجتمعات التقليدية وتستمر تيجي مثلا إيه ميلاد ابنتي، يعني أنظر إلى هذا الشيء وأقول هل يعقل أن دي مسألة أنزيمات وهرمونات وبويضات بس يعني كده؟! وكتبت قصيدة برضه قصيدة مفصلية وفاجأتني لأنها وجدت أنها قصيدة دينية وأنا المفروض مادي.
سامي كليب: شو هي؟
عبد الوهاب المسيري: بأقول فيها يا سيدي
وبينما محمد في غاره حزين
يا لجة الضياء قد أرجفت قلبه
وبعدين أهم ثلاثة أسطر بقى جايين:
يا إصبع الإله قد أقلقت مضجعي
أولدتُها حواء ثم مريما
كأنه كما لو كان من الله سبحانه وتعالى أيقظني في ليلة حتى أضاجع زوجتي لتلد، وفي هذه اللحظة كنت أدرس اللاهوت المسيحي وفي اللاهوت المسيحي نموت في حواء ونولد في مريم، حواء هي الشر ومريم هي الخير، أولدتها حواء ثم مريما، إنسان كامل {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها}[الشمس:7-8] حواء ومريم.
سامي كليب: للمفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري مؤلفات بالفكر لا تحصى ولكن له أيضا رحلات ولو قصيرة في عالم الشعر وحين قرأت بعض ما كتب وجدته نازعا دون أن يدري ربما صوب شيء من الانعتاق المادي والانغماس فيما انغمس فيه قبله بعض الصوفيين، واللافت أن شعره قد يُحدد بما قبل وما بعد الإيمان.
عبد الوهاب المسيري: والله في واحدة قبل الدخول للإيمان.
سامي كليب: تفضل.
عبد الوهاب المسيري: حال لم تحن
حينما صعد الشيخ المنبر
وقف ثابتا كالتمثال
مهيبا كالمئذنة
فركزت كل حواسي ومشاعري
لكنك يا طائر الفردوس الذهبي
لِم لَم تحط على كتفي؟
يعني كنت على عتبة الإيمان ولكن..
سامي كليب (مقاطعا): لم تكن مقتنعا تماما.
عبد الوهاب المسيري: تماما.
سامي كليب: لم تتأخر غربة الدكتور عبد الوهاب المسيري عن الله والدين والإيمان وهو إذ تعمق في مختلف الكتب السماوية إلا أن انتماءه الإسلامي ترسخ مع السنين ترسخا روحيا وفكريا فهو كان مستشارا أكاديميا للمعهد العلمي للفكر الإسلامي بواشنطن وكان هناك أيضا عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية. ترسخ انتماؤه الإسلامي إلى درجة بات يتراءى له معه الرسول الكريم كمن يمد بحور الشعر في بحور الشدة.
عبد الوهاب المسيري: "جاءني في حلمي لابسا عباءته ملتفا بالسحب فشكوت إليه بؤسي وحزني وأخبرته عن جرحي وعن قلبي الذي لا يسأم الطيران والتحليق فابتسم ولم يقل شيئا وحينما جاء النبي صلوات الله وسلامي عليه مرة أخرى انفجرتُ باكيا فابتسم ثم سمعت هذه الكلمات ابن آدم في مركز العالم فلتقف ثابتا لا تتزحزح فقد استخلفك الله في الأرض، فانفرجت أساريري ولم أخرج من الحلم" يعني هنا تأكيد لمسألة أن العودة كانت مؤسسة على الإنسانية الإسلامية.
سامي كليب: بس واضح أنك كنت في مرحلة ضعف أيضا يعني كنت بحاجة إلى مساعدة ما إلى يد تمتد إليك.
عبد الوهاب المسيري: في حاجة إلى تفسير، أنا كما قلت عودتي للإسلام كانت عقلية كنت في حاجة إلى تفسير فحينما جاءني الرسول في الحلم وأخبرني عن مركزية الإنسان في الكون وأن الله استخلفني هنا أدركت الإجابة على السؤال ووجدت أن هذا هو المخرج.
سامي كليب: فعلا جاءك في الحلم؟
عبد الوهاب المسيري: نعم. ورغم أني أنا أقول إني لست متصوفا ولكن هذا ما حدث.
التخصص في الصهيونية وإنجاز الموسوعة
سامي كليب: حين ظهر كتاب "نهاية التاريخ" في الولايات المتحدة الأميركية قبل سنوات قليلة ضج العالم به وجعل كاتبه فرانسيس فوكوياما من أشهر الكتاب، ولكن من يقرأ مؤلفات المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري سيجد أنه سبق فوكوياما بأكثر من ربع قرن في الكتابة عن الموضوع نفسه، هو اعتبر أن النموذج الأميركي آيل للسقوط وراح يقارع الأميركيين في عقر دارهم لتفنيد آرائهم حين كان مدرسا في الولايات المتحدة أو مستشارا لوفد الجامعة العربية هناك.
عبد الوهاب المسيري: شوف هو كل عقيدة دينية فيها جزء غيبي و {..فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ..}[الكهف:29]. المشكلة في اليهودية بقى أنه منذ البداية هناك صراع بين التوحيد والحلول، في التوحيد الشعب اليهودي لا يختلف عن الشعوب الأخرى وده موجود في كتب الأنبياء بالذات، كتب الأنبياء كتب إنسانية إلى أقصى حد وتوحيدية.
سامي كليب: الأنبياء اليهود.
عبد الوهاب المسيري: آه في الكتاب المقدس العهد القديم. يعني مثلا صورة آخر الأيام سيكون هناك طريق من مصر إلى فلسطين ومن آشور إلى كذا، يعني العالم في وئام ولا يوجد شعب مختار، بقى بالعكس في كتب الأنبياء في تعنيف للشعب لارتكابه الكذا، ده الجانب التوحيدي. الجانب الحلولي الذي ساد في نهاية الأمر يرى أن الله قد حل أي نزل وتماهى مع الأرض والشعب بحيث أصبحا مقدسين. وحينما..
سامي كليب (مقاطعا): الطريف لو سمحت لي بالمقاطعة أنه حين تتحدث لا أدري إذا كان في الموسوعة أو في كتاب آخر تقول إن اليهود أو الصهاينة بشكل عام يتحدثون عن الأرض المقدسة وأن هذه الأرض سكنتها شعوب وحضارات غير مقدسة أساسا يعني.
عبد الوهاب المسيري: آه. ما هو ده شكّل الخريطة الإدراكية الصهيونية، ولكن المعادين لإسرائيل يسمونه عبادة العجل الذهبي، الانحراف عن اليهودية لكن الحلولية اليهودية هذه هي التي سادت وهي جوهر الفكر الصهيوني.
سامي كليب: فقط سأطلب منك ولو سؤال تبسيطي يعني ربما المشاهد الآن ليس كل المشاهدين يعرفون أو يدركون جوهر الحلولية لو اختصرتها يعني ولو بعبارات بسيطة ليفهمها أي مشاهد يعني ما هو جوهرها ولماذا ركزت عليها في الكثير مما كتبت؟
عبد الوهاب المسيري: أنا أرى كلمة حل أي نزل وهبط وسكن في الأرض أو في الشعب أو في الزعيم أو كذا ثم يتماهى معه، بحيث أن يصبح الإله لا وجود له خارج هذه الأشياء ولكن هذا يعني غياب الله.
سامي كليب: طيب بهذا المعنى ولذلك سؤالي أن مثلا عند المسيحيين يقال إن الله أو ابن الله هو يسوع المسيح وأن الله حل به، عند البوذيين أن الكارما أو الله في الداخل وليس في الخارج وكأنه في داخلك وحل بك، يعني شو الفرق؟ أين أخطأ اليهود في هذا المعنى إذا صح التعبير؟
عبد الوهاب المسيري: هو في نزعة نحو الحلول عند الإنسان، أنا بأميز بين لحظتين لحظة أسميها اللحظة الرحمية وهي الجنين في رحم أمه يظن أنه جزء لا يتجزأ منها وتستمر هذه العلاقة بعد الولادة مدة ثلاثة أربعة أشهر بحيث أنه حينما يطلب الثدي يأتيه فورا فلا يوجد أي مسافة بين المثير والاستجابة وهذه طبيعة الحيوانات بالمناسبة، لأنه بالنسبة للإنسان المثير يفصله ذكريات وأوهام وكذا عن الاستجابة. فالنزعة الرحمية هذه بتعني أن الإنسان غير مسؤول لأنه جزء من كل، هي دي نزعة وحدة الوجود التي تعبر عن نفسها في كل الأديان بشكل مختلف يعني مثلا الإيمان بالأولياء وأن الوساطة الشفاعة وهكذا هي الإنسان العادي يود أن يشعر بالإله من خلال حواسه الخمس وهذا لأنه غير قادر على التجاوز فهو.. النزعة الربانية بقى هي العكس الإنسان يعرف أنه جزء من كل ولكنه جزء متفرد وأن المثير منفصل عن الاستجابة وأن المسافة هذه مسألة مهمة.
سامي كليب: ولكن بهذا المعنى قد تلغي الكثير من المفاهيم القائمة، يعني مثلا الإمام المغيّب مثلا.. الصالحين..
عبد الوهاب المسيري (مقاطعا): آه كل هذه مفاهيم حلولية أنا أعتقد أنها تهدد كل الأديان وهذا الخطر الأكبر أن علينا أن نتنبه كل المؤمنين سنة شيعة أقباط دروز علينا أن نتبنه إلى هذا.
سامي كليب: صاحب المؤلفات الكثيرة وفي مقدمها "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" يستكمل حديث الذكريات ابتداء من مغامرة هذه الموسوعة التي شجعه عليها الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية.
عبد الوهاب المسيري: هو أنا تعرفت على الدكتور أسامة ونشأت صداقة قوية مستمرة حتى الآن في الستينيات في الولايات المتحدة وكان أيامها التوجه الناصري ثم حينما عدت قدمني للأستاذ هيكل بعد أن أنبأني أو أخبرني أن لا بد أن أتخصص في الصهيونية، فهو بشكل من الأشكال كان مسؤولا ليس عن الموسوعة وإنما توجهي للتخصص، وحينما قابلت الأستاذ هيكل أنا كنت أرغب أن أكون ناقدا أدبيا قدمت له مشروع كتاب "نهاية التاريخ" وطلبت منه أنه لو يعين مساعدي باحث أنا ممكن أشرف عليه.
سامي كليب: اقترحَ أن تكون أنت.
عبد الوهاب المسيري: آه، قال لا يمكن أن يكتب مثل هذا الكلام غيرك ثم أعطاني كمية هائلة من المال وأرسلني إلى الولايات المتحدة اشتريت كل ما أريد من مراجع التي تشكل نواة لمكتبة مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية وبدأ الغرق في المسار الصهيوني.
سامي كليب: طبعا كان الوقت آنذاك منتصف السبعينات يعني 1974- 1975.
عبد الوهاب المسيري: لحد 1975.
سامي كليب: وكان بدأ يعني الدخول في بعض الصراعات الداخلية في مصر في الدول العربية وما إلى ذلك وحسب ما فهمت أنه حين بدأت جديا بكتابة الموسوعة ووصلت إلى درجة متقدمة حاول البعض مسحها وأن القول لك نصحك بأن اذهب وسافر ونحن سنتابع الأمر وكأنه كان هناك نية لعدم صدور هذه الموسوعة.
عبد الوهاب المسيري: في الواقع عرفت فيما بعد أن في البنود السرية في اتفاقية الفصل بين القوات كان المطلوب التخلص من الموسوعة، وبالفعل حينما عدت من الولايات المتحدة عام 1979 كنت كي أشتري نسخة أو نسختين من الموسوعة من مكتبة.. من الأهرام تأخذ أياما طويلة ثم تقرر أنها تفرم لكن بائع كتب سعودي برضه مرة أخرى ذكي اشترى المجموعة كلها ولذلك هذه الموسوعة معروفة في السعودية جدا وغير معروفة خارجها.
سامي كليب: خليني أرجع فقط لنقطة لأنها مهمة كان بالاتفاق الإسرائيلي المصري أنه أن تلغى هذه الموسوعة أن تحذف؟
عبد الوهاب المسيري: نعم.
سامي كليب: كيف عرفت يعني ولا قرأت البند ولا؟
عبد الوهاب المسيري: أحد المتمكنين جدا أخبرني بالبنود السرية وكانت هذه أحداها.
سامي كليب: شو في بنود أخرى خطيرة؟
عبد الوهاب المسيري: في الوقت ده اللي بقي في ذاكرتي أنه يخصني، لكن يعني اتكشفت الأمور في كامب ديفد نزع السلاح سيناء التصريح للإسرائيليين بكذا.
سامي كليب: بعض المسلسلات التلفزيونية الخطاب الإعلامي على ما يبدو أيضا.
عبد الوهاب المسيري: آه. ولو أنه طبعا هناك إخفاق إسرائيلي كامل في رغم التطبيع مع الحكومات تظل الجماهير والحمد لله بفطرتها السليمة معادية للصهيونية.
سامي كليب: تعرف حين مرضت يعني صدرت شائعات وسرت شائعات كثيرة تقول إن هناك مؤامرة أيضا صهيونية إمبريالية لقتلك وأنه دس لك شيء معين في الجسم، طبعا حضرتك سخرت من كل ذلك وكتبت ضده ولكن هل تعرضت مثلا لمضايقات لمحاولات اغتيال بعد خصوصا توجهك في تشريح هذا المجتمع الإسرائيلي الصهيوني؟
عبد الوهاب المسيري: عام 1982 أرسل لي مايير كاهانا 13 خطابات تهديد بالقتل، ستة في القاهرة وكنت أثناء ذلك أدرّس في جامعة الملك سعود فأرسل لي ستة هناك، الثالث عشر وصلني في القاهرة بعد وصولي بيوم يقولون نعرف إنك وصلت ولذا نحن نحفر لك قبرا، وأرسلوا لمساعدي الدكتور محمد هشام خطابات مماثلة يعني.
سامي كليب: من الصعب الإحاطة بكل ما ألف الدكتور عبد الوهاب المسيري من كتب وموسوعة ومقالات وهو إذ اشتهر في موسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية والتي سنفصلها في الحلقة المقبلة فإنه كتب أيضا في الكثير الكثير من القضايا التي كان همه فيها نصرة أمته العربية ضد مشاريع الهيمنة. وقبل أن أودعه على أمل اللقاء به وبكم في الأسبوع المقبل مع حلقة ثانية وأخيرة مhttp://www.aljazeera.net/CHANNEL/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/D17C6A18-24DE-463E-8B80-8E319E5EB03D.htm#)عه تمنيت له فقط موفور صحة لأن صحة أمثاله هي من صحة الأمة.
rwayda
09-Aug-2008, 12:49 AM
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2005/7/12/1_550437_1_3.jpghttp://www.aljazeera.net/mritems/images/2003/12/27/1_195222_1_3.jpg
اجرى الحوار مالك التريكى
رغم التباعد الظاهري بين التكوين الأكاديمي لعبد الوهاب المسيري وبين اهتماماته الفكرية فإن انتقاله من دراسة الأدب الإنجليزي والأميركي إلى التخصص في دراسة الصهيونية والجماعات اليهودية في العالم لم يمثل تحولا جذريا في مساره الفكري، ذلك أن ميزة مشروعه الأدبي تكمن في أنه ذو طبيعة فكرية بالأساس ولهذا فإن دراسته للأدب لم تكن دراسة فنية للنصوص بقدر ما كانت دراسة إشكاليات فكرية كما تكمن أو تتجلَّى في النصوص.
التحول من دراسة الأدب إلى دراسة الصهيونية
عبد الوهاب المسيري – كاتب ومفكر مصري : أنا حينما كنت أدرس الشعر الإنجليزي والأميركي كنت متخصص أساسا في شعر القرن التاسع عشر وبالتالي كنت أقرأ تاريخ الأفكار أو تاريخ الفكر في ذلك الوقت، هيغل، ماركس، الأفكار العنصرية، الإمبريالية، الفلسفة النفعية، العلمانية، الاحتجاج على التصنيع كل هذه الأمور التي تحوَّلت إلى مقولات تحليلية فيما بعد ولذلك نجد إنه المقولات التحليلية التي استخدمتها في رسالتي للدكتوراه عن أثر وردس ورث على ويتمان لكن كان عنوانها الفرعي هو دراسة في الوجدان التاريخي والمُعادي للتاريخ نجد أن نفس المقولات التحليلية هي التي استخدمتها فيما بعد في دراسة الصهيونية حتى أثناء مناقشة رسالتي للدكتوراه قلت للأساتذة مازحا في الولايات المتحدة إن رسالتي ليست عن الشاعر الإنجليزي وردس ورث ولا عن الشاعر الأميركي ويتمان وإنما هي عن الصراع العربي الإسرائيلي، أنه وردس ورث بيمثل المجتمعات التاريخية التي عندها إحساس بالتاريخ أما ويتمان فهو نتاج مجتمع استيطاني والمجتمع الأميركي المبني على إنكار التاريخ ومن ثم كانت أول دراسة لي عن الصهيونية تُسمى نهاية التاريخ وهذا يعني ما يقرب من..
مالك التريكي [مقاطعاً]: عام 1972 أصدرت الكتاب.
عبد الوهاب المسيري: عام 1972 يعني.
مالك التريكي: وفوكوياما أصدر مقاله عام 1989 ثم كتابه عام 1992.
"عبد الوهاب المسيري: نعم حتى هو في حوار بيني وبينه من خلال البريد الإلكتروني نُشر في الأهرام فوجئ بهذا وطلب أن يتعرف علي وهكذا لأنه طبعا أنا فكرتي في نهاية التاريخ مختلفة، هو نهاية التاريخ عنده هي انتصار الليبرالية الديمقراطية أما بالنسبة لي أن فكرة نهاية التاريخ هي فكرة فاشية في جوهرها وأن كل الأيدلوجيات الفاشية مبنية على فكرة نهاية التاريخ لأن نهاية التاريخ بتعني نهاية الإنسان وكما قلت لفوكوياما في الحوار أنها بتعني نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي أي تحول الإنسان إلى ظاهرة طبيعية.
مالك التريكي: بالنسبة لدراسة الأدب في.. من منتصف الخمسينيات حتى نهاية التسعينيات.. نهاية الستينيات بالأحرى تلك كانت المرحلة التي درست فيها الأدب الإنجليزي والأميركي، في تلك الفترة كانت النزعة الهيومانية الإنسانية هي السائدة لم تكن النزعة الشكلانية قد ظهرت بعد هل تتصور أن تطورك الفكري كان سيكون مغايرا لو كانت الشكلانية هي السائدة آنذاك؟
عبد الوهاب المسيري: نعم لأنه الفلسفة الهيومانية التي تعلمتها أولا هنا في مصر من خلال أساتذتي في الإسكندرية ثم حين ذهبت إلى الولايات المتحدة لكن كان بدأ الصراع بين الشكلانيين والإنسانيين في القسم الذي ذهبت إليه لكن لحسن حظي كان المُشرف على رسالتي من الإنسانيين البروفيسور وايمان هو دافع عني أثناء الحوار ولولاه لا أعتقد أن أنا كنت حصلت رسالة درجة الدكتوراه. لي طالبة الآن في الولايات المتحدة تتحدث عن الاتجاه الشكلاني، دلوقتي تطوروا وبدءوا يبقى هناك اتجاه أيديولوجي يؤكد الجندر النوع والجنس (sex) بتخبرني أنها حينما تأخذ قصيدة من القصائد التي تعلمتها هنا واللي كان متفق على معناها المباشر مع اختلافات في التفاسير تقول لي إنهم يرفضون هذا تماما ويا إما تفسر في إطار الجندر وال (sex) والجنس وإلا تعتبر قراءة زائفة ومنافقة وهكذا.
مالك التريكي: ما هو تفسيرك لهذا التناقض الصارخ بين المحافظة السمة المحافظة التي تطبع المجتمع الأميركي في ثقافته العامة وبين هذه الثورية الزائفة الـ (Political Correctness) هذه التي تحتمي بالقواعد أكاديمية أو غير أكاديمية أيديولوجية تُسقَط على الأكاديمي لكنها تحتمي بصورة الجامعة، ما هو تفسير هذا التناقض؟
عبد الوهاب المسيري: هو أولا من الواضح كما قال علي عزت بيجوفيتش إن الإنسان كائن ميتافيزيقي يعني لا يمكنه أن يدور في إطار النموذج المادي وحسب المنفعة المادية اللذة لا كائن ميتافيزيقي فلابد أن يؤمن الإنسان بميتافيزيقا ما فإن لم يؤمن بالله فسيؤمن بالآيس كريم يؤمن بالجنس يؤمن بأي شيء وهذا ما حدث.
مالك التريكي: الأطباق الطائرة.
عبد الوهاب المسيري: نعم الأطباق الطائرة مثلا وإن كنت أسميها أنها ميتافيزيقا بلا أعباء أخلاقية بمعنى الإيمان بالأطباق الطائرة أو بالجنس..
مالك التريكي [مقاطعاً]: ليس فيه حساب أو ثواب أو عقاب.
عبد الوهاب المسيري: ما فيهوش تكليف لا يوجد فيه..
مالك التريكي: تكليف أخلاقي.
عبد الوهاب المسيري: فنفس الشيء بأعتقد أنه هذا الفراغ الأخلاقي الذي يُملأ بفكرة القوى على المستوى السياسي بيُملأ بأشياء مثل الجنس مثل الجندر، أشياء أحيانا إيجابية الحرب ضد الاستعمار، الحرب ضد إسرائيل لكن أشياء برضه غير إنسانية زي الدفاع عن الشذوذ الجنسي وهكذا يعني فهذا هو ما يحدث أنه الفراغ بيُملأ لكن حيث إنها ميتافيزيقا بلا أعباء أخلاقية بنجد أنها بتظل تدور في الإطار المادي لا تُحاول تجاوز الواقع ومَن لا يحاول أن يتجاوز الواقع هو الرجعية في حد ذاتها ولا تنسى أن الفلسفة المسيطرة على أميركا هي الفلسفة البرجماتية وهي فلسفة في ظاهرها ثورية لكن في جوهرها رجعية بل داروينية، إنه البرجماتية بترى أن المعيار الأساسي في الحكم على الأمور هو ما ينجح معنى ذلك أنه لا توجد معايير أخلاقية أو معايير إنسانية حتى ومن ثم يملأ هذا الفراغ الفلسفة الداروينية لكن الفلسفة الداروينية هذه فلسفة ناجحة بالنسبة للأقوياء ماذا يفعل الضعفاء؟ فبنجد أنه بتنقسم إلى قسمين الأقوياء الذين يسيطرون والضعفاء الذين عليهم التكيُّف وبالمناسبة هذا واضح في الخطاب الغربي تجاه القضية الفلسطينية يعني هم مُعجبون للغاية بالصهاينة لأنهم عادوا بعد ثلاثة آلاف عام نتيجة لإيمانهم بالأساطير مثل أرض العودة، أرض الميعاد وهكذا لكن حينما يتوجهون للعرب يقولون هناك حقائق جديدة عليهم التكيُّف معها. فما بين ما أسميه السوبرمان الإنسان الأعلى و الـ (Sub-Man) الإنسان ما دون الإنسان، الفلسفة البرجماتية بتعبر عن نفسها وفي تلك الحالتين بنجد أن الحالة الإنسانية يتم إنكاره.
rwayda
09-Aug-2008, 12:50 AM
مالك التريكي: وهذه البرجماتية الذرائعية والداروينية تظهر أيضا في الخطاب الاقتصادي العالمي الآن العولمة الاقتصادية لأنها في مصلحة الأقوياء ولذلك حتى كيسنغر يقول العولمة هي اسم آخر للأمركة لأن أميركا هي الأقوى فمن صالحها أن تنتشر العولمة ويُطلب من الضعفاء اقتصاديا الدول الضعيفة أن تتكيف يعني أن تفتح أسواقها مثلا للمنافسة بينما صناعاتها ضعيفة ولا تستطيع أن تنافس مثلا فهذا يبدو أن الذرائعية بهذا الشكل صارت الأيديولوجيا العامة يعني في العالم.
عبد الوهاب المسيري: نعم ولذلك نفتح أبوابنا لرأس المال الأجنبي والبضائع لكن هم لا يفتحون أبوابهم للمهاجرين مثلا، يعني هي حرية انتقال للأشياء وليس حرية انتقال للأشخاص وبالمناسبة كيسنغر أيضا قال أن (Power is an Aphrodisiac) أن القوة منشط جنسيK يعني عملية اقتحام هنا بتأخد شكل صورة مجازية أيضا.
مالك التريكي: عودا إلى هيغل دكتور بما أننا ذكرنا رسالتك للدكتوراه التي أصدرتها بعد في كتاب بعنوان نهاية التاريخ وبما أن فكرة نهاية التاريخ هي فكرة هيغيلة ولو أن ما كان يقصده هيغل لا علاقة له بما يقصده فوكوياما ولذلك يوصف فوكوياما يصفه بعض المعلقين الصحفيين بأنه هيغل (Light) يعني نسخة مُخففة أو مُبسطة جدا عن هيغل طبعا ما كان يقصده هيغل هو أن العقل المطلق سيتحقق في التاريخ والتاريخ عنده كان آنذاك الدولة البروسية المحافظة الرجعية الإقطاعية في ذلك الوقت هذا ما كان يقصده، هيغل له جانب آخر كان يهمك أيضا هو الجانب المعلوماتي الرغبة في الإحاطة الشاملة بكل الظواهر وبكل المعلومات في إطار نسقي نظري، هذا الجانب سميته بالذئب الهيغلي وإضافة إلى ذئب الثروة وذئب الشهرة وقلت أإك جاهدت لكي تتخلص من هذه الذئاب الثلاثة كيف جاهدت للتخلص من الذئب الهيغلي؟
عبد الوهاب المسيري: أنا في الواقع أقول في رحلتي الفكرية لم أتخلص منه روضته فقط لأنه لا يزال رابض داخلي، في الواقع أنا نجحت في ترويضه لأن هناك في حياتي ثلاثة عباقرة لم يخطوا حرفا لأن الذئب قد التهمهم، كانوا يرون علاقة كل شيء بكل شيء آخر، يعني كان لي صديق رحمه الله الأستاذ علي زيد كنت مثلا نبدأ أطلب منه يكتب مقال عن البرجماتية والداروينية فينتهي به الأمر أنه يقرأ كتب عن القبائل العرب وعنده كان مكتبة وكان يعرف كل شيء وليس بطريقة معلوماتية وإنما بطريقة مترابطة، أستاذي الحقيقي الأستاذ محمد سعيد البسيوني رحمه الله أيضا كان نفس الشيء يعني يربط كل شيء بكل شيء آخر بذكاء غير عادي لكنه يظل في ربط الأمور، فكان لابد من ترويض هذا الذئب ومن ثم نجحت، يعني أنا كان طموحي إن أنا أكتب نظرية عامة على طريقة هيغل لكنها في ذات الوقت تضم كل المعلومات وهذا مستحيل إنسانيا، عام 1984 شعرت أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يُرغمني على كتابة الموسوعة فرضخت قلت فلأنسى مشروعي المعرفي الأكبر ولأنخرط وانتهيت كتابة الموسوعة، لكن أعتقد أن مكافأة الله سبحانه وتعالى لكي كانت أنه هذه الموسوعة تحولت إلى دراسة حالة وقدمت ما أتصور أن هو إطار معرفي عام لتحليل كثير من الظواهر سواء كان مفهوم الحلولية أو مفهوم العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة وأخيرا مفهوم الجماعة الوظيفية، هذه ثلاثة مفاهيم يمكن استخدامها في تفسير كثير من الظواهر الإنسانية لكني أعرف أن فوق كل ذي علم عليم.http://www.aljazeera.net/Channel/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/7838CBF5-BF6C-4371-BCC6-0A6961A1DFFA.htm#)
دراسة الصهيونية من منطلق فكري بحت
مالك التريكي: من الطريف دكتور وأنت تُلامس هذا الموضوع بالضبط الآن أنك تناولت تاريخ اليهودية وتاريخ الصهيونية والجماعات الوظيفية.. الجماعات اليهودية الوظيفية في العالم من منطلق فكري بحت وفي هذا تتميز عن بقية المفكرين العرب لأن المفكرين العرب والآخرين حتى المُختصين في الفلسفة كحقل عندما يتناولون مسألة الصهيونية ومسألة إسرائيل لا يكادون يخرجون عن سياق التناول الصحفي المعهود بينما أنت في تناولك للظاهرة الصهيونية تستعمل مفاهيم تحليلية مثل إشكالية الإنسان وعلاقاته بالطبيعة والتاريخ، الغنوسية الواحدية المادية، الأسطورة منفصلة عن التاريخ؟
عبد الوهاب المسيري: أنا شأني شأن كثير من المفكرين كنت أنظر إلى الصهيونية النظرة السياسية التحليلية العادية لكن قرأت بعض الكتب من بينها كتب الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي رحمه الله كتب كتيبين كتابين صغيرين عن اليهودية وعن الصهيونية وكتابات جمال حمدان إلى جانب بداية اهتمامي بالبُعد المعرفي أي البُعد الكُلي والنهائي، كل هذه الأمور تلاحمت وأنا من طبيعتي لا أفصل بين مثلا الفكر والشعر وحتى أثاث منزلي وحياتي الخاصة بمعنى أنني دائما أحاول أن أعيش فكري وهذه لها مزايا ولها عيوب أيضا يعني، بمعنى إني أحيانا يفوتني ملاحظة بعض التفاصيل نتيجة لانشغالي بالنماذج.
مالك التريكي: بالصورة التي تتعامل معها.
"
عبد الوهاب المسيري: أه وفكرة النموذج التحليلي فكرة أساسية عندي والنموذج بطبيعته يتجاوز الموضوع، يربط بين المواضيع المختلفة، يعني دائما أضرب مثل بالنموذج بالحديثين الشريفين الحديث الذي عن القطة التي عذبتها المرأة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار والحديث الآخر عن الكلب الذي كان يعض الثرى من العطش فنزل رجل بئر وسقاه فدخل فيه الجنة، يعني هنا على مستوى الموضوع سنجد إنه ثمة تضاد رجل امرأة كلب قطة جوع عطش وهكذا لكن على مستوى النموذج سنجد إنه الرؤية واحدة إنه هو الإنسان فاعل والحيوان مفعول به وإن الإنسان هو خليفة الله بمعنى أنه استُخلف وإنه مسؤول عن هذه الحياة وهكذا أربط هذا بالمفهوم الإسلامي للإنسان وللطبيعة، أربط هذا بمفهوم الذبح الشرعي في الإسلام وهكذا مهمة إحدى مزايا النموذج إنها تُسهل الانتقال من مجال تحليلي إلى آخر من مثلا شكل في الشعر إلى ظاهرة تاريخية إلى قضية فلسفية، فالنموذج يربط بينها جميعا وهذا ما حدث في حالتي، أنا درست الشعر لكن درست فكر القرن التاسع عشر وحاولت الوصول إلى نماذج تحليلية تصلح لدراسة الشعر وتصلح لدراسة الظاهرة الصهيونية ولذلك دائما أقول إن اليهودية والصهيونية في الموسوعة هي دراسات حالة (Case Studies) ولذلك بأجد إن المجلد الأول هو أهم المجلدات لأنه يعبر عن الرؤية وما الصهيونية واليهودية إلا تطبيقات حالة. حدث نفس الشيء في قصص الأطفال التي أكتبها يعني يتساءل الناس يعني كيف يمكن لكاتب جاد..
مالك التريكي [مقاطعاً]: أن يجمع بينهما.
عبد الوهاب المسيري: يعني لا ده شيء جزء من رؤيتي إنه مثلا في قصة نور والذئب الشهير بالمكَّار الذئب سقط في النموذج الهيغيلي المعلوماتي بمعنى إنه بيقرأ القصة القديمة وحسب القصة القديمة إن هو سيسبق ذات الرداء الأحمر اللي هي نور في هذه القصة وسيلتهم الجدة ثم يلتهمها هي لكن نور تعيش في العصر الحديث ولذلك سلسلة القصص اسمها حكايات هذا الزمان فتسبقه وتصل إلى منزل الجدة وتخبرها أن الذئب.. الذئب يضيع وقته في محاولة التنكر
ويسقط في الأرض وهكذا وحينما يطرق الباب يُفتح الباب ويأخذ علقة ساخنة وفي أثناء العلقة يقول يعني هذا مخالف.
مالك التريكي: للنظرية يعني.
عبد الوهاب المسيري: أه لأنه غير مدرك لا يحاول تفسير الواقع وهو يعيش داخل هذا النموذج الهيغيلي المعلوماتي. نفس الشيء في منزلي يعني أثاث منزلي هو تعبير عن هذه الرؤية إنه لابد أن تكون هناك لنا خصوصيتنا تحيزاتنا العربية الإسلامية. في الواقع أنا بأعتقد إنه الطريقة الوحيدة لتجاوز التحيز هي التنبه له لأنه لا يمكن إن الإنسان يرصد الواقع كأنه آلة يعني إن رأيت حجر يسقط من الدور الثاني وطفل يسقط السلوك في كلتا الحالتين مختلف يعني فحينما أرى الجيش الإسرائيلي بيضرب أطفال ورجال ونساء ويهدم بيوت لا يمكن أن أرصد هذه المسألة بطريقة مُحايدة باردة ولذلك أنا أسقطت كلمة موضوعية وذاتية وبأتحدث عن التفسيرية، الجيش الإسرائيلي بيهدم المنازل فأقدم وجهة نظري المُتحيزة لكنها ذاتها مقدرة تفسيرية، فمثلا نأخذ تعريف الصهيونية يقولون في المراجع الغربية إن الصهيونية هي القومية اليهودية وهي عودة اليهود إلى وطنهم طيب سآخذ هذا التعريف وأقول لن أقول إنه متحيز أو غير متحيز وأحاول أن اختبر مقدرته التفسيرية، إن كان الأمر كذلك نفسر إذاً وجود مخيمات اللاجئين فلسطينيين والحروب المستمرة والدعم الأميركي والغربي لهذه الدولة في هذه الحالة يُفتح باب الاجتهاد وسأطرح تصوري وتعريفي وهي أن الصهيونية حركة استيطانية استعمارية إحلالية لا تختلف في جوهرها عن الجيوب الاستيطانية في أفريقيا والجزائر وأن نقطة الاختلاف الوحيدة هي أنها تقدم اعتذارايات ودباجات يهودية لتبرير الفعل الاستيطاني ولتأخذوا هذا ولتختبروا ولا تسألوني هل أنت أتيت بهذا لأنك عربي أو مسلم لا اختبر مقدرته التفسيرية سنجد أن هذا التعريف يُفسر مخيمات اللاجئين، يُفسر المقاومة الفلسطينية، يفسر الدعم الغربي لهذا الجانب الاستيطاني.
مالك التريكي: ولهذا تقول إنك واجبك الأخلاقي هو مُناهضة الصهيونية حتى لو كانت أقامت دولة في موزمبيق أو في أي بلد آخر فالوقوف ضدها لا يتعلق بكونها في فلسطين فقط بل أنها ظاهرة استعمارية يجب مناهضتها. هنا السؤال دكتور لأن هنالك حالة خاصة أيضا وأنت تعرف هي ظاهرة استعمارية مثل بقية الظواهر الاستعمارية لكنها أكثر شراسة ولأن مصير إسرائيل نوعا ما يتداخل مع تصور الغرب لمصير العالم بصفة عامة، الجوانب الأسطورية هي المسيطرة على الموقف في أميركا أليس هنالك أيضا تناقض صارخ مثل الذي ذكرناه قبلا عن أميركا بين الثقافة العامة وبين الثقافة الأكاديمية؟ أليس هنالك تناقض صارخ بين القول بالعلمانية ولك أيضا مفاهيم تحليلية في العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية بين القول بالعلمانية بصفة عامة في الغرب عامة وفي أميركا خاصة وبين تصديق هذه الخرافات عن إسرائيل وعن الشعب الإسرائيلي وعن هذه الأرض؟
عبد الوهاب المسيري: هو الخريطة الإدراكية مقولات قبلية بتحدد رؤية الإنسان للواقع يعني أنا دائما بأضرب مثل بقصة شهيرة قصة ماري أنطوانيت حين أتوا لها بفلاح جائع وأُغمى عليه من الجوع فلا الجوع ولا الفقر جزء من خريطته الإدراكية فقالت له يعني الرجيم قاسي لا داعي أو في رواية أخرى..
مالك التريكي: فليأكل..
عبد الوهاب المسيري: يأكل جاتوه يعني.
مالك التريكي: طبعا ماري أنطوانيت هي زوجة الملك لويس السادس عشر ملكة فرنسا الأخيرة يعني بس للتوضيح.
"عبد الوهاب المسيري: فالخريطة الإداركية الغربية من البداية بترى أن العالم العربي والعالم الإسلامي هو مادة استعمالية مجال للبضائع للاستثمارات ولذلك كما قلنا من قبل إنهم يريدون فتح الحدود للرأسمال وللبضائع لكن لا يفتحون حدودهم للهجرة الإنسانية من بلادنا إلى بلادهم، فنفس الشيء هم يرون إن إحنا مادة استعمالية وإن من ثم الحقوق المطلقة هي حقوق للإنسان الغربي والإنسان اليهودي جزء من هذا، يعني تماما مثل الاستعمار الغربي يعني كان يتحدث عن نقل الحضارة عن عبء الرجل الأبيض هكذا.
مالك التريكي: طبعا المهمة التمدينية هذه قال بها الاستعمار الفرنسي ومهمة عبء الرجل الأبيض هذه قولة كيتنيك الشهيرة قال بها الاستعمار البريطاني وهذا يندرج في إطار هذه النظرة المادية وما سميته بالواحدية المادية التي تقول إنها باطلة وإن ما يصلح أساسا لنظرة متكاملة ومتوازنة للعالم هي الثنائية.
عبد الوهاب المسيري: الثنائية هي إن العالم دائما مُكون من عنصرين يتفاعلان لكنهما لا يمتزجان وبداية هذه الثنائية هي ثنائية الخالق والمخلوق التي لُخصت في الإسلام في كلمة قاب قوسين أو أدنى إن أشرف المخلوقات في أشرف اللحظات لم يمتزج بالإله والإله هو أقرب إلينا من حبل الوريد لكنه لا يجري في عروقنا.
rwayda
09-Aug-2008, 12:51 AM
حوار مع المفكر على اليوتيوب http://www.akhawia.net/images/smilies/icon_biggrin.gif
http://www.youtube.com/watch?v=ksNLX...eature=related (http://www.youtube.com/watch?v=ksNLXpMqIlY&feature=related)
rwayda
19-Aug-2008, 11:13 PM
حوار مع الشاعر محمود درويش
الآن مع صدور مجموعتك الكاملة للمرة الثامنة عشرة كيف ترى إليها؟ ما الذي تحبه فيها وما الذي تكرهه؟ كيف تنظر الى البدايات التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الفلسطينية؟
- حين اضطر الى قراءة أعمالي الأولى من أجل تصحيح الأخطاء الطباعية استعداداً لطبعة جديدة، وليس من قبيل مراقبة تطوّري أو مراقبة ماضيّ الشعري، أشعر بكثير من الحرج. أي انني لا أنظر الى ماضيّ برضا، وأتمنى عندما أقرأ هذه الأعمال، ألا أكون قد نشرتها كلها، أو ألا أكون نشرت جزءاً كبيراً منها. لكنّ هذه مسألة لم تعد منوطة بي، انها جزء من تراثي. لكن تطوري الشعري تم من خلال هذا التراكم وليس من خلال القفز في الفراغ. لذلك عليّ أن أقبل بطاقة الهوية هذه كما هي، وليس من حقي اجراء تعديلات إلا بقدر المستطاع، أي تعديلات على بعض الجمل وعلى بعض الفقرات أو حذف بعض الأسطر، من منظور الاعتبار الجمالي وليس من أي منظور آخر. ولو أتيح لي لكنت دائم التنقيح في أعمالي. ولكن لو أتيح لي أيضاً أن أحذف لكنت ربما حذفت أكثر من نصف أعمالي. لكن هذا الأمر ليس في يدي وليس من حقي على ما يبدو. هذا أنا في مراهقتي الشعرية وفي صباي وفي شيخوختي، أنا كما أنا. وأعتقد أن كل شاعر لديه حاسة نقد ذاتية، ينظر النظرة نفسها الى أعماله. وأريد أن أقول هنا إن الشعراء يولدون في طريقتين: بعضهم يولد دفعة واحدة، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك. ففي التراث العربي مثلاً عندنا طرفة بن العبد وفي التراث العالمي هناك رامبو. ثم هناك شعراء يولدون «بالتقسيط» وأنا من هؤلاء الشعراء. ولادتي لم تتم مرة واحدة. وأرى أن مشكلة الولادة في دفعة واحدة عمرها قصير.
> هناك ظاهرة عجائبية في مثل هذه الولادات!
- هناك عبقرية خاصة وربما مأسوية. فالشاعر الذي يولد دفعة واحدة لا يستطيع أن يواصل عمره الشعري. أما الشعراء الذين يولدون على مهل فتتاح لهم فرصة من التجربة والكتابة لا تتاح لمن يصبّون تجربتهم في دفعة واحدة، ويصمتون مثلما فعل رامبو. هذا السؤال صعب أصلاً على كل شاعر يستطيع أن يكتب شعراً في العشرينات، ولكن هل يستطيع كل شاعر أن يكتب بعد الستين؟ هذا هو السؤال الصعب.
> ولكن هناك أمثلة متضاربة في هذه القضية!
- كل شاعر يملك جواباً خاصاً أو ربما هو يملك حظاً خاصاً. وأعتقد ان الحظ في آخر الأمر هو الذي يلعب دوراً في نشأة الشاعر، وفي قدرته على التطور. ولكن قبل الحظ هناك انتباه الشاعر الى عيوبه الشعرية، انتباه الشاعر الى مأزقه الشعري. وكل شاعر يحل مأزقه في طريقته الخاصة، ولكن ليس التكرار هو أفضل الطرق، أي تكرار ما قاله الشاعر أو كتابة تنويعات على ما كان كتب من شعر.
> ما رأيك بالمبادرة التي يقوم بها شعراء بحذف شعرهم الأول وانكاره؟ وهذا ما قام به مثلاً الفرنسي رينه شار أو الشاعر أدونيس؟ هل أخفيت أنت قصائد أولى، لك وخصوصاً عندما كنت في فلسطين؟
- أنا لم أنشر في كتب كل ما كتبت من شعر. بعضه نشر في الصحافة، وبعضه لم ينشر. مجموعتي الشعرية الأولى حذفتها كلياً ولا أعترف بها البتة وكانت صدرت في فلسطين أيام الفتوّة. وهي عبارة عن قصائد مراهقة شخصية وشعرية. وأنا أتمنى أن أواصل الحذف. هذه هي المسألة الشائكة. حتى في مرحلتي الراهنة، كتبت قصائد عدة لم أدرجها في مجموعاتي الشعرية. نشرتها في الصحف ولكنني لم أضمّنها كتبي. من حق الشاعر أن يحذف ما يشاء من شعره. لكن السؤال هو: هل رأيه هو الصواب أم لا؟ هناك رأي القارئ أيضاً.
> بودلير يتحدّث دوماً عن الناقد الكامن في الشاعر والذي يوجهه!
- صحيح. ولكن قد يؤثر الشاعر نصاً له على آخر، وقد لا يشاركه القارئ هذا الإيثار بل قد يخالفه فيه.
> ما كان عنوان مجموعتك الأولى التي أسقطتها من أعمالك؟
- كان عنوانها «عصافير بلا أجنحة».
> ماذا تعني لك اليوم قصائد راسخة في ذاكرة الجمهور مثل «سجّل أنا عربي» و «جواز السفر» بعدما اجتزت ما اجتزت من مراحل شعرية؟
- هذا النوع من الشعر كتبته تلبية للنداءات الداخلية والخارجية. كان سؤال الهوية هو السؤال الملح في شبابي الشعري أو صباي. وهو ما زال مطروحاً حتى الآن، ولكن في طرق مختلفة، وفي أشكال تعبير مختلفة. كانت ظروف الحياة هناك تقتضي ربما مثل هذه المخاطبة المباشرة. هذا أولاً. ثانياً أصبحت هذه القصائد جزءاً من ذاكرة جماعية لا أستطيع أن أتحكم بها أو أتصرف في شأنها. إنها لم تعد ملكي أبداً. وهي ساهمت أيضاً في انتشاري شعرياً. ويجب ألا أكون مجحفاً أو ناكراً للجميل في حق هذا النوع من الشعر. هذا إذاً ساهم في شق الطريق أمامي، وفي تمهيدها لكي أضيف تجارب شعرية جديدة ومختلفة عما سبقها، من حيث التناول الشعري واللغة الشعرية والاسلوبية. لكن التأسيس الذي تم في العلاقة بين القارئ وبيني أذن لي في أن أتتطور، وأتاح للقارئ أن يقبل هذا التطور. فنحن نكبر معاً، أنا وقارئي.
ماذا باتت تعني لك القصيدة السياسية؟
- القصيدة السياسية اليوم لا تعني لي أكثر من خطبة، قد تكون جميلة أو غير جميلة. إنها تخلو من الشعرية أكثر من القصيدة التي تحرص على أن تنتبه لدورها الإبداعي ودورها الاجتماعي. أي على الشاعر أن ينتبه الى مهنته وليس فقط الى دوره. القصيدة السياسية استنفدت أغراضها في رأيي، إلا في حالات الطوارئ الكبرى. ربما أصرخ غداً غضباً، تعبيراً عن أمر ما، ولكن لم تعد القصيدة السياسية جزءاً من فهمي المختلف للشعر. أعتقد إنني الآن في مرحلة، أحاول فيها أن أنظف القصيدة مما ليس شعراً إذا أمكن التعبير. ولكن وما هو الشعري وما هو غير الشعري؟ هذه مسألة أيضاً. السياسة لا يمكنها أن تغيب تماماً من هوامش القصيدة أو خلاياها. لكن السؤال هو كيف نعبر عن هذه السياسة. كل انسان فينا مسكون بهاجس سياسي، ولا يستطيع أي كاتب في أي منطقة من العالم أن يقول: أنا نظيف من السياسة. فالسياسة هي شكل من أشكال الصراع، صراع البقاء وصراع الحياة. ومن طبيعة الأمور أن يكون هناك سياسة. والسؤال هو: هل تكون القصيدة سياسية أم ان عليها أن تحمل في كينونتها بعداً سياسياً؟ أو هل هناك إمكان لتأويل سياسي للنص الشعري أم لا؟ اما أن تكون القصيدة عبارة عن خطاب مباشر بتعابير مستهلكة ومستنفدة وعادية فهذا لم يعد يعني لي شيئاً.
> ما رأيك بظاهرة الشعر السياسي الجديد الذي يكتبه شعراء جدد عرب أو في العالم أو الذي كتبه شعراء مثل ريتسوس وغينسبرغ وجيل «البيت» جنريشين وقد أعادوا النظر في القصيدة السياسية وفي الواقعية؟
- ريتسوس يجب أن نميزه عن الآخرين.
> لكنه كتب قصائد سياسية عبر لغة مختلفة.
- حاول ريتسوس أن يكتب اليومي، لكنّ هذا اليومي الذي يبدو لنا عادياً يخبّئ بعداً اسطورياً ما. ولعل القصيدة التي تسمى يومية لدى ريتسوس ليست قصيدة يومية، ففي هذا «اليومي» بُعد أسطوري وميتافيزيقي. أما في شأن ألن غينسبرغ وبعض الشعراء الأميركيين فهم يكتبون شعراً سياسياً في المعنى المباشر للكلمة. لكن الشعر الغربي والأميركي مشبع بالجماليات، وقد انتهى البحث في هذا الموضوع، الموضوع الجمالي. وحاول الشعراء أن يعودوا الى ما هو مختلف، محاولين أن يجعلوا الشعر يمارس دوراً سياسياً واجتماعياً، على خلافنا نحن. فنحن خارجون من تراث شعري سياسي مباشر في محاولة لتطوير هذا الشعر ورفعه الى مستوى جمالي أفضل. والطريقان متعاكسان ومختلفان. ربما عندما تبلغ الجمالية العربية مستوى أرقى بكثير، قد نحنّ الى أن نهجو الواقع، في المعنى السياسي، في معنى الاحتجاج والرفض. وشعر الاحتجاج أصلاً لم ينته في العالم، ولكن هل يحتج الشعر بكونه شعراً أم بكونه كلاماً أو موقفاً؟
> ماذا بات يعني لك وصفك بشاعر القضية أو شاعر المقاومة وفلسطين؟
- المسألة لا تتعلّق بي ولا أستطيع أن احتج إلا على محاولة محاصرتي في نمطية معينة. هذه التسميات بعضها بريء، وينطلق من حب القضية الفلسطينية وحب الشعب الفلسطيني، وبعضها نوع من اضفاء الاحترام والتشريف على القول الشعري المتعلق بالقضية. لكن الرأي النقدي هو أخبث من ذلك. الرأي النقدي يحاول أن يجرّد الشاعر الفلسطيني من شعريته ليبقيه معبّراً عما يسمى مدونات القضية الفلسطينية. هناك طبعاً اختلاف جوهري كبير بين النظرتين: نظرة بريئة ونظرة خبيثة. طبعاً أنا فلسطيني وشاعر فلسطيني، ولكن لا أستطيع أن أقبل بأن أعرّف بأنني شاعر القضية الفلسطينية فقط، وبأن يدرج شعري في سياق الكلام عن القضية فقط وكأنني مؤرّخ بالشعر لهذه القضية.
> ولكن شئت أم أبيت أنت الشاعر - الرمز!
- كل شاعر يتمنى أن يكون صوته الخاص معبّراً عن صوت عام أو جماعي. قلائل هم الشعراء الذين يلتقي داخلهم بخارجهم في طريقة تخلق التباساً بين رمزية الشاعر وشعريته. لكنني لم أسع شخصياً الى ذلك. ربما هو الحظ الذي وفّر لي هذه المكانة. اما ان أسعى الى أن أكون رمزاً وأحرص على أن أكون رمزاً، فأنا لا أريد ذلك، أريد أن ينظر إليّ من دون أن أُحمّل أعباء رمزية مبالغاً فيها، ولكن يشرّفني أن ينظر الى صوتي الشخصي وكأنه أكثر من صوت، أو أن «أناي» الشعري لا تمثل ذاتي فقط وإنما الذات الجماعية أيضاً. كل شاعر يتمنى أن يصل شعره الى مدى أوسع. وأنا لا أصدّق الشعراء الذين يحددون القيمة الشعرية من خلال عزلتهم عن القراء. أنا لا أقيس أهمية الشعر بمدى انتشاره ولا بمدى انعزاله.
ولكن أن تتحقق المسألتان أي الانتشار مع الجودة الشعرية، فهذا ما يتمناه أي شاعر، وإلا لماذا يقرأ الشعراء شعرهم في الأمسيات؟ لماذا يطبعون دواوينهم إذا كان القارئ لا يهمهم؟
> تجاوزت الستين لكنك تزداد نضارة شعرية.
- سرّي بسيط جداً.
لا أشعر بأنه بسيط.
- بسيط في كلامي العام عنه وليس في المعنى الشعري. أولاً أنا لا أصدق شعري. وأشعر بأنني في حاجة الى لغة شعرية تعبيرية تحقق الشعرية في القصيدة في شكل يجعلها أكثر شعرية إذا أمكن. أي انني أحاول أن أخفف من ضغط اللحظة التاريخية على جمالية الشعر، من دون أن أتخلّى عن الشرط التاريخي. السر الثاني انني لا أصدق التصفيق. فأنا أعرف انه عابر أو آني، وقابل للتغيير والتعديل وللاعتذار أيضاً وللتمرّد على الشعر. انني مسكون بهاجس هو عدو كتابتي حتى الآن ما أريد أن أكتبه. تسألني: ما الذي تودّ أن تكتبه؟ فأقول لك: لا أعرف. إن رحلتي هي الى المجهول الشعري بحثاً عن قصيدة ذات قدرة على أن تخترق زمنها التاريخي وتحقق شرط حياتها في زمن آخر. هذا ما أسعى إليه، ولكن كيف أعرّف بهذه المسألة؟ هنا أيضاً لا جواب نظرياً ولا فكرياً. الجواب هو جواب ابداعي. كل الاسئلة حول الشعر لا تقنعنا إلا اذا تحققت شعرياً أو في الكتابة الشعرية. فأنا دائم القلق وهذا سرّي، ومتمرّد على نفسي. وأقول لك إنني لا أقرأ شعري بيني وبين نفسي، لا أقرأه البتة، فلا أعرف ما كتبت. لكن كل ديوان لي أعيد قراءته قبل طباعته عشرات المرات وأنقحه عشرات المرات، الى أن أشعر بأنه أصبح قابلاً للنشر. وعندما يصدر الديوان أتحرر منه كلياً ويصبح ملك غيري، ملك النقد وملك القارئ. وهنا يكون السؤال الصعب: ماذا بعد؟ الآن أشعر بأنني خالي الوفاض كما يقال، ومسكون بقلق ربما يكون وجودياً. هل أستطيع أن أكتب من جديد، أم لا؟ دائماً عندما أصدر كتاباً أشعر بأنه الكتاب الأخير.
> لكنني أشعر أن كل كتاب لديك يحمل معه بداية ما...
- إذا كان رأيك هذا مصيباً فهو يفرحني.
> أنت شاعر مراحل، وإذا عدنا الى أعمالك الكاملة نشعر بأن هناك محطات وأن كل محطة بداية...
- أجل هناك مراحل ومحطات.
> وأعتقد ان ثمة خيطاً داخلياً يربط بينها.
- أجل، انها مراحل متصلة، ومن خلال مراقبتي لعملي الشعري ألاحظ أن في كل كتاب جديد تستطيع أن تجد بذرة كانت في كتاب سابق أو كتب سابقة. لكن البذرة هذه تجد إمكان تفتح، ورعايتها في طريقة جديدة تحوّلها نصاً جديداً. الشاعر يتوالد من تلقاء نفسه، من تلقاء تجربته ومن علاقته بالعالم وعلاقته بالوجود وبثقافته ومن وعيه الشعري، وكذلك لا وعيه الإبداعي. أما كيف يولد الشعر؟ أو ما هو الشعر؟ مثل هذه الأسئلة أشبه بالأسرار. فالشعر سر، والسر هو ما يجعل الشعر مستمراً. ليس هناك من اكتشاف شعري نهائي وكل كتابة هي محاولة إجراء تعديل على مفهوم عام للشعر. ولكن كل كتابة جديدة تملك اضافات ما، هي عبارة عن إعادة التعريف بالشعر.
> صفتك شاعراً مكرّساً وصاحب سلطة شعرية، هل أثرت عليك؟ ماذا تعني لك هذه الصفة؟
- إذا كنت شاعراً مكرّساً، فأنا مكرّس في الحياة الثقافية أو لدى القارئ. ولكن في العلاقة بيني وبين نفسي لست مكرّساً. أنا لم أكرّس نفسي حتى الآن. وقد يبدو هذا الكلام ادعاء للتواضع، ولكن هذه حقيقة ما أشعر به. أنا لم أكرّس نفسي في معنى إنني لم أطمئن الى تجربتي الشعرية، لم أطمئن اليها أبداً، وما زلت أعتقد بأنها في حاجة الى تجربة وتجريب جديدين، والى تطوير دائم والى التمرد على ما نسميه الانجاز الراهن. أنا لست راضياً عن نفسي أو لست أشارك الآخرين في المكانة التي احتلها في الذائقة العامة أو الوعي العام.
> هل تخشى أن تتوقف ذات يوم عن الكتابة؟
- نعم.
> هل أحسست هذه الخشية فعلاً؟
- هذه خشية دائمة خصوصاً عندما أنهي عملاً جديداً. إنني دائم الخوف من هذه القضية. إنها بمثابة هاجس. وأعزّي نفسي بأنني عندما أشعر، أو عندما اعترف بجفاف الماء في تجربتي الشعرية أو في لغتي، أجد المناسبة حسنة لأكتب النثر. فأنا أحب النثر كثيراً.
> لكنك لم تكتب قصيدة نثر مع انك كتبت الكثير من النثر؟
- كتبت الكثير من النثر لكنني ظلمت نثري لأنني لم أمنحه صفة المشروع. أكتب نثراً على هامش الشعر أو أكتب فائضاً كتابياً أسميه نثراً. ولكن لم أُولِ النثر الأهمية التي يستحقها،. علماً انني من الشديدي الانحياز الى الكتابة النثرية. والنثر لا يقل أهمية عن الشعر. بل على العكس، قد يكون في النثر مساحة من الحرية أكثر من النثر. فإذا جفّ نصّي الشعري فقد ألجأ الى النثر وأمنحه وقتاً أكثر وأولية جدية أكثر. عندما كنت أكتب نثراً كنت أشعر أن النثر يسرق مني الشعر. فالنثر جذاب وسريع الانتشار، ويتحمّل أجناساً أدبية أكثر من الشعر. ويستطيع أن يهضم الشعر ويعطيه مساحة وحركة أكبر. وكنت عندما أكتب النثر انتبه الى انني نسيت القصيدة وأن عليّ أن أعود اليها. هكذا أكون بين النثر والشعر، لكنني معروف بأنني شاعر ولا أسمّى ناثراً.
rwayda
19-Aug-2008, 11:14 PM
> لكنك لم تكتب قصيدة النثر، لماذا؟
- ما دمت أكتب نثراً فأنا أكتب النثر، من دون أن أسميه قصيدة. لماذا ننظر الى النثر نظرة دونية ونقول انه أقل من الشعر؟ صحيح أن النثر يطمح الى الشعر والشعر يطمح الى النثر... يعجبني قول للشاعر باسترناك: "أجمل ما في القصيدة ذلك السطر الذي يبدو نثرياً". انني لا أريد أن أفرّق كثيراً بين الشعر والنثر، ولكن انطلاقاً من التجنيس الأدبي ما زلت أعطي للنثر اسمه وللشعر اسمه. لكن السؤال هو: كيف تتحقق الشعرية في قوام قصيدة؟ وأعتقد أن علينا أن نوقف النقاش حول الفارق أو الاختلاف أو الائتلاف أو الابتعاد أو الاقتراب بين قصيدة النثر والقصيدة. هذا السجال تجاوزه العالم. أما إذا سألتني عن رغبتي في كتابة قصيدة نثر فأرجو أن أكتب نصاً نثرياً من دون أن أسميه قصيدة نثر.
> ولكن من الملاحظ في شعرك ولا سيما في المرحلة الأخيرة أن ثمة حواراً بين النثر والشعر، وقد عرفت تماماً كيف تستفيد من قصيدة النثر، لا سيما أنك شاعر تفعيلة، وقد استشهدت بجملة بديعة لأبي حيان التوحيدي في ديوانك الأخير "كزهر اللوز أو أبعد"! وما يميز القصيدة لديك هو هذا الفضاء الرحب، الفضاء النثري والموسيقى الداخلية القائمة على تناغم الحروف!
- أولاً، أود أن أقول ان ليس لدي أي تحفظ على قصيدة النثر. والتهمة التي لاحقتني في انني ضد قصيدة النثر زمناً هي باطلة.
قلت وأقول دائماً ان من الانجازات الشعرية المهمة في العالم العربي بروز قصيدة النثر، أي تأسيس طريقة كتابة مغايرة للشعر التقليدي والحداثة التقليدية. قصيدة النثر تريد أن تميز نفسها وتريد أن تطور أو أن تضيف نصاً مختلفاً عن القصيدة الكلاسيكية وعن القصيدة الحديثة التي صنعها جيل الرواد. هذا أولاً. ثانياً، أنا من المعجبين جداً بشعراء كثيرين يكتبون قصيدة النثر. وأقول دائماً إن هناك أزمة في ما يسمى قصيدة التفعيلة، وأنا أكره هذه التسمية، ولكن لا بديل لها. والأزمة أصلاً تكمن في الكتابتين.
> الشعر العمودي أيضاً شهد أزمة.
- لا بل انها الأزمة التي تشهدها الثقافة العربية في كل أبعادها. ولكن إذا أجرينا احصاء، اذا أردنا ان نختار عشر مجموعات شعرية صدرت في هذا العام أو عشرين، سنرى ان الكمية الكبرى أفضل هي لقصيدة النثر التي تحمل النوعية الفضلى. ولكن هذا يعني أن دور قصيدة التفعيلة انتهى أو انتهت قدرتها على استيعاب ايقاع الزمن الحديث! أو انها لم تعد قادرة على تطوير اللغة في طريقتها الخاصة! أنا من آخر المدافعين عن قدرة قصيدة التفعيلة على أن تستفيد من اقتراحات أو من تصورات قصيدة النثر ومشروعها، وأن تكتب الرؤيا الجديدة لقصيدة النثر كتابة موزونة. أنا من الشعراء الذين لا يفتخرون إلا بمدى إخلاصهم لإيقاع الشعر. انني أحب الموسيقى في الشعر. انني مشبع بجماليات الايقاع في الشعر العربي. ولا أستطيع أن أعبّر عن نفسي شعرياً إلا في الكتابة الشعرية الموزونة، ولكنها ليست موزونة في المعنى التقليدي. لا. ففي داخل الوزن نستطيع ان نشتق ايقاعات جديدة وطريقة تنفس شعرية جديدة تخرج الشعر من الرتابة ومن القرقعة الخارجية. لذلك فإن أحد أسباب خلافي مع بعض الأصدقاء من شعراء قصيدة النثر هو مصدر الايقاع الشعري، الموسيقى الداخلية. فهم يرون أن الموسيقى الداخلية لا تتأتى إلا من النثر، أما انا فأرى ان الموسيقى الداخلية تأتي من النثر ومن الايقاع أيضاً. وعلى العكس، فإن وضوح الايقاع الآتي من الوزن يطغى على الايقاع المنبثق من النثر. وأصلاً كل كتابة فيها ايقاع. في النثر إيقاع وفي الشعر إيقاع وفي الكلام اليومي والعادي ايقاع. إذاً الايقاع موجود. لكن الأمر هو: كيف نضبط هذا الايقاع وكيف نجعله مسموعاً أو حتى بصرياً. أعتقد أن ما زال في قدرة الوزن الشعري، إذا نظر اليه الشاعر في طريقة مختلفة وإذا عرف كيف يمزج بين السردية والغنائية والملحمية وكيف يستفيد حتى من النثرية العادية، ما زال في قدرته أن يحل بعض الصعوبات في البحث عن ايقاع شعري جديد. هذا هو عملي الشعري، أي ان أكتب الوزن كأنه يسرد وأكتب النثر كأنه يغني. هذه هي المعادلة، بل هذا هو الحوار بين الشعر والنثر.
> الموسيقى داخل القصيدة أقوى من الوزن الخارجي... ألا توافقني أن قصيدة التفعيلة تعاني أزمة؟
- هناك مشكلة فعلاً. لكن المشكلة هذه تتعلق بالشعر نفسه وبالموهبة الشعرية والخبرة الشعرية. قصيدة التفعيلة تستمد شرعيتها الايقاعية من كونها كسراً للنظام التقليدي، ولكن عندما تقع في نظام تقليدي آخر تفقد شرعيتها. لذلك تستطيع هذه القصيدة أن تطور ايقاعاتها وبنيتها. مثلاً: أنا ليس لديّ سطر شعري، القصيدة لديّ تتحرك كلها مثل كتلة دائرية، إنها تتدوّر. القافية عندي أخفيها في أول الجملة أو في وسطها. إذاً هناك طريقة إصغاء الى اللغة، يجب أن تحرر الشاعر من الرتابة، وعلى الشاعر أن يعرف كيف يتمرّد على الرتابة الموسيقية. وأحياناً يكون هناك ايقاع عالٍ لا يُجمّل إلا برتابة ما. هناك تبادل إذاً، بين البعد الايقاعي والنثر.
> لماذا قلت انك اذا واجهت أزمة شعرية ستخرج الى النثر. لماذا لم تقل انك ستخرج الى قصيدة النثر؟ لماذا ترفض مصطلح قصيدة النثر؟
- لأنني عندها سأكتب شعراً. وقصيدة النثر هي شعر. صحيح أن هناك تزاوجاً أو لقاحاً بين النثر والشعر، وأن هناك جنساً أدبياً اسمه نثر وجنساً آخر اسمه شعر. وفي هذا الجنس هناك القصيدة الموزونة وهناك أيضاً قصيدة النثر. والنثر كجنس أمر آخر. إذا خرجت من الشعر سأخرج من الشعر كله. ربما جوابي هذا خطأ. لا أستطيع أن أعرف ما هو مستقبلي الشعري. لماذا أتجادل معك حول هذه النقطة؟ وأعترف ان ما أعمل عليه الآن هو نص نثري. بين يديّ الآن – فعلاً – نص نثري. وهذا ما اعترف به للمرة الأولى. اما أن أضع على مستقبلي قيداً يمنعني من كتابة قصيدة النثر فهذا جواب خاطئ أرجو أن تصححه. لكن النقاش الدائر حول أن مستقبل الشعر والحداثة الشعرية العربية لا يعرّفان إلا في قصيدة النثر فهذا كما أعتقد إجحاف حقاً. هذا استبداد فكري، وكذلك أن الموسيقى الداخلية لا تأتي إلا من النثر... أعتقد أن علينا أن نرفع الحدود بين كل هذه الخيارات الشعرية، لأن المشهد الشعري العربي الحقيقي لا يمكن النظر اليه إلا من زاوية المصالحة بين كل الخيارات الشعرية. ليس من حل نهائي لمسألة الشعر. الشعر غامض ولا محدود، وتبلغ لا محدوديته حداً اننا لا نعرف إزاءه أي كتابة هي الأصح. الكتابة الصحيحة في رأيي هي أن نجرّب وأن نسعى الى أن نخطئ. لأننا من دون أن نرتكب أخطاء لا نستطيع أن نتطور. لذلك أفضل دائماً التجريب غير المضمون النتائج على تقليد مضمون النتائج. وفي رأيي أيضاً أن لا شعر من دون مغامرة.
> لماذا يصرّ الكثيرون على الكلام على ثنائية القصيدة التفعيلية وقصيدة النثر، علماً أن هذا السجال انتهى في الغرب منذ القرن التاسع عشر؟
- صحيح، هذا السجال انتهى في الغرب. الطرف التقليدي هو الذي حارب مشروع الشعر الحر أو الشعر التفعيلي. كان شعر التفعيلة يحتاج الى شرعية والى دفاع فكري وإبداعي عن خياره. جيل قصيدة النثر خاض معركة أظن انها من أشرس المعارك لتثبيت شرعيته. وكانت ثمة عدوانية ما لدى بعض المنظرين لقصيدة النثر. ولكن علينا أن نفهم الدوافع وفي مقدمها البحث عن شرعية هذه القصيدة. اليوم أصبحت شرعيتها قائمة، وعلى شعراء هذه القصيدة أو منظريها ان يعترفوا بالشرعيات الأخرى. علينا أن ننهي لغة الخصومة بين الخيارات الشعرية والاقتراحات الشعرية. حتى الشاعر الواحد يمكنه ان يكتب قصيدة تفعيلة وقصيدة نثر. الشاعر الاسباني لوركا كتب قصيدة نثر وكذلك بودلير ورامبو. لم تعد قصيدة النثر موضوعاً مطروحاً على جدول الشعر أو الأدب. أصبحت قضية مسلّماً بها، ولم يعد القارئ ينظر الآن الى الاختلاف بين الشعريات. وأود أن أقول ان كثيرين من الشعراء والقراء يقرأون كتبي الأخيرة باعتبارها تضم قصائد نثر.
> هذا أمر جميل!
- ويفرحني أيضاً، فهم يحسّون ان أطروحات قصيدة النثر تمّ استيعابها في شعري.
تصر على ما تسميه المعنى في الشعر وهو يختلف عن الجدلية؟ هل اللحظة الشعرية لديك هي لحظة فكرية أم حدسية؟
- أولاً أود أن أقول ان مفهوم المعنى لا متناه. الكلمات بحد ذاتها لا تحمل معنى. علاقة الكلمات بعضها ببعض هي التي تمنح المعنى الشعري. وبما أن هذه العلاقات غير متناهية، فإن المعنى بالتالي غير متناهٍ. أما في شأن المعرفة الشعرية، فإنني أعتقد ان هناك ثلاثة أنواع من هذه المعرفة. هناك المعرفة الحدسية والمعرفة الرؤيوية والمعرفة التحليلية. الشعر ميال الى المعرفة الحدسية والمعرفة الرؤيوية، وقد يستفيد من المعرفة التحليلية، لكن أساس العملية الشعرية أو المنطقة التي يعمل الشعر فيها هي المعرفة الحدسية والرؤيوية. لكن هاتين المعرفتين لا تتحرران كلياً من المعرفة التحليلية. القصيدة تبدأ وفق طرق مختلفة ترتبط بالشعراء أنفسهم. تبدأ القصيدة عندي من الحدس، الحدس يأخذ شكل الصورة أي يصير الغامض والحلمي مجموعة صور. لكن هذا حتى الآن لا يفتتح مجرى القصيدة، يجب ان تتحول الصور الى ايقاعات. وعندما تحمل الصور ايقاعاتها أحس ان القصيدة بدأت تحفر مجرى لها داخل أجناس أدبية غير محددة. هنا تكمن صعوبة الكتابة الشعرية. القصيدة تحفر مجراها في كتابات لا تنتهي. وصعوبة تحقق القصيدة هي كيف تكشف عن نفسها وتنجز هويتها الشعرية داخل كل هذه الأجناس والنصوص. إذاً، الايقاع هو الذي يقودني الى الكتابة. وإذا لم يكن هناك من ايقاع، ومهما كانت عندي أفكار أو حدوس وصور، فهي ما لم تتحول ذبذبات موسيقية لا أستطيع أن أكتب. إنني أبدأ من اللحظة الموسيقية إذاً. ولكن في كل كتابة هناك فكر ما. فالشاعر ليس آتياً من اللغة فقط، بل من التاريخ والمعرفة والواقع. والذات الكاتبة لدى الشاعر ليست ذاتاً واحدة، انها مجموعة ذوات. إذاً هناك فكر ما يقود عمل القصيدة. أحياناً تتمرد الكتابة على الفكرة التي تقودها وتصبح الكتابة هي التي تقود الفكرة. وهنا يجوز لنا أن نقول ان الغد يأتي الى الماضي، وليس العكس. كل تخطيط لقصيدة هو عمل فكري واعٍ، وإذا ظهرت ملامحه تتحول القصيدة مجموعة مقولات وتتحول أيضاً فلسفة وتصبح العلاقة بين الفلسفة والشعر علاقة إطراد متبادل. على الفكر والفلسفة والمعارف كلها أن تعبّر عن نفسها في الشعر عبر الحواس، عليها ان تنصهر في الحواس وإلا تحولت مقولات كما أشرت.
> ولكن من الملاحظ ان معظم قصائدك، ولا سيما القصائد ذات النفس الملحمي، تحمل بنية قائمة على الايقاع وعلى اللوازم الايقاعية والغنائية. كيف تتم مرحلة بناء القصيدة لديك؟
- تكلّمنا قبل قليل عن اللحظة التي تدفع الشاعر الى كتابة القصيدة. إن مفتاحي كما قلت هو الايقاع. هذا بالنسبة الى الحافز الشعري. ولكن لدي إصرار على أن أبني القصيدة بناء هندسياً، وهذا ينطبق على القصائد الطويلة والقصيرة في آن واحد. وأعتقد ان قصيدة بلا بنية قد تهددها النزعة الهلامية. أحب أن يكون للقصيدة قوام. وهذا ليس قانوناً أحذوه بل هو خياري الشعري. لماذا أتحدث عن القوام؟ لأعرف العلاقة بين السطوح والأعماق، العلاقة بين الايقاع والصورة والمجاز والاستعارة. يجب أن تكون هناك علاقات دقيقة جداً بين كمية الملح وكمية الورد والدم والطين... يجب أن يكون هناك تصور لهندسة معمارية تقوم القصيدة على أساسها. قد تقود القصيدة الى مبنى آخر، حينذاك على المهندس أن يغيّر خرائطه. ولكن في المحصّلة لا أنشر قصيدة إلا إذا كان لها شكل أو بنية أو ما سمّيته قواماً.
> يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري ان الالهام يأتي الشاعر بأول بيت ثم عليه أن يواصل كتابة القصيدة. أنت تكتب القصيدة في مراحل عدة ثم تصوغها مرة تلو مرة، كيف تولد القصيدة لديك وكيف تنتهي؟
- تولد عبر الايقاع. أكتب سطراً أولاً ثم تتدفق القصيدة. هكذا أكتبها ولكن عندما أجري عليها تعديلات أو تجري هي تعديلات على نفسها، تصبح قصيدة أخرى. كثيرون من أصدقائي النقاد يحاولون الحصول على مسوّداتي الشعرية. وأقول لهم انني أتلفها فوراً لأن هناك فضائح وأسراراً، فما من علاقة بتاتاً بين النص الأول والنص الأخير في أحيان. ولعل تغيير سطر شعري قد يغير كل بناء القصيدة فيخضع بناؤها لمحاولة ترميم وبناء جديدين. إنني معجب جداً ببول فاليري ناقداً وقارئاً وكاتباً ذا إرهاف عالٍ وذكاء ولا أستطيع أن أقول انني معجب به كشاعر. تماماً كما انني معجب بأوكتافيو باث كناقد ومنظر للشعر أكثر مما أنا معجب به كشاعر.
> وماذا عن الإلهام إذاً؟
- أعتقد ان هناك إلهاماً ما! ولكن ما هو هذا الإلهام؟ مرة حاولت أن أعرّف به فقلت انه عثور اللاوعي على كلامه. ولكن هذا تعريف غير دقيق وغير ملموس. الإلهام هو أحياناً توافق عناصر خارجية مع عناصر داخلية، انفتاح الذهن على الصفاء وعلى طريقة يحوّل بها المرئي الى لا مرئي واللامرئي الى مرئي من خلال عملية كيميائية لا يمكن تحديد عناصرها. أعتقد ان هناك سراً ما للحافز الشعري. لماذا ينهض الشاعر ويكتب؟ لماذا يأتي بالورق الأبيض ويعذب نفسه ولا يعرف الى أين هو ذاهب؟ خطورة العمل الشعري تكمن في أن لا ضمانات أكيدة للنجاح. الكتابة مغامرة دائمة وخطرة ولا تأمين لها، بل ليس هناك «شركة» تأمين توافق على المغامرة الشعرية بتاتاً و«حوادث المرور» في الشعر كثيرة جداً (يضحك). أحياناً تشعر بأن لديك رغبة طافحة في الكتابة. تجلس الى الطاولة فلا تكتب شيئاً. أحياناً تذهب متكاسلاً الى الطاولة فتفاجأ بأن الإلهام موجود فيك فتنكب على الكتابة. بعض الكتاب كانوا يترددون حيال الإلهام، إن كان موجوداً أم لا. ولكن إذا كان هناك إلهام فعلينا أن نعرف كيف ننتظره فهو لا يأتي وحده. علينا أن نتعاون معه مثلما نتعاون مع الغامض والمجهول ليتضح شيء ما.
> وماذا عن البيت الأول الذي يتحدث عنه فاليري!
- البيت الأول، من خلال تجربتي يكون أقل أهمية من السطور الأخرى. الشعر يبدأ من اللاشعر. والطريق الى القصيدة تكون متعثرة في البداية. وشخصياً ليس لدي بيت أول مهم لأن لا أبيات شعرية لدي أصلاً. القصيدة تتوالد وتتصاعد تدريجاً. وأحياناً قد يكون الإلهام الشعري سيئاً لكنه يعطيك نتيجة حسنة. ليس من مشكلة. وأسأل من جديد ما معنى الإلهام: الإلهام يقول لك: اجلس واعمل، اشتغل ويذهب. انه يحضّرك شعرياً، يغسلك داخلياً أو يوترك داخلياً أو يقيم توازناً بين الحرارة والبرودة، والبقية عليك، كشاعر، فأنت تعتمد على نفسك وعلى خبرتك وعلى طريقة العثور على نصك الخاص بك الذي يحمل ذاكرة كتاباتك كلها. فالورقة البيضاء أمامك هي مملوءة بالكتابات السابقة، كتاباتك. وأتذكر قولاً لإليوت مفاده أن النضج الأدبي هو أن نتذكر أسلافنا وأن نشعر بأن وراء هذا النص الشعري أسلافاً.
حتى في القصائد التي تنطلق من موضوع معين أو واقعة معينة؟ مثلاً قصيدتك في ذكرى السياب أو قصيدتك عن محمد الدرّة أو عن ادوارد سعيد! كان هناك موضوع هو حافزك على الكتابة؟ هل هي الطريقة نفسها في الكتابة؟ أي ان الموضوع سابق للقصيدة؟
- هناك شعر يخلق موضوعه. ولكن عندما تكتب تذهب وفي ذهنك شيء غير محدد تماماً ولكنه مسمّى. هناك اسم لما تريد ان تكتبه، فأنت ستكتب شعراً في النهاية. وما تكتبه من مواقف وأفكار لا يعرّف بموضوعك بل بطريقة تعبيرك عن هذا الموضوع. هناك قصائد لا موضوع لها، أو ان موضوعها قائم في ذاتها وهي حافلة بالتوتر اللغوي، باللعب اللغوي أو بتمرّد اللغة عليك، أو محاولة سيطرتك على اللغة. المشكلة أن الشاعر يظن انه يقود اللغة. ليس هذا صحيحاً. اللغة أشدّ سيطرة على الشاعر لأن لها ذاكرتها ومنظومتها ونسقها وتاريخها وتراثها. ما يقدر أن يفعله الشاعر هو أن يعيد الحياة الى لغة أصبحت مألوفة وعادية. وكما يقول هيدغر الشاعر هو وسيلة اللغة وليست اللغة هي وسيلة الشاعر.
> هل تعاني من مأزق الورقة البيضاء، هذا المأزق الذي يتحدث عنه كثيرون من الشعراء؟
- عندما تكتب تذهب الى مصيرك وحدك، من دون معاونة أحد. وإذا وجدت من يعاونك فهو يلغيك من شدة حضوره. في كل شاعر آلاف من الشعراء. ليس هناك من شاعر يبدأ من الفراغ أو البياض، قد ينتهي الشاعر في البياض. فالبياض لون غير موجود في الكتابة. في كل شاعر تاريخ الشعر منذ الرعويات الشفهية الى الشعر المكتوب، من الشعر الكلاسيكي الى الشعر الحديث. ثم ان الشاعر يخاف من قراءاته، أن يقفز منها شيء الى نصه في طريقة لا واعية، شيء ملتبس يكون في ذهنه. وأعتقد ان ليس من نص خاص لشاعر معين. الشاعر يحمل خصائص أو ملامح جميع الشعراء الذين قرأهم ولكن من دون أن يخفي ملامحه، أي مثل الحفيد الذي يحمل ملامح جدّه من دون أن تختفي ملامحه الخاصة. السؤال الصعب المطروح على كل شاعر هو: في أي جهة من الورقة البيضاء تستطيع أن تضيف جديداً؟ هذه هي الصعوبة. ولذلك الشعر الحقيقي قليل ونادر.
> عندما أقرأ قصائدك لا أشعر بأن لديك أزمة في الكتابة أو في التعبير! فمعجمك الشعري واسع جداً مما يدل على انك تتخطى أزمة «الورقة البيضاء». شعرك سيّال ومتدفق! من أين يأتي هذا الاتساع الشعري أو الرحابة وهذا السطوع؟ هل من المراس الشعري أم من التجربة الداخلية؟
- أولاً أشكرك على هذا الرأي وهو رأي نقدي أعتز به كثيراً. لماذا؟ لأن أزمتي لا تظهر في قصيدتي، بل في ما قبل القصيدة. أزمتي هي مع ماضي القصيدة. في القصيدة يجب ألا تظهر معاناتك كشاعر، ولا عذابك الذي يسبقها. القارئ يرى المولود ولا يعرف ما هو المخاض. يرى الشيء في هيئته الناضجة. أما ما وراء ذلك فلا. ولو كان الشعر في هذه السهولة لما كان الورق الأبيض يتسع للقصائد. لا. على الشاعر أن يخفي معاناته وأن يبدو وكأن قصيدته كتبت نفسها. يجب ألا يظهر الجهد. أتذكّر ما يقول الشاعر الألماني ريلكه في هذا الصدد: إذا أردت أن تكتب سطراً شعرياً واحداً يجب أن تكون قد زرت مدناً كثيرة ورأيت أشياء كثيرة وقطفت زهوراً كثيرة. فالقصيدة هي خلاصة كل هذه المعاناة والتجربة.
> ولكن من أن تأتي رحابة معجمك الشعري؟ ثمة شعراء كبار في العالم معجمهم ضيق؟
- كان خوفي أن يكون معجمي الشعري أخطر من ذلك. كنت أخاف فعلاً. فأنا ألاحظ مثلاً أن بعض الشعراء العرب المهمين لديهم معجم شعري فقير. ولا أريد أن أسمي أحداً هنا.
> أنا أسمي سعيد عقل مثلاً، هو الشاعر الكبير معجمه محدود.
- لن أسمي أحداً. ربما عوالمي المتناقضة التي أشعر بها من حولي، لكل منها معجم مختلف عن الآخر. يعني انني أضع السماوي الى جانب الأرضي، الميتافيزيقي الى جانب المادي...
> والأروسي مع الصوفي...!
- أحب هذه العلاقات القائمة بين المتناقضات وهي تحتاج الى لغة تحمل هذا التوتر. ولا أخفيك انني أقرأ كثيراً. وربما للمرة الأولى أفصح عن أمر في حياتي: لديّ رياضة يومية، أفتح «لسان العرب» كل صباح في طريقة عشوائية وأقرأ عن كلمة ما وعن تاريخها وأصلها وعن الاشتقاقات التي خرجت منها. واكتشف دائماً انني لا أكتب العربية جيداً.
> وربما هنا قوتك.
- الاعتراف بالجهل يعلّم. أحسن معلّم أو أحسن حافز على التعلّم هو أن تعرف انك جاهل.
> شعرك لا يعبّر عن كونك شاعر فصاحة وبلاغة وشاعر معاجم...!
- أحاول أن أبسّط لغتي وأطرد منها المفردات الميتة، ولكن لديّ تمارين دائمة على فهم اللغة في طريقة أفضل.
> هل تقرأ الروايات مثلاً؟
- طبعاً.
هل تقرأ الشعر، أنت الذي تدعو الشاعر الى عدم الإكثار من قراءة الشعر؟
- أعتقد أنها نصيحة جيدة في عمر معيّن. لأن الشعر مثل أي شيء جميل يصيب بما يشبه الاشباع أو التخمة. لا أحد يقدر على أن يأكل كيلو عسل. يقع في الاشمئزاز. الشعر مكثف كثيراً حتى إن الذائقة المتلقية لا تستطيع أن تستوعبه. وبالتالي فإن القليل منه هو الذي يجعله يأخذ مكانه أو وظيفته الحقيقية. ولكن في البداية، على الشاعر أن يقرأ الكثير من الشعر كي يسلس له الإيقاع وتسلس له اللغة ويربّي السليقة لديه فالسليقة إذا صقلت تساعد الشاعر على التخلص من النكد الشعري. فالشعر، مهما كان يحمل من أفكار وأبعاد فلسفية، يجب أن يبدو كأنه عفوي، وهذا يعود الى فعل السليقة المهذبة. إنني أقرأ كتب التاريخ كثيراً، أقرأ الكتب الفكرية والفلسفية وبعض الكتب التي لا علاقة لها بالشعر مثل «تاريخ القراصنة» أو «تاريخ الملح». أحب أن أنوّع قراءاتي خصوصاً في حقل الجغرافيا والبحار والبلدان.
> هل تشاهد السينما والمسرح؟
- نعم، طبعاً.
> هل هما من مصادرك الشعرية؟
- السينما من مصادري البصرية نعم. لكنها مصدر غير واضح كثيراً. لكنني أعترف إنني عاشق كبير للرواية.
> هل فكرت يوماً في أن تكتب رواية مثل الكثير من الشعراء الذين كتبوا الرواية على هامش شعرهم؟
- مع حبي غير المحدود للرواية لم أفكر يوماً في كتابتها. لكنني أغبط الروائيين لأن عالمهم أوسع. والرواية تستطيع أن تستوعب كل أشكال المعرفة والثقافة والمشاكل والهموم والتجارب الحياتية. وتستطيع أن تمتصّ الشعر وسائر الأجناس الأدبية وتستفيد منها الى أقصى الحدود. والجميل في الرواية انها غير عرضة للأزمات، ذلك ان في كل كائن بشري رواية. وهذا ما يكفي لملايين السنين، وليس على الروائي إلا أن يستوحي التجارب. لم أفكر في كتابة الرواية لأنني لا أستطيع أن أضمن النتائج. والرواية تحتاج الى جهد وصبر هما غير متوافرين فيّ. هناك شعراء كثيرون أتقنوا الشعر والرواية. وبعضهم سطت روايتهم على شعرهم وبعضهم سطا شعرهم على روايتهم فغدت رواية متشعرنة، فيما يجب أن تتوافر في الرواية لغة السرد ومنطق الشخصيات وسواهما. إنني أحب الرواية – الحكاية. رواية اللارواية لا أحبها كثيراً وأعدّها عبارة عن ثرثرة لغوية. قد تكون جميلة لكنها ليست من النوع الروائي الذي أحبه. قرأت أخيراً رواية أدهشتني هي «عمارة يعقوبيان» للكاتب المصري علاء الاسواني، وما أدهشني في هذه الرواية انها لا تحتاج الى كتابة ولا الى لغة أدبية، وقوة التجربة الانسانية فيها أغنتها عن اللغة.
> ما رأيك بمقولة ان المستقبل هو للرواية وليس للشعر؟ وأن الزمن الآن هو زمن الرواية؟
- أود أن أذكرك انه كان ذات مرة زمن للقصة القصيرة. والقصة هذه لها مواسم. أحياناً تزدهر وأحياناً تنطفئ وتغيب. الرواية هي كتابة جديدة في معنى ما، فالشعر سبقها بآلاف السنين. وقد تغري بالقول ان الزمن الآن هو زمنها وانها أصبحت «ديوان العرب» كما يقال. شخصياً لا أحب هذا الاشتباك بين الكتابتين. الرواية لها عالمها والشعر عالمه. وفي بعض المجتمعات الرواية متطورة أكثر من الشعر وفي مجتمعات أخرى الشعر متطور أكثر من الرواية. لا أحد يستطيع أن يرسم صورة المستقبل أو أن يحتكرها. وأعتقد ان المستقبل هو للشعر كما هو للرواية.
> ولكن هل تعتقد ان الشعر قادر على ان يعبّر عن كل ما يجيش في نفسك وما يدور في رأسك من أفكار؟
- هناك شعراء يقولون ان اللغة لا تتسع لهم وانهم أكبر من اللغة. وجموح الشعراء الى إصدار مقولات كبيرة قد يكون مقبولاً. هل سمح لي الشعر أن أقول كل ما أريد أن أقول؟ ليس هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي. بل هو: هل أستطيع أن أقول أكثر مما قلت؟ هذا ما يؤرقني. ولكن لا أحد يستطيع أن يكتب كل ما في داخله. هناك أدباء كتبوا أكثر مما في قدرتهم، أي انّ كلماتهم أكبر من عالمهم الداخلي ومن تجربتهم الحياتية والانسانية. شخصياً لا أشكو من هذا الأمر. وأعتقد انني قادر على قول ما أشعر به وما أحلم به وما هو غامض في أشكاله المختلفة. ولكن في نهاية الأمر قد يكون من الصحيح ان الشاعر يقول شيئاً واحداً وأن الروائي يقول شيئاً واحداً. ولكن ما هو هذا الشيء؟ يكتب الشاعر ليصل الى هذا الشيء، ليكتشف ما يريد أن يقوله.
rwayda
19-Aug-2008, 11:16 PM
مادمنا تحدثنا عن الصوفية، أعترف انني أحس ان لديك نزعة صوفية محفوفة ببعد ميتافيزيقي وخصوصاً في قصيدتك الطويلة «جدارية» التي اختبرت فيها تجربة الموت؟ ماذا يعني لك الشعر الصوفي؟ هل تقرأه؟
- قرأت الأدب الصوفي وأقرأه. وملاحظتي أن ليس الشعر هو أفضل ما فيه، بل النص النثري. مثلاً ابن عربي، نصه النثري أغنى كثيراً من نصه الشعري، ومملوء بالدلالات بل هو حافل بالألغاز والأسرار أكثر من شعره. أنظر الى الصوفية نظرة فكرية أو فلسفية، أنظر اليها نظرة شعرية من حيث هي مغامرة الذهاب الى الأقصى ومحاولة اتصال مختلفة بالكون ومحاولة بحث عمّا وراء هذا الكون، وما وراء الطبيعة، وعن الأسئلة الوجودية. ولا يعنيني في التجربة الصوفية معناها مقدار ما يعنيني سعيها اللغوي والعرفاني في بلوغ ما لا تبلغه المغامرات الأخرى. فهي مغامرة أدبية جعلت النثر أرقى من الشعر في الكتابة. وإذا أردنا أن نبحث عن المصادر الحقيقية التي أثْرت قصيدة النثر نجد الكتابة الصوفية النثرية مثل النفري والبسطامي والسهروردي وابن عربي. وهؤلاء كانوا شعراء من نوع آخر، أي بما يحملون من شحنات للسفر الى أبعد ما يمكن. ونحن لا نستطيع أن نذهب الى ما ذهب هؤلاء اليه. هذا هو الجانب الابداعي في الصوفية، ولكن هناك صوفية تشبه الشعوذة والسحر.
> ما رأيك بالشعراء الذين يستعينون بالمصطلحات الصوفية القديمة ليكتبوا شعراً صوفياً حديثاً؟
- أنا شخصياً غير مهتم بهذه المسألة. ولا أعتقد أن في عصرنا الحديث والصاخب هذا هناك مكان للشعر الصوفي.
> والصوفية الجديدة التي لا علاقة لها بالمصطلحات القديمة؟
- الصوفية الحديثة هذه هي شكل من أشكال التمرّد على طبيعة الحياة المعاصرة وعلى تشيّؤ الانسان وابتعاده عن السؤال الروحي والديني. وما نقرأه في الشعر هو ترصيع لبعض المصطلحات الصوفية الخارجة عن سياقها.
> وماذا عن البعد الميتافيزيقي الكامن في شعرك؟
- لعل سؤال الموت في شعري شديد الصلة بالبعد الميتافيزيقي. هناك نظرتان الى الموت: نظرة دينية تقول ان الموت هو انتقال من الزائل الى الخالد، ومن الفاني الى الباقي، ومن الدنيا الى الآخرة. وهناك نظرة أخرى أو فلسفية تعتبره نوعاً من الصيرورة، وترى ان الحياة والموت مترافقان في جدلية أرضية. أحياناً أكتب عن الموت ولكن من دون أن أتعمق كثيراً في السؤال الى أقصى حدوده. فالذهاب في السؤال الى أقصاه هو أمر مملوء بالألغام التي لا أستطيع أن أنزعها ولا أن أفجرها. في «جدارية» كتبت عن تجربة شخصية، كانت مناسبة لي للذهاب في سؤال الموت، منذ أقدم النصوص التي تحدثت عن الموت، ومنها ملحمة جلجامش التي تحدثت أيضاً عن الخلود والحياة. هذه التجربة كانت لي اطاراً صالحاً للسرد أو لما يشبه السيرة الذاتية. ففي لحظة الموت تمر حياتك أمامك وكأنها في شريط سريع. انني عشت هذا ورأيته. كل الرؤى التي كتبتها في القصيدة كانت حقيقية: المعرّي ولقاء هيدغر ورينيه شار... رأيت الكثير ولم أكتب كل شيء. لكنني لاحظت ان القصيدة كانت مشدودة الى سؤال الحياة أكثر من سؤال الموت. والقصيدة في الختام كانت نشيداً للحياة. أهم عبرة استخلصتها من هذه المسألة ان الحياة معطى جميل، هدية جميلة، كرم إلهي غير محدود، وعلينا أن نحياها في كل دقيقة. أما سؤال الخلود فلا جواب عليه منذ ملحمة غلغامش حتى اليوم. هناك جواب ديني ولكن كشاعر لا أحب أن أدخل في الجدال الديني. الانسان يؤمن بما يعرف وبما لا يعرف. بل هو مشدود الى الإيمان بما لا يعرف، وأهم أمر في الصراع بين الحياة والموت أن ننحاز الى الحياة.
> ما دمنا نتكلم عن الدين نلاحظ أن في شعرك أثراً توراتياً ولا سيما من «نشيد الأناشيد»، يتمثل في غنائيتك العالية في ديوان «سرير الغريبة» وسواه! ما الذي يجذبك كشاعر في النص التوراتي وكيف أثر فيك؟
- في البداية، درست في الأرض المحتلة، وكانت بعض أسفار التوراة مقررة في البرنامج باللغة العبرية، ودرستها حينذاك. لكنني لا أنظر الى التوراة نظرة دينية، أقرأها كعمل أدبي وليس دينياً ولا تاريخياً. حتى المؤرخون اليهود الجادون لا يقبلون أن تكون التوراة مرجعاً تاريخياً. أو لأقل انني انظر الى الجانب الأدبي في التوراة. وهناك ثلاثة أسفار مملوءة بالشعر، وتعبر عن خبرة انسانية عالية وهي: سفر أيوب، سفر الجامعة الذي يطرح سؤال الموت، ونشيد الأناشيد.
> والمزامير؟
- بعض المزامير، فهي أقل أدبية من الأسفار التي ذكرتها. إذاً التوراة هي كتاب أدبي بالنسبة إليّ، وفيها فصول أدبية راقية وشعرية عالية.
> هل التوراة مصدر من مصادرك؟
- لا شك في أنها أحد مصادري الأدبية.
هل أعدت قراءة التوراة بالعربية؟
- أجل، قرأت ترجمات عربية عدة ومنها الحديثة. وأحب فيها بعض الركاكة. فمثل هذه الكتب يجب أن يترجم في طريقة خاصة. و«نشيد الأناشيد» يعتبره كبار الشعراء في العالم من أهم الأناشيد الرعوية في تاريخ الشعر، مع غض النظر عن مصادر هذا النشيد الفرعونية أو الآشورية.
> هل يمكن الكلام برأيك عن حداثة محمود درويش، هذه الحداثة الممكن وصفها بـ «الحداثة الاستخلاصية» التي تتآلف فيها مدارس عدة ولكنها تبدو كأنها بلا مدرسة أو كأنها مدرسة بنفسها؟ حداثة خاصة خارج حداثة مجلة «شعر» وسائر الحداثات الأخرى؟
- يبدو لي انك تفهم حداثتي أكثر مني. سؤال الحداثة سؤال محيّر. وأن تُحصر الحداثة في الحداثة الشعرية، فهذا يعني ان لا حداثة أخرى في المجتمع العربي. ومن مآزق الحداثة العربية انها متحققة في الشعر وربما في مراكز الشرطة أو الأمن. حاولت الحداثة الشعرية ان تقوم مقام الحداثة الفكرية والفلسفية والعلمية والاجتماعية، أي انها حمّلت نفسها مهمات لا تستطيع فعلاً أن تتحملها. اطلعت طبعاً على مفاهيم الحداثة بعدما جئت الى العالم العربي هاجراً فلسطين. قبل ذلك لم أكن قد اطلعت على تلك المفاهيم. ففي فلسطين المحتلة كنت أعيش في ظروف صعبة وكنت أطلع على الشعر العربي والعالمي من دون أن يكون سؤال الحداثة ملحاً عليّ مثلما كان ملحاً على الشعراء العرب. كان لدينا حينذاك سؤال المقاومة الثقافية، سؤال الهوية، وكان علينا أن نصونها من الذوبان. كيف ندافع عن حقنا في الوجود؟ كيف نزيل الاشكالية بين الجنسية والهوية؟ كيف يقوم الشعر في تغيير ما، أو هل يستطيع الشعر أن يغيّر؟ كانت الأسئلة بعيدة الى حد ما عن انشغال الساحة بأسئلة الحداثة. وأنا نشأت في هذا الجو وكتبت فيه. وعندما خرجت الى العالم العربي كنت الى حد ما معروفاً، وكنت أسمّى شاعر المقاومة وشاعر الأرض المحتلة... لكن اصطدامي بسؤال الحداثة والتجارب الشعرية الحديثة جاء متأخراً. ولا أعرف ان كنت وضعت داخل الحداثة العربية أم ما زلت خارجها. لا أعرف.
> وما رأيك بما يقوله بعضهم عن «حداثة» محمود درويش؟
- أنا لست جزءاً من مدرسة، ولست طالباً لمعلم معين وهذا عيــب. كنت أتمنى أن يكون لي معلم شعـــري، فهو كـان ليوفر عليّ ربما أعباء تعليمية كثيرة. كنت شديد الاصغاء والتأمل والتأثـر حيال سؤال الحداثـة الشعـريـــة العربية. لكنني لم أتخلّ عن ربط الحداثة بمشروع تحرري، أي ان نتمكن من تحرير المجتمع بالقصيدة الحديثة. أو ان على الحداثة الحقيقية أن تكون منظومة أفكار تشمل كل مستويات المجتمع وليس الشعر وحده. ولكن بما أن الشعر هو حقل عملنا ولا إمكان آخر لنا، فليكن ذلك. ولنعش هذا الوهم الجميل. وما زلت أرى أن لا حداثة شعرية عربية حقيقية خارج جماليات الشعر العربي. فهذه الجماليات يجب على الحداثة العربية أن ترتكز اليها لتتميز عالمياً. لم أدخل في أفق التنظير ولم أسع الى أن أكون حديثاً أم غير حديث، ولكن أعتقد ان قصيدتي حديثة. و في أي معنى هي حديثة؟ أي أنها تصغي الى ايقاع الزمن الجديد وتجري تحولات في العلاقة بين الكلمات والأشياء وتحاول أن تبقي اللغة حية وتعيد الى هذه اللغة حياتها باستمرار، وأن تطوّر أدواتها من خلال علاقة هذه الأدوات بما كنا نسميه الدور الذي تلعبه القصيدة الحديثة في الذائقة الشعرية وفي مشروع التحرر.
> نشرت في مجلة «شعر» بضع قصائد...
- أنا لم أنشر، المجلة أخذت القصائد من صحافة الداخل الفلسطيني. ولعلها المرة الوحيدة التي نشرت لي قصائد في «شعر».
> كيف تنظر الى مجلة «شعر»؟
- لا شك في أن مجلة «شعر» كان لها دورها وكانت لها أوهامها أيضاً. ومن أوهامها انها احتكرت مفهوم الحداثة الشعرية وحاولت ان تقصي التجارب الأخرى خارج «جنة» الحداثة، إذا جاز التعبير. وأعتقد بأن مجلة «شعر» مثلت تياراً من تيارات الشعر العربي الحديث وليس كل الشعر العربي الحديث. ومن عيوب التعامل مع هذه الظاهرة ان هناك دراسات جامعية تدرس الشعر الحديث من خلال مجلة «شعر» فقط. ويجب ألا ننسى أنّ كان هناك مجلة «الآداب» وكان هناك الشعر العراقي والشعر المصري... وهذه تيارات أساسية في الشعر العربي الجديد. ليس كل شعراء مجلة «شعر» استطاعوا أن يُكرِّسوا أو أن يحققوا مكانة شعرية كبيرة. هناك بضعة شعراء فقط.
> كانت مجلة شعراء أكثر مما كانت مجلة منفردة بذاتها أو مجلة تيار واحد!
- حاولت أن تكون مجلة تيار وانشغل بعض شعرائها بالتنظير الزائد عن اللزوم أحياناً. إنها مثل أي حركة شعرية، خرج منها في نهاية الأمر بضعة شعراء مهمّين.
> والمعركة الفكرية الحداثية التي خاضتها هذه المجلة هل عنت لك شيئاً؟
- إنني اطلعت على المجلة متأخراً أي بعدما خرجت من فلسطين وكانت قد توقفت عن الصدور. وكانت المعركة التي أعلنتها قد انتهت، خصوصاً بينها وبين مجلة «الآداب». إلا أن المعركة الشعرية الحداثية مستمرة حتى الآن ولكن عبر أدوات أخرى: هل الشعر يعرّف بما يقوله أي بموضوعه أم في كيفية ما يقول؟ هل للشعر دور ما؟ هل يجب أن يكون على علاقة بالقارئ أم لا؟ وما هي العلاقة بين المتلقي والشاعر؟ هل الذات الكاتبة هي وحدها في العملية الشعرية أم ان ثمة ما يشاركها، كاللغة مثلاً؟ مثل هذه الأسئلة ما زال مستمراً حتى الآن. هل عزلة الشعر هي مقياس من مقاييس جودة الشعر؟ ذيول المعركة ما زالت قائمة حتى يومنا. وأعتقد ان من الجميل أن يكون هناك تيارات، عوض أن يكون هناك تيار واحد متسلّط على الساحة الشعرية.
> لكن «شعر» لعبت الدور الرئيس في ترسيخ القصيدة الحديثة!
- لمَ لا؟ لكن «الآداب» لعبت مثل هذا الدور أيضاً.
> لكن «شعر» حصرت مشروعها في الشعر بينما «الآداب» كان مشروعها أدبياً ورفضت قصيدة النثر؟
- أنا لم أطلع على المشهد عندما كان قائماً. جئت متأخراً، ذلك انني خرجت في العام 1971. وكانت وقعت هزيمة 1967 التي غيّرت مفاهيم مجلة «شعر» نفسها.
مع الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي
> «مواقف» مجلة الشاعر أدونيس هل تابعتها حينذاك؟
- صدرت «مواقف» عندما كنت في بيروت وكنت في مرحلة من أسرة تحريرها.
> كيف ترى الى «مواقف» لا سيما في تلك الفترة؟
- مجلة «مواقف» أضافت بدورها. وحاولت أن تقيم علاقة بين الابداع والفكر والثورة والتغيير، بين الابداع والحرية. كانت «مواقف» تمثل حالاً من القطيعة مع مجلة «شعر»، لكنها قطيعة تطويرية. واتجهت نحو السؤال الفكري ولم تكن مجلة ابداعية فقط.
> لماذا انسحبت من أسرة تحريرها؟
- لم أنسحب لخلاف أو سواه، ولكن كان عندي مجلة «شؤون فلسطينية» ثم أصدرت «الكرمل» في العام 1981.
> الإشكال الذي أثاره تصريحك قبل فترة حول شعر الحداثة كيف توضحه، خصوصاً بعدما ترك التباساً أو سوء فهم؟
- أولاً لم أتعرّض للشعر الجديد وشعر الحداثة. سئلت في تونس في لقاء صحافي كبير جداً، عن أزمة العلاقة بين المتلقي والشعر الجديد. وقلت إن هناك أزمة فعلاً لأن بعض الشعراء يستمرئون عزلتهم ويضعونها هدفاً، من غير أن تكون نتيجة طبيعية لتطور ما في نص شعري جديد على الذائقة. هناك شعراء يقيسون جمالية شعرهم بمدى عزلتهم عن القارئ. وهناك سبب آخر وهو أن القارئ لا يريد أن يقترب من شعر يرفضه كمتلقٍ. وأنت تعرف أن الشاعر ليس وحيداً في الكتابة، إنه طرف في المعادلة الشعرية، هناك الشاعر، هناك اللغة التي تفرض نفسها على الشاعر، وهناك طرف ثالث لا يتم الفعل الابداعي من دونه وهو القارئ. هذا الثلاثي هو الذي يساهم في تطوير الفعل الشعري وفي تحقق القصيدة. وهذا التحقق لا يتم إلا من خلال تفاعل ما، بين القارئ والشاعر. لم أتعرّض لأحد ولا أحب أصلاً التعرض لأحد. كل شاعر حر. وأردد دوماً أن على السجال الشعري اللامجدي أن ينتهي. قصيدة النثر هي خيار شعري مكرّس وفيها أعمال ابداعية جميلة جداً. ويجب أن ننظر الى الشعر في كل خياراته، العمودي والتفعيلي والنثري، والى مدى تحقق الشعرية في القصيدة. هذه نظرتي العامة ولا يمكنني أن أكون تقليدياً أو رجعياً، الى حد أن أرفض أي اضافة أو أي اقتراح شعري جديد.
> هل تقرأ الشعراء الجدد والشباب؟
- أقرأهم دوماً وأتعلّم منهم وأراقب دوماً التوجهات الجديدة في علاقة الشعراء باللغة والنص والبناء والايقاع، لكي أستوعب ايقاع العصر الجديد. قد أكون هرمت من دون أن أدري. قد أكون تحولت الى تقليدي من دون أن أعلم. تجارب الشعراء الجدد ولو لم تكن ناضجة، تلفت نظري الى مسارات جديدة عليّ أن أنتبه لها وأن استفيد منها إذا كانت قادرة على امداد النص الشعري بدم جديد وحياة جديدة. ولكن لنعترف، هناك فوضى، سواء في الشعر العمودي أم التفعيلي أو النثري، هناك فوضى. وهذا طبيعي، لأن لا رقابة على النشر، وأقصد بالرقابة الرقابة الأدبية والابداعية التي تضع معايير وتحدد للقارئ، مفاتيح ما هو شعري وما ليس شعرياً. سهولة النشر كبيرة جداً وكل الصحف العربية فيها صفحات ثقافية يجب أن تمتلئ بما توافر، والمحررون يكونون أحياناً في مستوى لا يؤهلهم لتقويم الشعر. لذلك تعمّ الفوضى، وهي ليست من سمات عصرنا، ففي كل العصور كان هنا فوضى. لكنّ صعوبة النظم كانت تحول الى حد ما دون استتباب الفوضى. فالنظم يتطلب أدوات عروضية ولغوية قوية وقد يكون مجرد نظم خالٍ من الشعر.
> مَن يتحمل مسؤولية هذا الفلتان الشعري؟
- الفوضى النظرية التي عرّفت الحداثة بها، كل شيء غير منضبط في شكل، يستطيع أن يدّعي شاعره أنه ينتمي الى الحداثة. والآن عندنا تسمية جديدة هي ما بعد الحداثة. ونحن ما زلنا نعيش في عصر ما قبل الحداثة.
> لكن الشاعر الفرنسي لو تريامون يقول إن على الشعر ان يكتبه الجميع!
- أعتقد أن كل كائن بشري يحاول أن يكتب شعراً. والفرق ان هذا الشعر لم تُتح له فرصة النشر، أو ربما فرصة التكوّن. وكما تعرف في فترة المراهقة يكتب المرء ما يشبه الخواطر ويقلّد بعض الأدباء. وهذه الكتابات غالباً ما تكون شخصية. يجب أن يكتب كل الناس، كما قال لوتريامون، لكي يخرج من هؤلاء شعراء وروائيون وكتّاب...
> لا تزال تصرّ على «صدمة» جمهورك، وما زال هذا الجمهور يتابعك في أمسياتك الشعرية. كيف تنظر الى هذا الجمهور والى «الصدمة» التي تحدثها فيه عندما تقرأ له قصائدك الجديدة التي تختلف عن القصائد الأولى التي يميل اليها عادة؟
- لا أعرف ان كان الجمهور يميل الى القصائد الأولى حقاً. لم يعد الجمهور يطالبني كما في السابق بأن أقرأ ما في ذاكرته من شعري. وهذا حسن. واستطعت أن أجد ما يشبه الثقة المتبادلة بيني وبين القراء. إنني لا أحب كلمة جمهور. لنقل المتلقي أو القارئ. فالجمهور ليس كتلة واحدة متجانسة. وأنا لا أستطيع أن أتكلم عن الجمهور بطلاقة، لأنني سأرتكب أخطاء كثيرة. ثم من هو الجمهور؟ قد يكون مجموعة من الشعراء والمثقفين، قد يكون من سائقي التاكسي أو ربات البيوت أو الطلاب، وقد يكون لكل مجموعة الحق في أن تقيم علاقة مع الشعر. المشكلة عندنا ان القارئ العربي يشعر بأن من حقه أن يتدخل في تحديد مفهوم الشعر. وكل قضية من هذا النوع تتحول قضية عامة قد يهددها خطر التبسيط، لئلا أقول الابتذال. إنني أواكب قرائي مثلما هم يواكبونني وهم يتطورون ويتغيرون. وأكثر ما يسعدني في هذا الوقت، انني أفاجأ أينما ذهبت بأن الذين يحضرون الأمسيات الشعرية هم في ما يقارب التسعين في المئة من الجيل الجديد ومن الشباب في العشرينات. وهذا يعني أن قرائي الذين يحبون قصيدة «سجل أنا عربي» رحلوا وتركوني أو أنهم اكتفوا بذلك. إذاً اقتراحي الشعري هو أن من حق الشاعر أن يواصل تطوير لغته وأن يحميها من التكرار والارهاق. حتى اللغة الشعرية تصاب بالارهاق، وعلى الشاعر أن يجدد صورها واستعاراتها. هناك إذاً علاقة تتجدد مع تجدد الذائقة والعصر والزمن. هناك ثقة متبادلة، وإذا حقق الشاعر الثقة مع قرائه فقراؤه يعطونه الحرية في أن يطور نفسه كما يشاء. وإذا لم يكن هناك من ثقة أو إن كان ثمة جدار بين الشاعر والقراء، فالأمر يصبح قيداً ثقيلاً. بعض الشعراء يستهزئون بهذا القارئ وبعضهم يقدمون له تنازلات ويسمعونه ما يريد أن يسمع، ويكتبون له ما يريد أن يقرأ.
rwayda
19-Aug-2008, 11:18 PM
أي شعراء تركوا فيك أثراً شعرياً منذ البدايات؟
- أوه...
> مَن كنت تقرأ عندما كنت في فلسطين؟
- لم يكن عندي شاعر واحد أتعلّم عليه. كانت الكتب المتوافرة عندنا في الداخل هي ما تبقى من مرحلة الانتداب البريطاني. كنا في حالة حصار ثقافي حقيقي. كنت أعرف السياب جيداً والبياتي وكنت أقرأ نزار قباني أيضاً، وهو كان حاضراً في مراهقتي الشعرية. قرأت في تلك الفترة «الداخلية» غارثيا لوركا وبابلو نيرودا وتأثرت بهما وخصوصاً لوركا. كان المتاح لنا من الشعر العربي الحديث قليلاً. فيما الشعر الكلاسيكي العربي متوافر وكذلك الشعر المهجري، وكنت أميل الى غنائية هذا الشعر والى بساطته. وفي الشعر المصري اطلعت على بعض أعمال صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي. أدونيس لم يكن معروفاً في الداخل ولم يكن شعره وصل إلينا. القصيدة الأولى التي قرأتها لأدونيس كانت في العام 1968 على ما أعتقد، وكانت فدوى طوقان تزورنا في حيفا ومعها مجلة فيها قصيدة لأدونيس، لم أعد أذكر ان كانت «هذا هو إسمي» وأعجبتني كثيراً. ولكن لم يكن لأدونيس حضور في فلسطين، في تلك المرحلة كما الآن. مصادرنا الأخرى كنا نقتبسها من الصحافة مثل «الاتحاد» و«الجديد» في حيفا.
> كتبت أنت في الصحافة حينذاك!
- كنت رئيس تحرير مجلة «الجديد» ومحرراً في جريدة «الاتحاد» وكنت أكتب افتتاحيات ومقالات سياسية. دخلت عالم الصحافة باكراً، في العشرين من عمري وأقل. وكانت خياراتنا الأدبية خاضعة لاعتبارات يسارية.
> كنت في الحزب الشيوعي الاسرائيلي!
- نعم.
> من هم الشعراء الذين تفضلهم الآن وتقرأهم؟
- هناك شعراء أجانب كثيرون أقرأهم. والأكثر قرباً هو ديريك والكت. في السنوات الأخيرة كان والكت شاعري المفضل في اللغة الانكليزية. وربما هو أفضل من يكتب في هذه اللغة الآن. وهناك شيموس هيني. أعجبت كثيراً بالشاعر البولندي ميلوش وبالشاعرة تشمبرسكا. وكذلك أنا شديد الاعجاب بالشاعر اليوناني ريتسوس، وكنت على صداقة معه. فرنسياً إنني شديد الإعجاب بسان جون بيرس ولويس أراغون ورينه شار... وهؤلاء أقرأهم مترجمين الى الانكليزية أو العربية، ففرنسيتي لا تسمح لي بأن أحتك بنصوصهم في اللغة الأم. وفي الشعر الأميركي اللاتيني شاعري المفضل هو بابلو نيرودا. وفي الشعر الإيطالي أحب أوجينيو مونتالي شاعراً وناقداً. المشهد الشعري عالمياً في النصف الثاني من القرن العشرين، أو في القرن العشرين كله، كان من أغنى المشاهد الشعرية في التاريخ. أحب أيضاً الشاعر اليوناني جورج سيفيريس وكذلك الشاعر اليوناني إيليتس.
> وما قصتك مع المتنبي؟
- المتنبي، على الاختلاف الكبير معه حول نزعته الى السلطة ومدائحه وهجاءاته، أعتبر انه يلخص الشعر العربي الكلاسيكي. واذا أردنا أن نقرأ الشعر العربي كله مجازاً في شاعر واحد نقرأه في المتنبي. ثم إذا أردنا أن نقرأ الشعر المختلف عن شعر المتنبي نقرأ أبا العلاء المعري.
> وأبو تمام أين تضعه؟
- أبو تمام، مشروعه التحديثي (بين موسين) هو الذي سمح للحركة الشعرية العربية أن تتجدد. طبعاً هو من الشعراء الكبار، لكنه شديد التقعّر ومشغول بنحت الكلمات وخلق الصور الغامضة.
> وأبو نواس أليس هو من أوائل الشعراء «المدنيين»؟
- طبعاً طبعاً، أبو نواس نقل الشعر من البداوة الى المدنية. العصر العباسي هو العصر الذهبي للشعر العربي الكلاسيكي، ولكن في موازاة الشعر الجاهلي.
> ألا تعتقد ان المتنبي في «الأنا» المتضخمة عنده والنرجسية ترك أثراً سلبياً في الشعر العربي؟ كأن يقول: «أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي...». من هو هذا الشاعر الذي يجرؤ أن يقول إن الأعمى قرأ أدبه؟ ما هذه المغالاة؟ ما هذا الاعتداد؟
- قد تصلح شخصية المتنبي وتناقضاته لكتابة مسرحية عنه. ربما هذه الجوانب سلبية لديه ولكن ما يعنيني في المتنبي هو شعره. لا شك في أن شعره يتمتع بجزالة رهيبة وفيه تختلط الحكمة مع العاطفة المتأججة. وهو يضع علامات لا يمكن أن تخطئها العين ولا الأذن. أنت تعرف المتنبي من غير أن يوقع قصيدته. وقدرته على أن يخلق سلطاناً شعرياً في هذا المستوى، لا نستطيع أن نمرّ بها مروراً محايداً.
> لكنّ هذا لا ينطبق على كل شعره.
- ليس من شاعر كل شعره جميل. وعندما أقرأ مدائحه وهجائياته أنسى الممدوح والمهجو وتطربني الجزالة الشعرية والبلاغة. القوة الداخلية لدى المتنبي حجبت عني أخلاقيته. أما انه ورّث «الأنا» المتضخمة الى غيره فإن «الأنا» لا تورّث. هناك شعراء آخرون متضخمون وفي كل العصور.
> ومشروع «التنبؤ» لديه!
- هذا المشروع ليس مشروع المتنبي وحده. العصر الرومانسي شهد مثل هذا المشروع، بل ان الرومانسية نفسها تقوم على هذا المشروع الرؤيوي ولا سيما الرومانسية الألمانية.
> ولكن هناك فرق بين الرؤيا والادعاء؟
- هذه الظاهرة موجودة عبر العصور حتى في عصرنا الحديث. وعلى الشاعر في عصرنا أنني خفف من دلالات فهمه لدوره. الشعر الآن يهتم بالهامشي أكثر مما يهتم بالقضايا الكبيرة. فكرة البطولة أو الفرادة ألغتها الحداثة الشعرية أصلاً. وأكرر ان هذا المشروع لا أعتقد انه من ميراث المتنبي. هذه خصائص بشرية. عندما تريد وصف وضع ما، في شكل تلقائي تلجأ الى الاستشهاد ببيت للمتنبي. وإن قلت ان المتنبي أكثر حداثة وحياة منا جميعاً فإنما قلت هذا من قبيل المجاز. وقامت عليّ القيامة لأن البعض أخرج كلامي من سياقه.
عود الى مسألة الريادة في الشعر العربي الحديث! ماذا تعني لك مقولة الرواد؟ هل ما زالت هذه المقولة مستمرة أم انها باتت مرتبطة بزمن معين؟
- أعترف بأني لا أستطيع أن أقرأ شعر معظم الرواد. وشعر هؤلاء يحتاج الى قراءة نقدية جديدة والى غربلة. وأهمية الرواد هي أهمية تاريخية، فهم شكلوا بشعرهم أو بأسمائهم نقطة انعطاف أو تمرد على القصيدة الكلاسيكية عبر خلق كلاسيكية تفعيلية جديدة. أي انهم تمردوا على التقليدية بما يمكن أن أسميه تقليدية أخرى. أنا لا أستطيع أن أقرأهم. انهم يحتاجون الى اعادة نظر، ولكن هذا لا يعني انني أخفف من أهمية دورهم التاريخي. الجامعات العربية وللأسف الشديد، لا تعرف مرحلة ما بعد الرواد. وكل جيل ما بعد الرواد غير مقروء جيداً، نقدياً وأكاديمياً. فجيل الرواد احتل مفهوم حداثة الشعر العربية، وأغلق الباب في وجه من أتى بعده. كل هذه المسألة تحتاج الى قراءة جديدة وإعادة نظر. أين تضع سعدي يوسف هذا الشاعر الكبير؟ فلا هو مع الرواد ولا مع جيل الستينات أو السبعينات؟ أين تضعه؟
> وأنت أليس أمرك هو نفسه؟
- إذا كنت أنا شاعراً مهماً فأين تضعني؟ إذاً الريادة يجب ألا تقف عند مرحلة تاريخية وتتجمد. الريادة يجب ان تكون أشبه بالصيرورة المستمرة والمتواصلة. وهناك انقلابات في الشعر العربي في السبعينات والثمانينات والتسعينات، وكل جيل يقدم ريادة من نوع مختلف. فعلى النقد العربي أو على الاكاديميات العربية ان تجري تحقيقاً جديداً في شأن الريادة ويجب أن يظهر الخط المستمر من جيل الرواد الى الآن. وهكذا يصبح في الإمكان النظر الى الشعر العربي كحركة حيوية متقدمة باستمرار وتنقلب على نفسها وتجدد نفسها بنفسها. ويجب عدم وضع حواجز حديد بين جيل وجيل.
> من الذي ينفّرك من الشعراء الرواد مثلاً إذا عدت الى قراءة آثاره؟
- لم أعد قادراً على قراءة شعر خليل حاوي مثلاً. والبياتي كذلك. لكنني أحترمهما. فهما غير قريبين الى ذائقتي. ومن المعروف أن الذائقة الشعرية مسألة ذاتية جداً، وأود ألا أذكر أسماء...
> هل عدت مرة الى كتب كنت تحبها ثم وجدت نفسك لا تحبها؟
- طبعاً، إننا نتعرض لخدع شعرية وفنية وثقافية. فما كان يبدو لنا جميلاً في زمن معين وعمر معين أو مرحلة معينة لم يعد يحمل حياة جديدة في ذاته تجعله قابلاً للقراءة في زمننا. لذلك فإن الأدب الباقي هو الأدب الذي يستطيع أن يخترق الأزمنة والأجيال ويحافظ على حداثته ومعاصرته، وعلى قابليته لأن يقرأ في زمن غير الزمن الذي كتب فيه.
> أحياناً نحس أن بعض القصائد تشيخ مثل الانسان!
- هذا إحساس مؤلم ولكنه مطمئن، فالخديعة لا تعمّر طويلاً.
> كيف تقرأ الآن شاعراً مثل نزار قباني؟
- لا أقرأه الآن بالبهجة التي كنت أقرأه بها من قبل، لكن هذا لا يعني أنني لا أحبه.
> نلاحظ أنك لم تكتب أي نص نظري في الشعر، علماً أن قصيدتك تحمل ما يشبه «البيان» الشعري بصمت! هل كتبت نقداً عندما عملت في الصحافة الفلسطينية في الداخل؟
- كنت أكتب مراجعات كتب، ولكن إذا قلت ان نظرتي الشعرية أو بياني الشعر موجودان في قصيدتي نفسها، فهذا يكفي. لماذا أضع نفسي في إطار نظري يصعب عليّ التخلص منه. وهذا لا يعني انني لا أحترم المنظرين، بل على العكس. لكن الملاحظ أن معظم الشعراء الذين ينظرون فإنما ينظرون لشعرهم، ويدافعون عن خيارهم الشعري، ولا يكونون منفتحين على تجارب الشعراء الآخرين ومستعدين لاستيعابها. ثم ليس لدي ميل الى التنظير، لأنني أخاف أن أخطئ.
> لكنك في الاحاديث الصحافية تنم عن ناقد يملك ذائقة ووعياً نقدياً!
- اكتفي بوضع ملاحظات، وهي ليست ناجمة عن مقولات أو نظريات متماسكة. ربما ليس لدي مؤهلات لهذا الأمر. ليس لدي هذا الميل.
> ألا تحس أحياناً انك في حاجة الى أن توضح أمراً ما في شعرك أو قصيدتك؟
- بين حين وآخر أكتب بعض النصوص عن الشعر وعن التجربة الشعرية، وأحاول أن أجيب على اسئلة تتعلق بهذه التجربة، ساعياً الى توضيح سوء فهم بريء أو مقصود حول تجربتي. عندما وقعت ديواني الجديد «كزهر اللوز...» في رام الله أخيراً كنت مضطراً على أن أرد على حملة قام بها شعراء فلسطينيون تحديداً، يريدون أن يتدرّبوا على الملاكمة وهم يرون ان شعري لم يعد شعر مقاومة، فقدمت بعض الملاحظات المكتوبة حول فهمي للشعر الوطني وشعر المقاومة، وأن علينا أن نفهم المقاومة في معناها الواسع وليس الضيق. وقلت أيضاً إن الحداثة لا تعرّف فقط بقصيدة النثر... أحياناً في بعض الحوارات الصحافية أو اللقاءات والمداخلات أعبّر عن مفهومي للشعر.
> هل تقرأ ما يكتب الشعراء من تنظير شعري؟
- ليس كل الشعراء.
rwayda
19-Aug-2008, 11:21 PM
أعود الى مسألة الريادة في الشعر العربي الحديث! ماذا تعني لك مقولة الرواد؟ هل ما زالت هذه المقولة مستمرة أم انها باتت مرتبطة بزمن معين؟
- أعترف بأني لا أستطيع أن أقرأ شعر معظم الرواد. وشعر هؤلاء يحتاج الى قراءة نقدية جديدة والى غربلة. وأهمية الرواد هي أهمية تاريخية، فهم شكلوا بشعرهم أو بأسمائهم نقطة انعطاف أو تمرد على القصيدة الكلاسيكية عبر خلق كلاسيكية تفعيلية جديدة. أي انهم تمردوا على التقليدية بما يمكن أن أسميه تقليدية أخرى. أنا لا أستطيع أن أقرأهم. انهم يحتاجون الى اعادة نظر، ولكن هذا لا يعني انني أخفف من أهمية دورهم التاريخي. الجامعات العربية وللأسف الشديد، لا تعرف مرحلة ما بعد الرواد. وكل جيل ما بعد الرواد غير مقروء جيداً، نقدياً وأكاديمياً. فجيل الرواد احتل مفهوم حداثة الشعر العربية، وأغلق الباب في وجه من أتى بعده. كل هذه المسألة تحتاج الى قراءة جديدة وإعادة نظر. أين تضع سعدي يوسف هذا الشاعر الكبير؟ فلا هو مع الرواد ولا مع جيل الستينات أو السبعينات؟ أين تضعه؟
> وأنت أليس أمرك هو نفسه؟
- إذا كنت أنا شاعراً مهماً فأين تضعني؟ إذاً الريادة يجب ألا تقف عند مرحلة تاريخية وتتجمد. الريادة يجب ان تكون أشبه بالصيرورة المستمرة والمتواصلة. وهناك انقلابات في الشعر العربي في السبعينات والثمانينات والتسعينات، وكل جيل يقدم ريادة من نوع مختلف. فعلى النقد العربي أو على الاكاديميات العربية ان تجري تحقيقاً جديداً في شأن الريادة ويجب أن يظهر الخط المستمر من جيل الرواد الى الآن. وهكذا يصبح في الإمكان النظر الى الشعر العربي كحركة حيوية متقدمة باستمرار وتنقلب على نفسها وتجدد نفسها بنفسها. ويجب عدم وضع حواجز حديد بين جيل وجيل.
> من الذي ينفّرك من الشعراء الرواد مثلاً إذا عدت الى قراءة آثاره؟
- لم أعد قادراً على قراءة شعر خليل حاوي مثلاً. والبياتي كذلك. لكنني أحترمهما. فهما غير قريبين الى ذائقتي. ومن المعروف أن الذائقة الشعرية مسألة ذاتية جداً، وأود ألا أذكر أسماء...
> هل عدت مرة الى كتب كنت تحبها ثم وجدت نفسك لا تحبها؟
- طبعاً، إننا نتعرض لخدع شعرية وفنية وثقافية. فما كان يبدو لنا جميلاً في زمن معين وعمر معين أو مرحلة معينة لم يعد يحمل حياة جديدة في ذاته تجعله قابلاً للقراءة في زمننا. لذلك فإن الأدب الباقي هو الأدب الذي يستطيع أن يخترق الأزمنة والأجيال ويحافظ على حداثته ومعاصرته، وعلى قابليته لأن يقرأ في زمن غير الزمن الذي كتب فيه.
> أحياناً نحس أن بعض القصائد تشيخ مثل الانسان!
- هذا إحساس مؤلم ولكنه مطمئن، فالخديعة لا تعمّر طويلاً.
> كيف تقرأ الآن شاعراً مثل نزار قباني؟
- لا أقرأه الآن بالبهجة التي كنت أقرأه بها من قبل، لكن هذا لا يعني أنني لا أحبه.
> نلاحظ أنك لم تكتب أي نص نظري في الشعر، علماً أن قصيدتك تحمل ما يشبه «البيان» الشعري بصمت! هل كتبت نقداً عندما عملت في الصحافة الفلسطينية في الداخل؟
- كنت أكتب مراجعات كتب، ولكن إذا قلت ان نظرتي الشعرية أو بياني الشعر موجودان في قصيدتي نفسها، فهذا يكفي. لماذا أضع نفسي في إطار نظري يصعب عليّ التخلص منه. وهذا لا يعني انني لا أحترم المنظرين، بل على العكس. لكن الملاحظ أن معظم الشعراء الذين ينظرون فإنما ينظرون لشعرهم، ويدافعون عن خيارهم الشعري، ولا يكونون منفتحين على تجارب الشعراء الآخرين ومستعدين لاستيعابها. ثم ليس لدي ميل الى التنظير، لأنني أخاف أن أخطئ.
> لكنك في الاحاديث الصحافية تنم عن ناقد يملك ذائقة ووعياً نقدياً!
- اكتفي بوضع ملاحظات، وهي ليست ناجمة عن مقولات أو نظريات متماسكة. ربما ليس لدي مؤهلات لهذا الأمر. ليس لدي هذا الميل.
> ألا تحس أحياناً انك في حاجة الى أن توضح أمراً ما في شعرك أو قصيدتك؟
- بين حين وآخر أكتب بعض النصوص عن الشعر وعن التجربة الشعرية، وأحاول أن أجيب على اسئلة تتعلق بهذه التجربة، ساعياً الى توضيح سوء فهم بريء أو مقصود حول تجربتي. عندما وقعت ديواني الجديد «كزهر اللوز...» في رام الله أخيراً كنت مضطراً على أن أرد على حملة قام بها شعراء فلسطينيون تحديداً، يريدون أن يتدرّبوا على الملاكمة وهم يرون ان شعري لم يعد شعر مقاومة، فقدمت بعض الملاحظات المكتوبة حول فهمي للشعر الوطني وشعر المقاومة، وأن علينا أن نفهم المقاومة في معناها الواسع وليس الضيق. وقلت أيضاً إن الحداثة لا تعرّف فقط بقصيدة النثر... أحياناً في بعض الحوارات الصحافية أو اللقاءات والمداخلات أعبّر عن مفهومي للشعر.
> هل تقرأ ما يكتب الشعراء من تنظير شعري؟
- ليس كل الشعراء.
> يبدو أن سيرتك الشعرية لا تظهر إلا في شعرك وخصوصاً في ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً» وفي «جدارية»، وكأن لا سيرة لك مع أنك تحب قراءة السيَر! ما سر غياب سيرة محمود درويش وطغيان الشعر عليها؟
- أولاً ما يعني القارئ في سيرتي مكتوب في القصائد. وهناك قول مفاده ان كل قصيدة غنائية هي قصيدة أوتو – بيوغرافية أو سير – ذاتية، علماً بأن هناك نظرية تقول ان القارئ لا يحتاج الى معرفة سيرة الشاعر كي يفهم شعره ويتواصل معه. ثانياً يجب أن أشعر بأن في سيرتي الذاتية ما يفيد، أو ما يقدم فائدة. ولا أخفيك ان سيرتي الذاتية عادية جداً.
> على العكس، أجد انها سيرة مثيرة جداً وصاخبة... فماذا عن طفولتك؟ ماذا عن أمك وأبيك؟ ماذا عن المنفى؟...
- لم أفكر حتى الآن في كتابة سيرتي.
> هل تخاف هذه السيرة؟
- لا. لا. لكنني لا أحب الإفراط في الشكوى من الحياة الشخصية ومشكلاتها. ولا أريد بالتالي أن أتبجّح بنفسي، فالسيرة الذاتية تدفع أحياناً الى التبجح بالنفس، فيصوّر الكاتب نفسه وكأنه شخص مختلف. وقد كتبت ملامح من سيرتي في كتب نثرية مثل «يوميات الحزن العادي» أو «ذاكرة للنسيان» ولا سيما الطفولة والنكبة... لا أريد أن أكرر هذا الموضوع وربما عندما أشعر بأن من الضروري أن أكتب سيرتي فسأكتبها. ربما عندما انقطع عن كتابة الشعر.
> والدتك التي غنيتها في قصيدة «أمي» ماذا تمثل لك الآن؟
- انها أمي. وهي ما زالت على قيد الحياة. أما الوالد فتوفي منذ عشر سنوات وقد أصيب بضربة شمس في الحج.
> وكيف علاقتك الآن بوالدتك؟
- أنا ابنها المفضل، والسبب بسيط لأنني الابن الغائب. غبت عنها سنوات طويلة ولكن كنا نلتقي قبل «الاغلاقات» من حين الى آخر.
ماذا تعني لك مقولة «عرب 1948» ولماذا يُسمى الفلسطينيون بـ «عرب 48»؟ وأنت كنت منهم؟
- أنا منهم أجل. انني ولدت في قرية تدعى البروة ثم انتقلنا كعائلة الى لبنان خلال حرب 1948. شُرّدنا وهُجّرنا. اضطررنا على الهروب مع أهل القرية الى شمال فلسطين ثم الى لبنان وأول قرية لبنانية أتذكرها هي رميش ثم سكنا في جزين في البداية، الى أن هبط الثلج في الشتاء. وفي جزين شاهدت للمرة الأولى في حياتي شلالاً عظيماً. وقبل سنتين زرت جزين ولم أجد الشلال. ثم انتقلنا الى الناعمة قرب الدامور. وأتذكر الدامور في تلك الفترة جيداً: البحر وحقول الموز... كنت في السادسة من عمري، لكن ذاكرتي قوية وعيناي ما زالتا تسترجعان تلك المشاهد. كنا نتصرّف وكأننا سياح... فنحن خرجنا من القرى كي يتمكّن جيش الانقاذ العربي من مواصلة الحرب وتحرير الأراضي. وكنا ننتظر انتهاء الحرب لنعود الى قرانا. لكن جدي وأبي عرفا ان المسألة انتهت فعدنا متسللين مع دليل فلسطيني يعرف الطرق السرية الى شمال الجليل. وقد بقينا لدى أصدقاء الى ان اكتشفنا ان قريتنا البروة لم تعد موجودة. فالعودة الى مكان الولادة لم يتحقق. عشنا لاجئين في قرية أخرى اسمها دير الأسد في الشمال. كنا نسمى لاجئين ووجدنا صعوبة بالغة في الحصول على بطاقات إقامة، لأننا دخلنا في طريقة غير شرعية، فعندما أجري تسجيل السكان كنا غائبين. وكانت صفتنا في القانون الاسرائيلي: «الحاضرون – الغائبون»، أي اننا حاضرون جسدياً ولكن بلا أوراق. صودرت أراضينا وعشنا لاجئين.
> ولكن أين كانت نشأتك؟
- أنا نشأت في حيفا بعدما انتقلت العائلة الى قرية أخرى اسمها الجديدة بنى أبي فيها بيتاً. وفي حيفا عشت عشر سنين وأنهيت فيها دراستي الثانوية ثم عملت محرراً في جريدة «الاتحاد» وكنت ممنوعاً من مغادرة حيفا مدة عشر سنوات. كانت إقامتي في حيفا إقامة جبرية. ثم استرجعنا هويتنا، هوية حمراء في البداية ثم زرقاء لاحقاً وكانت أشبه ببطاقة إقامة. كان ممنوعاً عليّ طوال السنوات العشر أن أغادر مدينة حيفا. ومن العام 1967 لغاية العام 1970 كنت ممنوعاً من مغادرة منزلي، وكان من حق الشرطة أن تأتي ليلاً لتتحقق من وجودي. وكنت أعتقل في كل سنة وأدخل السجن من دون محاكمة. ثم اضطررت على الخروج.
> الى أين خرجت حينذاك؟
- الى موسكو.
> سنعود الى الكلام عن مدن محمود درويش. ولكن أسألك مرة أخرى: لماذا كنتم تسمّون عرباً وليس فلسطينيين؟ ولماذا ما زالت هذه التسمية قائمة حتى الآن؟
- الاسرائيليون سمّونا عرباً والعرب سمّونا فلسطينيين. لماذا عرب؟ للتمييز بيننا وبين اليهود ولمحو هديتنا الحقيقية. فهذه الدولة الاسرائيلية الجديدة تضمّ عرباً. والفلسطينيون للأسف لهم أسماء عدة: عرب 1948، فلسطينيو 1948، فلسطينيو 1967، فلسطينيو 1993 أو فلسطينيو أوسلو... أي ان عندنا أرقاماً وأننا «محقّبون» جيداً.
> هل ما زلت على تواصل مع ثقافة الداخل؟
- بمقدار ما يتاح لي من اتصال بالانتاج الثقافي والابداعي.
> لماذا نحسّ أن ثقافة الداخل يشوبها بعض «الفوات» عربياً وبعض الاغتراب؟
- هذه قضية تحتاج الى قراءة خاصة.
ما رأيك بالأدب العربي المكتوب باللغة العبرية، خصوصاً أن ثمة أسماء ولو قليلة لمعت في هذه اللغة؟
- لم أقرأ من هذا الأدب إلا رواية مهمة هي «أرابيسك» للكاتب انطون شماس. الآن هناك ما يشبه «الموضة» وهناك أيضاً روائيون وشعراء شباب وجدد اختاروا العبرية للكتابة. ربما تسعى هذه البادرة الى الاندماج الثقافي في المجتمع الاسرائيلي. هذا لدى بعضهم. ولدى البعض الآخر قد يكون هذا الخيار نوعاً من المقاومة ضد الاسرائيليين في لغتهم نفسها. هكذا يقول هؤلاء. وقد يحسن البعض، بسبب تكوينهم ونشأتهم عبرياً، التعبير باللغة العبرية أفضل من العربية. هناك تفسيرات عدة. ولكن هذا خيار لدى أقلية محدودة.
> هناك أصوات شعرية وروائية اسرائيلية مهمة كما يظهر لنا من خلال الترجمات الأجنبية والعربية، وكيف ترى الى هذا الأدب؟ هل يجب علينا أن نقرأه كأدب عدوّ من خلال موقف سلبي مسبق؟
- بصراحة لم أعد أطلع في السنوات الأخيرة على الأدب العبري مثلما كنت أطلع عليها في السابق، عندما كنت أعيش هناك. انقطعت صلتي بهذا الأدب. ولكن هناك اسماء مكرّسة في أوروبا وأميركا، وهي تترجم في الوقت الذي تكتب فيه. ففي وزارة الخارجية الاسرائيلية مكتب لترجمة الأدب العبري الى اللغات الأجنبية. والدولة الاسرائيلية تشرف بنفسها على تسويق الأدب العبري عالمياً. وهذا يدل على الصلة بين المؤسسة والأدب. أمّا ان نقرأه أو لا نقرأه فهذا أمر آخر. وأود أن أشير الى أن سيدة اسرائيلية أسست داراً لنشر الأدب العربي مترجماً الى العبرية وترجمت حنان الشيخ وإلياس خوري ومحمد شكري وقصائد لي وآخرين. بعض الكتاب العرب رفضوا ان يُترجموا الى العبرية، بينما الاسرائيليون لا يحتاجون الى إذن خطي لكي يترجموا. فأنا تُرجم الكثير من شعري الى العبرية من دون ان أُستأذن. وفي المحصلة تبيّن أن الكتاب العرب لا يريدون أن يقرأهم الاسرائيليون وأن الاسرائيليين غير معنيين بقراءة الأدب العربي. فالفجوة في العلاقة بين الطرفين ما زالت قائمة وما زال كل طرف يقرأ الآخر من باب: اعرف عدوك. لم نصل بعد الى قراءة بعضنا بعضاً قراءة أدبية صرفاً أو للمتعة الأدبية، والشروط التاريخية لا تسمح لنا بذلك. انهم لا يجدون متعة في قراءتنا ولا نجد نحن بدورنا متعة في قراءتهم. وهذا الأمر يندرج في سياق الصراع المستمر بيننا وبينهم.
> ولكن لك قرار اسرائيليون كثيرون!
- لا أعرف إن كانوا كثيرين. لكنني أُقرأ من باب الاطلاع على المفهوم السوسيولوجي الفلسطيني وعلى سيكولوجية الشعب الفلسطيني. وأكاد أقول انني أُقرأ أيضاً قراءة أمنية من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك اليساريون الذين يقرأونني كنوع من التعبير عن التعاطف مع حقوق الفلسطينيين. اما ان أقرأ قراءة أدبية محضة فلا أعرف، بل قد أشك في ذلك.
شارون والوجدان الفلسطيني
> هناك بعض المسؤولين يقرأون شعرك!
- مثل من؟
> شارون! وذلك الوزير الذي سبب مشكلة كبيرة انطلاقاً من قصيدتك «عابرون في كلام عابر».
- الضجة الكبرى أثارها الوزير الاسرائيلي سريد وهو من حزب «ميريتس»، عندما أدرج بعض قصائدي في المدارس. لم تكن القراءة الزامية بل اختيارية وكما ان من حق الطالب ان يطلع على الشعر البولندي والهولندي والفرنسي يحق له أن يطلع على الشعر الفلسطيني أو العربي. والأمر يتوقف على رغبة المعلم والطالب معاً. والمسألة من أولها الى آخرها لم تكن تستحق تلك الضجة، وكادت الحكومة الاسرائيلية ان تسقط والفرق كان في ثلاثة أصوات. حينذاك سألتني احدى الصحف الاسرائيلية فقلت لها: كنت أعتقد انكم دولة تحترمون أنفسكم الى حد انكم تسقطون الحكومة لأسباب داخلية سياسية ولكن ليس لأسباب شعرية، كنت أعتبر انكم أقوى من ذلك. الوزيرة الجديدة وهي من حزب «ليكود» ألغت للتو قصائدي من البرنامج. أما ما قاله شارون عن شعري فقاله بعدما خرج كلامه عن سياقه. سئل شارون في مقابلة صحافية عما يقرأ، فقال انه يقرأ رواية لكاتب اسرائيلي. فقال له الصحافي ان هذا الكاتب يساري ويكرهك، فقال له شارون: إنني أميز بين الابداع والسياسة، صحيح انني ضد أفكاره وهو ضد أفكاري، لكنني مستمتع بروايته. وأضاف: أنا أقرأ حتى محمود درويش وأنا معجب بديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» لأن هذا الاعجاب قادني الى الاعجاب بتعلق الشعب الفلسطيني بقضيته وأرضه. في هذا السياق جاء كلام شارون.
rwayda
19-Aug-2008, 11:22 PM
> هل تجوز المقارنة برأيك بين الشعر الاسرائيلي الحديث والشعر الفلسطيني الحديث مثلما فعل أحد الباحثين الفلسطينيين في «الداخل»؟
- من حيث المبدأ، أكاديمياً أو ثقافياً، قد يكون من الممكن المقارنة بين شعرين مكتوبين بلغتين مختلفتين، ومن وجهتي نظر متضادتين، على أرض واحدة. وقد تغري المقارنة هنا بالدراسة. ولكن لا أعرف أي منهج يمكن أن يعتمد وأي موضوع يمكن تناوله: الصراع على الهوية، الصراع على الذاكرة...؟ يمكن اجراء مقارنة بين علاقتين مختلفتين مع الأرض. وثمة بين الشعر الفلسطيني والشعر الاسرائيلي حال من الصراع، صراع في اللغة حول من يمتلك المكان واللغة وحول مَن يسيطر على موضوع المكان أفضل من الآخر. الصراع قائم.
> عندما تقرأ شاعراً اسرائيلياً يتغنى بأرض فلسطين، ماذا يكون شعورك؟
- يأخذني شعوري الى أن الصراع بيننا ليس عسكرياً فقط واننا نحن مدفوعون الى صراع ثقافي عميق. مثلاً هناك شاعر اسرائيلي كبير أحب شعره هو يهودا عميحاي، لم يدع مكاناً في فلسطين، وهو يسميها أرض اسرائيل، إلا وكتب فيه قصائد وبعضها جميل جداً وتحرج الشاعر الفلسطيني حقاً. تحرجه في أي معنى؟ الشاعر الفلسطيني لم يشعر يوماً بأنه محتاج الى تقديم براهين على حقه بالمكان، وعلاقته بالأرض تلقائية وعفوية ولا تحتاج الى أي ايديولوجيا أو تبرير. الشاعر الاسرائيلي الذي يعرف كيف تمّ مشروعه وماذا كان قبل اسرائيل، والذي يعرف أيضاً ان هذا المكان له اسم آخر وسابق هو فلسطين، يبدو هذا الشاعر في حاجة الى شحذ كل طاقته الابداعية من أجل امتلاك المكان باللغة كجزء مكمل للمشروع الاستيطاني. وبالتالي فهذه المسألة مخيفة فعلاً: من يكتب المكان في شكل أجمل يستحق المكان أكثر من الآخر؟ قد يكون هناك شعب لا شعراء له، فهل يكون من حق الآخر ان يحتله؟ الجدارة الأدبية لا تعطي حقاً للسلاح في أن يملك شرعيته. هناك مسائل صعبة. كأن تقول ان صاحب الحق الأكبر هو صاحب التعبير الأجمل. طبعاً يحاولون في اسرائيل دائماً تجريد الشعب الفلسطيني من قدراته الابداعية لكي يقولوا انهم جاؤوا الى أرض شعبها غير متحضر وغير متمدن، وانهم يحملون رسالة تحضير وتحديث أي رسالة كولونيالية. كيف يكون ردّي على شارون مثلاً: عوض أن يحسد الفلسطينيين على العلاقة بأرضهم يستطيع أن يشفي نفسه من هذا الحسد بأن ينسحب من أرضهم. ولكن من جهة أخرى، ان الشعر الفلسطيني بحسب مقولة شارون، استطاع أن يخترق الحصار السياسي والتاريخي.
> كيف تصف نفسك الآن، كمواطن فلسطيني؟
- أنا الآن في فلسطين، مواطن فلسطيني، محاصر بكل شروط الاحتلال والحصار والعزلة التي تفرضها اسرائيل. وأدافع عن حقنا في امتلاك مستقبل أفضل على أرض أوسع، مع الاحتفاظ بحريتنا في أن نحلم بشيء يبدو مستحيلاً مثل العدل والسلام والتحرر. لا استطيع ان أتكلم عن فلسطين في هذه اللحظة إلا بكثير من الاحباط. ففلسطين تتناقص جغرافياً، مع انها لا تزال في مكانها، لكن الواقع الاسرائيلي يقضمها كل يوم، ويحيط ما يريده أن يكون لنا وطناً نهائياً، بالاسوار والجدران. فلسطين تتناقص أيضاً في مدى مشاركة العالم في الدفاع عن حقها بالضغط على دولة ينظر اليها العالم بأنها فوق القانون، ويعاملها كقيمة أخلاقية غير قابلة للمحاسبة. والعالم العربي المحيط بفلسطين يتعرّض أيضاً للمزيد من الاحتلال أي انه «يُفلسطن» في شكل أو في آخر. صورة المستقبل القريب غير مشعّة إذا نظرنا اليها من منظور الحاضر. وللأسف المستقبل القريب أكثر وضوحاً مما ينبغي، لأن معالم الحل الاسرائيلي محددة ومعروفة: ان نعيش في كانتونات تثبت ان الأبارتايد أو التمييز العنصري ينتهي في بلد ويبدأ في بلد آخر. والبعد العربي للقضية الفلسطينية معرّض أيضاً للاحتلال والتهديد. فكل ما حولنا وما فينا يشير الى الحزن والغضب معاً. والاسرائيليون يعطون للنكبة عمراً جديداً، انهم يريدون للنكبة ان تستمر وان تتناسل. وكأن حرب 1948 ما زالت، كما يقول الاسرائيليون، مستمرة. واستمرارها يعني انهم يشعرون بأنهم لم ينتصروا تماماً، أي انهم في حاجة الى انتصار جديد. لكنّ هذا لا يعني أن الفلسطينيين تخلّوا عن حقهم، بل على العكس. لكن تجربة الشعب الفلسطيني في علاقته بأرضه تعني انه شعب غير قابل للخروج من التاريخ ولا من الجغرافيا كما يحاول الاسرائيليون أن يفعلوا. ضاقت الخيارات على الشعب الفلسطيني ولم يبق أمامه سوى خيارين، إما الحياة وإما الحياة. ومن حقه ان يدافع عن نفسه وأول سلاح هو أن حافظ على ذاته وحقه وهويته، وثانياً أن يلجأ الى الوسائل التي تحفظ صورته الانسانية والوطنية ولا تمدّ المحتل بما يريد لها من تشويش واضمحلال. مقاومة الاحتلال ليست حقاً فلسطينياً فقط بل هي واجب، والمقاومة تتخذ أشكالاً متعددة منها الصمود وعدم القبول بالمقترحات الاسرائيلية التي تعني الغاء الذات الفلسطينية، والبحث عن وسائل نضالية تخدم المصلحة الوطنية العليا.
> هل من علاقة لك بالسلطة الفلسطينية؟
- رسمياً أنا لا علاقة لي بأي سلطة، ولكن على المستوى الشخصي علاقتي ممتازة مع رئيس السلطة ورئيس الحكومة ومعظم الوزراء. ومهما كان هناك من مشكلات داخلية فما يجمع الفلسطينيين الآن هو السؤال الوطني، أكثر من أي سؤال داخلي. لكن ذلك لا يعني أن نغضّ النظر عن المشكلات الداخلية. والقضية الأساسية هي كيف نحل المشكلة الوطنية وهي مشكلة الاحتلال. لا أمارس دوراً كبيراً سياسياً بل أمارس دوراً ثقافياً. وينتابني شعور بالغربة، إلا ان واجبي الوطني يناديني كي أكون هناك. وهذا أضعف الإيمان. أنا إذاً هنا وهناك وأشعر بحزن وإحباط.
> عندما تكون في رام الله هل تشعر بأنك فعلاً في وطنك فلسطين أم ان وطنك استحال بقعة ما في ذاتك وشعرك وذاكرتك؟
- شعوري خجول جداً، ولغتي خجولة. لا أشعر كثيراً بأنني في الوطن. أشعر بأنني في سجن كبير مقام على أرض الوطن وكأنني لم أتحرر من منفاي. فمن كان يحمل الوطن في المنفى ما زال يحمل المنفى في الوطن. والحدود ملتبسة جداً، بين مفهومي الوطن والمنفى. الحرية شرسة جداً وجميلة جداً ويجب أن نبقى أسرى لها. وفي هذا الأسر، أسر الحرية نستطيع ان نتحرر. المجازات كثيرة هناك والاستعارات كثيرة والحدود بين الاشياء مختلطة. لا تعرف أحياناً حدود المعنى، وأحياناً تبحث عن المعنى ولا تجده. ولكن أهم أمر هو ألا نسقط الوطن من يدنا ولا من مخيلتنا. تعرضنا كثيراً لمحاولة الوقيعة بيننا وبين هذه البلاد. فالاسرائيليون يقيمون الجدران ليس بيننا وبينهم فحسب ولكن بيننا وبين أنفسنا، بيننا وبين ذواتنا، وهم محتاجون الى إقامة أسوار أخرى بين التاريخ والخرافة، بين الاسطورة والواقع، وهذا ما لا يفعلونه. إنهم متمترسون وراء أسطورة مسلحة برؤوس نووية. لم نسمع في التاريخ عن أساطير تتسلّح بهذا السلاح الفتاك.
كيف ترى الى العمليات الاستشهادية أو الانتحارية التي تقوم بها بعض المجموعات الفلسطينية الأصولية؟
- هذا سؤال يتأرجح بين الاحساس بالمسؤولية والبعد الاخلاقي. من حق الفلسطينيين أن يقاوموا الاحتلال بوسائل تخدم قضيتهم. ولكن يجب أن يكون الفلسطينيون حريصين على التفوّق الأخلاقي للضحية، وأن يميزوا بين صورتهم وحقهم في العدالة وصورة المحتل. تحفظي الشديد هو على العمليات التي تمسّ المدنيين مما قد يقلّص الفارق بين الصورتين، فنصبح نحن والاسرائيليين كأننا جيشان في حرب. الاستشهادي يقدم حياته. ولا نستطيع أن نحاكم استشهادياً يهاجم موقعاً عسكرياً، ولكن نستطيع أن نقول له ان مهاجمة مطعم أو دار سينما لا تخدم قضيته ولا صورته.
> كيف تستعيد صورة الرئيس ياسر عرفات بعد مضي سنة على رحيله؟
- أريد أن أرى ياسر عرفات وقد رفض الغياب. أريد أن أراه رمزاً، ونحن محتاجون الى الرموز، رمزاً لتاريخ شعب وتحولات هذا الشعب من الغياب الكامل الى لاجئين فإلى مقاتلين فإلى مؤسسي مشروع وطني ثقافي، ثم الى حضور كثيف في خريطة العالم. ياسر عرفات من الذين استطاعوا أن يعيدوا اسم فلسطين الى الوعي العالمي. قدّم كل حياته للقضية ولم يعش لنفسه أبداً. أريد أن أرى هذه الصورة باقية. نفتقد عرفات لكننا لا نريد عرفات آخر. وأنا من الذين يقولون اننا لا نحتاج الى عرفات آخر. لا نحتاج الى رمزية عالية، نحتاج الى مدراء جيدين. كان عرفات يتمتع بمزايا لا يمكن أن تُورث وأن تُورّث. ومن الصعب أن نستنسخ شخصية مثله، وهذه الشخصية أنهت دورها ولم تعد قابلة للاستعادة. لكن تاريخه هو القابل للاستعادة، وكذلك تضحياته. انه سجل مضيء في ذاكرة الفلسطينيين. لكننا لسنا في حاجة الى عرفات جديد.
> يقول إدوارد سعيد انك لعبت دوراً سياسياً في منظمة التحرير مضيفاً عبارة «على مضض». ماذا تعني لك هذه العبارة، مع انك كنت شديد القرب من عرفات، مستشاراً وعضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة؟
- «على مضض» تعني انني لم أرغب، بيني وبين نفسي، في أن أكون عضواً في القيادة الفلسطينية. كنت أفضل أن أبقى في مجالي الحيوي فلا أحتل موقعاً يتعارض مع نزعات الشاعر الخاصة. كوني عضواً في اللجنة التنفيذية تسبّب في تأويلات مبالغ فيها لما أقول أو أكتب، وكأن هناك شعراً رسمياً أو مقالات رسمية. وهذا بعيد كثيراً من طبيعتي ومن حقيقة كتابتي الشعرية. ثم انني لا أصلح للعمل الرسمي والاداري والاجتماعات الطويلة والسهر الطويل والزيارات الرسمية والسفر المضني. لقد انتخبت وأنا غائب، سمعت الخبر في الراديو وكنت في النورماندي في فرنسا فبكيت. وأول مقال كتبته حينذاك عنوانه «قبل كتابة الاستقالة». لكن خضوعي لضغوط معنوية وأخلاقية عالية جعلني امتثل لهذه العضوية لفترة محددة، نحو خمس سنوات. وأقول مازحاً ان من حسنات أوسلو انها أتاحت لي الفرصة للاستقالة من اللجنة التنفيذية.
> ماذا عنى لك خروجك من المنظمة عام 1993؟
- شعرت بسهولة التنفس مثل شخص أطلق سراحه.
> سياسياً؟
- لا شخصياً. شخصياً شعرت انني بت أستطيع أن أنصرف الى همومي الخاصة، الى حياتي، الى شعري والى عشوائيتي أو فوضاي. صحيح أن في الانسان أكثر من شخصية، وأن فيّ السياسيّ والشاعر والكاتب، لكن طبيعة التعبير عن كل شخصية تختلف. طبيعة السياسي تختلف عن طبيعة الشاعر، ثم إن لهما لغتين مختلفتين، من دون أن يعني ذلك أن الشاعر متخلٍّ عن السياسة. فالسياسة فينا والسياسة تعني في وضعنا الفلسطيني أن نكون منتمين الى قضية وطنية. لا يستطيع الشاعر أن يتخلى عن السياسة التي فيه. لكن طبيعة التعبير عن العلاقة هي التي تختلف. أما على المستوى السياسي فكنت حائراً. قرأت نص اتفاق أوسلو قبل أن يذاع وعندما علمت بأنه وقّع بالحروف الأولية قدمت استقالتي وخضعت استقالتي لتأويلات كثيرة ومجحفة وظالمة، وبعضها غير أخلاقي. وكنت من الخلقية حتى انني لم أقل لماذا، كل ما قلته:إننا مقبلون على مغامرة لا أريد أن أكون جزءاً منها، وكانت هناك، للأسف، تفسيرات مزرية. مع ذلك، عندما قبلت المؤسسة الفلسطينية هذه الصيغة وأصبحت هي التي تمثل السياسة الرسمية الفلسطينية، قلت انني لا أستطيع أن أرفضها في المطلق، مرتاح الضمير، ولا أن أقبلها أيضاً، مرتاح الضمير. لذلك كان وضعي هو وضع المتحفظ والممتنع، وليس وضع الذي سيعارض. كان في قلبي نداء ما يقول انه قد ينتج عن ذلك شيء، خصوصاً ان هذا المشروع جاء بعد محاصرة سياسية خانقة لمنظمة التحرير في أعقاب حرب الخليج وانعدام الخيارات أمامها. كنت حائراً بين قلبي وعقلي، العقل كان يقول لي إن هذا الاتفاق لن يؤدي الى حل ولن يؤدي الى سلام حقيقي ولا الى دولة. فنص الاتفاق غامض والمرحلة الانتقالية معدومة الربط نهائياً، وليس لدى اسرائيل أي التزام بالانسحاب، وليس هناك من تسمية للأرض المحتلة بأنها محتلة. ولكن كنت أتمنى أن يكون فهمي مخطئاً، كنت أتمنى أن يكون الذين قبلوا على خطأ، ففي خطأي مصلحة للجميع. ولكن للأسف الشديد، كانت النتائج أسوا مما تصورت. لقد انتقلنا من منفى الى سجن كبير. وعرفات قضى سنوات في زنزانة، في غرفة. أين آفاق أوسلو؟ ما هي هذه الآفاق؟ ومع ذلك رضي القتيل ولم يرضَ القاتل.
> هل كان من حل آخر في رأيك؟
- هذا ما يحير فعلاً. كان من الممكن الوصول الى اتفاق آخر. لو عرف عرفات والمنظمة مدى حاجة اسرائيل الى اتفاق ما مع اسرائيل لكي يفتحوا بوابتهم أمام العالم العربي، لكانت مكافأتنا كحراس للبوابة أفضل وأكبر. ليتنا صبرنا أكثر، لو طلبنا مثلاً فك الاستيطان من غزة كنا سنحصل عليه. لكن الاستعجال كان يحجب القراءة الدقيقة للنصوص.
> ما أجمل خطاب كتبته لعرفات؟
- عرفات يقول ان أجمل نص كتبته له هو نص إعلان الدولة. وأعتقد شخصياً انه أجمل نص كتبته في هذا القبيل. والمفارقة انني كتبته بعد أوسلو. كنت حينذاك في باريس وجاء عرفات وطلب مني أن أكتب النص وكان موضوعه فكرياً، حول مشكلات العالم... وفي الاجتماع كان رؤساء العالم موجودين، وأستشهد أكثر من رئيس بالنص الذي قرأه عرفات، فقال لي «أرأيت كم ان خطابك جيد»، فقلت له: هذا أصبح خطابك أنت.
> كتبت النص على رغم اعتراضك على اتفاق أوسلو!
- اختلافي مع عرفات حول موضوع أوسلو لم يمسّ العلاقة الشخصية التي جمعتني به. والدليل انني ذهبت أو عدت الى الوطن في شروط أوسلو.
> والخطاب الشهير في السبعينات: «لا تسقطوا غصن الزيتون»؟
- لا لم أكتبه وحدي. كنا مجموعة وكتبناه معاً. لكن الصحافة ركّزت عليّ وكأنني أنا الذي كتبته.
rwayda
19-Aug-2008, 11:27 PM
http://www.daralhayat.com/special/dialogues/12-2005/Item-20051213-25342003-c0a8-10ed-0041-2f4b77cf171e/DarwishHugo_15.jpg_200_-1.jpg
حياة خاصة
> قلت لي انك لم تخرج من البيت منذ ثلاثة!
- وأحياناً أبقى أكثر.
> ماذا يعني لك البيت؟ ألا تشعر أحياناً بسأم ما، بوحدة ما...؟
- البيت يعني لي الجلوس مع النفس ومع الكتب ومع الموسيقى ومع الورق الأبيض. البيت هو أشبه بغرفة إصغاء الى الداخل ومحاولة لتوظيف الوقت في شكل أفضل. ففي الستين يشعر المرء بأنه لم يبق لديه وقت طويل. وشخصياً اعترف بأنني أهدرت وقتاً طويلاً في ما لا يجدي، في السفر، في العلاقات وغير ذلك. انني حريص الآن على ان أوظف وقتي لمصلحة ما اعتقد بأنه افضل وهو الكتابة والقراءة. يشكو كثير من الناس من العزلة، أما أنا فإنني أدمنت العزلة، ربيتها وعقدت صداقة حميمة معها. العزلة هي أحد الاختبارات الكبرى لقدرة المرء على التماسك. وطرد الضجر هو أيضاً قوة روحية عالية جداً. وأشعر بأنني إذا فقدت العزلة فقدت نفسي. أنا حريص على البقاء في هذه العزلة، وهذا لا يعني انه انقطاع عن الحياة والواقع والناس... انني انظم وقتي في شكل لا يسمح لي بأن انغمر في علاقات اجتماعية قد لا تكون كلها مفيدة.
> لم تعد حياتك صاخبة سياسياً مثلما كانت من قبل؟
- الصخب لا أستطيع ان أتحرر منه. مصيرنا الوطني والإنساني يعذب النفس ويعذب الفكر. ونحن الآن في لحظة تاريخية يسود فيها، لا أريد ان أقول، قانون الغاب، ولكن استبداد كوني لا يصيبنا وحدنا، لكننا نشعر به اكثر من سوانا، لأننا نحن الأضعف الآن في العالم. ولدينا أزمة حضور وأزمة علاقة بتاريخنا ومستقبلنا. والأخطر هو أزمة العلاقة بالمستقبل. من هنا، فهذا الصخب قوي جداً ولكن يجب ألا نرد عليه بصخب كتابي. فأنت لا تستطيع ان تصارع الصخب بصخب لغوي، فالصخب المادي أقوى من الصوت الذاتي. عليك ان تقاوم هذا الصخب بنقيضه، بل بلغة أهدأ وبالتأمل وبارتباط أعلى بالحياة، وبتمجيد جماليات الحياة وبالبحث عن الطاقة الكامنة في النفس البشرية... هكذا تستطيع ان تسمع صوتك. فالصخب الخارجي العالي يستطيع ان يبتلع صوتك. انني أقاوم الصخب بالسكينة.
.
> قلت مرة ان «البيت اجمل من الطريق الى البيت»؟ هل يذكرك هذا القول بكلام الشاعر الألماني هولدرلن عن «العودة الى البيت»؟
- كثيرون من الشعراء منذ هوميروس كتبوا عن ثنائية الطريق والبيت. كنت دائماً أميل الى تمجيد الطريق، والطريق بؤرة أساسية في الرؤيا الشعرية والصوفية. هذه الثنائية تتناوبها أوليات مختلفة. عندما كنت خارج الوطن، كنت اعتقد ان الطريق سيؤدي الى البيت وان البيت اجمل من الطريق الى البيت. ولكن عندما عدت الى ما يُسمى البيت وهو ليس بيتاً حقيقياً غيّرت هذا القول وقلت: ما زال الطريق الى البيت اجمل من البيت لأن الحلم ما زال اكثر جمالاً وصفاء من الواقع الذي أسفر عنه هذا الحلم. الحلم يتيم الآن. لقد عدت الى القول بأولية الطريق على البيت.
> إنها حالة عوليس إذاً؟
أجل، حالة عوليس الذي لم يجد نفسه ولا ما كان يتوقع، ولم يجد كذلك بينيلوب. وبحسب الحالة الراهنة عدت شعرياً الى التأمل أكثر في الدرب والسبب بسيط لأنني لم أجد البيت.
> متى توطدت علاقتك القوية بالبيت؟ في أي مرحلة من حياتك؟
- علاقتي القوية بالبيت نمت في المنفى أو في الشتات. عندما تكون في بيتك لا تمجد البيت ولا تشعر بأهميته وحميميته، ولكن عندما تحرم من البيت يتحوّل الى صبابة والى مشتهى، وكأنه هو الغاية القصوى من الرحلة كلها. المنفى هو الذي عمّق مفهوم البيت والوطن، كون المنفى نقيضاً لهما. أما الآن فلا أستطيع أن أعرّف المنفى بنقيضه ولا الوطن بنقيضه، الآن اختلف الأمر وأصبح الوطن والمنفى أمرين ملتبسين.
> أي بيت أحببت خلال منفاك؟ وهل من علاقة بين البيت والمدينة التي تكون فيها؟
- لا شك في هذه العلاقة. فالبيت لا ينفصل عن محيطه. بيت في حيفا يختلف عن بيت في باريس أو القاهرة أو بيروت. نوافذ البيت مفتوحة على أصوات الخارج. أما البيت المجازي الذي يخلقه الشاعر لنفسه فإنما هو بيت داخلي يخترعه الشاعر نفسه. إنه عبارة عن بيت شعري. هكذا يتحول البيت الى بيت شعر وبيت الشعر يصبح مسكناً أو مأوى. لذلك أحب كثيراً عثور العرب على كلمة واحدة ذات معنيين البيت أي المنزل والبيت الشعري، وهذا تطابق جميل.
> أول بيت سكنته بعد خروجك من فلسطين أين كان؟
- أول رحلة لي خارج فلسطين كانت الى موسكو. وكنت طالباً في معهد العلوم الاجتماعية، ولكن لم يكن لي هناك بيت في المعنى الحقيقي. كان غرفة في مبنى جامعي.
> كم أقمت في موسكو؟
- سنة. وكانت موسكو أول لقاء لي بالعالم الخارجي. حاولت السفر قبلاً الى باريس لكن السلطات الفرنسية رفضت دخولي الى أرضها. كان هذا في العام 1968. كان لدي وثيقة اسرائيلية لكنّ الجنسية غير محددة فيها. الأمن الفرنسي لم يكن مطلوباً منه أن يفهم تعقيدات القضية الفلسطينية. كيف أحمل وثيقة اسرائيلية وجنسيتي غير محددة فيها وأقول له بإصرار انني فلسطيني. أبقوني ساعات في المطار ثم سفّروني الى الوطن المحتل.
> هل أحببت موسكو؟
- كانت أول مدينة أوروبية وأول مدينة كبيرة أعيش فيها. طبعاً اكتشفت معالمها الضخمة ونهرها ومتاحفها ومسارحها... تصور ما يكون رد فعل طالب فتيّ ينتقل من إقامة محاصرة الى عاصمة ضخمة! تعلمت الروسية قليلاً لأتدبر أمور الشخصية. لكن اصطدامي بمشكلات الروس يومياً جعل فكرة «فردوس» الفقراء التي هي موسكو، تتبخر من ذهني وتتضاءل. لم أجدها أبداً جنة الفقراء، كما كانوا يعلّموننا.
> هل فقدت فكرتك المثالية عن الشيوعية في تلك اللحظة؟
- فقدت الفكرة المثالية لكنني لم أفقد ثقتي بالماركسية أو بالشيوعية. كان هناك تناقض كبير بين تصوّرنا أو ما يقوله الإعلام السوفياتي عن موسكو والواقع الذي يعيشه الناس، وهو مملوء بالحرمان والفقر والخوف. وأكثر ما هزّني لدى الناس هو الخوف. عندما كنت أتكلم معهم أشعر بأنهم يتكلمون بسرية تامة. وإضافة الى هذا الخوف كنت أشعر بأن الدولة موجودة في كل مكان بكثافة. وهذا ما حوّل مدينة موسكو من مثال الى مدينة عادية.
> الى أين سافرت بعد موسكو؟
- الى القاهرة.
> كم بقيت في القاهرة؟
- سنتين هما 1971 و1972.
> كيف كانت حياتك في القاهرة؟
- الدخول الى القاهرة كان من أهم الأحداث في حياتي الشخصية. في القاهرة ترسخ قرار خروجي من فلسطين وعدم عودتي اليها. ولم يكن هذا القرار سهلاً. كنت أصحو من النوم وكأنني غير متأكد من مكان وجودي. افتح الشباك وعندما أرى النيل أتأكد من أنني في القاهرة. خامرتني هواجس ووساوس كثيرة، لكنني فتنت بكوني في مدينة عربية، اسماء شوارعها عربية والناس فيها يتكلمون بالعربية. وأكثر من ذلك،وجدت نفسي أسكن النصوص الأدبية التي كنت أقرأها وأعجب بها. فأنا أحد أبناء الثقافة المصرية تقريباً والأدب المصري. التقيت بهؤلاء الكتّاب الذين كنت من قرائهم وكنت أعدّهم من آبائي الروحيين.
> هل التقيت طه حسين قبيل وفاته؟
- من سوء حظي أنني لم ألتقِ طه حسين، كان في وسعي أن ألتقي به، ولم يحصل اللقاء. وكذلك أم كلثوم لم ألتقِ بها. وحسرتي الكبرى انني لم ألتقِ هذه المطربة الكبيرة. كنت أقول انني ما دمت في القاهرة فلديّ متسع من الوقت لألتقي مثل هذه الشخصيات. التقيت محمد عبدالوهاب، عبدالحليم حافظ وسواهما والتقيت كبار الكتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم.
> هل عملت في القاهرة؟
- عيّنني محمد حسنين هيكل مشكوراً في نادي كتّاب «الأهرام»، وكان مكتبي في الطابق السادس، وهناك كان مكتب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وبنت الشاطئ. وكان توفيق الحكيم في مكتب فردي ونحن البقية في مكتب واحد. وعقدت صداقة عميقة مع محفوظ وادريس، الشخصيتين المتناقضتين: محفوظ شخص دقيق في مواعيده، ومنضبط، يأتي في ساعة محددة ويذهب في ساعة محددة. وكنت عندما أسأله: هل تريد فنجان قهوة استاذ نجيب؟ كان ينظر الى ساعته قبل أن يجيب، ليعرف إن كان حان وقت القهوة أم لا. أما يوسف ادريس فكان يعيش حياة فوضوية وبوهيمية، وكان رجلاً مشرقاً. وفي القاهرة صادقت أيضاً الشعراء الذين كنت أحبهم: صلاح عبدالصبور وأحمد حجازي وأمل دنقل. كان هؤلاء من الأصدقاء القريبين جداً. وكذلك الابنودي. كل الشعراء والكتاب الذين أحببتهم توطدت علاقتي بهم. والقاهرة كانت من أهم المحطات في حياتي.
> هل كانت القاهرة منطلقك الشعري الثاني بعد انطلاقتك الاولى في الأرض المحتلة؟
- نعم. ولكنني سأروي لك هذه الوقيعة: عندما كنت في القاهرة راحت الصحافة العربية وخصوصاً بعض الصحافة اللبنانية تهاجمني. وخصّت مجلة «الحوادث» غلافها مرة لي قائلة: ليته يعود الى اسرائيل. وراحوا يؤبنونني شعرياً معلنين انني انتهيت كشاعر. قبل أن أكتب، حكموا على ما سأكتب. في القاهرة تمّت ملامح تحوّل في تجربتي الشعرية وكأن منعطفاً جديداً يبدأ.
> ولماذا قامت هذه الحملة عليك؟
- كان يُنظر إليّ عندما كنت في الأرض المحتلة كوني شاعر المقاومة. وبعد هزيمة 1967 كان العالم العربي يصفق لكل الشعر أو الأدب الذي يخرج من فلسطين، سواء كان رديئاً أم جيداً. اكتشف العرب أنّ في فلسطين المحتلة عرباً صامدين ويدافعون عن حقهم وعن هويتهم. اكتسبت إذاً النظرة الى هؤلاء طابع التقديس، وخلت من أي ذائقة أدبية عامة. هكذا أُسقطت المعايير الأدبية عن نظرة العرب الى هذه الأصوات المقاومة بالشعر والأدب في الداخل. ومن القصائد المهمة التي كتبتها في القاهرة هي قصيدة «سرحان سرحان يشرب القهوة في الكافيتاريا» ونشرت في صحيفة «الأهرام» وصدرت في كتاب «أحبك أو لا أحبك».
> ما هي المحطة الثانية عربياً في مسارك الشعري؟
- انها بيروت، بلا شك. فبعد القاهرة انتقلت الى بيروت مباشرة. وأمضيت فيها نحو اثنتي عشرة سنة الى حين الخروج. عشت فيها من العام 1970 الى العام 1982. حنيني الى بيروت ما زلت أحمله حتى الآن. وعندي مرض جميل اسمه الحنين الدائم الى بيروت. ولا أعرف ما هي أسبابه. وأعرف أن اللبنانيين لا يحبون مديح مدينتهم في هذا الشكل. ولكن لبيروت في قلبي مكانة خاصة جداً. ولسوء حظي انني بعد سنوات قليلة من سكني في بيروت، وهي كانت ورشة أفكار ومختبراً لتيارات أدبية وفكرية وسياسية، متصارعة ومتعايشة في وقت واحد، لسوء حظي أن الحرب اندلعت. واعتقد ان عملي الشعري تعثر حينذاك.
> لكنك كتبت قصائد جميلة في بيروت؟
- أعتقد أن أجمل ما كتبت ديوان «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق». ولكن بعد اندلاع الحرب صار الدم والقصف والموت والكراهية والقتل... كل هذه صارت تهيمن على أفق بيروت وتعكره. وبعض اصدقائي هناك ماتوا وكان عليّ أن أرثيهم. وأول من فقدت هناك غسان كنفاني. وأعتقد ان الحرب الأهلية في لبنان عطلت الكثير من المشاريع الثقافية والفكرية التي كانت تجتاح بيروت. وانتقل الناس الى جبهات مختلفة ومتناقضة ومتحاربة.
> هل شعرت يوماً انك طرف في الحرب اللبنانية؟
- لا، أبداً. أنا منذ البداية كنت أعبّر لأصدقائي ومعارفي عن تشاؤمي من نتائج هذه الحرب. وكنت أطرح السؤال الآتي: هل كان في وسعنا ألا نُستدرج كفلسطينيين الى هذه الحرب؟ كانت هناك أجوبة رسمية تقول أن دور الفلسطينيين في الحرب هو الدفاع عن النفس ومواجهة محاولة إقصائنا. ولكننا أخطأنا في بيروت عندما أنشأنا ما يشبه الدولة داخل الدولة.
> هل أزعجك هذا الأمر؟
- كثيراً. وكنت أخجل من اللبنانيين إزاء الحواجز التي كان يقيمها الفلسطينيون في الأرض اللبنانية ويسألون اللبناني عن هويته. طبعاً لكل هذه الأمور تفسيرات وتبريرات. ولكن كنت أشعر دوماً بالخجل. وكنت أطرح على نفسي أسئلة عدة حول هذه الأمور، حتى أمام أصدقائي المتحمسين للقضية الفلسطينية والحركة الوطنية. ومن هذه الأسئلة: ماذا يعني أن ننتصر في لبنان؟ هذا سؤال كان يلح عليّ دوماً. ولنفترض أننا انهينا الحرب وانتصرنا، فماذا يعني الانتصار هنا؟ أن نحتل لبنان ونتسلّم الحكم في لبنان؟ كنت متشائماً جداً. ولم أكتب عن الحرب اللبنانية إلا كتابة شبه نقدية.
> لكنك أسست مجلة «الكرمل» في بيروت وكأن لديك مشروعاً ثقافياً!
- هنا المفارقة.
> الوجود الفلسطيني في بيروت كان له بعد ثقافي وساهم في منح بيروت دلالة ثقافية عربية.
- تستطيع أن تقول هذا الآن، بعدما وضعت الحروب أوزارها، الحروب الفلسطينية – اللبنانية أو الحروب الأهلية... تستطيع من خلال رؤية محايدة أن تنظر الى الآثار الايجابية للتفاعل الفلسطيني مع الحياة الثقافية اللبنانية أو التفاعل اللبناني مع القضية الفلسطينية. هناك جوانب ايجابية فعلاً. هناك مركز الأبحاث الفلسطينية، مجلة «شؤون فلسطينية» ومجلة «الكرمل» وسواها... كنت أشعر بأن وجودي في بيروت سيطول ولم أكن أشعر بالحرج وكأنني مقيم في شكل شرعي. ولكن أن أكون مقيماً في شكل اجباري ومضاد لرغبة اللبنانيين عبر تعايشهم القسري معنا، فهذا كان يزعجني. وعندما خرجت القيادة الفلسطينية والمقاتلون الفلسطينيون من بيروت لم أخرج. بقيت في بيروت أشهراً عدة. لم أتوقع أن الاسرائيليين سيحتلون بيروت. ولم أجد معنى لخروجي في السفن مع المقاتلين. ولكن في صباح ذات يوم وكنت أسكن في منطقة الحمراء، خرجت لأشتري خبزاً وإذا بي أشاهد دبابة اسرائيلية ضخمة. دخلت اسرائيل قبل الإعلان عن الدخول. حينذاك وجدت نفسي وحيداً أتجوّل في الشوارع ولا أرى سوى الدبابات والجنود الاسرائيليين ورجالاً ملثمين. قضيت فعلاً أياماً صعبة جداً ولم أكن أعرف أين أنام.
> هل بقيت في الحمراء؟
- لا. قمت بحيلة. كنت أنام خارج البيت في مطعم، واتصل بجيراني لأسألهم ان كان الاسرائيليون سألوا عني. إذا قالوا: نعم جاؤوا، فكنت أدرك انهم لن يأتوا مرة أخرى، فأذهب الى بيتي، أتجمّم وأرتاح ثم أعود الى المطعم. الى أن حصلت الكارثة الكبرى وهي مجزرة صبرا وشاتيلا. عندذاك تيقنت من أن بقائي هناك ضرب من العبث والطيش.
عندما احتل الاسرائيليون بيروت عام 1982.
> وكيف خرجت؟
- رتّبت الأمر مع السفير الليبي في بيروت حينذاك، فهو كان في مقدوره أن يأخذني من منطقة الأشرفية التي كانت «الكتائب» تسيطر عليها، الى سورية. ولكن كان عليه أن يجد طريقاً ليأخذني من بيتي الى مدخل الأشرفية. اتفقنا مع ضابط لبناني أوجد لنا شارعاً كان سيمر به الرئيس الراحل شفيق الوزان، وكان هناك اتفاق بين الاسرائيليين والحكومة على ألا يتعرضوا لهذا الشارع. وفعلاً سلكنا هذا الطريق وخرجنا من بيروت. وعندما وصلنا الى طرابلس، ذهبنا الى مطعم لنأكل السمك بعدما مللنا أكل المعلبات. وبعدما دخلت الحمام لأغسل يديّ نظرت الى المرآة فرأيت أنفاً عليه نظارتان. لم أعرف صاحب هذا الوجه لثوانٍ. كأنني كنت أنظر الى وجه آخر. وعندما وصلت الى دمشق أقمت هناك أسبوعاً. وكان حصل حادث طريف جداً على الحدود السورية – اللبنانية. فالضابط اللبناني على الحدود الذي طلب أوراقي، وكنت أحمل جواز سفر تونسياً ديبلوماسياً، وجد ان اقامتي قد انتهت وهذه مخالفة قانونية. قلت له: صحيح، ولكن ألا تسمع الأخبار؟ ألا تعرف ان ما من سفارات أو دوائر تعمل؟
> الى أين سافرت من دمشق؟
- الى تونس. وكانت زيارة ورأيت خلالها الرئيس عرفات والأخوان في مشهد تراجيدي. رأيت كل الثورة الفلسطينية تقيم في فندق على شاطئ بحر. كان المشهد مؤلماً جداً ويستدعي كتابة رواية عن هذا المصير. لكن عرفات سرعان ما أعاد بناء مؤسسته. وقال لي للحين: واصل إصدار «الكرمل». كان مهتماً حتى بالجانب الثقافي. فقلت له أين أصدرها؟ قال لي: حيث تشاء، في لندن، في باريس، في قبرص... ذهبت من ثم الى قبرص كي أرتب شؤون الرخصة. وصدرت «الكرمل» من قبرص فيما كنت أنا أحررها في باريس وأطبعها في نيقوسيا وكان معاوني الكبير هو الشاعر سليم بركات.
> كم دامت إقامتك في باريس؟
- نحو عشر سنوات ولكن في شكل متقطع، إذ كنت أسافر باستمرار. وكنت هكذا قريباً من منظمة التحرير في تونس.
> كيف كان انطباعك عن باريس؟
- كانت باريس عبارة عن محطة أكثر منها إقامة أو سكناً.
> هل ساهمت باريس في انطلاقك عالمياً وفتحت لك الآفاق الرحبة؟
- لا أعرف. لكنني أعرف بأن في باريس تمت ولادتي الشعرية الحقيقية. وإذا أردت أن أميّز شعري فأنا أتمسك كثيراً بشعري الذي كتبته في باريس في مرحلة الثمانينات وما بعدها. هناك اتيحت لي فرصة التأمل والنظر الى الوطن والعالم والأشياء من خلال مسافة، هي مسافة ضوء. فأنت عندما ترى من بُعد، ترى أفضل، وترى المشهد في شمولتيه. علاوة على أن باريس جمالياً تحرّضك على الشعر والابداع. كل ما فيها جميل. حتى مناخها جميل. في باريس كتب وفي وصف يوم خريفي: «أفي مثل هذا اليوم يموت أحد؟». ومدينة باريس أيضاً هي مدينة الكتّاب المنفيين الآتين من كل أنحاء العالم. تجد العالم كله ملخصاً في هذه المدينة. وكانت لي صداقات مع كتّاب أجانب كثيرين. وأتاحت باريس لي فرصة التفرّغ أكثر للقراءة والكتابة. ولا أعرف فعلاً ان كانت باريس هي التي أصابتني أم ان مرحلة نضج ما تمت في باريس، أم انه تطابق العنصرين بعضهما مع بعض؟ في باريس كتبت ديوان «ورد أقل» وديوان «هي اغنية» و«أحد عشر كوكباً» و«أرى ما أريد» وكذلك ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» ونصف قصائد «سرير الغريبة». وكتبت نصوص «ذاكرة للنسيان» وغاية هذا الكتاب النثري التحرر من أثر بيروت، وفيه وصفت يوماً من أيام الحصار. معظم أعمالي الجديدة كتبتها في باريس. كنت هناك متفرّغاً للكتابة على رغم انتخابي عضواً في اللجنة التنفيذية. وفي باريس كتبت نص إعلان الدولة الفلسطينية. مثلما كتبت نصوصاً كثيرة ومقالاً اسبوعياً في مجلة «اليوم السابع». كأنني أردت أن أعوّض عن الصخب الذي كان يلاحقني في مدن أخرى.
rwayda
19-Aug-2008, 11:28 PM
> عندما تركت بيروت حصل نوع من سوء الفهم بينك وبين بيروت... ماذا عن سوء الفهم هذا؟
- لم يحصل سوء فهم أبداً، بل كان لديّ حب عميق لهذه المدينة. لكنّ العلاقة بين المحبين ينتابها عتاب أحياناً. فعلاقتي ببيروت كانت علاقة حب. وقد شعرت في تلك اللحظة المأسوية بأن بيروت ستنسانا. هذا كل ما قلته وهو لا يجرح أحداً. وفعلاً مرّت بيروت لبضعة أيام في حال تراجع تجاه نفسها وتجاه الآخرين. أنت لبناني وتعرف اكثر مني. كانت بيروت محتاجة الى وقت أطول كي تتوازن. لكنها ما لبثت أن مرّت بحروب أهلية أخرى في غياب الفلسطينيين. وهذا دليل على أن الفلسطينيين لم يكونوا السبب الوحيد لهذه الحرب التي استحالت حروباً. لا. أنا لم أكتب عن بيروت سوى الحب. وكتبت بشجاعة العاشق المطمئن الى استعداد الحبيبة للاستماع إليه.
> مدينة عمان، هل هي لك بمثابة المستقر، اضافة الى رام الله؟
- بعدما أصبح في إمكاني أن أعود الى «جزء» من فلسطين وليس الى «جزء» شخصي بل الى «جزء» من وطن عام، وقفت طويلاً أمام خيار العودة. وشعرت بأن من واجبي الوطني والأخلاقي ألا أبقى في المنفى. فأنا أولاً لن أكون مرتاحاً، ثم سأتعرض الى سهام من التجريح لا نهاية لها، ثم سيقال انني أفضل باريس على رام الله أو على غزة. وبالتالي اتخذت الخطوة الشجاعة الثانية بعد الخروج وهي خطوة العودة. وهاتان الخطوتان من أصعب الأمور التي واجهتها في حياتي: الخروج والعودة. اخترت عمان لأنها قريبة من فلسطين ثم لأنها مدينة هادئة وشعبها طيب. وفيها أستطيع أن أعيش حياتي. وعندما أريد أن أكتب أخرج من رام الله لأستفيد من عزلتي في عمان.
> أليس من هدوء في بيتك في رام الله؟
- لا. التوتر عالٍ جداً في رام الله. ومشاغل الحياة الوطنية واليومية تسرق وقت الكتابة. انني أمضي نصف وقتي في رام الله والنصف الآخر في عمان وفي بعض الأسفار. في رام الله اشرف على إصدار مجلة «الكرمل».
> أين أصبحت «الكرمل» الآن؟ هل أكملت مشروعها؟
- كل مجلة يجب أن يكون لها تاريخ انتهاء. لا أعرف إن كانت «الكرمل» وصلت الى هذا التاريخ أم لا. لكنني أبحث فعلاً منذ سنوات عن طريقة لتجديد المجلة طابعاً وروحاً، من خلال تجديد محرريها. أي انني أبحث عن وسيلة للخروج لكي أعطي للجيل الجديد فرصة الاضافة والتطوير. لكنني أشعر حتى الآن بأن المجلة ضرورية ومطلوبة وتقوم بدورها الإبداعي والثقافي إضافة الى الترجمة.
> هل حاولتم التحاور مع المثقفين الاسرائيليين مثل بعض المجلات الفلسطينية في الداخل؟
- ليس كثيراً. هذه مسألة فردية. أنا لا أعترض على أي كاتب فلسطيني يحاور كاتباً اسرائيلياً معتدلاً ويجمعهما الحد الأدنى المشترك وهو القبول بالدولة الفلسطينية والحق الفلسطيني. ولكنني لا أقترح هذا الحوار كمقترح عام. وقد حقق زميلنا حسن خضر مساجلات مهمة مع بعض الكتاب الاسرائيليين وهي ليست حواراً مقدار ما هي مواجهة فكرية.
> هل تتدخل كثيراً في محتويات المجلة؟
- أقرأها حرفاً حرفاً. وأمارس دوري كرئيس تحرير. لأنني لم أقرر حتى الآن من هو رئيس التحرير المقبل. وهذا لا يتعلق بي وحدي بل بمجلس الأمناء وبمتطلبات الثقافة الفلسطينية في الداخل. فتوقيف مجلة مثل «الكرمل» يشكل تراجعاً كبيراً في الحياة الثقافية الفلسطينية. إننا في حاجة إليها. ولكن يجب أن يتسلّمها شخص سواي.
> هل ضجرت منها؟
- لا. لكنني أحررها منذ العام 1981 أي منذ أربع وعشرين سنة. وطبيعة الأشياء أن يتغيّر الأشخاص.
المرأة والمرأة – الأرض
> «سرير الغريبة» هو من كتب الحب الجميلة جداً وأعتقد انه استطاع ان يضع حداً لمقولة المرأة – الأرض أو الحبيبة – الوطن التي طالما تكلم عنها النقد إزاء شِعرك. كيف ترى الى هذه المقولة وهل من علاقة لها بـ «سرير الغريبة»؟ هل سئمت هذه المقولة؟
- لا لم أسأمها، ولكن هناك خطر من استمرار التمسك بالترمز. المرأة كائن بشري وليست وسيلة للتعبير عن أشياء أخرى. الوردة كائن جمالي من دون أن يرمز الى جرح أو دم. هذه محاولة لتطبيع علاقتي مع اللغة أو الكلمات والأشياء، ولتطبيع علاقتي أيضاً بالنظر الى الفلسطيني ككائن بشري أولاً، قبل أن يكون قضية. فالهوية الانسانية للفلسطيني سابقة للهوية الوطنية. صحيح اننا في صراع طويل يستلزم أن يقوم الشاعر خلاله بدور في بلورة الهوية الثقافية وفي حماية الروح من الانكسار، ولكن يجب ألا يلغي هذا الأمر حقنا الانساني في التأمل في طبيعتنا البشرية. فالفلسطيني إنسان يحب ويكره ويتمتع بمنظر الربيع ويتزوج... إذاً المرأة تحمل معاني أخرى غير الأرض. جميل أن تكون المرأة وعاء للوجود كله. ولكن يجب أن تكون لها شخصيتها كامرأة. عندما تعرضت في ديواني «سرير الغريبة» للنقد واتهمت بالتخلي عن ارتباطي بالقضية، قلت ان هذا تعميق للتجربة. ثم ان شعر الحب يمثل البعد الذاتي من أبعاد المقاومة الثقافية، فأن نكون قادرين على الكتابة عن الحب والوجود والموت والماوراء، فهذا يعمق من قيمتنا الوطنية وهويتنا. نحن لسنا خطاباً، نحن لسنا بياناً. وكما قلت أكثر من مرة وأكرر: الفلسطيني ليس مهنة بل كائن بشري يناضل ويدافع عن أرضه وحقه.
> هل يضيرك أن تُسمى مثلاً شاعر حب وليس شاعر غزل طبعاً؟
- أتمنى أن أكون شاعر حب أو أتمنى أن تسمح لي ظروفي التاريخية في أن أكون شاعر حب، لأن شعر الحب هو أجمل ما يمكن أن يكتب من شعر. والحب لا ينتهي. شعر النضال ابن مرحلة ما وهو ضروري، ولكنه لا يقدر على الاستمرار. الصراع عملية مستمرة، الصراع في معناه الايجابي، وهو يأخذ أشكالاً متعددة، منها صراع الانسان مع قلبه، الصراع بين العقل والقلب، نداء الغريزة، حق الرغبة في التعبير عن نفسها.
> هل عشت قصص حب وخيبات حقيقية؟ وهل كتبت انطلاقاً من تجارب عشق حية؟
- كل ما أكتبه في الحب أم في سواه، ناجم عن تجارب حية.
> هل هناك امرأة معينة كتبت عنها أو لها؟
- ربما. ولكن ليس كما يعبر عنها شعري. لماذا؟ لأنك إذا بدأت في كتابة قصيدة حب لا يمكنك ان تكتب عن المطلق في الحب، أنت تكتب عن امرأة معينة. لكن الكتابة تأخذ مجرى يخرج من سياق حادثة الحب. حينذاك تختلط ملامح المرأة التي تكتب عنها بملامح امرأة أخرى أو نسوة أخريات، وكذلك، بملامح الشجر والماء والتراب. النص يبدأ دائماً من المحدد ثم ينتقل الى الكلي. أما أن يكون لدي امرأة مثل «إلسا» حبيبة الشاعر أراغون فهذا صعب. ليس لدي «إلسا». هذا مع اعتقادي بأن «إلسا» كانت ذريعة للشاعر أراغون.
> سأنتقل الى الكلام عن «نوبل». ففي كل سنة يتجدد الكلام عربياً عن «نوبل» وتطرح دائماً أسماء عربية، وكان اسمك بارزاً هذه السنة من خلال الاحصاء الذي قامت به صحيفة «النهار» البيروتية وقد احتللت فيه المرتبة الأولى بحسب ترشيح بعض المثقفين العرب اسمك للجائزة! كيف ترى الى هذه القضية الاشكالية؟ هل فكرت بالجائزة يوماً؟
- لم أفكر بجائزة نوبل ولم أحلم بها وأشعر في داخلي بأن على الانسان أن يحلم بما هو ممكن وألا يتحول هذا الموضوع الى «وسواس». القضية غير شخصية وأشكر المثقفين الذين اختاروني للجائزة. ولكن كنت أتمنى ألا يكون اسمي مطروحاً بين الأسماء، لأنني لا أحب دخول هذه «البورصة». كل سنة ترتفع أسهم وتسقط أخرى. وعموماً هناك مشكلة في نظرة العرب الى صورتهم. الأدب العربي لا يحتل مكانته في العالم كما يظن الأدباء العرب. وجائزة نوبل ليست جائزة للأدب العربي. العرب فازوا بها بعد 87 سنة من تأسيسها وحازها نجيب محفوظ باستحقاق عالٍ. ومكانة العرب الأدبية ترتبط أيضاً بمكانتهم العالمية والسياسية وبحضورهم في العالم. ولا يمكن أن يستبعد هذا الشرط. يقيم العرب كل سنة زفة مما جعل القضية هذه محرجة حقاً. ومن حسن حظ العرب ان اعضاء اللجنة السويدية لا يقرأون العربية ولا يضحكون من إصرار العرب على انتزاع الجائزة. وإن فاز بها أي عربي فستكون الفرحة عربية. ولكن علينا أن نتصرف بلياقة أفضل وألا نصاب بمرض أو بهوس اسمه «نوبل». والمشكلة أن بعض الكتاب العرب إذا ترجم لهم كتاب يضعون نفسهم رأساً في قائمة المرشحين للجائزة هذه. وأنا أعتقد ان المرشحين لهذه الجائزة هم بالآلاف. وأي كاتب يمكن أن يُرشحّ الى هذه الجائزة. لكن هذا لا يعني شيئاً. فلماذا يقف العرب كل سنة في «طابور» الانتظار؟ إذا جاءت تكون جاءت وإذا لا فلا.. وعلى الذين يفكرون فيها يجب أن ينسوها، لعلها تتذكرهم.
> ماذا يعني أن يقول شاعر في حجمك ومرتبتك: «أنا لست لي أنا لست لي...»؟ هل هي الغربة التي يحياها الشاعر الذي فيك؟
- في آخر الأمر لا يبقى من الشاعر إلا بعض شعره، إذا كان استحق أن يصمد في غربال الزمن. أما هو فليس لنفسه، إنه منذور للغة ولتقديم مسوّغ وجوده على هذه الأرض. انه، في ختام الأمر زائل واللغة هي الباقية. «أنا لست لي» على المستوى الشخصي، ولكن ربما «أكون لي» على المستوى الشعري، وإذا كانت لي قيمة ما، فهي لن تكون لي، بل للغة وللآخرين.
> هل تخاف الموت؟
- لم أعد أخشاه كما كنت من قبل. لكنني أخشى موت قدرتي على الكتابة وعلى تذوّق الحياة. لكنني لن أخفيك أن الطريقة التي مات فيها الشاعر معين بسيسو في الفندق، وكانت غرفته مغلقة وعلى الباب إشارة «الرجاء عدم الازعاج» جعلتني أخشى هذه الاشارة أو اللافتة. فجثته اكتشفت بعد يومين. الآن كلما نزلت في فندق لا أضع هذه الاشارة على الباب. ولا أخفيك أيضاً انني لا أضع مفتاح باب البيت في القفل عندما أنام.
> أليست الفنون قادرة على هزم الموت كما قلت في قصيدتك «جدارية»؟
- هذا وهم نختلقه كي نبرر وجودنا على الأرض، لكنه وهم جميل
.
rwayda
25-Oct-2008, 02:06 AM
http://www.shrooq3.com/vb/image.php?u=286&dateline=1131236708
حوار مع الشاعر عدنان الصائغ
حاوره د.إسماعيل نوري الربيعي
- عمان -
بإزميل من فضة وقلب من بلّور يعكف هذا الصائغ على صياغة الصور والتراتيل والنشيج،في بوح يعزّ على تحديد نقطة الابتداء،مفتوحاً على النهاية التي لا تعرف الوصول الى الانتهاء.إنه الكوفيّ الذي ضمرته المراثي وأذى القصائد التي تعشعش في حشاشةٍ تسع الدنيا من دون الخضوع لتراتب عدد أو توزيع مكان،ينسج كوفيته من خيوط الكلام المنتقى مجمل الأوجاع الشفيف.
هو الخارج من الموت والحرب سهواً،متأبطاً معجم الأوجاع المغمّس بتراب الأولياء وصلوات القديسين، المذبوحين على باحة ورد الفجر.من أقصى الضياء يطالع سرب طيور حلقت نحو جنوب، علّها تنتظره هناك تحت نصب الحرية.لكنه واثق أنها ما أن تبدأ هجرتها حتى تبدأ بتلاوة نشيد أوروك،عند مستوى الرصيف الذي توارثه المحبون،وهم يدلفون زقورة الارتقاء نحو الشمس التي تلملم الاتساع في حركات عيونهم.
على القلق الذي تفرده سنابك خيل الطغاة،يثبّت عدنان بصيرته صوب أشجار الصنوبر الناحل،يغمد بشارة تنّز أذى وارتحالات، ومرورا يتعقبّه المخلصون الذين هالوا التراب على رؤوسهم، من فرط أصقاع الظلال التي خيّمت على دعاء المرمّلات والنائحات،المصطليات بنار الخفاء الذي يتغوّل العقول يروم تمزيق أوصالها.
حميم هذا النزف المشتهى،راعف كأنه بشارة المخلّص جاءت تستبيح جسد الخطيئة الذي ألف الرطوبة وتفسّخ الخطوات.من على أهداب ترنيمة الولوج الهادئ الشفيف،يستمطر عدنان حروفاً يُفردها على مساحة الكلام،يستنشق فيها عبير العطور التي توشحها نحاة الكوفة،وطلاب مرحلة السطوح في الحوزة وهم يستذكرون ألفية ابن مالك وأبيات الشنفرى والمتنبي ودعبل الخزاعي.مكوّن من حوار يقوده الشعر الى بواّبات الحفاوة وخزائن يقود إليها المسير الحثيث للنمل المجتهد والمقتصد.يدلفون جميعاً في الأقصى من نار التباريح واستباقات المعاني،حيث زهور النارنج تزدهي بها البساتين،تؤثل لحقول تكتوي بنار الشقاء وإشارات المستحيل،تصبوا من دون أن ينفطر قلبها لأسى الارتحال أو فراق العيون.
خرجت من الموت سهوا، أين الشاعر من الإنسان والإنسان من الشاعر؟
- في جدلية الحياة والموت، الجمال والقبح، الحب والحرب، الحرية والقمع، يكمن فن الشعر القادر على مزج الواقعي بالحلمي، والإنسان بالشاعر، تدويناً نصياً له قوة السحر (أن من البيان لسحرا)، ووهجاً عصياً على التدجين، وصرخة احتجاج أبدية، لا توقفها مقصات الرقيب، عابرة الأزمنة والكتب والذائقات والمدارس النقدية باتجاه ربيع الانسان وروحه المغمورة بالينابيع،
وفي هذا الإلتحام الجدلي: فنياً، وروحياً، وفلسفياً وتاريخياً يمكننا أن نتلمس هذا التماهي بين النص والحياة على مرِّ تأريخ الإبداع الإنساني، فليس بالمكان الفصل بين أصابع الشاعر وقصيدته، و بين احساس الفنان ولوحته، وبين روح الثائر وصرخته. وكلما ازداد هذا التماهي بينهما ازداد المنتج شفافية روحية وتوهجاً تعبيرياً وصلابة مبدئية في آن...
ولك ان تأخذ من تشكك ناقة المتنبي مثلاً يغنيك عن الكثير في شرح هذا التماهي بين الفضاء وروح الشاعر. لنسمعه يقول:
"شيم الليالي أن تشكك ناقتي
صدري بها أفضى أم البيداءُ"
واستبدل الفضاء بالورقة والناقة بالقلم، أو استبدل الورقة بالمخميلة والقلم بالحلم، أو استبدل المخيلة بالدهشة والحلم بالكلمات، تجد أن التماهي يصل إلى أقصاه وإنْ باشكال شتى، من نظرية الحلول الصوفي عند الحلاج، إلى اختلاط الحواس عند رامبو، إلى حمل الكلمة خشبة للصلب عند دعبل، والخ، والخ..
ومن هذه الثيمة، خرجتُ من الحرب سهواً، جندياً أمضى أكثر من 13 عاماً راكضاً بين السواتر والقنابل والاسلاك.. وشاعراً تسلل من بين مقصات الرقيب وتقارير بعض المخبرين بـ ستة دواوين حاولت أن تؤرخ لتلك السنوات المرة بصراخها الملتاع.
كأنك تمارس الحياة من خلال الشعر، تصطف هكذا مع حزمة الضوء من دون كلل، تحث الروح نحو الاستغراق في الشعر.
- لم يكن لي خيار سوى هذا، ففي أزمنة الموت والطغيان والطوفان، لابد لك من طوق نجاة.. وهكذا وجدتُ في الشعر نجاتي، وملاذي وسلواي..
البعض اتجه إلى الابديولوجيا أو الدين أو الصمت.. غير أني وجدتُ في الشعر تسامياً روحياً يرقى إلى أكثر الطقوس والمثل الانسانية شفافيةً وصفاءً، كما وجدتُ فيه تحدياً يوازي أكثر أسلحة الرفض قوةً وتأثيراً، فتلبسني وتلبستهُ - على الكفاف - أعيش حياتي به سلوكاً ووعياً، ويعيش بي تعبيراً وتذوقاً وتمرداً وتمايزاً..
فمنذ أن تفتح قلبي ووعيي على الدنيا، كنتُ أراه ملاصقاً لي، يسندني ويمدنّي بالكثير..
في طفولتي كان هو الحقل السرمدي، أركضُ فيه بلا كلل، خلف فراشاته الضوئية.. وفي صباي كان ملعبي وحلمي وسامري في الطريق... وفي شبابي كان مرآتي وصرختي وصلاتي في معركة الوجود.. وأجده الآن – في بدايات كهولتي - المصباح الأبهى في تلك الحلكة..
تنشد بحرقة، هكذا أنت في ((نشيد أوروك))، تستحضر كل شيء الأماكن والتواريخ والأسماء والتراب، إلى أين يسعى عدنان ((الشاعر)) الصائغ؟
- حاولت في النشيد أن أؤرخ كل ما مرّ في وطني من حروب وطغاة وحضارات وأغانٍ وأحلام وملوك وشهداء وصعاليك، لوّنوا تاريخنا بأغانيهم وخطبهم وطبولهم وأنينهم فكانت حياتنا - وكان الوطن - مسرحاً كبيراً لهم.. ونحن - المتفرجين - لا نملك غير التصفيق أو الصفير أو الصراخ أو الإنفجار أو النواح.
كنتُ أريد أن أقرأ في وجه "عبود" بطل النشيد كل هذه التلاوين وأفجّر في مساماته، مسامات الورقة، ذلك الغضب الخفي، والحكايات المسكوت عنها..
بدأتُ في كتابة النشيد عام 1984 في اسطبل مهجور للحيوانات في قرية شيخ اوصال في السليمانية، عندما كنتُ جندياً.. بقيتُ فيه قرابة العام والنصف مع رائحة البول والبارود والعناكب، وانتهيتُ منه عام 1996 في بيروت.. وكان يعيش معي، تحت جلدي، خلال تلك السنوات الاثنتي عشرة، في حلي وترحالي وخيباتي وأحلامي وأندفاعاتي وانكساراتي.. أدوّنُ وأدوّنُ في كل يوم بعضاً من صفحاته، دون أن أدري أنه سيكون على شكل قصيدة طويلة واحدة تربو على حوالي 500 صفحة..
وكان لتشجيع الناقد جبرا ابراهيم جبرا وخالي الشاعر والناقد د. عبد الاله الصائغ والشاعر عبد الرزاق الربيعي وبعض الأصدقاء، أثر كبير في مواصلة هذا المشروع المجنون...
ترى هل وصلتُ إلى ما كنتُ أسعى إليه؟
ولكن إلى أين أردت أن أصل!؟
وهل يبتغي الشعرُ الوصولَ!؟.. الوصول إلى أين!! كما ذهب الصديق الشاعر سركون بولص في عنوان إحدى مجموعاته الشعرية..
أنت من جيل عاش لوثة الخراب والحروب والانقطاعات، جيل عاش الحروب، حتى لتقترب من توصيف الشيخ محمد رضا الشبيبي:
بكرت عليك تريك هول الموعد
حرب تروح بنا وأخرى تغتدي
- سلسلة حروب أو حلقات كوارث أو تقاسيم فواجع، لدكتاتور واحد، كان متوزعاً بصور وأشكال شتى..
ما أن فتحتُ عيني على الدنيا ذات يوم من عام 1955 حتى وجدتُ الفقر أمامي مكشّراً أنيابه، ثم تلتهُ الانقلابات السياسية الدموبة، وصولاً إلى مطحنة الحرب التي لم تبقِ لنا شيئاً ولم تذر..
انها إذن، سنوات طاعنة في الخيبات، ألقت بظلالها الكابية على جبيلنا وتجاربنا وحياتنا.. وحملتنا – ذات هروب شبه جماعي بعد حرب الخليج الثانية – إلى أصقاع المنافي البعيدة..
نعم، انها حروب وفواجع تروح بنا وتغتدي، ولذلك ما أن تفتح ديوان أي شاعر من جيلنا حتى تقفز عليك فئران الحرب وشظايا الروح وطفح الخيبات..
وهذه المفردات أصبحت السمة المميزة لجيلنا.. افترشت أغلب تفاصيل كتاباتنا حتى في الحب والمرأة والأصدقاء والذكريات والمدن والموضوعات الأخرى...
وليس غريباً ذلك وقد عاشت معنا وفينا وحولنا أكثر من نصف أعمارنا..
تجليات الواقع، حيث الخروج من الوصف إلى الممارسة، أين بتقديرك تكمن قدرات الشاعر؟
- لم يعد الوصف من مهمات الشعر الرئيسة، كما كان في عصور الشعر القديمة، ولم يعد أيضاً مقياساً لقدرات الشاعر ومهارته.
لقد تخطى الشعر في مسيرته الحداثوية تلك المساحات المكررة إلى طرقٍ أكثر عشباً وضوءاً..
قد حفل الشعر العربي طيلة عقوده المنصرمة بأطنان الوصف والمديح اللذين أثقلا كاهل القصيدة إلى حد كبير فلم تعد تقوى على السير إلى أبعد من لسان المنشد أو أذن السامع...
كأن الوصف يشيد جدراناً أمام حقول القصيدة...
كأنه يكممها، مختزلاً لسانها وصورها ورؤاها...
كأنه يسعى أن يكون بديلاً..
لكن الشاعر الخلاق هو الذي يخترق هذه الجدران، ليدخل بنا في اللهب.
والقصيدة الحية هي التي تكسر أو تقفز تلك الحواجز، وتحفر عميقاً في بواطن الأرض والتاريخ والانسان لتستكشف طرقاً بكراً غير مأهولة..
ولا يتآتي ذلك بالجاهزية والوصف، بل في تلبس الحالة، في الامتزاج بها، في تعريتها، في الإصغاء إلى هسيسها الخفي..
وهنا تكمن موهبة الشاعر المتفرد وقدرته على الإختراق..
rwayda
25-Oct-2008, 02:07 AM
عامرة بلادنا بالأحزان، كأنها النقيع الذي تستحم فيه الاحتدامات والاشكالات،الحزن والشعر، أم أن هناك معادلا آخر لهذه العلاقة؟
- لم يكن الحزن وحده سر هذا التفجر والثورات الذي عرفته أرض الرافدين على مختلف الأصعدة: الفنية، والأدبية، والسياسية، والإجتماعية، والإقتصادية، والخ، منذ فجر حظاراتها حتى اليوم..
فنهراها الخالدان اللذان اصطبغا بالدم والرماد والكتب، تلوّنا أيضاًُ بشموع النذورات وأغاني المحبين وطمي الحضارات. وسماؤها المشمسة التي حجبتها أدخنة الحرائق وذرق الطائرات، أضاءتها أيضاً ابتهالات الصوفيين وقباب الذهب وأعذاق النخيل.
ربما بين طياتي هذه المفارقة أو بين طيات التاريخ والأرض، يكمن السر الذي توقف عنده المؤرخون ملياً، كالطبري في تاريخه، وابن خلدون في مقدمته والخ..
وشد إليه الملوك والفاتحون والغزاة رحالهم واطماعهم وجيوشهم.
وندبته آله سومر، وفرشته أخيلة الشعراء والمغنين على مر تاريخه بأكاليل الغزل وأطواق الورود والأغنيات كما لم يغن ويندب لبلد.
ودكته صواريخ التوماهوك كما لم يدك بلد في الأرض.. والخ.
وهذه الإحتدامات والفيوضات التي جرت في عروق أبنائه، هي المعادل الموضوعي لكل ذلك الموروث الضخم والمذهل والفاجع الذي قرأناه في التاريخ وعاصرناه في الحاضر، والذي حمل في نفوس أهله - وشعرائه بالأخص - الكثير من التوتر والاحتدام من جانب والشفافية والطيبة من جانب آخر، فطفحت في أغانيه ومواويله نبرة الحزن والشجن منذ أغاني اينانا السومرية وحتى انشودة المطر لبدر شاكر السياب، وإلى آخر شاعر تسعيني يسطر – اليوم - نصه الجديد.
لقد عبرتُ عن تلك المعادلة أو المفارقة، في قصيدة لي بعنوان "العراق" ضمها ديواني الأخير "تأبط منفى"، أقول فيها:
"العراقُ الذي يبتعدْ
كلما اتسعتْ في المنافي خطاهْ
والعراقُ الذي يتئدْ
كلما انفتحتْ نصفُ نافذةٍ..
قلتُ: آهْ
والعراقُ الذي يرتعدْ
كلما مرَّ ظلٌّ
تخيلّتُ فوّهةً تترصدني،
أو متاهْ
والعراقُ الذي نفتقدْ
نصفُ تاريخه أغانٍ وكحلٌ..
ونصفٌ طغاهْ"
.......
هل اكتفيت من تأبطك المنفى، هذا الجليد الاسكندنافي الكثيف، حدثنا كيف يطبق على الروح؟
- أفتح نافذتي على مدار أغلب شهور العام فلا أجد أمامي سوى قطوف الثلج تملأ شوارع الروح بالغياب والغربة..
الجليد بمد لي لسانه الأبيض، وكذلك الورقة البيضاء التي أمامي. ثم يطبقان علي.. كأنني مسجون أبدي بالبياض أو الغياب.
"أيهذا الغريبُ الذي لمْ يجدْ لحظةً مبهجهْ
كيف تغدو المنافي سجوناً بلا أسيجةْ"
حين تأبطت منفاي صيف 1993، وألقى بي وبحقائبي في غرفة صغيرة قرب الساحة الهاشمية في عمان، لم أكن أفكر أو أحلم أن رحلتي هذه، ستعبر بي مدناً، وصحارى، وبحاراً، ومقاهٍ، وأصدقاء، وساحات، لم تكن تخطر لي على بال، وصولاً إلى جنوب القطب الشمالي.
حيث تصل درجة الحرارة الى 36 تحت الصفر، ودرجة الحرية إلى أقصى مدى يتخيله المرء، أنا القادم من بلد الهجير والحروب والقمع حيث تصل درجة الحرارة إلى فوق 50 مؤوية، وتصل درجة قمعك إلى حد أنك لا تستطيع أن تفتح فمك من وقع سياطهم وجزماتهم لتصرخ: آه..
هنا وضعتني هذه المفارقة، صافناً، ومندهشاً، على ضفاف نص جديد مفتوح، أسميته "نرد النص" يبتعد إلى حد كبير، ايقاعاً وشكلاً ولغةً وجرأة، عن كل تجربتي الشعرية..
مسالة الأجيال تؤرق البعض من الشعراء والنقاد، حتى لترى المزيد منهم يسفحون الكثير من الجهد في التوزيعات والتقسيمات.
- مصطلح "الجيل الشعري" وليد اصطراع أدبي، هو أقرب إلى لغة الصحافة وصراعاتها الهامشية منه إلى متن النقد الأدبي الجاد.. وقد وجد من يصفق ويهلل له، وخاصة ممن فاتهم قطار الإبداع، فتمسك بعربات هذا المصطلح المتوقفة على السكة منذ زمن، ظناً منه أنهم في قلب الحركة أو القطار..
وسايرهم أيضاً بعض النقاد ممن لم يستطع غور سبر التجربة، فتعكز على هذا المصطلح، يقلبه ذات اليمين وذات اليسار، مثيراً ما وجد تحته أو فوقه من غبار، ظاناً أنه يقود معركة في النقد بينما هو لم يتجاوز حدود عجاج المسطلح..
ولا أدري - لعمري - ما علاقة طالب عبد العزيز برعد بندر مثلاً وهما من جيل ثمانيني واحد. أو علاقة رعد عبد القادر بغزاي درع الطائي مثلاً وهما من جيل سبعيني واحد. أو علاقة فاضل العزاوي بحميد سعيد مثلاً وهما من جيل ستيني واحد. أو علاقة سعدي يوسف براضي مهدي السعيد... مثلاً وهما من جيل خمسيني واحد، والخ، والخ.. وصولاً إلى علاقة أبي تمام والبحتري بـ "الخمسمئة شاعر" الذين طووهما تحت إبطيهما، كما يروي أبن رشيق القيرواني، في كتابه "العمدة".
وإلى علاقة شكسبير بشعراء جيله الذين لم يذكرهم أحد إلا لماماً في الوقت الذي يصدر عنه يومياً من الكتب ما معدله - وفقاً لما تقول إحدى الاحصائيات البريطانيبة - كتابٌ واحدٌ في كل يوم..
وتعال مرة أخرى وقل لي من أي جيل هو شكسبير والمتنبي.
إنهما كل الأجيال وكل العصور وكل الثقافات وكل الأوطان، لا يحد إبداعهما حد، ولا يحصر تجربتهما جيل أو مذهب أدبي.
لهذا لا أرى من ضرورة لسفح الحبر والجهد على توزيعات وتقسيمات آنية لن تصمد أمام رياح السنين .
فلن يبقى من معمعة المصطلح الجيلي سوى النص المبدع المتوهج بتفرده.
حالم بالحياة لافظ للموت، بطريقة لا تقبل الالتباس، هذا ما تقوله قصيدتك، هل يتمكن الشاعر من صنع الدهشة فقط؟
- الشاعر الرائي – كما تسميه ملحمة كلكامش – والصانع الأمهر - كما يصفه ت. س. اليوت - وسارق النار - كما يجسده بروميثيوس - والحلم المكتوب كما يذهب إليه باشلار، وسمير وادي عبقر - كما يراه نقاد العرب القدامى -..
وهو سيد الدهشة، بإمتياز، ماضياً بنا إلى تلك الأرخبيلات أو اليوتوبيا ليرينا عوالمها ويقف بنا على أسرارها وأطيافها، أو صاعداً بنا إلى الجلجلة، منشداً لربيع الإنسان القادم من مخاضات عذابه، إلى شواطيء الحرية والحب والجمال..
وتلك – برأيي – أولى رسالات الشاعر وأبهاها منذ أن سرق بروميثيوس النار حتى آخر شاعر يحمل كبريته في غابات اللغة.
بارع في صنع المعادلات، لنتأمل قصيدة ((ثقب)) على سبيل المثال، من مجموعة ((تحت سماء غريبة))، تعمد إلى اختزال العالم في ثقب نوم، الإحالة إلى اقتطاع العلاقة بين القاتل والمقتول في تجريد ملفت.
- القصيدة تقول:
"طلقةٌ عابرةْ
ثقبتْ نومَهُ
فتدفقَ
- فوق وسادتهِ -
لزجاً
دمُ أحلامهِ الخاسرةْ"
حياتنا التي ظلت عرضة للرصاص على مدار تاريخ الوطن.
وحين كنا نخبئها من عيون الرصاص والمخبرين في الخنادق أو الدواليب، تاركين أحلامنا، تتسكع لوحدها على الأرصفة مع المطر والحبيبة والكلمات والأمل، وكان في هذا زهونا وتحدينا ونصنا.
ولم يكن يخطر على بالنا أن الجلاد سيطلق الرصاص على أحلامنا ليرديها، على أسرتنا، مسربلة بقطرات خساراتنا ودمائنا.. هكذا تذهب القصيدة في مدياتها إلى آخر المرارت.
وهكذا تذهب معادلة الكلمة والرصاصة إلى آخر مديات إصطراعهما، لترينا أنه كلما تفتق القلم عن فنون الإبداع والجمال والحب والتفرد، كلما ازدادت الرصاصة تفنناً في شراسة القتل.
وتلك - لعمري - معادلة أزلية أرقت الوجود الإنساني برمته منذ مقتل هابيل، وحتى تفجيرات الطف، تنويعاً وترويعاً في وسائل القتل وتلويناً في الأهداف الآيديولوجية
rwayda
25-Oct-2008, 02:08 AM
حوار مع الشاعر العراقي عدنان الصائغ
أجرى الحوار: مصطفى عبادة
- القاهرة -
في قصائدك نزعة تشاؤمية عالية رغم ذلك تنهي أغلبها ببارقة أمل.. هل ما زال هذا الأمل لديك؟
- الحياة المرّة التي عشناها هناك، خلف أسوار أعتى دكتاتورية شهدها التاريخ المعاصر، وبين دخان الحروب، صبغت نصوصنا بلونها الكابي وثقبّت أحلامنا وأيامنا بشظاياها.. فكنتَ ترى اللوعة والشجن والاغتراب في نصوصنا داخل الوطن.. وترى الحنين والخيبات والغياب في نصوصنا الملتاعة خارج الوطن..
لكن بين هذا وذاك، كانت ثمة أعشاب ندية وزهور متفتحة وينابيع متفجرة تجدها هنا وهناك, في هذا النص أو ذاك, تتغذى بأنساغ الأمل المترقرة في أرواحنا الحالمة بالغد، والعاشقة الأبدية للحرية. ولولا ذاك لغدت حياتنا – بل ونصوصنا - يأساً ويباساً وموتاً..
وإلى ذلك أشار الطغرائي:
"أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ"..
هذه الفسحة التي وجد الأنسان ظالته فيها، منذ بدء عذاب البشرية حتى يومنا هذا، ربما تكون هي أمنية, أو يوتوبيا، أو هي رغبة وتحدٍ وسعيّ لتحقيق ما لم يتحقق..
أنت من جيل الثمانينيات الشعري في العراق, ما الذي بقي من هذا الجيل؟
- ظل من هذا الجيل الكثير: نصوصاً وأشخاصاً وشهادات وخيبات.. ظل منه هذا النسغ الملتاع الموصل بين الأرض والثمار الجديدة: تأثراً وتأثيراً، تستطيع أن تتلمسه في بعض ما يكتبه التسعينيون وغيرهم مثلاً..
إن جيلنا الثمانيني الذي عاش ثلاثة حروب طاحنة وحصارات طويلة وتهميش قاسٍ, كان أقوى في الانتصار على موته ويأسه.. لقد ظل الرائعون والأصيلون منهم يواصلوان مشوارهم الابداعي بمختلف الاتجاهات, مؤسسين ومرسخين مفاهيمهم الجمالية والفنية على خريطة القصيدة المعاصرة عراقياً وعربياً وعالمياً..
في عز معمعة القصائد التي تمجد الحرب في العراق كتبت ديواناً بعنوان: "العصافير لا تحب الرصاص.. ألم تخشَ على نفسك من العقاب سيما أنك كنت جندياً لفترة 12 عاماً متواصلة؟
- كنا نستخدم لغة الخطاب المستتر أثناء هيمنة الخطاب الاعلامي الرسمي وتصاعد دوي القنابل والشعارات الرنانة في تلك الحقبة الكالحة من سنوات الحرب والموت المجاني وقد ألقت بنا أقدارنا جنوداً أو أحطاباً على تلك السواتر البعيدة, أو أقلاماً بين حقول الألغام..
كنا نلوذ بنصوصنا المشاكسة إلى التاريخ والميثولوجيا والحب خوفاً من مقصات الرقيب والتأويلات القاتلة..
وكان البعض يميل إلى الرمز أو التورية أيضاً تجنباً لمتاعب قد لا تخطر على بال....
في احدى قصائدي التي نشرتها بعد خروجي من الوطن أقول فيها:-
"في وطني..
يجمعني الخوف
ويقسمني
رجلاً يكتب
والآخر خلف ستائر نافذتي
يرقبني.."
قصيدتك "نشيد أوروك" محاولة لكتابة سيرة شعرية للوطن هل قصدت ذلك.. أم أردت استحضار الوطن الغائب في الواقع، إلى القصيدة؟
- بدأتُ في كتابة نشيد أوروك عام 1984 في اسطبل مهجور للحيوانات عشتُ فيه قرابة عام ونصف جندياً معاقباً.. والحرب العراقية الايرانية في أشدها. وذات يوم ملأوا الاسطبل بصناديق العتاد المكدّسة لفوجنا, كنا نجلس وننام ونأكل ونستمني, على تلك الصناديق المرعبة..
أحسستُ وقتها أن مجرد صدفة أو طلقة أو شرارة نار يمكن أن تحيلنا إلى ذرات لامتناهية من الشظايا المتناثرة في فضاء هذا الكون الأجرد.. في تلك الأجواء الكابوسية المديدة جاء أحد الجنود، يوماً، يحمل بقايا صحيفة وجدها قرب حاوية النفايات، بسطها أمامي ليريني صورتي وسط مقال كتبه الناقد المرحوم عبد الجبار داود البصري محتفياً بديواني الأول.. "انتظريني تحت نصب الحرية". انهمكت في بكاء مرّ، وأنا أرثي حالي البائس هنا وثمة أناس وقراء ربما يقرؤونني الآن..
أمسكتُ قلمي، وعلى ضوء الفانوس الشاحب، المتراقص الضوء، بدأتُ أسطر أولى كلمات قصيدتي "هذيانات داخل جمجمة زرقاء" والتي أسميتها فيما بعد "نشيد أوروك"..
كنت أحاول أن أسطر فيها كل ما مرّ ويمر بي من فصول وهواجس وفواجع وقراءات وأحاديث وأحلام وذكريات.. و.. و.. ومن خلال ذلك استحضر عذابات وطني المرمى هناك على سواتر الحرب منخوب الروح من الطلقات والشعارات.. ولم أكن أدري أنها ستمتد على أوراقي وحياتي وطوافي لتصل إلى مئات الصفحات ولتخرج بعد 12 عاماً من الكتابة بهذا الشكل وهذا العويل..
قصائدك تحتفي باللحظات الحميمية والأصدقاء بما يشكل ثيمة رئيسية من شعرك.. هل هو هروب من قتامة الواقع؟
- في التفاصيل الصغيرة يمكنك أن ترى العالم, وفي تلك اللحظات الخفية تتلمس سخونة الواقع, قتامته أو فتنته. وما الشعر إلا سابر أغوار تلك العوالم العصية, مستكشفاً ومدوناً ومستبصراً..
كنتُ أرى أن الثيمة الحقيقية للحياة والتاريخ تكمن في تلك التفاصيل المسكوت عنها, وفي خفايا الروح وفي قاع المدينة السحيق..
ومهارة الشاعر هنا تكمن في قدرته على التقاط تلك التفاصيل التي ربما لا ينتبه لها الآخرون على رصيف الحياة..
ما مصير هذا الشعر الذي كان يمجد الحرب.. ما الذي سيبقى منه؟
- هذه النصوص مصيرها الزوال – إن لم أقل شيئاً آخر - نعم ستزول هذه الأبواق والنصوص واللوحات والمسرحيات والروايات والقصص والأغاني التي زجّها النظام السابق – بالترهيب والترغيب - في أتون معركتهِ، أبواقاً ووسائل ايضاح لإيديولوجيته البائسة..
ما يتبقى من نصوص الحرب فقط هي تلك النصوص الصادقة المتفردة المعجونة بالدم والرماد, النصوص الحية التي كانت تعبر – بصدق وفنية عالية - عن معاناة الناس وحياتهم المفجوعة ومخاوفهم وأحلامهم وأفراحهم المبتسرة وخيباتهم داخل تلك الطاحونة التي دارت بنا لسنوات طويلة ومريرة..
يمكن للناقد النزيه وللقاريء الجاد أن يخرجا - من بين تلك الأطنان المكدسة من الروايات والدواوين ببضعة منها حافظت على صدقها وابداعها وهي تستحق منا الاحترام والاهتمام كنموذج حي على أن آلة الموت لم تستطع أن تقتل أو تفسده روح الابداع العراقي أبداً.
ما الاضافة التي قدمها جيلك (الثمانينيات) للشعرية العربية من العراق؟
- تختلف الإضافة التي يقدمها جيل عن جيل باختلاف منسوبه الابداعي من جهة واختلافات الزمان والمكان والمتلقي- من جهة أخرى –
هذا المتلقي سواء كان قارئاً أم شاعراً أم جيلاً..
وقد امتد جيلنا الثمانيني بتجاربه المتفاوتة والمتشعبة إلى التجارب الأخرى سواء كانت ذلك في العراق أو خارجه.
ويمكنك أن ترى تلك الإضافة من منظورين: تاريخي وابداعي.
الأول طبيعي يتأتى من تأثير السابق على اللاحق في كل تجربة جيل ومدرسة ومذهب وحضارة.. وهو دورة شاملة في تاريخ الانسانية عموماً.
أما الثاني فهو ذلك التأثير الخلاق الذي يولد من ديمومة الابداع نفسه وقوة جذبه وتجاوبه مع الآخر..
أنت تنتمي شعرياً إلى مدرسة سعدي يوسف.. ألا ترى أن هذه الشعرية استهلكت تقنياتها.. ولم تعد تقدم الآن جديداً؟
- لا أنتمي إلاّ إلى مدرسة الشعر بحشد شعرائها من امرئ القيس إلى أحمد الصافي النجفي, ومن كافافي إلى سعدي يوسف, ومن ملحمة كلكامش إلى انشودة المطر, ومن المتنبي إلى شكسبير, ومن انخدوانا إلى سافو, ومن الحلاج إلى محمود درويش.. ومن ديك الجن الرومي إلى أدونيس, ومن لوركا إلى حسب الشيخ جعفر، والخ, الخ من دورة الأجيال والاتجاهات والمشارب..
ولك أن ترى في التأثر والتأثير سنة الحياة الشعرية, ولك ان ترى في التفرد سنة الابداع الذي لا يتكرر في كل عصر وجيل..
واخالفك الرأي بأن مدرسة سعدي قد استهلكت تقنياتها, فما زالت حية بجديدها. وما جديد الكواكب إلا ضوؤها المتجدد.. وليس بتغير أشكالها ومساراتها وفصولها..
هل تعتقد أن المنفى خلق جماليات جديدة في القصيدة العربية؟
- فتح المنفى أمام الشاعر العربي تجربة مهمة في النظر الحر إلى الوطن من شرفة الحرية.. والكتابة المفتوحة عنه بعيداً عن سلطة الرقيب الحكومي..
وتأتي قصيدة المنفى تنويعاً حاراً على ايقاع الشعر العربي على مستوى المضمون والشكل والرؤية والاتجاه.. ومثلما كان للموشحات الاندلسية تأثيرها على حركة الشعر وخلخلة نظامه الايقاعي.. ومثلما كان لتجربة شعراء المهجر (جبران خليل جبران, والياس أبو شبكة وغيرهم) تأثيرها المهم على المضامين الجديدة.. فأنني أرى أن قصيدة المنفى العربي استفادت من هذا التجارب العالمية وأشياء أخرى كثيرة.. وسيكون لها تأثير واضح على بنية الشعر العربي اليوم..
أنت تعيش في السويد بتراثك العربي, كيف كانت لحظة الالتقاء؟
- وجدتُ نفسي وشعري بين قطبين مختلفين لا يلتقيان, أنا القادم من بلد الحروب والدكتاتوريات والنفط والقمع إلى بلد الحرية والرفاهية والسلام والأمان, حيث تغدو الحرية لديهم أعلى قيمة في الوجود الانساني وأعلى من أي سلطة.. وحيث لم تعرف هذه الأرض حرباً منذ ما يقرب المئتي عامٍ..
كما وجدتني بين مناخين غاية في الافتراق.. من بلد تصل درجة حرارته إلى 50 أو 60 مئوية، إلى بلد تصل درجة انجماده إلى 36 أو 45 تحت الصفر..
وإلى آخر تناقضات هذين الواقعين المختلفين سلوكاً وثقافة وفكراً وديناً ومجتمعاً وعاداتٍ والخ.. والخ..
وقد انعكست هذه المتناقضات على نصي بالدرجة الأولى, فحملت صوري الشعرية الكثير من هذه المرايا المتعاكسة.. التي تريك الوجود الإنساني بصوره المختلفة, وثقافاته وأحلامه وانكساراته المتدرجة، صعوداً وهبوطاً، بين الحرية والقمع، بين الانسحاق والأمل, بين الاستشراف والخيبات والخ.. والخ..
هل المنفى بالنسبة لك هو استراحة المحارب أم أنه معركة أخرى.. وكيف تخوضها؟
- لم يكن المنفى محطة راحة أبداً, رغم قسوة المحطات والدروب الوعرة التي سلكتها طيلة ربع قرن من تاريخ الكتابة.. لكنها بالتأكيد كانت محطة مختلفة, بابتعادها إلى حدّ ما عن مصدر الخطر الرئيسي على حياتي وقلمي, لكن الهواجس والكوابيس ظلت تطاردني باستمرار, وتقظ عليّ مضجعي وهدوئي في هذه البقعة الحالمة المتكئة على كتف القطب..
وكان هذا بصورة أو بأخرى محفزاً دائماً لي.. يضاف إليه اصراري الأبدي على مواصلة مشروع الكتابة رغم كل الضروف.. وما الكتابة – على مدار تاريخها- إلا معركة مستمرة ضد قوى الظلام وأعداء الحياة والجمال والحرية..
كيف تعاملت مع فكرة المنفى في الواقع؟ وما مردودها على شعرك؟
- لم يكن المنفى وليد لحظة خروجي من الوطن, بل كان يعيش داخلي وأنا داخل الوطن بالمعنى الذي عناه أبو حيان التوحيدي وهو يصف الغريب في وطنه بأنه أغرب الغرباء.. وتلك لعمري محنة لم تواجهني لوحدي أو تواجه جيلي فحسب, بل امتدت على مختلف الأجيال الشعرية في العراق تحديداً وفي الوطن العربي والأوطان المقهورة في العالم بهذا الشكل أو ذاك,..
فأنت يمكنك أن تجد لوعة الغربة وعذابات النفى مبثوثة في الكثير من نصوصنا التي كتبناها في الداخل، فكان المنفى الداخلي رمزاً للاغتراب عن الواقع الكابوسي الذي عشناه طيلة تلك السنوات المرّة..
غير انه حمل في بلاد الغربة رمزاً ومعنىً آخرين أقرب إلى الصليب والصرخة منه إلى الحنين والتأوه والاستذكار..
لماذا – أصلاً - قررت الاغتراب والنفي منذ البداية؟
- في الأجواء الكابوسية والقمعية التي عشناها في بلادنا, كانت مساحة الحرية المتاحة للكتابة تضيق وتضيق يوماً بعد الآخر, حتى لم يعد ثمة مساحة لأي كلمة خارج قوس الرقيب..
ولهذا كان لا بد من الهجرة حفاظاً على عافية نصي وحياتي, بمعنى انه لم يعد أمام الكتابة من خيار غير الاختناق أو الصمت أو التلوث أو الانفجار.. وكل تلك الخيارات صعبة أو مميتة إلى حد أنه لم يكن بالامكان المحافظة على قلمك ورأسك في آن..
وكيف خرجت من العراق.. ما ظروف خروجك؟
بعد عرض مسرحيتي "الذي ظل في هذيانه يقظاً" وما جرّت من تأويلات وملابسات ووشايات.. وايقاف عرضها, أصبحت كأني أقف على كف عفريت..
وحين وصلتني دعوة مهرجان جرش التي رتبها بعض الأصدقاء، خرجت من العراق إلى عمان صيف 1993، ثم تسللت عائلتي بعد ذلك لتستقر معي في ضروف غاية في الصعوبة, وبعد أن أصدرت "تحت سماء غريبة" أخذت أجهزة السفارة العراقية تضيق الخناق على أنفاسي وحركاتي وعملي في الصحافة.. وظلت تلاحقني من مكان إلى مكان وأنا انتقل من عمان إلى صنعاء فالخرطوم فدمشق فبيروت، وبعد صدور "نشيد أوروك" هناك وجدت أن وجودي فيها أصبح مستحيلاً فقررت منظمة un منحي حق اللجوء السياسي ورتبت سفري وعائلتي إلى أقصى الأرض, إلى السويد..
بعض المثقفين العرب الذين يعيشون في الغرب ينظرون إلى المقاومة العراقية الآن بأنها تخريبية.. كيف تراها أنت؟
- ليس هناك مثقف أو حزب أو شجرة أو موطن عاقل وشريف يقبل باحتلال وطنه.. مثلما ليس هناك عاقل وشريف يقبل بالدكتاتورية أيضاً..
لكن مقاومة الاحتلال لا تأتي عن طريق تفجير أنبوب غاز أو مجمع سكني أو تفخيخ مطعم أو قصف مرقد ديني أو مرقص..
يمكن للمقاومة الحقيقية أن تأخذ طرقاً آخرى غير هذا.. وتعتمد وسائل ناجعة تنظر بالدرجة الأولى إلى مصلحة الوطن والشعب قبل أي شيء..
rwayda
25-Oct-2008, 02:12 AM
احمد فؤاد نجم وتميم البرغوتى فى حوار مفتوح
على اليوتيوب
http://uk.youtube.com/watch?v=lI0Dvg...eature=related (http://uk.youtube.com/watch?v=lI0DvglDSVQ&feature=related)
rwayda
25-Oct-2008, 02:14 AM
حوار مع تميم البرغوتى منفرد
http://uk.youtube.com/watch?v=3fV8p3...eature=related (http://uk.youtube.com/watch?v=3fV8p36YIi8&feature=related)
saso
25-Oct-2008, 03:52 AM
مش لاقيه حاجة اقولها على المجهود ده
الا ان الموضوع مذهل
لو فى حاجة اكتر من التثبيت
يبقى اكيد الموضوع يستاهلها
تسلم ايديك يا كوكو
rwayda
28-Oct-2008, 02:57 PM
:noor (17)::noor (17)::noor (17)::
ايه التعليق الجميل ده يا عسل
ربنا يخليكي ليا
و يا رب يكون موضوع مفيد للكل
Sameh_ElAraby
28-Oct-2008, 06:45 PM
موضوع اكتر من رائع رويدا
مش عارف اقول اية تانى ، مجهود كبير فعلاً
rwayda
28-Oct-2008, 09:36 PM
ربنا يكرمك يا رب يا كبير
نورت الموضوع
rwayda
09-Dec-2008, 01:05 AM
حوار مع الشاعر المصرى محمد ابراهيم ابو سنة
http://www.asharqalawsat.com/2004/11/24/images/art.267246.jpg
القاهرة - العرب اونلاين - سمير درويش: عندمااستقبلنى حسب الموعد الذى اتفقنا عليه، وجدت عنده طالبة دراسات عليا تعد رسالةماجستير عن شعره هى ليست الأولى. حاول أن يؤجل الحديث قليلاً لما بعد طقوس الضيافة،ولكننى فضلت ألا أنتظر، كنت أحاول أن أكسر دفاعاته، لذلك قلت له إننى لم آتيهبأسئلة مسبقة، فاندهش، لكنه وجدها فرصة ليقول كل ما يريده وليقودنى إلى حيث يشاء،وذلك هو ما أردته بالضبط!
هذا هو الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة الذى أردتمواجهته لا حواره، فهو الذى قال: "الزمان اختلف"، فهل يؤمن بأن الزمان يختلف دائما؟من موقعك فى البرنامج الثقافى بالإذاعة المصرية، ومن خلال برنامجك ألوان منالشعر، استطعت أن تتابع الحركة الشعرية فى مصر بدقة. كيف ترى الواقع الشعرى الراهن؟الواقع الشعرى الراهن يتخذ صورة كرنفالية صارخة الألوان، ولكنها للأسف لا تنتمىللدلالة التى يعطيها الكرنفال، فهى صورة مأساوية إلى حد كبير، فبينما يتعاطفالروائيون والقصاصون بعضهم مع بعض كما نرى على صفحات الصحف الأدبية ، فإن الأجيالالشعرية تتناحر حول المساحات الضئيلة التى تركها الهامش الثقافى للشعر ، من الواضحأن ثمة موجة جديدة تتسلح بالقطيعة مع الواقع وتدعى التعالى عليه، وهذه الموجة فىالواقع لا يقتصر وجودها على الشعر النثري، بل هى ظاهرة واضحة فى كل الأقطارالعربية، وربما كان الشام مركزها وبؤرة إدارتها، وكذلك المغرب يعد جناحها الغربي،بينما تتناثر بقايا الموجة فى الجزيرة العربية والعراق وأطراف الأمة العربية، ويمكنأن نلاحظ أن بيروت والمغرب يستقبلان بصورة مباشرة انعكاسات التجارب الشعريةالفرنسية بشكل خاص، والأوروبية بشكل عام، ويعيدان تصديرها إلى العالم العربى ، هذابالإضافة إلى وجود صفحات ثقافية قوية فى الصحافة العربية التى تصدر فى العواصمالأوروبية، وهذه الصحف تتبنى شكلاً ربما يمكن أن نصفه بالتطرف فى الحداثة الشعرية،ويمكننا أن نتبين على ضوء المصادر والمراجع المتاحة أن ثمة منظمة لها فروعها ولهامركزها ولها سدنتها وكهنتها، هذه المنظمة تدير حركة الحداثة المعاصرة التى تتمثلتجلياتها فى أحدث الأصوات الشعرية التى تطالعنا الآن فى مصر والشام والعراق والمغرببما يسمى قصيدة النثر. ولا أظن أن المجال يتسع للخوض فى مرجعيات هذه الحداثةووثائقها، فهناك كتاب "سوزان برنار" وهناك نصوص "أدونيس" وكتابات "كمال أبو ديب" و"جابر عصفور" و"صلاح فضل" و"محمد بنيس"، هذه الموجة التى تشكل الآن الهامش الذىيحتل السياق الشعري، وشعراء هذا النموذج بعضهم يمتلك بكل تأكيد موهبة الخيال الخلاقوالدفقة الشعورية التى يمكن أن تصنع القصيدة، ولكن لا يوجد مبرر منطقى للغيابالمطلق للموسيقى فى هذه النماذج التى تتفجر بلون جديد من التعبير، ولكنها فى نفسالوقت لا تقنع الذوق العام بأنها تنتمى إلى الشعر، لأن الشعر فطرة موسيقية فى كلأبجديات العالم، ولست فى حاجة إلى تكرار الحجج التى سوف تضعنى فى صف الرجعيين الذينثرنا عليهم فى الستينيات، خاصة وأننى أنا نفسى كتبت قصيدة من قصائد النثر ، فالحركةالشعرية بإيجاز شديد تتمثل في: تراجع واضح لصوت الجيل الأول الذى ينتهى بالموت، فلميعد باقياً من الجيل الأول على قيد الحياة سوى عدد محدود من الشعراء الرواد، أماجيل الستينيات فيبدو أنه يضع اللمسات الأخيرة فوق تجربته التى نضجت، ولا أقول حتىاحترقت، بينما ينشط جيل السبعينيات، وربما أقول إن ما يمثل جسد الحركة الشعرية الآنهو عطاء جيل السبعينيات الذى يتدفق فى عدد من الدواوين المتميزة والتى أعتبرهاإضافة لحركة الشعر الحديث، إن هذا الجيل فى حاجة إلى الاهتمام لإعادة التوازن إلىالحركة الشعرية فى مواجهة هذا الاندياح النثرى ، إذن فنحن أمام ظاهرة تتمثل فىأربعة أشكال أو ألوان: ضمور إبداع الريادة، اكتمال شعر الستينيات، تدفق شعراءالسبعينيات، وصراخ التسعينيات بهدف الإعلان عن وجودهم? ثم هناك حيرة القارئ وحيرةالنقد وتعالى المنظمة الغامضة المريبة التى تقف وراء إدارة حركة الحداثة الشعرية.
دواووين جديدة
أنت الذى أطلقت أهم مقولة فى العقدين الأخيرين: الزمان اختلف، إلى أى مدى ـ إذن ـ ترى أن الزمان قد اختلف فعلا؟
إننى أبنىرؤيتى لعطاء شعراء السبعينيات الآن على أساس ما يصدر لهم من دواوين جديدة، وأرجومراجعة إصدارات حسن طلب وحلمى سالم وفريد أبو سعدة ووليد منير ومحمد سليمان وعبدالمنعم رمضان وجمال القصاص، واللبس قد حدث لأن النقاد الآن فى موقف لا يحسدون عليه،فهم إما أن يغامروا بالقطيعة مع الرأى العام كلياً ليدافعوا عن هذا الهلام النثرىالذى ينطلق بعيداً عن سياق القصيدة كما عرفها الشعر العربي، وإما أن يجازفوابالخروج من المرحلة، وكثير منهم يفضلون البقاء فى دائرة الاهتمام حتى ولو دافعوا عنالأوهام.
إن الزمان قد اختلف، وهذا واضح فى كل شيء، فى شكل الشعر الذى يكتبهالشعراء الجدد، وفى خطابهم النقدى الذى يكاد يكون بلا محتوى اجتماعى أو فكرى أوسياسى وإنما له دلالاته الاجتماعية والسيكولوجية، كما أن شكل الخطاب النقدى أيضاًقد ابتعد عن الأيديولوجية، ولكنه أخفق فى تأسيس معيار يمكن أن يكون أساساً للحواربين أطراف العملية الشعرية ، الزمان اختلف أيضاً، فالبعض يقول نحن فى عصر الرواية،بينما أرى أننا فى عصر الصورة.
إن عدد القراء ينحسر وتوزيع الكتب يتراجعوالاهتمام بالأدب يدخل الظلال المعتمة والثقافة بأكملها تتوارى فى الهامش الخلفىلهذا العصر الذى يضج بالمدهشات والمثيرات، إننى أدعو هؤلاء الذين يقتلهم الخيلاءوالزهو بأنفسهم أن يتأملوا قليلاً عدد قرائهم بعيداً عن أصدقائهم الذين ينافقونهم،وسيكتشفون أننا نعيش كارثة قرائية بالفعل، ولهذا فأنا أدعو إلى مراجعة الخطابالنقدي، وإلى مراجعة النموذج الشعري، وإلى التضامن بين المبدعين لمواجهة موقفهمالراهن خاصة وأننا أمام تدفق إبداعى وتراجع قرائى وجزر منفصلة لا تتداخل ولا تتحاورولا تتفاعل بين من يعتبرون أنفسهم ممثلين للعصر، وبين من يعتبرون أنفسهم واجهة.
إننا يا سيدى نواجه كرنفالاً حزيناً، وسيركاً ثقافياً يخلو من البهجة!!
rwayda
09-Dec-2008, 01:06 AM
تنوع ابداعي
الشعر العربى ـ خلافاً لما ذكرت ـ لم يكن له شكل ثابتحديدي، بل إن محاولات الخروج عن العمود قديمة ودائمة. وقلتَ أيضاً أنك كتبت قصيدةنثر: ألا ترى أن هناك تناقضاً فى أقوالك؟
أولاً: دعنى أؤكد أننى من أنصارالتنوع الإبداعي، ولكننى ضد الإرهاب الشعرى القائم حالياً، فهناك محاولات لنفىالأصوات الشعرية المغايرة، وتعميم نموذج قصيدة النثر بإطلاق الرصاص على قصيدةالتفعيلة، فضلاً عن القصيدة العمودية التى يتصور البعض أن أحداً لم يعد يقرأها،بينما هذا ليس صحيحاً، إننى أؤمن بأن النهضة الحقيقية تحمل فى ثناياها التنوع، وأنالزخم الإبداعى الشعرى يدفع إلى ابتكار أساليب جديدة ومتنوعة، بينما تدعو الحاجةأيضاً إلى الحفاظ على التراث الشعرى الذى يمتد إلى ألف وخمسمائة عام باعتبارهمحيطاً حيوياً لتنفس التجربة الشعرية ، إننا دائماً فى ثقافتنا العربية ندعو إلىوحدة الصوت، وإلى اختزال المجموع فى واحد، هذه روح القبيلة التى تؤمن بهيمنة البطلالفرد.
إننى لا أريد أن أنفى قصيدة النثر، بل أرى فى بعض نماذجها نوعاً منالخيال الخلاق، ولا أدعو إلى نفى شعراء قصيدة النثر، بل أدعو بالعكس إلى منحهمالفرصة كاملة للتفتح والنمو والازدهار والنضج، لأننا سنرى قطافاً شعرياً مختلفاًبعد سنوات من الآن كما حدث بالضبط مع شعراء السبعينيات ، إن ما يزعجنى هو الإرهابالشعرى ونفى الآخرين وإخلاء الساحة لبعض المهرة من الحواة الذين يخرجون لنا القططالبيضاء من القبعات السوداء، أو القطط السوداء من القبعات البيضاء ، إن النقدالأدبى يتعالى على الواقع لأنه يريد أن يؤسس مجده الخاص بوحى من النرجسية النقدية،ولابد أن نسلم إذا كنا نؤمن بمقولة "الزمان اختلف" ـ أننا فى حاجة إلى خطاب جديد فىالشعر والقصة والرواية.. إلخ، ولكن أيضاً علينا أن نعلم أننا نتواصل بلغة بشرية هىأداة الكاتب، وإذا لم تكن هذه اللغة قادرة على القيام برسالتها وباعتبارها أداةاتصال فإننا نكون قد فشلنا فى المهمة الأدبية بأكملها أما أننى كتبت قصيدة النثرفلأننى حاولت دائماً أن أطور تجربتى والخروج بها من أفق الغنائية مرة إلى الدرامامرة ثانية، والكتابة بهذا الشكل تعنى طموحاً لملامسة آفاق جديدة فى التجربةالشعرية، ولكننى لم أعد منذ السبعينيات لكتابة قصيدة النثر مرة أخرى. ويثير دهشتىأن بعضاً من شعراء السبعينيات الذين استطاعوا الوصول إلى أصواتهم الخاصة وتأسيسبنية إيقاعية مختلفةقد خضعوا للإرهاب الشعرى وانفرطت تجربتهم فى كتابات نثريةهلامية، ومنذ أعوام قليلة قرأت ديواناً لشاعر سورى هو "نزيه أبو عفش" بعنوان "مايشبه كلاماً أخيراً" ووجدت هذا الشاعر يقدم نموذجاً متفجراً لما أسميه الخيالالخلاق والإيقاع التفعيلى وحداثة الرؤية، وتساءلت: ألا يعد هذا النموذج حلاً للمشكلالشعرى الآن؟إننى على ثقة بأن مقولة: "الزمان اختلف"، تعمل فى كل وقت، ولهذافإننى أقول للنقاد وللقراء وللشعراء: سوف ينتهى الكرنفال وستأتى القصيدة مشبعةبخبرة الأجيال كلها، قصيدة لا تنفى غيرها، بل تستوعب هذا الغير وتحمله فى أحشائها،وتقدمه لاختبار الزمن.
منابر متعددة
قلتَ إن الأجيال الشعرية الجديدة تمارس إرهاباً شعرياً يحاولون به فرض نموذج ضعيف. وأنا أسألك: أى سلاح يمتلكونه ليفرضوا به رؤيتهم؟
ثم ألا تعتقد أنك شخصياً تمارس نوعاً من هذا الإرهاب حين تعارض بقسوة حصول إحدى قصائد هؤلاء الشعراء على جائزة من لجنة الشعر من المجلس الأعلى للثقافة وأنت أحد أعضائها؟ وألا ترى أن عدم إذاعتك لبعض هذه النماذج التى أصبحت طاغية نوع من الإرهاب والنفى أيضاً؟
الشعراء الجدد يمتلكون منابر متعددة على صفحات صحف المعارضة، وينعمون برعاية بعض المؤسسات الثقافية، وهم يمتلكون أسلحة الحوارات التى يجرونها على صفحات المجلات والصحف، وأسلحة الكلمة غير المسئولة، وحولهم أصدقاؤهم الذين يباركون أوهامهم ، أما أننى أمارس هذا الإرهاب بمعارضتى لحصول شعراء قصيدة النثر على جائزة الدولة التشجيعية فهذا مرتبط بقناعتى أن الإيقاع هو عصب الشعر فى كل لغات العالم وليس فى اللغة العربية وحدها، وأننا لو تخلينا عن هذا العنصر الفارق فستحل الفوضى، ولا معنى لأن تكون هناك أصلاً لجنة للشعر فى المجلس الأعلى للثقافة، وكثير مما قرأته من نماذج قصيدة النثر يلتقى مع ما قرأته لبعض القاصات والقاصين الذين يكتبون خواطر درامية حول تجارب ذاتية.
إذن فأنا أتصور أننى أدافع عن المفاهيم التى أؤمن بها ولا أمارس أى لون من الإرهاب ، وفيما يتعلق بإذاعة هذا اللون فى برنامج "ألوان من الشعر" فإن ما يحكمنى ليس ذوقى فقط ولكن لوائح العمل، فهناك لائحة تقرر أن الشعر لابد أن يكون موزوناً، وكلمة موزون تعني: لابد أن تكون التفعيلة العروضية أساساً للنسيج اللغوى لبناء القصيدة. إننى لا أدافع عن نفسى إذا قلت إننى متفتح دائماً للأشياء الجميلة فى النثر والشعر ولا يمكن أن أقف ضد جيل جديد، ولكن من حقى أن أكون مخلصاً للمفاهيم التى آمنت بها وللخبرة التى اكتسبتها وللمبدأ الذى يلزمنى بقدر من الضوابط فى عملي، ولا يمكن أن يصح أن أمارس الإرهاب وأنا أدعو إلى مقاومته، بل إننى أؤمن بحرية المبدع شاعراً كان أو قصاصاً، ولا أقبل وصاية أحد على الإبداع.
كل ما أطالب به أن نمتنع عن نفى الآخرين ومصادرتهم ومحاولة فرض أنفسنا بوسائل بعيدة عن النصوص الشعرية ذاتها.
الوجدان العام
فى حديثك ـ أيضا ـ ذكرت أن الشعر الحديث بلا جمهور حقيقي، قل لى ـ إذن ـ ماذا فعل الشعر الذى كان له جمهوره فى الواقع الثقافى العربى عامة؟ بمعنى أدق: ما الذى أوصلنا إلى هذا التردى الثقافى ـ إذا كان ثمة تردٍّ ـ الحالي؟ غير أننى أرى أن الشعر لم يكن له جمهور أصلاً، فى العصر الحديث على الأقل?
لقد استطاع الشعر خلال الستينيات أن يصل إلى الوجدان العام وأن يثير فى هذا الوجدان الإحساس بالجمال والإيمان بالعدالة الاجتماعية والتطلع إلى المستقبل وتقديس الحرية، ولا تستطيع أن تنكر أن الشعر كان مقروءاً خلال الخمسينيات والستينيات على نطاق واسع، وأن حركة الانحسار بدأت مع محاولات القطيعة مع كل المصادر الشعرية السابقة التى بدأها شعراء السبعينيات.
إن الغموض الذى كان سمة النموذج الشعرى فى مطلع الستينيات، والتباس الحركة النقدية مع الاندفاع ـ أو الهرولة ـ مع ما يسمى بـ"البنيوية" فى النقد وهدم الجسور مع شعراء الريادة والستينيات هو الذى أدى إلى التردى الشعرى وليس الثقافي، بمعنى هبوط حركة القراءة للشعر كما تشير بعض الإحصاءات ، أما ماذا فعل الشعر، فإن الشعر ليس مسئولاً وحده عن كل ما حل بالأمة العربية من كوارث، فهل كان الشعر مسئولاً عن نكسة 5 يونيو 1967؟
بل على العكس، كان الشعر يوحى بكارثة قادمة ويلمّح إلى أن الطغيان دائماً يمهد للهزائم. هل كان الشعر وراء حروب الخليج؟ إن الشعر كان ضحية فى كل الأحوال، والشعر الحقيقى يجد دائماً طريقه إلى قلب الأمة، ومازالت هناك قصائد، ومازال هناك شعراء يستطيعون أن يلمسوا الأوتار والأعصاب الداخلية للوجدان العربي. إننى لا أنحرف بالحوار إلى خطاب سياسى إذا قلت إن القصيدة التى لا يقرؤها أحد قصيدة لم تكتب ، مرة أخرى أحب أن أؤكد أننى لست ضد الأجيال الجديدة، بل أدعو إلى انتظارها على بعد عشر سنوات من الآن، فقط أدعو إلى وقف الحروب الشعرية وإلى أن يتخلص النقد من زهوه بنفسه، وأن تنفتح المنظومة الغامضة للحداثة على الواقع الشعرى بصورة موضوعية، لأننا فعلاً أمام محاولات أكاد أتهمها بالتخريب تسعى إلى اختزال الواقع الشعرى فى صوت أو صوتين وإعداد مقبرة هائلة للشعراء العرب جميعاً باستثناء أعضاء نادى الحداثة التى تحتاج إلى كثير من الحوار والجدل والتقصى للوقوف على الحقائق الشعرية من أجل هذا الفن العزيز على كل شاعر وقارئ ومحب للأدب.
ذكرت أن هناك بعض النماذج الشعرية الحديثة التى تتفجر بالخيال الخلاق، هل تذكر لنا بعضاً منها؟
فاطمة قنديل وشريف رزق وعماد أبو صالح وعلى منصور وبعض نماذج حلمى سالم وبعض نماذج صلاح اللقانى وعبد المنعم رمضان وأسماء أخرى واعدة ، ودعنى أطلق نبوءة فى النهاية: إن الشعر سيعود ليعبّر من جديد عن جوهره الحقيقى من خلال الإيقاع والخيال الخلاق والبنية الدرامية والرؤية الجديدة مع انعكاف الثقافة العربية نحو النهضة ورؤية الواقع بطريقة يفرضها هذا التفجر العلمى والإعلامى الذى سيؤثر بكل تأكيد على الثقافة العربية ، ودعنى أطلق نبوءة أخرى: إن مصير الشعر مرتبط بمصير هذه الأمة التى يصعب أن أصدق أنها سوف تستمر فى هذا التمزق والغياب القومى والانكفاء الإقليمي.
إن الشعر ـ هذا اللهب المقدس ـ يرفع ألوية كثيرة، ولكنه فى جوهره نشيد عميق للروح الإنسانية فى فرحها الغامر وحزنها العميق.
عذب الكلام
14-Mar-2009, 08:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
انا مش هعلق لكن هكتب عشان معيش حبل ونسيتى حاجة الشاعر العالمى الاول شعبان كمال شعبان تعرفى واللة كلامك دة جميل ومميز ورائع
لكن انا مقراتهوش كلة بس قرات مقتتفات سريعة
وانا بحب القراءة موت بس الاكتر بحب الادب الانجليزى
وسعات بكتب قصص وخواطر
وعشان مطولش عليكى تسلم العين الى قرءات والايد الى كتبت لكى كل حبى واحترامى
rwayda
28-May-2009, 09:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
انا مش هعلق لكن هكتب عشان معيش حبل ونسيتى حاجة الشاعر العالمى الاول شعبان كمال شعبان تعرفى واللة كلامك دة جميل ومميز ورائع
لكن انا مقراتهوش كلة بس قرات مقتتفات سريعة
وانا بحب القراءة موت بس الاكتر بحب الادب الانجليزى
وسعات بكتب قصص وخواطر
وعشان مطولش عليكى تسلم العين الى قرءات والايد الى كتبت لكى كل حبى واحترامى
تسلم يا شعبان
الف شكر لردك الجميل
rwayda
01-Jun-2009, 03:20 PM
حوار مع الكاتبة الكندية أليس مونرو
-أبطال قصصي يعيشون خارج النص-
بمناسبة صدور كتابها «هروب» أجرى محرر ريدنغ غروب سنتر مع الكاتبة الكندية أليس مونرو حواراً حول تجربتها في كتابة القصة القصيرة (الطويلة) وتقنياتها الإبداعية ومحاولاتها التجديدية إضافة إلى الأسئلة التي تحوم حول أهمية ما تقدمه بالنسبة للقصة المعاصرة عموماً.
ـ ما الذي يثير اهتمامك في القصة القصيرة ولا تجدينه بالمقابل في الرواية؟
ـ يبدو أنني أكتب قصصاً تخرق ما جرت عليه تقاليد كتابة القصة القصيرة كما لا تلتزم بما تنص عليه قوانين التطور بالنسبة للرواية.
الواقع أنني لا أفكر في شكل معين، وإنما أفكر في الإبداع القصصي، ولنقل القليل من الإبداع. ما الذي أنوي القيام به؟ هل أسعى إلى سرد قصة، حسب المفهوم التقليدي السائد، هل أريد التحدث عما يجري لأحدهم، ولكنني أرغب في أن يسرد «ذلك الذي يحدث له» بنوع من التدخل، و الاختلاف، والغرابة.
أرغب في أن يشعر القارئ بأن هنالك ما هو مثير للدهشة، غير أن ذلك لا يعني « ما يحدث» وإنما الطريقة التي يحدث بها أي شيء. إن هذه القصص القصيرة الطويلة هي التي تحقق لي ذلك، على نحو أفضل.
ـ من أين تأتيك فكرة القصة أو فكرة الكتابة عن شخصية معينة؟
ـ على الرغم من أن فكرة القصة تبدأ أحياناً من الذاكرة، حكاية معينة في الذاكرة، إلا أن ذلك غالباً ما يتلاشى ويتحول إلى شيء لا يمكن إدراكه في النهاية.
لنفترض أنك تختزل في ذاكرتك حكاية عن،امرأة شابة تهبط من أحد القطارات مرتدية فستان زفاف في منتهى الأناقة وأن عائلتها مكرهة على النزول بها إلى موقف مذل مثلما حدث لي ذات مرة، ثم تصبح هذه الحكاية بشكل أو بآخر حكاية زوجة تتعافى من انهيار عقلي، يستقبلها زوجها وأمه وممرضة الأم التي لا علم للزوج بعد أنه يحبها.
كيف حدث ذلك؟ لا أدري؟
ـ ما هي طقوسك الكتابية، هل تستخدمين الكمبيوتر؟ هل تكتبين يوميا ؟ صباحاً أم مساءً؟ كم من الوقت تحتاجين لكي تكملي القصة؟
ـ رغم أنني استخدم الكمبيوتر منذ عام واحد فقط، الحقيقة أنني متعاملة بطيئة مع التكنولوجيا الحديثة، حتى أنه لا يوجد لدي ميكروويف في المنزل، إلا أنني أقوم بكتابة نسخة أو نسختين من أي عمل باليد قبل طباعته بالكمبيوتر. وعلى الرغم من أن كتابة القصة قد تستغرق شهرين، إلا أن هذا نادر الحدوث بالنسبة لي.
إن كتابة القصة تستغرق ما بين ستة وثمانية أشهر، تحدث خلالها الكثير من التغييرات، و القلق واليأس. إنني اكتب يومياً إلا إذا كان هنالك ما تستحيل معه الكتابة كما أنني اكتب فور استيقاظي واحتسائي القهوة قبل انشغالي بأمور الحياة اليومية.
ـ ما هي النصيحة التي تقدمينها للكتاب الشباب؟
ـ ليس من السهل أن تقدم النصيحة لكاتب شاب حيث كل واحد من هؤلاء يختلف عن غيره. أن تقول له «اقرأ» بإمكانه أن يقرأ كثيراً حتى يشل تفكيره. أو «لا تقرأ، لا تفكر، ما عليك إلا أن تكتب»، وتكون النتيجة المزيد من الهراء.
لو أردت أن تكون كاتباً فإن من المحتمل أن تتعثر لكي تصل إلى غايتك في النهاية، وتستمر محاولاتك لتطوير نفسك لأنك تريد ذلك، حتى عندما تكبر وتقول لنفسك «لا بد من أن يتكون هنالك أشياء أخرى يسعى الناس إلى تحقيقها» لن تتوقف أبداً.
ـ من هم الكتاب الذين تأثرت بهم ومن هم كتابك المفضلون؟
ـ في سن مبكرة كنت أقرأ لإيدورا ولتي، كاثرين آن بورتر، فلاني أوكونور.
بعد ذلك قرأت لجون أبدايك، جويس كارول أوتيس، ثم استمرت قراءتي لوليم ماكسويل.
قرأت كذلك أيدنا أوبراين، و ريتشارد فورد. أما اكتشافي الأخير فهو كاتب ألماني يدعى نوتبوم.
الواقع أنني لا أميل إلى سرد قائمة من الأسماء خشية أن أكون قد نسيت واحداً من هؤلاء الكتاب الرائعين.
ولهذا تجدني آتي على ذكر هؤلاء الذين تأثرت بهم وليس أولئك الذين أمتعتني قراءتهم.
ـ لقد أطلقت عليك سنثيا أوزيك لقب «تشيخوفنا» كيف تشعرين تجاه هذه المقارنة؟
ـ لقد أعدت قراءة معظم ما كتبه تشيخوف مؤخراً وكانت تجربة متواضعة.
غير أنني لا أقول حتى أنني تأثرت بتشيخوف لأنه أثر فينا كلنا. تماماً كما هو شكسبير الذي تصل كتابته إلى حد الكمال، حيث لا تكلف ولا ذاتية.حقيقة، وبكل تأكيد، ألا يسعدني أن افعل هذا الشيء!
ـ لقد أشاد بك الكثير من النقاد نظراً لقدرتك على جعل الحياة تسري في كل ما تكتبينه. كيف تعملين على تحقيق مثل هذا الإنجاز الفذ؟
ـ الواقع أنني أعرف شخوصي معرفة عميقة باستمرار.. ما الذي يفضلون ارتداءه ما هي الصورة التي كانوا عليها في مرحلة الدراسة،الخ... كما أعرف ما حدث لهم من قبل وما سيحدث لهم لاحقاً، إنني لا أراهم محصورين فقط في تلك اللحظة التي أكتب فيها عنهم.
بقلم: مريم جمعه فرج
rwayda
01-Jun-2009, 03:22 PM
حوار مع الشاعر مريد البرغوثي
الشـاعـر مـريـد البـرغـوثـي يـقـول:
* كل قصيدة جديدة يكتبها الشاعر هي اقتراح بتعريف الشعر.
* شعر المقاومة تسمية أطلقها أولئك النقاد الطيبون الذين أصفهم بـ " نقاد التضامن".
* التمرد على أشكال التعبير السائدة المقولبة ليس خياراً للشاعر بل هو الطريق الأوحد لجعل ما نكتبه مؤثراً.
* من مزالق الكتابة الشعرية اضطرارها للتعامل مع الحدث.
* على الشاعر أن يجد حلولاً فنية تقنية (أي جمالية) تبرر اتخاذ القصيدة هذا الشكل أو ذاك.
* أشتغل منذ فترة طويلة على ما أسميه "تبريد اللغة ".
* الغضب عتبة من عتبات الفعل، بينما الحنين هو عتبة من عتبات العجز الرومانسي، ويا ليت الحياة تركت لنا الرومانسية.
* المرأة ليست "موضوعاً" خارجياً للتعاطف أو الاحتقار، التكريم أو الإهانة.
* البشرية الآن أحوج ما تكون إلى مثقفيها الأحرار وإلى تماسكهم في جبهة واحدة تقف في وجه ثقافة البنتاجون.
الشاعر مريد البرغوثي لا يقفز عالياً فوق واقعنا المأساوي وظرفنا التاريخي الحاذق، ولا ينزه أحزاننا كمعظم الشعراء هواة البكائيات، إنما يسكن عمق لحظات واقعنا الحاسمة،ويدقق فيها بعين المتأمل الحكيم الثاقبة القادرة علي الرؤية وتخليق الرؤيا ويعود إلينا بملحمة شعرية تأسطر الواقع، أو بهمس حميم ، أو بنشيد غاضب يجعلنا نغضب علي أنفسنا أولاً قبل الآخر،أو بنصوص تصورها كاميرا ناطقة تتجاوز لغة الكاميرا المعروفة في نقل الواقع السالب كما هو عليه،لكنه يغوص في التفاصيل الإنسانية في كافة لحيطانها ،في ضعفها،قوتها ، لزوجة حيادها. الشاعر مريد البرغوثي أحد قلائل الشعراء الذين تقرأ لهم فتتجدد لديك الاستعدادات للحياة، ونصه الشعري يجعلك تحنو دائما علي ذاتك من عبء الماضي والحاضر والآتي ،وتنفض عنها غبار الأوجاع ، وتشعل كل شموعها المنطفئة وينمو الأمل فيها من جديد ويضخ العافية النفسية والجسدية في العروق والروح، نصه يعلمنا بدايات الرفي